تحميل رواية «ذئب يوسف» PDF
بقلم ذكية محمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في منزل بسيط في إحدى الأحياء الشعبية فتحت عينيها على أثر خطوط أشعة الشمس الذهبية المنبعثة من الشرفة الخاصة بها ، و اختلطت بخصلاتها فصبغتها باللون البني اللامع ، كما أعطت بشرتها الناصعة لمعة خاصة . نهضت بتثاقل وهى تتثائب و تتمطأ بكسل ، نظرت فى الساعة وجدتها السابعة فهتفت بصوت ناعس :- بسرعة كدة جات سبعة دول يدوب خمس دقايق اللي نمتهم بعد الفجر. التقطت منشفتها و دلفت للمرحاض لتغتسل ، و الذي طلبت بتصميمه خصيصاً داخل غرفتها على الرغم من ظروفهم المعيشية المتوسطة ولكنها أصرت على ذلك منذ أن علمت بنوايا ا...
رواية ذئب يوسف الفصل الحادي عشر 11 - بقلم ذكية محمد
توجهت لغرفة والدها، وطَرقت الباب، ودلفت بعد أن تأكدت من عدم تواجد زوجة أبيها بالداخل.
رسمت ابتسامة عريضة حنونة قائلة:
- صباح الخير على أحلى بابا في الدنيا.
بادلها الابتسامة قائلاً بحب:
- صباح الورد على أحلى بنت في الكون كله.
مسكت الكرسي المتحرك الجالس عليه من الخلف قائلة بمرح:
- طيب يلا يا بابا علشان تفطر وتاخد دواك.
أردف بحنو:
- حاضر يا قلب بابا.
سارت به للخارج بحذر، فوجدت شادي مقدماً عليهم قائلاً:
- يا صباح الفل على الحلوين، إيه النشاط ده يا ست رحيق! تعالي بقى أما أساعدك علشان ننزل بابا تحت.
بالأسفل كان الجميع يجلس على مائدة الطعام، منهم من يجلس ببرود، ومنهم من يجلس بأريحية، وآخرون الغيظ يأكلهما بداخلهما.
هتفت ناريمان بغل واضح:
- وبعدين في المصيبة دي يا سلوى هانم؟ وجود البنت دي هنا بيخنقني!
هتفت لميس بحسن نية:
- لا مليكيش حق يا ناريمان البنت قمراية خالص و...
قاطعتها قائلة بحدة طفيفة:
- لميس بليز محدش طلب رأيك، أظن الموضوع ما يخصكيش.
حكت طرف أنفها بحرج من ردها اللاذع، بينما حدجها مراد بنظرات غاضبة، فعند والدته يُذاب الجليد الذي يحيط نفسه به، إذ هتف بجمود:
- والموضوع برضو أظن ما يخصكيش، اللي يقرر ده هو عمي وهو عاوز بنته هنا، فأظن رأيك ملهوش لازمة، بعد إذنكم شبعت.
نهض وتوجه للخارج بسرعة، بينما أخذت تطالعه بغل تارة، ولأمه تارة قائلة بحقد دفين بداخلها:
- لسة زي ما أنتِ يا لميس بتدافعي عن بنتها زي ما كنتِ تعملي زمان مع أمها، ماشي أنا هوريكم هعمل إيه ويا أنا يا هي في المكان ده.
أردفت سلوى بغل وهي توجه حديثها للمرشدي:
- أنت لازم تتصرف بسرعة بنت الخدامين دي استحالة تقعد هنا أكتر من كده.
إلا أنه فاجأها حينما هتف بصرامة:
- إحنا مضطرين نتقبل وجود البنت دي في حياتنا فعلشان كده أنا مع قرار وجودها.
نظرن له بصدمة، فهتفت شيري بكره:
- إيه اللي بتقوله ده يا جدو؟! أنا استحالة أعيش مع الراجل ده في مكان واحد، أقول إيه لصحابي البنات لما يشوفوها؟ لا، لا، it can't be.
أردف بصرامة:
- مش عاوز كلام في الموضوع ده تاني، أنا ما صدقت ابني رجع يبتسم تاني، وحالته اتحسنت كتير خليها جنبه لو ده هيخليه كويس بالشكل ده.
نهضت ناريمان قائلة بسخرية:
- أنت اللي بتقول كده يا مرشدي بيه! بجد مش قادرة أصدق.
أردف بمبالاة:
- والله دي حاجة ترجعلك.
انصرفت مسرعة، وبداخلها يزداد حقدها عليها، وتتوعد لها بالمزيد والمزيد.
وصلوا لطاولة الطعام، فسحبت هي أحد المقاعد وجلست إلى جوار والدها قائلة بضيق مكتوم:
- صباح الخير عليكم جميعاً.
ردوا التحية مابين اقتضاب وود، وآخرون تمنوا لو يقتلوها في الحال.
شعرت بالتوتر حيال النظرات المصوبة نحوها، فهتفت بابتسامة حنونة وهي تضع بعض الزبد بالمربى على الخبز، ومن ثم مدته لوالدها قائلة:
- اتفضل يا بابا أفطر، ومش عاوزة اعتراض، فاهم؟ أنا هزقطك النهاردة.
ضحك بخفوت قائلاً بخوف مصطنع:
- علم وينفذ يا أفندم.
لم تتحمل المكوث أكثر من ذلك، إذ قامت بمسح ثغرها بالمحرمة، بضيق قائلة قبل أن تغادر:
- oh, god. it's unbearable!
أخذت تنظر لأصناف الطعام بعدم رضا، وتنهدت بضيق، فمالت على شادي، وأردفت بهمس:
- هو أنتوا معندكمش أكل تاني غير ده؟
قطب جبينه قائلاً بتعجب:
- قصدك إيه؟ عاوزة أصناف غير دي؟ قولي عاوزة إيه وأنا هبعت الخدم يعملوه.
