توجهت لغرفة والدها، وطَرقت الباب، ودلفت بعد أن تأكدت من عدم تواجد زوجة أبيها بالداخل. رسمت ابتسامة عريضة حنونة قائلة: -صباح الخير على أحلى بابا في الدنيا. بادلها الابتسامة قائلاً بحب: -صباح الورد على أحلى بنت في الكون كله. مسكت الكرسي المتحرك الجالس عليه من الخلف قائلة بمرح: -طيب يلا يا بابا علشان تفطر وتاخد دواك. أردف بحنو: -حاضر يا قلب بابا. سارت به للخارج بحذر، فوجدت شادي مقدماً عليهم قائلاً:
-يا صباح الفل على الحلوين، إيه النشاط ده يا ست رحيق! تعالي بقى أما أساعدك علشان ننزل بابا تحت. بالأسفل كان الجميع يجلس على مائدة الطعام، منهم من يجلس ببرود، ومنهم من يجلس بأريحية، وآخرون الغيظ يأكلهما بداخلهما. هتفت ناريمان بغل واضح: -وبعدين في المصيبة دي يا سلوى هانم؟ وجود البنت دي هنا بيخنقني! هتفت لميس بحسن نية: -لا مليكيش حق يا ناريمان البنت قمراية خالص و... قاطعتها قائلة بحدة طفيفة:
-لميس بليز محدش طلب رأيك، أظن الموضوع ما يخصكيش. حكت طرف أنفها بحرج من ردها اللاذع، بينما حدجها مراد بنظرات غاضبة، فعند والدته يُذاب الجليد الذي يحيط نفسه به، إذ هتف بجمود: -والموضوع برضو أظن ما يخصكيش، اللي يقرر ده هو عمي وهو عاوز بنته هنا، فأظن رأيك ملهوش لازمة، بعد إذنكم شبعت. نهض وتوجه للخارج بسرعة، بينما أخذت تطالعه بغل تارة، ولأمه تارة قائلة بحقد دفين بداخلها:
-لسة زي ما أنتِ يا لميس بتدافعي عن بنتها زي ما كنتِ تعملي زمان مع أمها، ماشي أنا هوريكم هعمل إيه ويا أنا يا هي في المكان ده. أردفت سلوى بغل وهي توجه حديثها للمرشدي: -أنت لازم تتصرف بسرعة بنت الخدامين دي استحالة تقعد هنا أكتر من كده. إلا أنه فاجأها حينما هتف بصرامة: -إحنا مضطرين نتقبل وجود البنت دي في حياتنا فعلشان كده أنا مع قرار وجودها. نظرن له بصدمة، فهتفت شيري بكره: -إيه اللي بتقوله ده يا جدو؟!
أنا استحالة أعيش مع الراجل ده في مكان واحد، أقول إيه لصحابي البنات لما يشوفوها؟ لا، لا، it can't be. أردف بصرامة: -مش عاوز كلام في الموضوع ده تاني، أنا ما صدقت ابني رجع يبتسم تاني، وحالته اتحسنت كتير خليها جنبه لو ده هيخليه كويس بالشكل ده. نهضت ناريمان قائلة بسخرية: -أنت اللي بتقول كده يا مرشدي بيه! بجد مش قادرة أصدق. أردف بمبالاة: -والله دي حاجة ترجعلك.
