الفصل 10 | من 26 فصل

رواية ذئب يوسف الفصل العاشر 10 - بقلم ذكية محمد

المشاهدات
20
كلمة
4,915
وقت القراءة
25 د
التقدم في الرواية 38%
حجم الخط: 18

ظل طيلة الوقت الغافية فيه يراقب كل تفصيلة فيها دون كلل، تلك الغائبة التي ستعوضه رحيل الأخرى وستدخل الفرح لجدران قلبه المعتمة. شعر بها تتململ دليل على استيقاظها، فأخذ يطالعها بحماس وهو يرتب كلماته التي سيخبرها إياها. فتحت عينيها بضعف وأخذت تجول بأنظارها في المكان، فوجدت نفسها بغرفة عصرية حديثة. أخذت تطالعها بإنبهار شديد، فجلست نصف جلسة تدرس كل تفصيلة بها، غافلة تماماً عن ذلك الذي يود زرعها بين أضلعه ولا يتركها أبداً.

بدأت تتساءل بداخلها عن هوية ذلك المكان، ومن قام باحضارها إلى هنا؟ وقع بصرها على والدها الممدد بجوارها، فأطلقت صرخة عالية وقفزت من مكانها بذعر قائلة بخوف وتلعثم: "أنت.... أنت مين؟ ابتسم لها بوجع قائلاً: "مش عرفاني يا حبيبتي! مش فكراني؟ هزت رأسها بنفي قائلة بذعر: "لا أنا مش عرفاك.... أنا... أنا عاوزة أروح.. روحوني.. أنتوا عاوزين مني إيه؟ أردف بحنو ودموع علقت بعينيه:

"أنا باباكي يا رحيق، باباكي يا حبيبتي، تعالي قربي مني نفسي أحضنك وأشبع منك." نظرت له بصدمة قائلة: "أنت.... أنت أبويا؟ أومأ بتأكيد قائلاً بلهفة: "أيوة يا قلبي أنا أبوكي يا رحيق، أبوكي اللي هيموت عليكي كل السنين اللي فاتت كلها ويشوفك." نظرت له بتهكم قائلة: "والله! كنت فين السنين دي كلها وأمي بتموت، وأنا اللي الدنيا بتلطش فيا، دلوقتي جاي تقولي أبوكي! أنا عاوزة أمشي، مش هقعد هنا أبداً، أنت فاهم؟ وما إن همت لتغادر الغرفة،

أردف بوجع وتوسل: "يا بنتي تعالي بس كلميني ربنا يهديكي، أنا مش قادر أقوم." أردفت بتهكم قاس: "ليه مش قادر تقوم؟ رجليك منملة! هز رأسه قائلاً بوجع: "لا علشان مشلول يا بنتي، أنا لو بقدر أمشي كنت قومت حضنتك ومخلتكيش تفارقيني أبداً." أردفت بتلعثم: "ممشلول! هز رأسه قائلاً بابتسامة عريضة: "أيوة يا بنتي مشلول، قربي مني بلاش تتعبيني."

رق قلبها له حينما رأت نظراته المتوسلة لها، وسارت بخطوات مرتجفة ناحيته وجلست على استحياء بالقرب منه، فابتسم لها بحب قائلاً: "بتبصي للأرض ليه، مش عاوزة تشوفيني ولا تحضنيني؟ تعرفي أنا بقالي ثلاث ساعات ببص عليكي وأنتِ نايمة بحفظ ملامحك جوة قلبي، وأنا طاير من السعادة إني أخيراً لقيتك." ثم فتح ذراعيه لها قائلاً برجاء: "ممكن أحضنك يا بنتي؟