هزت رأسها بيأس قائلة:
- لا مش عاوزة أنا ليا أكتر من شهر باكل أكلكم ده من ساعة ما سبت الحارة، نفسي في طعمية وفول وبتنجان مخلل وطبق بثارة.
فتح عينيه على آخرهما قائلاً بدهشة:
- ها! قولتي إيه معلش؟
أردفت بضجر:
- بقولك عاوزة فول وطعمية وبتنجان مخلل وبثارة.
ابتسم ببلاهة قائلاً بخفوت:
- كلي من اللي قدامك أحسنلك، دول لو شافوا الأكل اللي بتقوليه ده يمكن يرموكي بالنار.
ضربت على صدرها بقوة وشهقت قائلة بصوت مسموع:
- يا نهار مش فايت! هو أنتوا بتقتلوا اللي بياكل فول وطعمية! آه يا كفرة يا...
نهرها من بين أسنانه حينما رأى البقية يتابعونها:
- بس يا رحيق إيه اللي أنتِ بتقوليه ده، ده وقت هزار برضو!
عندما كادت أن تتحدث، حدجها بنظرات صارمة، ثم همس بين أسنانه:
- اخرسي ومشيها هزار.
هزت رأسها بنعم، ثم امسكت خبز التوست المطلي بالزبدة والمربى تأكله، وأخذت تتناول الأومليت قائلة بتلذذ:
- الله على الأكل جميل بشكل! فول إيه وطعمية إيه اللي أنت عاوز تاكلهم يا شادي أنت اتجننت!
طالعها بذهول، وغيظ شديد، فأشار لها بوعيد أنه سيلقنها درساً لن تنساه، بينما هتفت سلوى بغلظة، وتعالي:
- إيه القرف اللي أنت عاوز تاكله ده يا شادي، أنت بتهزر!
جعدت رحيق أنفها قائلة بضيق:
- نعمة ربنا يتقال عليها قرف يا جدتي!
كتم الجميع ضحكه على كلمتها الأخيرة، فهي لا تسمح لأحد بأن ينعتها بالجدة، فهي سيدة الطبقة العالية، وتفضل لقب "سلوى هانم". وعندما سمعت كلمتها أردفت بحدة:
- لا البيت بقى مهزلة، ومافيش قواعد ولا قوانين يتمشي عليها دي بقت حاجة تقرف!
أردفت رحيق بخبث:
- ليه يا جدتي ده كله ملتزم بكل حاجة، كله ماشي بالمسطرة زي الإنسان الآلي بالظبط.
صكت أسنانها بعنف، ومن ثم غادرت المكان دون أن تنبت بحرف، بينما تابعت رحيق إطعام والدها.
بعد أن انتهت، وأعطت والدها الدواء، قبلته بوجنته قائلة بحنان:
- استناني على ما أرجع من الشغل وخليك هنا في الجنينة تريح نفسيتك بدل ما تحبس نفسك فوق.
أومأ لها بموافقة قائلاً:
- حاضر يا قلبي متتأخريش عليا، وصلها يا شادي.
أردف بوعيد:
- حاضر يا بابا أنت تؤمر.
اذدردت ريقها بتوتر، وسارت خلفه بحذر، وما إن غابوا عن الأعين، أطلقت لساقيها العنان لتركض بأسرع ما لديها، وانطلق الأخير بدوره يركض خلفها قائلاً بوعيد:
- استني عندك ده أنا هوريكي، بتجري دلوقتي!
أطلقت ضحكاتها الرنانة عليه، وهي تركض قائلة:
- بهزر معاك يا شيدو يا حبيبي.
أردف بإصرار:
- ولو، مش هتثبتيني بكلمتين حلوين من بتوعك دول.
وعندما لم تجد مخرج، أخذت تفكر في حيلة، فسقطت أرضاً فجأة، وهي تصيح بألم مصطنع:
- آه رجلي..
ثم أتقنت الدور حينما تساقطت دموعها الغير بريئة بالمرة قائلة:
- رجلي يا شادي..
اعتراه الخوف ما إن رأى حالتها، فجلس بجوارها قائلاً بقلق جلي:
- مالك حصلك إيه؟
نظرت أرضاً تهرب من عينيه قائلة بألم مصطنع:
- رجلي اتلوت أنا وبجري.
أسندها بقلق قائلاً وهو يقف:
- طيب تعالي نروح للدكتور يشوف رجلك.
اتسعت عيناها بتوتر قائلة بتلعثم:
- لا.. أنا كويسة خالص، قصدي وديني عند مدام سندس وهبقى تمام.
ضيق عينيه ليستوعب أخيراً أنها تخدعه، فتنهد براحة كونها بخير، ونظر لها بخبث وهو يبتعد عنها، فوقفت دون أن تلاحظ أنها تقف بشكل طبيعي:
- ماشي يبقى أوديكي لمدام سندس، بس يا ريت ما تكدبيش تاني علشان قلقت عليكي، وبردو مفيش مفر من العقاب، مردودلك قريب يا مُزة يلا بينا.
جعّدت جبينها بضيق قائلة:
- بطل تقولي الكلمة دي! وبعدين إزاي واحد زيك يقول الألفاظ دي؟
ضحك بصخب قائلاً:
- لا أنتِ معايا هتشوفي العجب.
انتبهت حواسها لصوته، فـتراخت أطرافها، ونظرت له بتعجب من سبب مجيئه هنا، ولـوهلة شعرت بالخجل من فعلتها، ولكنها لم تتحمل الإهانة دون أن ترد اعتبارها.
تقدم متخطياً ذلك الحشد، يطالع هيئتها المزرية قائلاً بصرامة:
- غطي شعرك وعلى فوق دلوقتي حالاً.
هتفت باعتراض:
- بس...