انصرفت مسرعة، وبداخلها يزداد حقدها عليها، وتتوعد لها بالمزيد والمزيد. وصلوا لطاولة الطعام، فسحبت هي أحد المقاعد وجلست إلى جوار والدها قائلة بضيق مكتوم: -صباح الخير عليكم جميعاً. ردوا التحية مابين اقتضاب وود، وآخرون تمنوا لو يقتلوها في الحال. شعرت بالتوتر حيال النظرات المصوبة نحوها، فهتفت بابتسامة حنونة وهي تضع بعض الزبد بالمربى على الخبز، ومن ثم مدته لوالدها قائلة: -اتفضل يا بابا أفطر، ومش عاوزة اعتراض، فاهم؟
أنا هزقطك النهاردة. ضحك بخفوت قائلاً بخوف مصطنع: -علم وينفذ يا أفندم. لم تتحمل المكوث أكثر من ذلك، إذ قامت بمسح ثغرها بالمحرمة، بضيق قائلة قبل أن تغادر: -oh, god. it's unbearable! أخذت تنظر لأصناف الطعام بعدم رضا، وتنهدت بضيق، فمالت على شادي، وأردفت بهمس: -هو أنتوا معندكمش أكل تاني غير ده؟ قطب جبينه قائلاً بتعجب: -قصدك إيه؟ عاوزة أصناف غير دي؟ قولي عاوزة إيه وأنا هبعت الخدم يعملوه. هزت رأسها بيأس قائلة:
-لا مش عاوزة أنا ليا أكتر من شهر باكل أكلكم ده من ساعة ما سبت الحارة، نفسي في طعمية وفول وبتنجان مخلل وطبق بثارة. فتح عينيه على آخرهما قائلاً بدهشة: -ها! قولتي إيه معلش؟ أردفت بضجر: -بقولك عاوزة فول وطعمية وبتنجان مخلل وبثارة. ابتسم ببلاهة قائلاً بخفوت: -كلي من اللي قدامك أحسنلك، دول لو شافوا الأكل اللي بتقوليه ده يمكن يرموكي بالنار. ضربت على صدرها بقوة وشهقت قائلة بصوت مسموع: -يا نهار مش فايت!
هو أنتوا بتقتلوا اللي بياكل فول وطعمية! آه يا كفرة يا... نهرها من بين أسنانه حينما رأى البقية يتابعونها: -بس يا رحيق إيه اللي أنتِ بتقوليه ده، ده وقت هزار برضو! عندما كادت أن تتحدث، حدجها بنظرات صارمة، ثم همس بين أسنانه: -اخرسي ومشيها هزار. هزت رأسها بنعم، ثم امسكت خبز التوست المطلي بالزبدة والمربى تأكله، وأخذت تتناول الأومليت قائلة بتلذذ: -الله على الأكل جميل بشكل!
فول إيه وطعمية إيه اللي أنت عاوز تاكلهم يا شادي أنت اتجننت! طالعها بذهول، وغيظ شديد، فأشار لها بوعيد أنه سيلقنها درساً لن تنساه، بينما هتفت سلوى بغلظة، وتعالي: -إيه القرف اللي أنت عاوز تاكله ده يا شادي، أنت بتهزر! جعدت رحيق أنفها قائلة بضيق: -نعمة ربنا يتقال عليها قرف يا جدتي! كتم الجميع ضحكه على كلمتها الأخيرة، فهي لا تسمح لأحد بأن ينعتها بالجدة، فهي سيدة الطبقة العالية، وتفضل لقب "سلوى هانم". وعندما
سمعت كلمتها أردفت بحدة: -لا البيت بقى مهزلة، ومافيش قواعد ولا قوانين يتمشي عليها دي بقت حاجة تقرف! أردفت رحيق بخبث: -ليه يا جدتي ده كله ملتزم بكل حاجة، كله ماشي بالمسطرة زي الإنسان الآلي بالظبط. صكت أسنانها بعنف، ومن ثم غادرت المكان دون أن تنبت بحرف، بينما تابعت رحيق إطعام والدها. بعد أن انتهت، وأعطت والدها الدواء، قبلته بوجنته قائلة بحنان:
-استناني على ما أرجع من الشغل وخليك هنا في الجنينة تريح نفسيتك بدل ما تحبس نفسك فوق. أومأ لها بموافقة قائلاً: -حاضر يا قلبي متتأخريش عليا، وصلها يا شادي. أردف بوعيد: -حاضر يا بابا أنت تؤمر. اذدردت ريقها بتوتر، وسارت خلفه بحذر، وما إن غابوا عن الأعين، أطلقت لساقيها العنان لتركض بأسرع ما لديها، وانطلق الأخير بدوره يركض خلفها قائلاً بوعيد: -استني عندك ده أنا هوريكي، بتجري دلوقتي! أطلقت ضحكاتها الرنانة عليه،
وهي تركض قائلة: -بهزر معاك يا شيدو يا حبيبي. أردف بإصرار: -ولو، مش هتثبتيني بكلمتين حلوين من بتوعك دول. وعندما لم تجد مخرج، أخذت تفكر في حيلة، فسقطت أرضاً فجأة، وهي تصيح بألم مصطنع: -آه رجلي.. ثم أتقنت الدور حينما تساقطت دموعها الغير بريئة بالمرة قائلة: -رجلي يا شادي.. اعتراه الخوف ما إن رأى حالتها، فجلس بجوارها قائلاً بقلق جلي: -مالك حصلك إيه؟ نظرت أرضاً تهرب من عينيه قائلة بألم مصطنع: -رجلي اتلوت أنا وبجري.