شعرت بالذنب ينهش أعماقها من ترجي والدها لها بهذه الطريقة، فأومأت برأسها بسرعة واندفعت نحوه كالقذيفة لتستقر بين ذراعيه، احتضنته بقوة وكم شعرت بالدفئ، وكأنها تملك العالم وحدها، وسرعان ما شقت دموعها مجراها. أخذ يقبل رأسها بلهفة وندم قائلاً: "سامحيني يا بنتي، سامحيني. ليكي حق تكرهيني بس والله دورت عليكم كتير ملقتكمش." قاطعته قائلة بلهفة: "أنا... أنا مش بكرهك يا بابا." ابتسم لها بحب قائلاً بحنين:

"يااااه من زمان ما سمعتهاش منك يا نور عيني، آخر مرة شوفتك فيها كنتي عيلة بضفاير أربع سنين قبل ما تختفوا أنتِ ومامتك." قطبت جبينها بتعجب قائلة: "نختفي! أنا مش فاهمة حاجة خالص." أردف بحيرة هو الآخر: "ولا أنا يا بنتي! في حلقة ضايعة في النص، بس مش مهم أهم حاجة إنك معايا وجنبي من تاني، أنا مش هسيبك أبداً وهعوضك عن كل حاجة، بس أنتِ سامحيني وأديني فرصة." أردفت بابتسامة عريضة: "بس أنا مسمحاك يا بابا!

بس متضايقة منك إزاي تنسى ماما وتتتجوز عليها وتخلف، أنا افتكر إنها كانت بتحبك أوي وفاكرة كلامها ليا، هي ما تستاهلش أبداً كده! سحب نفساً طويلاً قائلاً: "دة موضوع طويل مش وقته، خليني أشبع منك الأول." أردفت برجاء: "لا قولي دلوقتي." تنهد بعمق قائلاً: "ماشي يا ستي، أولاً أنا اتجوزت أم شادي الأول مش العكس." شهقت بصدمة قائلة: "ها! يعني ماما مراتك التانية؟ أومأ بتأكيد:

"أيوة، بس لولا الظروف كانت هتبقى هي الأولى والأخيرة. زمان يا بنتي أتحديت أبويا وأمي والكل علشان أتجوزها بس هما وقفوا في طريقي، أمي طبعاً كانت مختارة ليا عروسة من الوسط المخملي تشرفها قدام الهوانم بتوعها، ولما عارضتهم مش قادر أوصفلك عملوا إيه علشان يمنعوني." نظرت له بفضول قائلة: "عملوا إيه؟ ابتسم بخفوت عليها قائلاً بوجع:

"بلاش أقولك أنتِ أبرأ من إني أقولك حاجة زي دي، المهم اضطريت أتجوزها وبعدها بمدة خلفت شادي، كنت عايش من غيرها جسم من غيرها روح، مقدرتش أعيش من غيرها روحت أتجوزتها وسكنت معاها في شقة لوحدنا بعدما أترجيت أبوها يوافق، عشت معاها أجمل خمس سنين في عمري كله، راحت ومش هلاقي زيها تاني لحد ما في مرة روحت لقيتها اختفت بيكي من غير ما أعرف ليه!

ومن وقتها وأنا بدور عليكم زي المجنون، ومرت سنة ورا سنة وأنا ما اعرفش عنكم حاجة، لحد ما في مرة كنت سايق ومش واخد بالي، فعملت حادثة واتشليت بسببها زي ما أنتِ شايفة. أدمعت عيناها بحزن عليه قائلة: "أنا آسفة يا بابا والله ما كنت أعرف." مسح عبراتها بحنان قائلاً: "ما تتأسفيش يا حبيبة بابا، أنتِ مش عارفة دلوقتي أنا فرحان قد إيه، حاسس بجزء من روحي رجعتلي تاني، وده كفاية عليا أعيش بيه اللي باقيلي." قبلت يده بحب قائلة:

"بعد الشر يا بابا، ده أنا ما صدقت بقالي أب، بس يا بابا هو مين جابني هنا؟ أنا آخر حاجة فاكرة إني كنت ماشية في الشارع وفجأة حسيت بحد بيكممني بمنديل وأغمى عليا بعدها." ضحك بصخب على ذلك الأبله قائلاً: "ده واحد مجنون أعذريه، شادي أخوكي." جعدت أنفها بضيق قائلة: "البارد قليل الأدب! ثم أردفت بتدارك: "قصدي يعني في الأول مكنتش فاكرة أنه أخويا وكده." ابتسم بحنو قائلاً:

"ده بيحبك أوي وكان بيجي معايا ساعات ويشوفك ويلعب معاكي، بس شكلك كده فقدتي الذاكرة." أردفت بحرج: "شكله كده لأن مش فاكرة، يمكن علشان كنت صغيرة وقتها، بس ده ما يمنعش أنه مجنون في حد يعمل كده! ضحك بخفوت قائلاً: "لا ده طاقة منه، بس وقت الجد بيبقى راجل ويعتمد عليه، ده لما عرف إنك لسه عايشة كان هيموت من الفرحة، أحلى حاجة فيه أنه واخد مني مش من والدته." أردفت بود: "طيب وأختي؟ هو قالي أن عندي أخت برده."

ربت على يدها بحنان قائلاً: "أيوة أختك شيري هي أصغر منك بسنة لسه في الجامعة بتدرس." صمت قليلاً ليردف بحذر: "رحيق! في شوية حاجات عاوزك تعرفيها هنا، ومش عاوزك تقلقي أنا هقف معاكي وفي ضهرك." أردفت بقلق: "حاجات إيه دي يا بابا؟ ضيق عينيه قائلاً بحذر شديد:

"بصي هنا هتلاقي البلد مقسومة نصين، بمعنى أوضح في ناس هتتقبلك وناس لا، الناس اللي هتتقبلك هما عمك ومراته ومراد عادي الأمر سيان بالنسباله وضيفي عليهم شادي كمان أما بالنسبة للباقي... قاطعته قائلة: "مش مرحبين بوجودي ومش طايقني، مش كده؟ هز رأسه بأسف، بينما استرسلت هي بهدوء: "بس أنا أقدر أعيش مع مدام سندس، وهبقى أجي أشوفك كل يوم، مش عاوزة أسبب لحضرتك مشاكل، ولا حتى للموجودين هنا." أردف بعتاب:

"تعيشي في مكان تاني وأبوكي لسه على وش الدنيا! اسمعي يا رحيق مش بعد ما لقيتك تقوليلي إيه ومش عارف إيه، أنتِ هتقعدي هنا غصب عن الكل، ولو حد ضايقك أنا اللي هقفله." أردفت باعتراض: "بس يا بابا... قاطعها بصرامة قائلاً: "مفيش بس، كلامي بس اللي يتسمع، مفهوم؟ هزت كتفيها باستسلام قائلة: "حاضر يا بابا." ثم تابعت بشراسة: "بس مش هسكت لحد يهيني هنا علشان تبقى عارف." ضحك بصخب قائلاً:

"أيوة هو ده اللي عاوزه منك، عاوزك قوية علشان تقدري تواجهيهم كلهم، تعالي بقى أحكيلي عنك طول السنين دي بالتفصيل الممل، مش عاوزك تفوتي حاجة مهما كانت تافهة." بعد أسبوع كانت تضع الأطباق على الطاولة بعنف وغيظ شديدين، بينما أخذ هو يتابعها بابتسامة مكبوتة ويتمعن بدقة لوجنتيها اللتان اصطبغتا بلون الدماء، وشرد في ما حدث منذ أسبوع. أصابه الصدمة حينما رأى جسدها متراخي بين يديه فأردف بتذمر وهو يتطلع للصغير الذي يتابعهم ببراءة:

"على النعمة أمك دي ما تنفع ياض يا ميدو، طبت من أول كلمة وهبلة ما شاء الله بتصدق كل حاجة! " ثم أخذ يضربها برفق على وجنتيها قائلاً: "مريم... مريم فوقي الله يخربيت اللي يهزر معاكي." وبعد عدة محاولات فتحت عينيها، وما إن وجدته قريب منها بهذا الشكل زجته بخجل شديد، وسرعان ما أدمعت عيناها قائلة بخفوت: "أنت بتضحك عليا صح؟ قولي اه بالله عليك، أنا.... أنا معملتش كده." أردف بضحك: "طبعاً مش صح، أنا بس بشتغلك."