قاطعها بصرامة قائلاً بصوت جهوري سرى الخوف بداخلها:
- لما أقول فوق يبقى فوق.
طالعته بغيظ، وامتثلت لأوامره، فسحبت الوشاح ووضعته على شعرها، وطالعت أسماء بغل، ومن ثم صعدت للأعلى بخطوات سريعة، بينما أردف هو بصوت عالٍ صارم:
- يلا المولد خلص! كل واحد يروح لحاله.
طالعته أسماء بغيظ، ثم هتفت بكره:
- بص مراتك عملت فيا إيه؟ ده بدل ما تغلطها! لكن نقول إيه ما هي سحباك وراها.
صك على أسنانه بغيظ، وود لو يقتلع عنقها على حديثها ذاك، ولكنـه تحلى بالجمود قائلاً:
- لولا أنك بنت كنت حاسبتك على كلامك ده كويس، وملكيش دعوة بمراتي، أنتِ سامعة؟
أردفت بحقد:
- بعد كل اللي عملته ده وبتقول مراتي! ولا سيرتك اللي بقت على كل لسان في العمارة.
فجرت كلماتها وانصرفت من أمامه مسرعة، بينما احتلت جهنم عينيه، وبرزت عروقه قائلاً بهدوء مغاير للخراب الذي يحدث بداخله وهو يوجه حديثه للمثلات أمامه:
- عاوز توضيح للي بيحصل من ورا ضهري ده.
هتفت عواطف بامتعاض:
- يعني مش عارف بيقولوا إيه! من ساعة اللي حصل وسرتنا بقت على كل لسان، أوعى كده أنا مش ناقصة.
نزلت لتدلف لشقتها، وهي تتمتم بكلمات غير مسموعة، ولكن تعبيرات وجهها توحي بالكثير، وجه أنظاره لزوجة عمه قائلاً بتساؤل:
- في إيه يا مرات عمي؟
هتفت توحيدة بتلعثم:
- والله يا ابني مش عارفة أقولك إيه! بس أنت عارف كلام ستات كلها يومين تلاتة ويروح لحاله.
قاطعها قائلاً بصرامة:
- أيوه يعني بيقولوا إيه؟
لم تجد مفراً منه لذا أردفت باستسلام:
- بعدما أمك اتفقت مع أم أسماء على كل حاجة وأنت اتجوزت مريم الستات طلعوا كلام إن مريم ضحكت عليك وخلتك تتجوزها، وأنها عملت ده علشان تشوه سمعة أسماء.
أردف بصدمة:
- بتقولي إيه؟
هزت رأسها بحزن قائلة:
- هما عارفين أنها شوهت سمعتها بس ميعرفوش كل التفاصيل أسماء اللي قالت و...
لم ينتظر سماع كلماتها إذ نزل على الفور ليستفسر من حقيقة الأمر عند تلك الأسماء.
طرق الباب بحدة ففتحت أسماء التي هتفت بضيق:
- إيه هي الهانم عبتك وجاي تفضيهم فيا؟
أردف بغيظ:
- اخرسي خالص وقوليلي حقيقة الموضوع والكلام اللي سمعته ده؟
ابتسمت بخبث وقد وجدتها خطة مناسبة للانتقام منها:
- هو أنت ما تعرفش! أش حال مكنتوش جايبينها من شقة عزاب وضحكت عليا وأخدتني معاها، قال إيه هتزور صحبتها أتاريها كانت بتخطط ليا علشان توقعني ولما رفضت هددتني بصور ليا مش كويسة هتوريها لأهلي لو اتكلمت، مريم دي واحدة شيطانة بتتلون ورا طيبتها وبراءتها اللي بتظهرهم للكل.
وكأنها أصابته بمقتل، حينما سمع جملتها الأخيرة التي عانى بسببها لسنوات مع واحدة أخرى.
طالعها بصدمة لتؤكد حديثها حينما تابعت:
- وكمان صوري معاها في شقة أبوها تقدر تروح تدور عليها هناك. وبدل ما تلومني أنا الضحية روح شوفها هي عملت إيه الأول، بعد إذنك هقفل الباب أصل أمي مش موجودة.
أنهت كلماتها ثم أوصدت الباب وهي تبتسم بمكر حينما رأت تعبيرات وجهه المصدومة والتي توحي بتأثره بحديثها، بينما شعر هو بصدمة شديدة ضربته كالفيضان المدمر، ولم يهيئ له الشيطان في تلك اللحظة سوى إنها محقة، فيتذكر جيداً أن والدها أتاه اتصال يخبره بوجود ابنته في مكان ما جعله ينتفض في مكانه كالملسوع من هول الصدمة، وأسرع للخارج كالمجنون، فما كان منهم سوى أن يتبعوه هو ووالده.
أخذ يتنفس بعمق، وهو لا يصدق أنها خدعتهم جميعهم، نهر نفسه بشدة عندما قرر أن يسمع لحديث صديقه ويبدأ معها من جديد، أي بداية وهي تكرر المثل الخداع والخيانة، وهذا أكثر ما يمقته.
صعد لشقة عمه، وبعدها لغرفتها وهو يبحث عن تلك الصور بجنون، وهو يتمنى أن لا يجدها، ولكن خاب ظنه حينما وجد ذلك المظروف أعلى خزانة الملابس.
فتحه وهو يحبس أنفاسه، وما إن وقعت عيناه على الصور، وضعها بمحلها بسرعة البرق من هول ما رأى.
صعد لشـقته وبركان الغضب يتصاعد بداخله.
أغلق الباب بعنف محدثاً دوياً عالياً، وجال بعينيه في المكان، فلم يجدها، فعرف أنها بغرفتها، فدلف للداخل كالإعصار.