أسندها بقلق قائلاً وهو يقف: -طيب تعالي نروح للدكتور يشوف رجلك. اتسعت عيناها بتوتر قائلة بتلعثم: -لا.. أنا كويسة خالص، قصدي وديني عند مدام سندس وهبقى تمام. ضيق عينيه ليستوعب أخيراً أنها تخدعه، فتنهد براحة كونها بخير، ونظر لها بخبث وهو يبتعد عنها، فوقفت دون أن تلاحظ أنها تقف بشكل طبيعي: -ماشي يبقى أوديكي لمدام سندس، بس يا ريت ما تكدبيش تاني علشان قلقت عليكي، وبردو مفيش مفر من العقاب، مردودلك قريب يا مُزة يلا بينا.
جعّدت جبينها بضيق قائلة: -بطل تقولي الكلمة دي! وبعدين إزاي واحد زيك يقول الألفاظ دي؟ ضحك بصخب قائلاً: -لا أنتِ معايا هتشوفي العجب. انتبهت حواسها لصوته، فـتراخت أطرافها، ونظرت له بتعجب من سبب مجيئه هنا، ولـوهلة شعرت بالخجل من فعلتها، ولكنها لم تتحمل الإهانة دون أن ترد اعتبارها. تقدم متخطياً ذلك الحشد، يطالع هيئتها المزرية قائلاً بصرامة: -غطي شعرك وعلى فوق دلوقتي حالاً. هتفت باعتراض: -بس... قاطعها بصرامة قائلاً بصوت
جهوري سرى الخوف بداخلها: -لما أقول فوق يبقى فوق. طالعته بغيظ، وامتثلت لأوامره، فسحبت الوشاح ووضعته على شعرها، وطالعت أسماء بغل، ومن ثم صعدت للأعلى بخطوات سريعة، بينما أردف هو بصوت عالٍ صارم: -يلا المولد خلص! كل واحد يروح لحاله. طالعته أسماء بغيظ، ثم هتفت بكره: -بص مراتك عملت فيا إيه؟ ده بدل ما تغلطها! لكن نقول إيه ما هي سحباك وراها. صك على أسنانه بغيظ، وود لو يقتلع عنقها على حديثها ذاك، ولكنـه تحلى بالجمود قائلاً:
-لولا أنك بنت كنت حاسبتك على كلامك ده كويس، وملكيش دعوة بمراتي، أنتِ سامعة؟ أردفت بحقد: -بعد كل اللي عملته ده وبتقول مراتي! ولا سيرتك اللي بقت على كل لسان في العمارة. فجرت كلماتها وانصرفت من أمامه مسرعة، بينما احتلت جهنم عينيه، وبرزت عروقه قائلاً بهدوء مغاير للخراب الذي يحدث بداخله وهو يوجه حديثه للمثلات أمامه: -عاوز توضيح للي بيحصل من ورا ضهري ده. هتفت عواطف بامتعاض: -يعني مش عارف بيقولوا إيه!
من ساعة اللي حصل وسرتنا بقت على كل لسان، أوعى كده أنا مش ناقصة. نزلت لتدلف لشقتها، وهي تتمتم بكلمات غير مسموعة، ولكن تعبيرات وجهها توحي بالكثير، وجه أنظاره لزوجة عمه قائلاً بتساؤل: -في إيه يا مرات عمي؟ هتفت توحيدة بتلعثم: -والله يا ابني مش عارفة أقولك إيه! بس أنت عارف كلام ستات كلها يومين تلاتة ويروح لحاله. قاطعها قائلاً بصرامة: -أيوه يعني بيقولوا إيه؟ لم تجد مفراً منه لذا أردفت باستسلام:
-بعدما أمك اتفقت مع أم أسماء على كل حاجة وأنت اتجوزت مريم الستات طلعوا كلام إن مريم ضحكت عليك وخلتك تتجوزها، وأنها عملت ده علشان تشوه سمعة أسماء. أردف بصدمة: -بتقولي إيه؟ هزت رأسها بحزن قائلة: -هما عارفين أنها شوهت سمعتها بس ميعرفوش كل التفاصيل أسماء اللي قالت و... لم ينتظر سماع كلماتها إذ نزل على الفور ليستفسر من حقيقة الأمر عند تلك الأسماء. طرق الباب بحدة ففتحت أسماء التي هتفت بضيق:
-إيه هي الهانم عبتك وجاي تفضيهم فيا؟ أردف بغيظ: -اخرسي خالص وقوليلي حقيقة الموضوع والكلام اللي سمعته ده؟ ابتسمت بخبث وقد وجدتها خطة مناسبة للانتقام منها: -هو أنت ما تعرفش! أش حال مكنتوش جايبينها من شقة عزاب وضحكت عليا وأخدتني معاها، قال إيه هتزور صحبتها أتاريها كانت بتخطط ليا علشان توقعني ولما رفضت هددتني بصور ليا مش كويسة هتوريها لأهلي لو اتكلمت، مريم دي واحدة شيطانة بتتلون ورا طيبتها وبراءتها اللي بتظهرهم للكل.