اتسعت عيناها بذهول، وسرعان ما فارت الدماء بعروقها، وانهالت عليه تضربه في صدره بكل ما أوتيت من قوة متناسبة لكل شئ، وهي تردف ببكاء: "يا بارد.. يا تنح.... أنت معندكش دم." أحكم قبضتيها بقبضتيه القوية قائلاً بضحك: "بس يا هبلة.. بس يا بابا." صرخت بتذمر: "أنا مش هبلة وسيب أيدي يا بارد." هتف الصغير بعدائية مدافعاً عن والدته: "سيب ماما يا إسلام، أنت وحش وهقول لجدي موسى." رفع حاجبه باستنكار قائلاً: "ابن أمك بصحيح!

كده يا ميدو تبيع عمك بردو! أنا بلعب مع ماما يا حبيبي زي ما بلعب معاك، يلا روح استخبى علشان الدور الجاي عليك." ركض الصغير ينفذ طلب عمه، بينما هتفت هي بتذمر وهي تحاول الفكاك من حصاره: "سيبني بقى الله! تركها ورفع يديه باستسلام: "خلاص أهو بس أهدي." أردفت بانفعال: "يا برودك هو بعد كلامك ده عاوزني أهدى! ضيق عينيه قائلاً بخبث: "أنتِ اللي ساذجة وبتصدقي أي حاجة، وبعدين رد فعلك كانت بتدل على حاجة واحدة بس...

" صمت قليلاً ليغمز لها بعينه قائلاً بعبث: "إنك خايفة لتفضحي اللي جواكي قدامي." قلبها بعنف قائلة بتلعثم: "أاا.... أنت بتقول إيه؟ لا طبعاً ده متهيألك." ثم استرسلت بغضب لتخفي ذلك الاضطراب بداخلها: "وبعدين يا ريت تلتزم باتفاقك وتطلع برة." أردف بفحيح: "مش معنى إني ساكتلك من الصبح تقومي تعلي صوتك عليا، للمرة الأخيرة هحذرك، وهطلع برة قال يعني طالع من الجنة!

" ثم أردف بتهكم قصداً منه أن يضع حداً بينهم، حتى لا تأخذه جوارحه إلى منعطف لا يريد أن يصل إليه بتاتاً: "أوعي تفكري إني نسيت اللي حصل وهتعامل معاكي عادي، فياريت أنتِ اللي متتخطيش حدودك وتخلي عقلك يصورلك حاجات مش هتحصل أصلاً." ألقى بكلماته وغادر، ولم يعبأ بالشرخ الذي أحدثه بداخلها. لمعت دموعها سريعاً بعينيها سرعان ما محتهم بعنف قائلة بغضب وقهر: "لا... لا مش هعيط تاني كفاية...

كفاية.. أنا والوجع بقينا صحاب يعني لا جديد علينا يزود جرح ولا ينقصه، أيوة مش هعيط." ثم أردفت بوعيد: "ماشي يا إسلام أنا هوريك وهندمك على اللي قلته ده كويس أوي." عاد للوقت الحالي ومنذ ذلك الوقت وهي تحاول أن تتجنب الحديث معه، وتتعامل معه في أضيق الحدود، وهذا ما زاده غيظاً، ولكن هي محقة في ذلك بالأخير. هتف بمرح وهو يرى ألسنة اللهب تتصاعد منها: "يا ساتر يارب على النار اللي طالعة دي! عاوزين خرطوم يا ميدو ونطفي الحريقة."