كانت تتأوه بألم إثر الدفعة العنيفة التي تلقتها من تلك الماكرة عندما دفعتها على الحائط فاصتدم ذراعها به بقوة، فهتفت بغيظ:
- طيب والله لأوريكي، خلاص مريم اللي انتوا تعرفوها ماتت، دلوقتي هتشوفوا مني واحدة تانية.
لم تكمل جملتها، إذ انتفضت بمكانها حينما وجدت إسلام يقتحم الغرفة بهذا الشكل لطالما احترم خصوصيتها سابقاً.
هتفت بامتعاض:
- أنت داخل زريبة و...
بلعت باقي حروفها، وانتابها الخوف عندما رأت هيئته تلك، فكادت عروقه تنفر للخارج.
تقدم نحوها، بلحظة قبض على ذراعها، حتى كاد أن يهشمه تحت قبضته.
أنّت بخفوت قائلة:
- سيب دراعي، انت عاوز مني إيه؟!
هتف بغضب مكتوم:
- أعمل فيكِ إيه ها أعمل فيكِ إيه؟
أخذت تتململ بعنف للفكاك من قبضته قائلة:
- أوعى بقولك أنت أتجننت..
أردف بغضب وحدة:
- أنا اللي اتجننت ولا أنتِ اللي ما تربتيش!
قطبت جبينها بذهول قائلة:
- إيه؟
أردف بانفعال:
- شيليه... شيليه مش لايق عليكِ أصلاً ولا على عمايلك.
أردفت بضياع:
- أشيل إيه؟ إسلام أرجوك فهمني في إيه بالظبط؟!
دفعها بعنف، ورمى المظروف ناحيتها قائلاً باذدراء:
- خدي شوفي أقصد إيه يا هانم..
التقطت المظروف الذي ما إن طالعته، دق قلبها بعنف، فهي تعرفه تمام المعرف، فنظرت له قائلة بتلعثم:
- أنت... أنت إيه اللي جاب ده عندك؟
أردف بتهكم:
- يعني عارفاه! ما شاء الله على البجاحة..
ثم أردف بحدة:
- أنتِ صنفك إيه بالظبط؟ بجد غلبت فيكِ! بتستدرجي واحدة لشقة واحد غريب!
هزت رأسها بعدم فهم قائلة بتقطع، وهي على وشك الانهيار:
- حرام عليك فهمني أنا مش فاهمة حاجة..
صفق لها بإعجاب قائلاً:
- كات هايل يا فنانة، إبدااااع! ماشي هفهمك أنا بتكلم على أسماء اللي ضحكتي عليها و بتبتزيها بالصور دي علشان تسكت، فهمتي دلوقتي ولا لسة؟
شعرت بدوامة عنيفة تجرفها نحو الأعماق حيث المزيد من الآلام والجراح، وكانت ردة فعلها غريبة، إذ هزت رأسها بموافقة قائلة بجنون:
- أيوة.. أيوة أنا اللي وديتها وأنا اللي عملت الصور دي علشان أبتزها زي ما بتقول، وأنا اللي عملت كل حاجة، إرتحت؟ بص أي إتهام موجه ليا اعتبرني عملته..
ثم أخذت تصرخ بجنون وهي تدفعه للخارج:
- أطلع برة.... أطلع برة ... أنا بكرهك و بكرهكم كلكم ... أطلع برة و سيبوني في حالي..
وما إن خرج، صكت الباب بالمفتاح، ووقعت أرضاً إلى جواره، وانطلقت في موجة بكاء حارة، وهي تشعر بجروح العالم أجمع تجمعت بداخلها، وكم شعرت بالقهر الشديد لتحالف و تكاتف الجميع عليها.
هتفت بحدة وهي تعنف نفسها:
- تستاهلي يا مريم اشربي أنتِ اللي جبتيه لنفسك، حد قالك أمشي ورا مبادئك المثالية! أهي نفعتك بأيه؟ لبستك تاني في أجدعها حيطة، اشربي المر زي كل مرة....
وقف بالخارج كالتمثال في محاولة منه لاستيعاب ما حدث للتو، وسمع بكاءها، وحديثها الذي لم يفهم معظمه، ولكنّه لم يسمح لذاته بالتأثر، بل قرر أن يضع النقاط على الحروف، وأنه لن يمرر الأمر مرور الكرام هذه المرة.
شعر بتأنيب الضمير لسماعه بكائها الذي يفطر القلوب، فركل المقعد الذي قبالته بعنف، ونزل مسرعاً للأسفل وهو يشعر بالنيران تحرقه بصدره وغير قادر على إخماده.
***
في مكان آخر تضغط على يديها بغيظ، ويدها الأخرى تمسك بالهاتف تنتظر الطرف الآخر، وما إن رد هتفت بغيظ:
- إيه يا أخويا فينك كدة بعد ما أخدت القرشين خلعت و مورتناش وشك!
أتاها صوته قائلاً بغلظة:
- مش عملت المطلوب! عاوزة إيه تاني؟
جزت على أسنانها بغيظ قائلة بغضب مكتوم:
- وأحنا دافعين دم قلبنا علشان الخطة تنجح بس أنت منفزتش اللي قولتلك عليه يا منيل!
أردف بضجر:
- الله! أنتِ هتشتمي! لا دة أنا صايع اتقي شري أحسنلك، وبعدين هو في حد إداني فرصة أنفذ، أنا يدوب كنت هاخدها جوة لحد ما ييجوا و يشوفونا متلبسين، إلا إنك اتصلتي بدري عليهم، بتغلطيني ليه أنا دلوقتي؟
أردفت بتأفف:
- خلاص على العموم الخطة يعني ما بظتش خالص، بس اللي قاهرني أنه أتجوزها، و الطربيزة أتقلبت بينا لكن أنا لحقت أتصرف ودلوقتي عاوزاك في خطة كدة تنفذها بالحرف ولو نجحت المرة دي هديك قد المرة اللي فاتت و أكتر.
