أنا صديق الوحدة ولا أشكوها كما يفعل الآخرون، بل وأنها تؤنسني أفضل من نفاق المحيطين بي. إن شخصاً مثلي تذوق سُم البهتان والخذلان من القريب قبل الغريب، يفضل ضجيج ذاته عن أصوات البشر. أنا أفهم ذاتي، هم لا يفهمونني. دائماً أشعر أنني محطم وعلى شفا خطوة من فقدان العقل، ولكن يُسعدني أن كلماتي تصل لأعمق نقطة داخل قلب أحدهم، فيشعر بي ويدعو لي دعوة صادقة. تلك الدعوة تكون بمثابة طاقة لأكمل الطريق الطويل، أكمله وحدي كما توقعت.
انتظرت فاطمة الرد على رسالتها تلك التي أرسلتها للكاتبة بيان، بل وأنها من شدة قلقها لتأخير الرد ظلت تحرك قدميها بتوتر وهي تعض شفتها السفلى. بعد مرور نصف ساعة دخل زوجها ليقول بنبرة مريحة: "الشوط الأول من الماتش خلص، ينفع تعمليلي حاجة تصبيرة لإني واقع من الجوع؟ رفعت فاطمة رأسها لتنظر لزوجها وتقول: "كنت متبلة شوية بانيه، هقوم أقطعهم وأعملهم حالاً."
وضعت هاتفها على الفراش لتقوم للمطبخ. جلس زوجها أمام التلفاز والإعلانات لا تنتهي، حتى أن الاستوديو التحليلي للشوط الأول لم يذاع حتى الآن. شريط أزرق في نهاية الشاشة ظهر فجأة وكُتب عليه: "عااجل، الكاتبة بيان مؤلفة الرواية الشهيرة التفاح الذهبي تعرضت لحادث سير انتقلت إثره إلى المشفى." عقد زوج فاطمة حاجبيه وهو يقول لزوجته بصوت مرتفع: "فاطمة! تعالي بصي كدا؟
تركت فاطمة ما بيدها وهي تمسك بمنشفة المطبخ تجفف يدها. عندما قامت بقراءة الخبر تذكرت نظرة الخوف التي اعتلت وجه بيان، وكلمة "ساعديني" البديلة للإهداء. فما كان من فاطمة إلا أن وضعت يدها على فمها وبدأت في بكاء مؤثر صامت وزوجها يحتضنها نظراً لمعرفته أن زوجته تحب تلك الكاتبة كثيراً. *** في فيلا قاسم الكاشف
جلس عمر على الفراش وهو ينظر لهاتفه بتوتر. يود أن يرى أن غزل قامت بقبول طلب صداقته. لا يعلم لما يشعر بالخوف عليها، ويتذكر عينيها الصافيتين اللتان تنظران إلى اللاشيء وهي تتحدث. تنهد تنهيدة عميقة قبل أن تقتحم تيا شقيقته الغرفة لتقول: "بابي عاوزنا تحت." نظر لها عمر بطرف عينه ثم قال: "عاوزنا ليه؟ هو مش سحب الفيزا وعاقبنا خلاص؟ لوت تيا شفتيها علامة أنها لا تعلم شيئاً ثم قالت:
"معرفش يا عمر والله، هو طلبني أنا كمان معاكم رغم إني كنت معاه امبارح ومعملتش حاجة." قام عمر من فراشه ثم قال: "إمشي قدامي." نزل درج الفيلا برفقة شقيقته الصغرى ليجد والده يقف برفقة والدته ريما وكلاهما يرتدي ملابس للخروج. عقد عمر حاجبيه وهو يرى عامر يقف أمامهم بدون كلام ليقول: "خارجين ولا إيه؟ أخرج قاسم مفاتيح سيارته ليقول بغلظة:
"لو معندكش مانع، أنا وأمكم هنبات برا البيت النهارده، يعني البيت النهارده كله مسؤوليتكم يا أبطال." عمر بهدوء: "لا مش فاهم، مسؤوليتنا إزاي؟ قاسم بهدوء: "يعني أنا مخليتش أمك تمد إيديها في المواعين بتاعة الغدا، ف هتغسلوها. شوف واجب أختك وساعدها في دا مش عيب ولا غلط. اقعد ذاكرلك كلمتين من محاضراتك اللي إنت مهمشها دي ولا كأنك خريج كلية وبتشتغل." عمر بضيق: "هو حضرتك مش عاقبتنا بالفيزا؟ لعق قاسم شفتيه ثم قال:
"وعاوز أعاقبكم بأشغال البيت، في اعتراض؟ ريما بحكمة: "وخاصةً الأبلة تيا، عاوزة أفرح بيها إنها مسؤولة عن بيت وست بيت شاطرة، ماشي يا ماما؟ تيا بابتسامة صغيرة: "حاضر." عمر باعتراض: "أذاكر لأختي! ما تتنيل هي تذاكر لوحدها! قاسم بشدة: "ولد! عاوزين نمشي مرتاحين." ريما بقلق وهي تنظر لعمر: "يا حبيبي إنت متغدتش، طبقك مجهزاه عشانك في الميكرويف سخنه بس." قاسم بحزم: "سمعتوا؟