هتف الصغير ببراءة: "فينها يا إسلام؟ أردف بعبث: "طالعة من ماما حتى شوف." ضيقت عينيها وهي تصوب له سهاماً حارقة تكاد تفتك به، بينما أردف الصغير بتعجب: "فين النار يا إسلام؟ أنت مش بتشوف! انفلتت منها ضحكة صاخبة على كلمات الصغير وهتفت بتأكيد: "أيوة يا ميدو ما بيشوفش نبقى نوديه للدكتور ونكسب فيه ثواب." أردف بغيظ: "اتفقتوا عليا يعني! طيب هاتي العيش ده خليني أكل لقمة وأقوم أنزل الشغل." أردف أحمد بلهفة:

"وأنا يا عمو إسلام عاوز أروح معاك." ضحك بصخب قائلاً: "بتبقى مؤدب أوي عند مصلحتك، ماشي يا حبيب عمو، يلا خلص فطارك الأول." بعد تناولهم لوجبة الإفطار، نهض إسلام قائلاً بهدوء: "يلا يا ميدو، بس استنى الأول عاوزين نصالح ماما أصلها زعلانة مني." فكر قليلاً ثم أردف ببراءة: "جبلها حلاوة كتير وبوسة هنا." قال جملته الأخيرة وهو يشير لوجنته، بينما اتسعت عينا مريم بصدمة، فأردف إسلام بخبث:

"ماشي يا ميدو دلوقتي مفيش حلاوة نجيب لما ننزل، بس البوسة مقدور عليها." قالها وهو يغمز لها بعبث، بينما أخذت تطالعه بذهول وكأن على رأسها الطير، وتحول وجهها لمحصول فراولة شهي يذهب بالعقول. شهقت بقوة، وتراجعت للخلف عندما وجدته يميل ناحيتها فأردف بعبث: "إيه أثبتي أنا بنفذ نصيحة ابنك." خرجت حروفها المتقطعة بصعوبة: "اااا... أنت هتعمل إيه؟ أبعد يا قليل الأدب!

طبع قبلة سريعة على وجنتها، خطفت أنفاسها، وشعرت بدوار عنيف أجتاحها بضراوة، وبدأت تتنفس بثقل. أردف بقلق: "إيه؟ هتفيصي تاني ولا إيه؟ لا أهدي كده واتنفسي واحدة واحدة." بدأت تنفذ تعليماته حتى عادت أنفاسها لطبيعتها، وانصرفت للداخل تختبئ من تلك المشاعر حتى لا تظهر أمامه ويفضح أمرها.

ليلاً تجلس على إحدى الأرائك بالحديقة الشاسعة المساحة الخاصة بالقصر، متخذة مكان بمفردها بعيداً عن هؤلاء الذين تشعر بالغربة معهم، على الرغم من أنهم جزء منها وهي كذلك. أتذرف الدموع وتنعي حظها العثر؟ لا لا هذا ليس خياراً متواجداً في قاموسها. زفرت بضيق بسبب كومة الأوراق التي أمامها، والتي تخطط فيها ببعض الكلمات. أخذت تبعثر في الأوراق بشكل عشوائي قائلة بتذمر: "وبعدين بقى هتصرف مع شوية الحوش دول لوحدي إزاي؟ ثم امسكت ورقة

لتقرأ ما بداخلها قائلة: "الحرباية ناريمان هتصرف معاها إزاي! والحجة اللي مش عاوزة تكبر دي بردو؟ البت شيري مقدور عليها، إنما دول عاوزين تكتيك عالي نحطهم على جنب ونيجي للي اسمه جدي دة اللي كل ما يشوفني ضغطه بيعلى." ضحكت بخفة قائلة بإطراء لذاتها: "بس كويس من يومك حرقاهم يا بت يا رحيق." ثم صرخت بحماس قائلة: "آه لقيتها أنا عرفت هعمل إيه، أنا هطفشهم هخليهم يقولوا حقي برقبتي، ماشي استنوا عليا بس." ثم أردفت بتذمر:

"مطلعتوش للست السكرة مرات عمي دي ليه، ولا عمي ربنا يباركلهم، اللي غايظني البارد عليه برود يطفش قارة بحالها، آه يا عيلة بنت تيت بصحيح." ثم راحت تتأمل ذلك الفناء الواسع قائلة بغل: "وقاعدين في الهلمة دي كلها يا كفرة والناس قاعدة فوق بعض في الحارة، هتروحوا من ربنا فين يا ظلمة؟ "الله يحرقك! وأنا أقول ليه من الصبح كل حاجة مش مظبوطة أتاري سيادتك بتنقي علينا! صرخت بفزع قائلة بحدة: "إيه الهمجية دي؟

مش تكح ولا تقول احم ولا دستور! قطب جبينه قائلاً بعدم فهم: "يعني إيه اللي قولتي ده؟ مطت شفتيها بسخرية قائلة: "دي حاجات صعب عليكم يا بتوع دادي ومامي تفهموها." ضربها برفق على مؤخرة رأسها قائلاً بضحك: "يا بت لمي لسانك واحترمي أخوكي اللي أكبر منك." أردفت بتذمر: "إيدك تقيلة يا شادي الله! أردف بضحك: "حقك عليا يا ستي، ها بتعملي إيه وقاعدة تقري ليه؟ بتحسدينا يا رورو! أردفت بحرج: "أنت سمعت! ضحك بصخب قائلاً: "كله... كله."

شهقت بصدمة قائلة: "ها! طيب استر عليا ربنا يستر عليك." جعد أنفه بتعجب قائلاً: "أستر عليكي! هو أنا قافشك في شقة مفروشة! أنتِ هبلة يا بت! زمت شفتيها بضيق قائلة: "يا عم يعني داري عليا ومتقولش لحد." غمز بمكر قائلاً: "متقلقيش سرك في بير يا كبيرة، وايه الورق ده؟ أخذ ينظر فيه بدقة قائلاً بدهشة: "يا شيطانة بتخططي لإيه، لا أنا كده هخاف منك." أردفت بابتسامة بلهاء: "لا متقلقش أنت برة القايمة." تنهد براحة قائلاً:

"الحمد لله، يعني أنا براها! أطلق ضحكاته العالية حينما قرأ ما تلقب به كل شخصية قائلاً: "حرباية، أم قويق، الحجة سلوى، أبو شنب مترين، الفريزر! هههههه آه لو سمعك الفريزر يبقى اقري على روحك الفاتحة، الأحسن تولعي في الورق ده كله." أردفت باعتراض: "لا ده تعبي من أول ما قعدت، أنت عاوز تضيع تعبي على فشوش، أنا هطلع بيه فوق وأحطه في أوضتي ولا من شاف ولا من دري." ابتسم لها بحب قائلاً: "قاعدة لوحدك ليه؟ تنهدت بثقل قائلة:

"كده مرتاحة أكتر، مش عاوزة اسمع حاجة منهم توجعني، أنا قاعدة هنا علشان بابا وعشان ما أكسرش بخاطره." "عارف يا شادي!

أنا لو أبويا كان واحد عادي ساكن في حارة وفي حب ودفى في البيت صدقني أحسن بكتير من هنا، هنا في مظاهر واستعراض مين الأحسن، بس الدفى والرضا مكانهم مش هنا، مكانهم وسط قلوب ناس طيبة مش جواها شر ولا غل وعلى إيه ما إحنا كلنا هنمشي في الآخر، فقير غني كله هيدخل بورة ضيقة ومش هياخد حاجة معاه، لازمتها إيه أكره، أخطط علشان أذي غيري، والله مش مستاهلة أبداً." نظر لها قائلاً بإعجاب من طريقة تفكيرها، وبشئ من المرح لكي يخفف عنها:

"إيه ده أنتِ طلع عندك مخ وبتقولي كلام حكم أهو." ضيقت عينيها قائلة بغيظ: "تقصد إيه إن مش عندي عقل؟ هز رأسه قائلاً بمرح: "أيوة مفيش عقل خالص." ضيقت عينيها بوعيد وهي تشمر ساعديها قائلة بغل: "ماشي يبقى أنا مجنونة، أنت اللي جبته لنفسك."