لمعت عيناه بجشع قائلاً:
- أؤمري وأنا أنفذ..
ابتسمت بخبث قائلة:
- بص هو طلب صعب حبتين، بس متخافش هتاخد اللي تستحقه، فتح عنيك شوية و اسمعني كويس أنت هتعمل.........
***
في إحدى النوادي المرموقة، وعلى إحدى الطاولات تجلس مع مجموعة من الشباب بمختلف الجنسين.
هتفت إحداهن بتعجرف:
- ياي، ازاي مستحملة البنت دي؟ ما تطردوها و ترتاحوا.
غرزت أصابعها في خصلات شعرها تعبث بهم بدلال قائلة بضيق:
- ما أعرفش يا رودي بابا عاوزها معانا، بس محدش طايقها في البيت غير عمو و مراته وبابا وشادي بس.
أردفت بلهفة، وعيناها تلمع ببريق إعجاب:
- و مراد موقفه إيه؟ أوعي يكون في صفها؟
هزت رأسها بنفي قائلة:
- لا طبعاً أنتِ عارفاه يدوب مستحمل روحه، وما أظنش أبداً أنه مهتم بالبنت البيئة دي.
تنهدت بإرتياح قائلة:
- طيب كويس ريحتيني، أمتى بقى يحن؟
رفعت حاجبها قائلة باستنكار:
- يحن! أنتِ بتحلمي يا رودي، مراد البنات ما بتأثرش فيه نهائي يا ما كتير حاولوا قبلك، نصيحة مني بتضيعي وقتك على الفاضي.
غمز أحد الشباب بعبث قائلاً:
- طيب ما تخليكي معايا أنا مش هتندمي.
تأففت بضيق قائلة:
- ماجد! أنت ما بتزهقش أبداً، البنات كتير حل عن دماغي بقى!
تدخل لؤي قائلاً:
- خلاص يا جماعة مش كل مرة هتتخانقوا، ها البارتي هتبقى عند مين النهاردة؟
أردفت سما بضحك:
- عندي أنا طبعاً، دي هتبقى بارتي هايلة كله معزوم مفيش كلام، هتيجي أكيد يا شيري؟
أومأت بتأكيد قائلة:
- sure يا سيمو جاية هزوغ من الزفت مراد وأجي.
نهرتها رودي قائلة:
- متشتميش مراد كدة تاني يا شيري!
أردفت بتهكم:
- ok.. ok بس المهم ما يكونش موجود، بابي معينه جارد عليا، دي بجد حاجة تخنق.
لمحت شاباً وسيماً يسير بعنجهية، يرتدي ملابس رياضية من ماركة عالمية، ونظارة سوداء ذادته جاذبية.
هندمت ملابسها، وهبت واقفة قائلة بعيون لامعة:
- قوليلي يا رودي شكلي حلو؟ باسم جاي علينا.
أردفت بضحك:
- أهدي.. أهدي أنتِ perfect يا بيبي.
أرسلت لها قبلة بالهواء، وهي تهم بالرحيل:
- باي بقى دلوقتي، أشوفكم بعدين.
نهضت بسرعة لتقفز بين ذراعي الآخر قائلة بهيام:
- باسم وحشتني.
حاوط خصرها قائلاً بعبث:
- وأنتِ أكتر يا روحي، يلا نروح نقعد مع الشلة.
زمت شفتيها المصبوغة باللون الأحمر الناري:
- لا، خلينا نقعد لوحدنا أحسن، أنت وحشتني أوي.
غمز لها بمرح قائلاً:
- وماله يا بيبي نقعد لوحدنا.
سحب يدها، وتوجها إلى إحدى المقاعد، وجلسوا عليها يكملون حديثهم.
***
يجلس على المقعد بخارج الوكالة وصدره يعلو ويهبط بعنف، فالنيران لم تنطفأ بعد.
سحب محمد المقعد المجاور والذي يعمل بمحل لبيع المفروشات وهتف بتعجب:
- مالك يا شِق؟ أنت لسة في طريقك المسدود دة؟
أردف بكذب:
- مفيش يا محمد.
أردف بعبث:
- لا واضح أوي أنه مفيش!
تأفف بضجر قائلاً:
- محمد! نقطني بسكاتك..
نهض من مكانه قائلاً قبل أن يدلف للداخل مجدداً:
- براحتك يا صاحبي.
أخذ يهز قدمه بعصبية شديدة، وانتصب في وقفته فجأة، بينما كان يحلل بعض الأمور بعقله، فصعد للبناية التي يقطن بها، ومن ثم دلف شقته، وأخذ يبحث عنها بعينيه فوجدها تجلس على الأريكة بشرود وحزن مسيطر على وجهها، جلس إلى جوارها دون أن ينبت بكلمة، بينما لم تعيره أي إهتمام، فما بداخلها يكفي.
فاقت على صوته قائلاً بهدوء:
- سامعك.
تطلعت له بتعجب، وهتفت:
- مش فاهمة!
زفر بضيق قائلاً:
- سامعك أحكي قولي اللي عندك بخصوص موضوع إتهامك اللي كان من شوية.
أردفت بسخرية:
- إيه هتسمعني دلوقتي! مش خلاص حكمت من شوية! جاي تقول إيه تاني؟ لسة في إتهام عاوز تضيفه؟
تنهد بضيق قائلاً:
- استغفر الله العظيم، يا بنت الناس ما تهمدي كدة و خلينا نتكلم بهدوء.
وضعت يدها في خصرها، واعتلت الأريكة قائلة بغيظ:
- شوف مين اللي بيتكلم! أهدى أنت يا شبح وقول يا مسا.
رفع حاجبه بذهول قائلاً:
- نعم! بتقولي إيه؟!
ثم صاح ببعض الحدة:
- أنتِ هتجننيني يا بت! مش كنتي بتولولي من شوية و قلباها دراما؟!