وكأنها أصابته بمقتل، حينما سمع جملتها الأخيرة التي عانى بسببها لسنوات مع واحدة أخرى. طالعها بصدمة لتؤكد حديثها حينما تابعت: -وكمان صوري معاها في شقة أبوها تقدر تروح تدور عليها هناك. وبدل ما تلومني أنا الضحية روح شوفها هي عملت إيه الأول، بعد إذنك هقفل الباب أصل أمي مش موجودة.
أنهت كلماتها ثم أوصدت الباب وهي تبتسم بمكر حينما رأت تعبيرات وجهه المصدومة والتي توحي بتأثره بحديثها، بينما شعر هو بصدمة شديدة ضربته كالفيضان المدمر، ولم يهيئ له الشيطان في تلك اللحظة سوى إنها محقة، فيتذكر جيداً أن والدها أتاه اتصال يخبره بوجود ابنته في مكان ما جعله ينتفض في مكانه كالملسوع من هول الصدمة، وأسرع للخارج كالمجنون، فما كان منهم سوى أن يتبعوه هو ووالده.
أخذ يتنفس بعمق، وهو لا يصدق أنها خدعتهم جميعهم، نهر نفسه بشدة عندما قرر أن يسمع لحديث صديقه ويبدأ معها من جديد، أي بداية وهي تكرر المثل الخداع والخيانة، وهذا أكثر ما يمقته. صعد لشقة عمه، وبعدها لغرفتها وهو يبحث عن تلك الصور بجنون، وهو يتمنى أن لا يجدها، ولكن خاب ظنه حينما وجد ذلك المظروف أعلى خزانة الملابس. فتحه وهو يحبس أنفاسه، وما إن وقعت عيناه على الصور، وضعها بمحلها بسرعة البرق من هول ما رأى.
صعد لشـقته وبركان الغضب يتصاعد بداخله. أغلق الباب بعنف محدثاً دوياً عالياً، وجال بعينيه في المكان، فلم يجدها، فعرف أنها بغرفتها، فدلف للداخل كالإعصار. كانت تتأوه بألم إثر الدفعة العنيفة التي تلقتها من تلك الماكرة عندما دفعتها على الحائط فاصتدم ذراعها به بقوة، فهتفت بغيظ: -طيب والله لأوريكي، خلاص مريم اللي انتوا تعرفوها ماتت، دلوقتي هتشوفوا مني واحدة تانية.
لم تكمل جملتها، إذ انتفضت بمكانها حينما وجدت إسلام يقتحم الغرفة بهذا الشكل لطالما احترم خصوصيتها سابقاً. هتفت بامتعاض: -أنت داخل زريبة و... بلعت باقي حروفها، وانتابها الخوف عندما رأت هيئته تلك، فكادت عروقه تنفر للخارج. تقدم نحوها، بلحظة قبض على ذراعها، حتى كاد أن يهشمه تحت قبضته. أنّت بخفوت قائلة: -سيب دراعي، انت عاوز مني إيه؟! هتف بغضب مكتوم: -أعمل فيكِ إيه ها أعمل فيكِ إيه؟ أخذت تتململ بعنف للفكاك من قبضته قائلة:
-أوعى بقولك أنت أتجننت.. أردف بغضب وحدة: -أنا اللي اتجننت ولا أنتِ اللي ما تربتيش! قطبت جبينها بذهول قائلة: -إيه؟ أردف بانفعال: -شيليه... شيليه مش لايق عليكِ أصلاً ولا على عمايلك. أردفت بضياع: -أشيل إيه؟ إسلام أرجوك فهمني في إيه بالظبط؟! دفعها بعنف، ورمى المظروف ناحيتها قائلاً باذدراء: -خدي شوفي أقصد إيه يا هانم.. التقطت المظروف الذي ما إن طالعته، دق قلبها بعنف، فهي تعرفه تمام المعرف، فنظرت له قائلة بتلعثم: -أنت...