كله خرج يتفسح وأمكم قاعدة ف النهارده يومها هخرجها بنفسي، وزي ما قولتلكم المواعين وواجب أختكم كله عليكم، يلا بالتوفيق." خرج قاسم برفقة ريما تاركاً عمر يتوسط أشقاءه وهو يضع يديه بخصره قائلاً بضيق: "أبوك عامل زي المستر اللي يجبلك امتحان ويكتبلك في الآخر بالتوفيق." وضع عامر إصبعه في فمه يقضم أظافره ثم قال بتوتر: "طب إيه نستناك تتغدى ولا نعمل إيه؟ نظر عمر لشقيقه وهو يقول: "إنت فاكرني هعمل اللي أبوك قاله دا؟
لا يعاقبني عقاب يليق بيا، مش يقولك مواعين وواجب أم حسين." تيا باعتراض: "إيه أم حسين دي؟ صفعها عمر على رأسها بخفة وهو يقول: "بس يا بت، فكك يا عم عامر من الحوار دا إحنا راجعين من سفر خلينا نتفرج على ماتش كورة ولا بتاع." عامر بتفهم: "مينفعش يا عمر، أنا عارف إن كرامتك ناقحة عليك من ناحية الفيزا اللي أبوك سحبها بس فكر معايا بالعقل، هنصرف منين لحد ما نلاقي شغل!
أبوك ملزم يصرف علينا لحد ما نخلص دراستنا، يعني مفيهاش إحراج. تاني حاجة لو جه بجد وملقاش اللي قاله معمول هيرخم علينا في حوار الخروجات وانت أكيد مش هتحب كدا." عمر بغضب: "يعني عاوز إيه أنت عشان مسبلكم شقة البيت دا وأمشي؟! *** بعد 10 دقائق وقف عمر أمام الصحون المتسخة ليقول بصدمة: "كل دي أطباق وحلل وسخة؟ إنتوا كام فرد عشان الكمية دي كلها؟ عامر بهدوء: "سلطات وشوربة وسرفيس ومعالق دا غير حلل الطبيخ." عمر باعتراض:
"وأمك عشان تبان كلاس تطلع عين أهلي أنا؟ أنا مش همد إيدي في الكلام الفاضي دا خلي أختك تيا تيجي تشطفهم." عامر بصدمة: "تيا إيه، دي هتغرق السجاد والدنيا واحتمال تكسر حاجة. بص أنا معاك هنضف من حواليك الرخام والأرض هكنسها بالمكنسة." عمر بضيق: "وهاتي أختك تساعدنا." عامر بهدوء: "حاضر، يا أم حسين." تيا بصوت مرتفع: "يووووه." حضرت تيا إلى المطبخ وهي تتأفف وتقول: "أنا برتب الكنب بتاع الـ TV room." عمر بضيق:
"لا خليكي جنبي عشان هغسل الأطباق وإنتي هتنشفيها بالفوطة." تيا باعتراض: "مش عاوزة وهبل هدومي." عامر بهدوء: "عشان خاطري يا توت، مش بتحبيني؟ تيا بابتسامة: "بحبك عشان إنت طيب." عمر بضيق: "إخلصي بس." اتجه عامر للثلاجة وهو يخرج صحنين ويقوم بإلقاء الطعام منهما ثم وضعهما أمام عمر. رمقه عمر بنظرة ذات معنى ثم قال: "بجد والله؟ عامر رفع أكتافه باستسلام ثم قال: "ما لازم يتغسلوا طيب، خلاص هانت." *** في أحد المستشفيات الطبيب:
"كسور في منطقة الإيد اليمنى جبسناها، وخبطة قوية في الرأس نظراً لإنها كانت سايقة. السؤال بما إن حضرتك بتقولي إنها كاتبة وكانت في حفلة توقيع، ليه محدش من حضراتكم كان معاها كدعم معنوي في يوم زي دا؟ شقيق بيان بدموع باهتة:
"هي عايشة لوحدها بقالها سنة.. والتواصل بيننا مش أوي بسبب خلافات عائلية، وكمان دا مش أول حفل توقيع لبيان. هي مشهورة وأحد الإنتاج السينمائي تواصل معاها عشان يحول روايتها لفيلم ف عندها ثقة داخلية تروح حفلات لوحدها وهكذا." الطبيب بهدوء: "أنا أقصد كمرافق طريق لإنها أكيد تعبت من يوم طويل وحبت حد يصحصحها وهي سايقة وهكذا. ربنا يقومها بالسلامة. خبطة الراس دخلتها في غيبوبة مؤقتة لكن هتقوم منها."