أردفت بضيق:
- ملكش دعوة أهو كيفي كدة وقوم يلا من هنا عاوزة أقعد لوحدي.
هدر بعنف:
- بت أنتِ أخرسي و اتعدلي بدل ما أعدلك، بلاش وقفة الرقصات دي!
أتسعت عيناها بصدمة قائلة بغيرة:
- رقصات! و شوفتهم فين دول الرقصات ها؟ عاملي فيها محترم وأنت بتلف على الكابريهات و.....
إممممممملم تكمل حديثها حيث جذبها نحوه فجأة، فالصقت بصدره، ووضع يده على ثغرها قائلاً بغيظ:
- بس أهمدي الله يخربيتك عاوزة تلبسيلي مصيبة؟
توردت وجنتيها من قربه الزائد، وتواجدها بالقرب منه هكذا يزيد من دقات قلبها، حتى كادت تجزم أنه يسمع خفقانه.
انسحبت أنفاسها، وشعرت بالتخدر هكذا حالها كلما اقترب منها.
تطلع لعينيها، ولوهلة شرد بهما هاتان البندقيتان الواسعتان اللتان تحيطهم رموش كثيفة طويلة، شعر بقشعريرة انتابته، ليبتعد عنها قائلاً بصوت جاهد أن يخرج طبيعي:
- يا ريت تهدي و تقوليلي دلوقتي اللي حصل، أنا مش هحكم من غير ما أسمع للطرفين.
مصمصت شفتيها بتهكم قائلة:
- شوف سبحان الله يا جدع! إيه ضميرك نقح عليك فجأة؟
أردف بغيظ وهو يكور قبضته:
- ما تخلنيش أتغابى عليكي، ويا ستي محقوقلك كنت متعصب ولما هديت عرفت غلطي، والآن يلا اتكلمي قولي كل حاجة من غير ما تخبي.
أردفت بحزن:
- هي كدابة، والصور دي بتاعتها، وأنا ما أعرفش عنها أي حاجة صدقني، انا مش زي ما قالت، ولا زي ما هما بيقولوا، حرام عليكم والله تعبت منكم، أنا بني آدمو بحس زيكم و بتوجع زيكم، وبموت ألف مرة من كلامكم، سيبوني في حالي أنا أتعذبت كتير، حتى الحاجة الوحيدة اللي حبيت........
بترت كلماتها، ونظرت له بحب تكنه له منذ نعومة أظافرها، وودت لو تخبره أنه الشئ الوحيد الذي أحبته، والذي بعيد عنها كل البعد وصعب المنال، وودت لو تحتضنه وتبكي وتشكو له كل ما يجول بخاطرها، وبالفعل فقد تغلبت العاطفة على العقل، إذ بلحظة تهور منها احتضنته بقوة، بكل معاني العشق الذي يوجد له بداخلها، وانفجرت في نوبة بكاء مرير..........
رواية ذئب يوسف الفصل الثاني عشر 12 - بقلم ذكية محمد
عادت من العمل برفقة شادي الذي أتى و اصطحبها معه، ولكنها لاحظت الأجواء على غير العادة فهتفت بتعجب :- واد يا شادي هو في إيه ؟ الحركة مش طبيعية في البيت النهاردة!
هتف بصرامة مصطنعة وهو يمسكها من ملابسها كالأرنب :- واد ! بلعب معاكي أنا ! اسمها أبيه أي نيلة على عينك، يا بت أنا أكبر منك .
أردفت بتذمر وهي تحاول الفكاك منه :- يا عم مش لما تحترمني أنت الأول، بدل ما أنت عمال تمطوح فيا كدة .
تركها بغيظ قائلاً :- أديني سيبتك، يارب بس تلمي لسانك اللي زي المبرد دة .
أردفت بتساؤل وهي تتطلع للعمال الذين يعملون بهمة ونشاط :- بس مقولتليش ياض في إيه عندكم ؟ ولا دي أسرار عليا !
هز رأسه بيأس قائلاً :- اه منك اه، لا يا ستي مش أسرار ولا حاجة كل الحكاية أن ابن عمك عاصم راجع هو بنته النهاردة .
قطبت جبينها بتعجب قائلة :- مش اسمه مراد ولا متهيألي ! و بنت مين هو أتجوز ؟
ضربها على رأسها برفق قائلاً :- لا يا أم الغباء، دة أخوه وهو مسافر لندن وجاي النهاردة .
أومأت بتفهم قائلة :- مش تقول كدة يا عم بدل ما الواحد تايه كدة ! بس قولي في حد تاني ما أعرفهوش ولا خلاص على كدة أتعشت ؟
ضرب كتفها بمزاح قائلاً بتهكم :- لا يا شبح مفيش حد تاني، أمشي يا بت مش ناقصة جنان .
ضيقت عينيها بوعيد، وعلى حين غرة دفعته بقوة، و ركضت للداخل قائلة :- اللي يعرف أبويا يجي يقوله .
انتصب في وقفته بعد أن أختل توازنه ضارباً يد بأخرى قائلاً :- عليه العوض ومنه العوض، ماشي يا مجنونة .
ولجت للداخل فوجدتهم جميعهم بالأسفل حتى والدها، فابتسمت له بحنو، و ردت عليهم التحية، ثم توجهت لوالدها، و قبلت يده قائلة بمزاح :- شطور يا بابا هبقى أجبلك شكولاتة علشان سمعت الكلام . أخدت الدوا ولا لسة ؟
ضربها بخفة على رأسها قائلاً بضحك :- يا بكاشة عيل صغير أنا !
اه يا ستي أخدت الدوا وكله تمام .
ربتت على كتفه بإرتياح قائلة :- ربنا يكمل شفاك على خير يا بابا .
تدخل عمها قائلاً بابتسامة :- سيدي يا سيدي كل الحب دة واخده لوحدك يا مجدي.