أنت إيه اللي جاب ده عندك؟ أردف بتهكم: -يعني عارفاه! ما شاء الله على البجاحة.. ثم أردف بحدة: -أنتِ صنفك إيه بالظبط؟ بجد غلبت فيكِ! بتستدرجي واحدة لشقة واحد غريب! هزت رأسها بعدم فهم قائلة بتقطع، وهي على وشك الانهيار: -حرام عليك فهمني أنا مش فاهمة حاجة.. صفق لها بإعجاب قائلاً: -كات هايل يا فنانة، إبدااااع! ماشي هفهمك أنا بتكلم على أسماء اللي ضحكتي عليها و بتبتزيها بالصور دي علشان تسكت، فهمتي دلوقتي ولا لسة؟
شعرت بدوامة عنيفة تجرفها نحو الأعماق حيث المزيد من الآلام والجراح، وكانت ردة فعلها غريبة، إذ هزت رأسها بموافقة قائلة بجنون: -أيوة.. أيوة أنا اللي وديتها وأنا اللي عملت الصور دي علشان أبتزها زي ما بتقول، وأنا اللي عملت كل حاجة، إرتحت؟ بص أي إتهام موجه ليا اعتبرني عملته.. ثم أخذت تصرخ بجنون وهي تدفعه للخارج: -أطلع برة.... أطلع برة ... أنا بكرهك و بكرهكم كلكم ... أطلع برة و سيبوني في حالي..
وما إن خرج، صكت الباب بالمفتاح، ووقعت أرضاً إلى جواره، وانطلقت في موجة بكاء حارة، وهي تشعر بجروح العالم أجمع تجمعت بداخلها، وكم شعرت بالقهر الشديد لتحالف و تكاتف الجميع عليها. هتفت بحدة وهي تعنف نفسها: -تستاهلي يا مريم اشربي أنتِ اللي جبتيه لنفسك، حد قالك أمشي ورا مبادئك المثالية! أهي نفعتك بأيه؟ لبستك تاني في أجدعها حيطة، اشربي المر زي كل مرة....
وقف بالخارج كالتمثال في محاولة منه لاستيعاب ما حدث للتو، وسمع بكاءها، وحديثها الذي لم يفهم معظمه، ولكنّه لم يسمح لذاته بالتأثر، بل قرر أن يضع النقاط على الحروف، وأنه لن يمرر الأمر مرور الكرام هذه المرة. شعر بتأنيب الضمير لسماعه بكائها الذي يفطر القلوب، فركل المقعد الذي قبالته بعنف، ونزل مسرعاً للأسفل وهو يشعر بالنيران تحرقه بصدره وغير قادر على إخماده. ***
في مكان آخر تضغط على يديها بغيظ، ويدها الأخرى تمسك بالهاتف تنتظر الطرف الآخر، وما إن رد هتفت بغيظ: -إيه يا أخويا فينك كدة بعد ما أخدت القرشين خلعت و مورتناش وشك! أتاها صوته قائلاً بغلظة: -مش عملت المطلوب! عاوزة إيه تاني؟ جزت على أسنانها بغيظ قائلة بغضب مكتوم: -وأحنا دافعين دم قلبنا علشان الخطة تنجح بس أنت منفزتش اللي قولتلك عليه يا منيل! أردف بضجر: -الله! أنتِ هتشتمي!