قالت كلماتها الأخيرة، ثم انقضت عليه تضربه بغضب، وحينما وجدته يضحك وأن قبضتها لم تؤثر فيه، قامت بدفعه فسقط أرضاً بعدما اختل توازنه، ولم تعطيه الفرصة حينما غرست أسنانها الحادة بذراعه، فأطلق صيحة متألمة قائلاً: "بس خلاص يا زفتة، أبو اللي يهزر معاكي يا شيخة، يا بت كفاية مش عاوز أزعلك." تركت ذراعه قائلة بشراسة: "لا زعلني أنا عاوزاك تزعلني! هز رأسه بوعيد قائلاً: "كده! يبقى أنتِ اللي جبتيه لنفسك."

لم تستوعب كلماته، إذ قام بقلب الوضع لتصبح هي مطروحة أرضاً، ثم انهال عليها يدغدغ بطنها، وهي تتلوى وتطلق ضحكاتها الرنانة وبعض الصرخات الحادة تنهره فيها بأن يتوقف. "إيه اللي بيحصل هنا ده؟! توقف الاثنان فوراً عند سماعهم لهذا الصوت الجامد، فاعتدلت هي على الفور بحرج، وهتفت بغيظ بداخلها: "وايه اللي جاب الفريزر ده عندنا؟! نهض شادي قائلاً بمرح: "زي ما أنت شايف أخ وأخت بيهزروا مع بعض." رفع حاجبه قائلاً بجمود:

"أظن البيت ده محترم وانتوا مش صغيرين على حركات الأطفال دي! هتفت باندفاع: "تقصد إيه يا جدع أنت؟ يعني إيه البيت محترم، هو أنت شايفنا بنشرب منكر! لم يعطيها اهتمام، وأردف ببرود: "يا ريت يا شادي تعلم أختك قواعد البيت وأصوله، ويا ريت إن أمكن تجبلها خبيرة أتيكيت تعلمها الكلام كويس." قال ذلك ثم انصرف للداخل، بينما صاحت هي بصوت مسموع: "مين دي يا عمر اللي تعلمها الكلام كويس؟ كلمني هنا أما إنك فريزر بصحيح، خد ياض.... اممممممم"

لم تكمل حديثها عندما كمم شادي ثغرها قائلاً بضحك خافت: "خلاص الله يحرقك بدل ما يورينا الوش التاني." أبعدت يده قائلة بضيق وحنق: "هو فاكر نفسه مين يعني؟ ده أنا رحيق اللي علمت على شباب الحارة هيجي ده يستقل بيا! لا وألف لا." أردف بمهاودة: "بقولك إيه ما تيجي ندخل جوة وتروحي أوضتك وتخططي في الورق بتاعك! هزت رأسها بتذكر قائلة: "آه صح فكرتني، ماشي هروح علشان أقعد أمخمخ مع نفسي."

لملمت أوراقها ودلفت للداخل، بينما ضحك هو عليها قائلاً: "والله مجنونة! في صبيحة اليوم التالي نزل لمحل عمله كعادته، بينما شعرت هي بالضجر، فمنذ تلك الواقعة وهي حبيسة المنزل ولو خرجت للخارج سيتم قتلها هذه المرة. عبست ملامحها الجميلة بحزن لمقاطعة والدها وشقيقها إياها، وعلام؟ على من لا يستحق! ابتسمت بوجع على سذاجتها، وأنها أوقعت نفسها في مشكلة عويصة، يا ليتها ما ذهبت، ولكن مهما ندمت فلن ينفع الندم بعد زلة القدم.