انصرف الطبيب ووقف شقيق بيان ينظر لها من خلف الزجاج وكأنها في ملكوت آخر، وقد لف راسها وذراعها بشاش. متعلقاتها الشخصية كانت بين يديه، ومنهم كتابها الذي قامت بتوقيعه قبل الحادث "ما يحدث وراء الكواليس". كان عبد الرحمن يفتح بيده الصفحة الأولى من الكتاب ليجد بيان كتبت كمقدمة: "ما ستقرأه الآن ليس مزج من خيالي، بل من واقع لم أستطع التغاضي عنه.. بين يديك الآن سيدي القارئ، ما يحدث وراء كواليس ال... وضعت نقاط ولم تذكر اسم محدد!
قبل أن يقلب تلك الصفحة حتى يبدأ في قراءة الكتاب ولكن باغته صوت فتاة باكية تركض باتجاهه وهي تقول بانهيار: "بيان حصلها إيه يا عبد الرحمن؟ احتضن عبد الرحمن صديقة بيان التي تربت معهم منذ صغرها ليقول: "حادثة عربية ودخلت غيبوبة مؤقتة، ادعيلها. إنتي الوحيدة اللي كنتي على تواصل معاها يا صابرين." صابرين ببكاء: "وكنت بكلمها وهي رايحة حفلة التوقيع كانت خايفة، كنت بطمنها وبهديها." عبد الرحمن بشك: "خايفة من إيه؟
دي مش أول حفلة توقيع ليها عشان تخاف." نظرت له صابرين بريبة ولم ترد. *** في فيلا قاسم الكاشف ما أن انتهى عمر من غسل الأطباق حتى صعد لغرفته مرة أخرى وجلس على الفراش. مد ظهره للخلف على الفراش وهو ينظر لهاتفه الذي ألقاه قبل خروجه مرة أخرى حتى وجد غزل قد أرسلت له رسالة. اعتدل مرة واحدة ثم وجد تسجيل صوتي بصوتها تقول به:
"أنا آسفة يا عمر إني سببتلك المشاكل دي مع عيلتك. أموري هقدر أتصرف بيها، منار قرأت لي رسالتك فحبيت أسجلك بصوتي. وربنا يوفقك في حياتك." نظر عمر لشاشة الهاتف بصدمة وهو يكتب بغضب: "هو أنا اشتكيتلك من أي مشاكل؟ أنا حابب أساعدك ومشتكيتش.. وظهور والدي فجأة في الشاليه فاجئني أنا كمان، على الأقل احكيلي من الراجل دا اللي بسببه ركبتوا معايا في العربية! لم يصل رد منها إطلاقاً، فوضع الهاتف بجانبه بخيبة أمل وهو يتنهد.
قام بتغيير ملابسه ثم جلس على فراشه مرة أخرى وهو ينظر للهاتف في انتظار صوت إشعار الرسالة. ماذا يحدث؟ لماذا هو مهتم إلى تلك الدرجة! ليست ماهيته أن يهتم بالآخرين لتلك الدرجة. ثم خطر في رأسه فكرة ما، ماذا لو قام بتهكير حسابها الشخصي على الفيس بوك؟ *** في المشفى
فتحت عينيها بصعوبة وكأن ثقلاً ما يستقر فوقهما. نظرت يميناً ويساراً وهي لا تستطيع تحريك يدها أو رأسها وهناك بعض الرضوض المتفرقة في قدميها، حتى اتضحت الرؤية من حولها. مكان متشح باللون الأبيض. دب الخوف لقلبها مرة أخرى وهي تتذكر تلك السيارة التي تعمدت صدمت سيارتها من الأمام. لقد فعلوها! وكادوا أن يقتلوها بالفعل. حركت شفتيها بتعب شديد والثقل فوق عينيها وداخل رأسها يكادوا أن يفتكوا بها.