لا دة أنا صايع اتقي شري أحسنلك، وبعدين هو في حد إداني فرصة أنفذ، أنا يدوب كنت هاخدها جوة لحد ما ييجوا و يشوفونا متلبسين، إلا إنك اتصلتي بدري عليهم، بتغلطيني ليه أنا دلوقتي؟ أردفت بتأفف: -خلاص على العموم الخطة يعني ما بظتش خالص، بس اللي قاهرني أنه أتجوزها، و الطربيزة أتقلبت بينا لكن أنا لحقت أتصرف ودلوقتي عاوزاك في خطة كدة تنفذها بالحرف ولو نجحت المرة دي هديك قد المرة اللي فاتت و أكتر. لمعت عيناه بجشع قائلاً:
-أؤمري وأنا أنفذ.. ابتسمت بخبث قائلة: -بص هو طلب صعب حبتين، بس متخافش هتاخد اللي تستحقه، فتح عنيك شوية و اسمعني كويس أنت هتعمل......... *** في إحدى النوادي المرموقة، وعلى إحدى الطاولات تجلس مع مجموعة من الشباب بمختلف الجنسين. هتفت إحداهن بتعجرف: -ياي، ازاي مستحملة البنت دي؟ ما تطردوها و ترتاحوا. غرزت أصابعها في خصلات شعرها تعبث بهم بدلال قائلة بضيق:
-ما أعرفش يا رودي بابا عاوزها معانا، بس محدش طايقها في البيت غير عمو و مراته وبابا وشادي بس. أردفت بلهفة، وعيناها تلمع ببريق إعجاب: -و مراد موقفه إيه؟ أوعي يكون في صفها؟ هزت رأسها بنفي قائلة: -لا طبعاً أنتِ عارفاه يدوب مستحمل روحه، وما أظنش أبداً أنه مهتم بالبنت البيئة دي. تنهدت بإرتياح قائلة: -طيب كويس ريحتيني، أمتى بقى يحن؟ رفعت حاجبها قائلة باستنكار: -يحن!
أنتِ بتحلمي يا رودي، مراد البنات ما بتأثرش فيه نهائي يا ما كتير حاولوا قبلك، نصيحة مني بتضيعي وقتك على الفاضي. غمز أحد الشباب بعبث قائلاً: -طيب ما تخليكي معايا أنا مش هتندمي. تأففت بضيق قائلة: -ماجد! أنت ما بتزهقش أبداً، البنات كتير حل عن دماغي بقى! تدخل لؤي قائلاً: -خلاص يا جماعة مش كل مرة هتتخانقوا، ها البارتي هتبقى عند مين النهاردة؟ أردفت سما بضحك:
-عندي أنا طبعاً، دي هتبقى بارتي هايلة كله معزوم مفيش كلام، هتيجي أكيد يا شيري؟ أومأت بتأكيد قائلة: -sure يا سيمو جاية هزوغ من الزفت مراد وأجي. نهرتها رودي قائلة: -متشتميش مراد كدة تاني يا شيري! أردفت بتهكم: -ok.. ok بس المهم ما يكونش موجود، بابي معينه جارد عليا، دي بجد حاجة تخنق. لمحت شاباً وسيماً يسير بعنجهية، يرتدي ملابس رياضية من ماركة عالمية، ونظارة سوداء ذادته جاذبية. هندمت ملابسها، وهبت واقفة قائلة بعيون لامعة:
-قوليلي يا رودي شكلي حلو؟ باسم جاي علينا. أردفت بضحك: -أهدي.. أهدي أنتِ perfect يا بيبي. أرسلت لها قبلة بالهواء، وهي تهم بالرحيل: -باي بقى دلوقتي، أشوفكم بعدين. نهضت بسرعة لتقفز بين ذراعي الآخر قائلة بهيام: -باسم وحشتني. حاوط خصرها قائلاً بعبث: -وأنتِ أكتر يا روحي، يلا نروح نقعد مع الشلة. زمت شفتيها المصبوغة باللون الأحمر الناري: -لا، خلينا نقعد لوحدنا أحسن، أنت وحشتني أوي. غمز لها بمرح قائلاً:
-وماله يا بيبي نقعد لوحدنا. سحب يدها، وتوجها إلى إحدى المقاعد، وجلسوا عليها يكملون حديثهم. *** يجلس على المقعد بخارج الوكالة وصدره يعلو ويهبط بعنف، فالنيران لم تنطفأ بعد. سحب محمد المقعد المجاور والذي يعمل بمحل لبيع المفروشات وهتف بتعجب: -مالك يا شِق؟ أنت لسة في طريقك المسدود دة؟ أردف بكذب: -مفيش يا محمد. أردف بعبث: -لا واضح أوي أنه مفيش! تأفف بضجر قائلاً: -محمد! نقطني بسكاتك..