وجهت أنظارها نحوه قائلة بمرح :- حاضر يا عمي هجبلك شيكولاتة.
ضحك بصخب قائلاً بمزاح :- لا أنا عاوز حبة من الحنان دة .
أردفت بضحك :- ماشي، بس متكونش لميس موجودة علشان ناخد راحتنا .
قطبت جبينها بضيق مصطنع قائلة :- إيه يا ست رورو عاوزة تاخدي جوزي مني ؟
رفعت كتفيها قائلة ببراءة واهية :- مش عمي ! يعني ما أدلعش الراجل !
ضحكت بخفوت قائلة :- وماله يا رورو دلعيه بس مش أوي ...
أردفت بتذكر :- ألا صحيح يا مرات عمي أنتوا ليكم ابن عايش برة و متقوليش .
ابتسمت بود قائلة :- مجاتش مناسبة يا حبيبتي، الحمد لله ربنا هداه وهيرجع بعد 3 سنين غربة .
شهقت بصدمة قائلة :- 3 سنين ! يلا ربنا يرجعه بالسلامة، بس قوليلي هو فريزر بردو ولا لا ؟
هزت رأسها بعدم فهم، فأسرعت الأخرى تسب نفسها بداخلها على تسرعها، و أردفت بابتسامة :- قصدي يعني هو طويل ولا قصير ؟ بقلم زكية محمد
أردفت بهدوء :- لا هو طويل زي مراد .
تمتمت بداخلها :- ربنا يستر و ميكونش فريزر زي أخوه . ثم تابعت بصوت مسموع :- شادي قالي أنه معاه بنت ؟
هزت رأسها بحزن قائلة :- اه عندها ست سنين، مامتها ماتت بعد ولادتها بسنتين في حادثة .
قطبت جبينها بأسى قائلة :- يا حبيبتي !
ربنا يرحمها، شوقتيني أشوفها أوي، هما هيجوا إمتى ؟
- يعني ساعتين تلاتة كدة .
رفعت بصرها بمكر قائلة :- إزيك يا جدي، إزيك يا جدتي، عاملة إيه يا مرات أبويا؟ ما بتردوش ليه ؟! سنانكم وجعاكم !
طيب أنا طالعة فوق .
قالت ذلك ثم توجهت للأعلى، بينما أردفت ناريمان بكره :- يا رب ما تلحقي تنزلي و تموتي ونرتاح منك .
______________________________________
الجمته الصدمة عندما وجدها تتشبث به كالغريق، وعلى الفور ازدادت ضربات قلبه بعنف، و ازدرد ريقه بصعوبة، ولا يعلم ما عليه فعله، إذ ظل كالجماد لا حركة له.
أخذت تنتحب بمرار لعلها تفرغ بعضاً من الثقل الذي تحمله، بكت كما لم تبكي من قبل، تركها هو تفرغ شحنة حزنها لعلها ترتاح بعد ذلك، بينما ظلت ذراعيه معلقة بالهواء، لا يعرف أيحاوطها و يبعث لها الأمان، أم يظل هكذا حتى تبتعد هي ؟!
بدأت وتيرة أنفاسه تزداد، و شعر بنقص الهواء بالمكان، ربما نقلت له عدوتها، أو هو على مشارفها .
ما إن أدركت فعلتها و وضعها، شعرت و كأنها تذوب كالزبد من فرط الخجل، لاحظ هو تيبسها، فأسرعت تجلس بعيداً عنه، و أحنت رأسها للأسفل كي تتحاشى النظر إليه، و بدأت تضغط على أصابعها حتى كادت أن تدميها .
خرج صوتها بتلعثم تبرر فعلتها قائلة :- أنا،أنا،مممم، ما أقصدش،أنا مش عارفة عملت كدة إزاي !
هز رأسه بهدوء قائلاً كي يرفع عنها الحرج :- مفيش مشكلة، يلا أتكلمي و قولي اللي حصل .
رفعت عينيها الدامية نحوه قائلة بقهر :- و هتصدق ؟
أومأ بتأكيد قائلاً :- أيوة هصدق ..
أخذت نفساً عميقاً، ثم بدأت تقص عليه كل شئ من بداية مجيئها لطلب المساعدة منها حتى تلك اللحظة، وسط تعبيراته التي كانت ما بين الذهول والصدمة والتعجب و الغيظ والغضب تجمعت بداخله، وما إن انتهت أردفت بدموع حبيسة :- والله العظيم هو دة اللي حصل، أنا معرفهمش، روحت معاها من باب الإنسانية، ولو أعرف إن كل دة هيحصل كنت رفضت، بضرب نفسي مية جزمة إني ساعدتها .
طالعها بفاه يصل للأرض، وهتف بعدم تصديق :- يعني أنتِ استحملتي ضرب أبوكي، و كلامنا اللي زي السم علشان بس ما تفضحيهاش ؟
أومأت بضعف قائلة :- أيوة استحملت كل دة علشان الحديث بيقول :- عن مسلمة بن مخلد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "من ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، ومن فك عن مكروب كربة فك الله عز وجل عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته"
بس هي مسبتش حاجة عدلة، قلبت الطربيزة عليا، و دلوقتي يا إسلام يا ريت متقولش لحد، أنا بس so قولتلك علشان مش قادرة استحمل نظرات الإتهام دي منك واسكت .
أردف بانفعال :- نعم ! مقولش لحد !
أنتِ هبلة ؟ إزاي مقولش لحد ؟ و سيرتك اللي بقت على كل لسان في العمارة، وعلاقتك بأبوكي و أخوكي اللي تقريباً باظت ؟ بقلم زكية محمد
أردفت بحزن :- الناس هتنسى، أما بابا مش أول مرة علاقتنا تبوظ بالشكل دة، أنا أكتر حاجة وجعاني أنه موثقش فيا في بنته اللي عايشة تحت عينه .