حتى دخلت الممرضة بعربة بها مجموعة أدوية وشاش طبي لتضعه داخل الغرفة، وجدت بيان قد استيقظت وتنظُر لها بعينين صغيرتين. الممرضة بسعادة: "حمد الله على السلامة، دا إحنا حسبنا الغيبوبة دي هتقعد يومين على الأقل، متوقعناش تفوقي في نفس اليوم." حركت بيان شفتيها المتشققتين بتعب فخرجت الطبيبة وهي تقول: "الحالة فاقت يا دكتور."
مر عشر دقائق قبل أن يقتحم الطبيب الغرفة وبيده كشاف، رفع جفنيها للأعلى وهو يسلط الضوء داخل عينيها ف تحسست من الضوء وأغلقت عينيها سريعاً نظراً لأنها لا تستطيع تحريك عنقها. الطبيب بابتسامة: "هايل، إنتي في كامل وعيك. اتعرضتي لحادث بس سببلك كسر في دراعك اليمين وخبطة في راسك دخلتك في غيبوبة بس إنتي فوقتي منها أهو." نظرت له بيان وهي تحرك شفتيها بشيء ما.
نظر لها الطبيب محاولاً معرفة ما تريد غزل قوله، وعندما فشل في معرفة ما تقول، قال بهدوء: "ريحي نفسك دلوقتي وهاجي أشوفك تاني." خرج الطبيب برفقة الممرضة وهم يتركون لها داخل الغرفة ضوء خافت للغاية. نظرت للسقف وهي تحرك شفتيها وتقول بصوت خافت للغاية: "هيُحاولوا تاني يخلصوا مني، متسبونيش لوحدي." *** في شقة غزل ومنار غزل بضيق:
"مبسوطة باهتمامه، لكن مش عاوزة أسببله أذية بسببي. عارفة يا منار شعور حلو أوي لما تحسي إن في حد مصمم يكون مسؤول عنك وعن مشاكلك، ما تحكيلي عن شكله شوية." منار بضحكة قصيرة: "آيه يابنتي إحنا في إيه ولا في إيه؟ هو أمور بصراحة وبيهتم بمظهره جداً يعني ابن ناس كدا، بس نظرته حادة تخوف." كانت تستمع لها غزل عن وصف عمر وهي تبتسم بهدوء وكأنها تحب ما تسمع. حتى انتهت منار من الحديث وهي تصفق أمام وجهها وتقول: "هيييه، روحتي فين؟
غزل بهدوء: "كان نفسي أحكيله كل حاجة بصراحة وبدون كذب، وأقوله إن اللي حصلي دا بسببهم! منار وهي تربت على يدها: "أنا جنبك يا غزل، حسبي الله ونعم الوكيل هيروحوا من ربنا فين؟ متفكريش في الموضوع دا كتير. دا قدر." غزل بدموع انسابت من جفنيها: "أنا مش معترضة أنا بس حاسة إني تعباكي معايا." منار بهدوء:
"ولا تعباني ولا حاجة، بصي هموت من الجوع والزفت السوبر ماركت بيديني غير متاح معرفش فصل التليفون ولا كتبنا رقم غلط، ف هنزل خمس دقايق أجيب حاجة ناكلها وارجع تاني لإن ميزانيتنا متسمحش نطلب أكل جاهز." غزل بخوف وقبضة قلب: "متنزليش وتسيبيني! منار بهدوء: "متخافيش والله هاجي بسرعة، إنتي بس متفتحيش لأي حد." قامت منار وارتدت ملابسها ثم قررت النزول للأسفل.
ما أن خطت قدمها الشارع حتى نظرت يميناً ويساراً، بدون أدنى خوف ظهرت سيارة سوداء تهجمت على منار التي ظلت تصرخ حتى حملوها ووضعوها بالداخل وانطلقوا سريعاً وسط صراخ المارة في محاولة إنقاذها، وكأنه يصعب عليهم فعل ذلك داخل البناية لأنه سيصعب عليهم الخروج بسهولة. مرت ساعتين وغزل تجلس على المقعد داخل الشقة بخوف شديد وعيناها تنظر إلى اللاشيء، لا ترى شيء ومازال عندها أمل أن منار ستطرق الباب وتؤنس وحدتها.
من خوفها وعجزها بدأت تبكي، ولا تعلم ما حل بصديقتها الوحيدة.. مؤنستها، وعيناها التي ترى بهما.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!