نهض من مكانه قائلاً قبل أن يدلف للداخل مجدداً: -براحتك يا صاحبي. أخذ يهز قدمه بعصبية شديدة، وانتصب في وقفته فجأة، بينما كان يحلل بعض الأمور بعقله، فصعد للبناية التي يقطن بها، ومن ثم دلف شقته، وأخذ يبحث عنها بعينيه فوجدها تجلس على الأريكة بشرود وحزن مسيطر على وجهها، جلس إلى جوارها دون أن ينبت بكلمة، بينما لم تعيره أي إهتمام، فما بداخلها يكفي. فاقت على صوته قائلاً بهدوء: -سامعك. تطلعت له بتعجب، وهتفت: -مش فاهمة!
زفر بضيق قائلاً: -سامعك أحكي قولي اللي عندك بخصوص موضوع إتهامك اللي كان من شوية. أردفت بسخرية: -إيه هتسمعني دلوقتي! مش خلاص حكمت من شوية! جاي تقول إيه تاني؟ لسة في إتهام عاوز تضيفه؟ تنهد بضيق قائلاً: -استغفر الله العظيم، يا بنت الناس ما تهمدي كدة و خلينا نتكلم بهدوء. وضعت يدها في خصرها، واعتلت الأريكة قائلة بغيظ: -شوف مين اللي بيتكلم! أهدى أنت يا شبح وقول يا مسا. رفع حاجبه بذهول قائلاً: -نعم! بتقولي إيه؟!
ثم صاح ببعض الحدة: -أنتِ هتجننيني يا بت! مش كنتي بتولولي من شوية و قلباها دراما؟! أردفت بضيق: -ملكش دعوة أهو كيفي كدة وقوم يلا من هنا عاوزة أقعد لوحدي. هدر بعنف: -بت أنتِ أخرسي و اتعدلي بدل ما أعدلك، بلاش وقفة الرقصات دي! أتسعت عيناها بصدمة قائلة بغيرة: -رقصات! و شوفتهم فين دول الرقصات ها؟ عاملي فيها محترم وأنت بتلف على الكابريهات و.....
إممممممملم تكمل حديثها حيث جذبها نحوه فجأة، فالصقت بصدره، ووضع يده على ثغرها قائلاً بغيظ: -بس أهمدي الله يخربيتك عاوزة تلبسيلي مصيبة؟ توردت وجنتيها من قربه الزائد، وتواجدها بالقرب منه هكذا يزيد من دقات قلبها، حتى كادت تجزم أنه يسمع خفقانه. انسحبت أنفاسها، وشعرت بالتخدر هكذا حالها كلما اقترب منها.
تطلع لعينيها، ولوهلة شرد بهما هاتان البندقيتان الواسعتان اللتان تحيطهم رموش كثيفة طويلة، شعر بقشعريرة انتابته، ليبتعد عنها قائلاً بصوت جاهد أن يخرج طبيعي: -يا ريت تهدي و تقوليلي دلوقتي اللي حصل، أنا مش هحكم من غير ما أسمع للطرفين. مصمصت شفتيها بتهكم قائلة: -شوف سبحان الله يا جدع! إيه ضميرك نقح عليك فجأة؟ أردف بغيظ وهو يكور قبضته:
-ما تخلنيش أتغابى عليكي، ويا ستي محقوقلك كنت متعصب ولما هديت عرفت غلطي، والآن يلا اتكلمي قولي كل حاجة من غير ما تخبي. أردفت بحزن: -هي كدابة، والصور دي بتاعتها، وأنا ما أعرفش عنها أي حاجة صدقني، انا مش زي ما قالت، ولا زي ما هما بيقولوا، حرام عليكم والله تعبت منكم، أنا بني آدمو بحس زيكم و بتوجع زيكم، وبموت ألف مرة من كلامكم، سيبوني في حالي أنا أتعذبت كتير، حتى الحاجة الوحيدة اللي حبيت........
بترت كلماتها، ونظرت له بحب تكنه له منذ نعومة أظافرها، وودت لو تخبره أنه الشئ الوحيد الذي أحبته، والذي بعيد عنها كل البعد وصعب المنال، وودت لو تحتضنه وتبكي وتشكو له كل ما يجول بخاطرها، وبالفعل فقد تغلبت العاطفة على العقل، إذ بلحظة تهور منها احتضنته بقوة، بكل معاني العشق الذي يوجد له بداخلها، وانفجرت في نوبة بكاء مرير..........
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!