تنهدت بوجع وقررت أن تصعد لوالدتها في الأعلى، نعم ستتعرض للحديث اللاذع الذي سمعته بالأمس، ولكنها لن تعطي للأمر أهمية. نزلت درجات السلم بحذر، وهي تخشى أن تقابل أحداً يقوم بمضايقتها، ولكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، إذ قابلت تلك المدعوة أسماء التي أظهرت لها وجهاً آخر لم تتوقع يوماً رؤيته، جزت على أسنانها بغضب تلك المرة فهي لا تضمن نفسها وما ستفعله إن تحدثت عنها بالسوء. كانت برفقة إحدى السيدات التي

كانت تواسيها عندما هتفت: "معلش يا حبيبتي بكرة يجيلك سيد سيده هي الرجالة خلصت ولا أنتِ وحشة! ده أنتِ قمر وألف مين يتمناكي." ثم عبست ملامحها فجأة حينما ظهرت مريم أمامها لتردف بضيق: "أيوة ربنا على المفتري والستات الكهنة اللي تتمسكن لحد ما تتمكن، وأردفت بتأكيد وهي تطالعها بخبث: "أيوة يا خالتي، بنات مش سهلة أبداً وبتطعن في الضهر من غير خشا ولا حيا، ربنا يبعدهم عننا ويكفينا شرهم."

نفخت بضيق، ولم تعيرهن أي اهتمام وأكملت طريقها، مما أثار غيظ أسماء التي تلقى عليها بالكلمات السامة حتى تثير غضبها، ولكن ما تراه يعكس توقعاتها لتردف مجدداً: "أنا مش عارفة ليها عين تمشي وسط الخلق إزاي بعد عملتها دي! ضحكت عليه وخلته زي الطرطور ماشي وراها." إلى هنا وكفى، فلكل شخص طاقة تحمل، وهي تحملت ما فاق الجبال، إذ التفت لها فجأة، وقامت بسحبها بقوة صارخة بوجهها بحدة:

"ساكتالك من الصبح وأنتِ بكل بجاحة عمالة تغلطي فيا، وأنتِ الغلط راكبك من ساسك لراسك، حطي في بوقك جزمة قديمة واسكتي أحسنلك، سامعة؟ أردفت الأخرى بغضب وهي تحاول التملص منها: "ابعدي إيديكي دي عني، واه بتكلم عليكي يا خطافة الرجالة." اتسعت عيناها بذهول فأردفت بصدمة: "خطافة مين يا عيون طنط؟ أنتِ ملكيش دعوة عيلة في بعضينا أنتِ مالك، إيه اللي حشرك بينا، واه خطفته أرتحتي؟ أردفت بصوت عال تجمهر عليه بعض السيدات والفتيات بالعمارة:

"شوفوا يا ناس أهو بتعترف بغلطها أهو، صحيح بجحة وأهلك معرفوش يربوكي." أحمرت عيناها بغضب حارق قائلة بوعيد: "طيب وربنا لأوديكي علقة مخدهاش حرامي غسيل علشان تحرمي تقفي تاني في طريقي." أنهت كلماتها، وانهالت عليها بالضرب، وتشُد شعرها، وسقطتا أرضاً سوياً، وكانت الأخرى تدافع عن نفسها، وتضربها وتشُدها من شعرها الذي سقط عنه الوشاح بفعل الشد والجذب بينهما، كأي عراك بين اثنتين. خرجت سامية والبقية، لتهتف بصدمة ما إن تبينت وجهها:

"يا نهار مش فايت! دي البت مريم، طول عمرها عاقلة إيه اللي خلاها تعمل كده بس! هتفت توحيدة بضيق: "أكيد اللي ما تتسمى لقحت عليها كلام، بالله عليكي لتتصلي بإسلام ولا أخوها يجوا يحوشوا الخناقة دي على ما أشوفها." أومأت بموافقة وتوجهت للداخل، بينما هتفت عواطف بضيق: "ولسه يا ابن بطني ولسه، أنا مش عارفة إيه الشبكة السودة دي! بعد دقائق طوى درجات السلم سريعاً للوصول للأعلى، ثم عبر بصعوبة وسط هذا التجمهر من النسوة، وهتف

بصدمة حينما رأى ما يحدث: "إيه ده؟! ثم صاح بصوته الجهوري: "مرررررررررررررريم...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...