أردف بنفي :- بس أنا هقول للكل ومش هسكت .
قال ذلك ثم خرج مسرعاً، بينما جلست و وضعت يديها على وجهها قائلة برجاء :- ربنا يستر و تعدي على خير، سامحني يا رب غصب عني .
_____________________________________
نزل لشقة أسماء، وطرق الباب، ففتحت والدتها الباب، وهتفت بضيق :- يا أهلاً إيه جاي تكمل على البت مكفاكش اللي عملته مراتك ؟
هتف بهدوء مصطنع :- أنا جاي أعتذر يا خالتي لأسماء يا ريت تناديها.
أردفت بضيق :- و متجيش ليه هي الهانم ولا على رجلها نقش الحنة !
زفر بضيق قائلاً بضجر :- بعدين هجبها تعتزر .
مصمصت شفتيها بتهكم قائلة :- لما نشوف !
إتفضل يا إسلام على ما أناديها .
دلف للداخل وهو يحمحم بصوت عال قائلاً :- يا ساتر .
بعد دقائق، جلست قبالته قائلة بضيق :- خير يا أستاذ إسلام !
حمحم قائلاً :- ما تعملينا كوبايتين شاي يا خالتي، وحشني الشاي بتاعك .
ابتسمت بانشراح قائلة :- من عنيا يا إسلام ..
تابعها بعينيه حتى اختفت، فنظر لأسماء قائلاً بغيظ :- بقى مراتي هي اللي صورتك، وهي اللي ودتك هناك ؟
زاغت عيناها بتوتر قائلة :- أيوة .
أردف بوعيد :- اممممم طيب حيث كدة بقى إيه رأيك يا حلوة الصور دي هوديها لأبوكي تحت دلوقتي ..
اتسعت عيناها بذعر قائلة :- لا لا أبويا لا الله يخليك بلاش .
أردف بمكر :- ليه ؟ دة علشان يجبلك حقك !
هزت رأسها بعنف قائلة بتلعثم :- أنا، أنا مسمحاها خلاص.
ضيق عينيه بغل قائلاً :- مش عيب عليكي يا أسماء تكدبي ؟ أنا هنزل لأبوكي و هقوله إنك كنتي مصاحبة الواد دة اللي في الصور و شوفي بقى الحج هيعمل إيه ؟
ارتجفت أوصالها، و أردفت برعب وهي تهم بتقبيل يده قائلة :- أبوس إيدك بلاش أبويا يعرف، دة هيموتني و هيرجعني الصعيد ومش هيخليني أكمل علامي .
أبعد يده سريعاً قائلاً بغيظ :- ومش حرام عليكي تتهمي غيرك في ذنب أنتِ عملتيه ؟ إيه يا شيخة دة إبليس يتعلم منك ! عملتي كدة ليه دة جزاتها أنها ساعدتك .
جزت على أسنانها بغضب،فلم تتوقع أبداً أن تخبره، لطالما هي كاتمة الأسرار ولا تخبرها لأحد مهما كلفها الأمر، إلا أنها أخبرته تلك المرة، فأردفت بغل :- هي كدابة على فكرة بتحاول تبرأ نفسها قدامك.
زم شفتيه باستنكار قائلاً :- برده هتقولي كدابة !
شوفي يا بنت الناس أنا هعمل اعتبار لأبوكي الراجل الكُبرة دة ومش هتكلم، بس قصاد إنك تمسحي الكلام اللي نشرتيه من عقول النسوان بأستيكة، فاهمة يا شاطرة ؟ اتقي شري أحسنلك، و اه الصور هتفضل معايا لحد ما تنفذي .
ثم نهض قائلاً باذدراء :- سلام يا ...يا حلوة .
انصرف مسرعاً، وظلت كما هي شاحبة الوجه، و حديثه يتردد في أذنيها، بينما أتت والدتها وهي تحمل الشاي قائلة بتعجب :- أومال الجدع راح فين ؟
لم تجبها، بل ظلت شاردة في ملكوتها، فتابعت والدتها بحدة طفيفة :- بت يا أسماء أنتِ يا بت !
انتفضت في مكانها قائلة :- خير يا أما ؟
- فين إسلام ؟
أردفت بتلعثم :- اااا، معرفش قصدي مشي معاه مشوار مستعجل، أنا داخلة أكمل مذاكرة .
تركتها وانصرفت للداخل و بداخلها خوف من القادم .
______________________________________
صعد لشقة عمه، وجلس معه منفرداً قائلاً بمزاح :- إيه يا عمي مش ناوي تنورنا في الشقة و تتعشى عشوة حلوة كدة من بنتك !
عبس قليلاً قائلاً :- لما أفضى من شغل الوكالة.
تنهد بعمق من عمقه العنيد الذي تشبهه ابنته في الكثير من الصفات، و أردف بهدوء :- لا أنت بكرة إن شاءالله هتاجي تتعشى معانا أنت و العيلة كلها ودة آخر كلام يا عمي هزعل بجد، و مريم هتزعل أكتر .
أردف بغيظ :- بالله عليك ما تجيب سيرتها دة إحنا اتفضحنا من تحت راسها .
أردف بحذر :- عمي مريم ما عملتش حاجة كل دة كدب .
هتف بانفعال :- واللي شوفناه كدب !
دة أنت حتى كنت معانا يا راجل !
زفر بتعب، ثم أخذ يقص عليه ما حدث، ولم تكن صدمته أقل منه، فأردف بغضب عارم عندما انتهى إسلام من سرد الحقيقة عليه :- اه يا بنت ال.......
ثم نهض متابعاً بغل :- طيب وديني لأوريها بت ال.....دي .
مسكه إسلام مانعاً إياه من الخروج قائلاً بروية :- أهدى يا عمي مش كدة، أهدى و فكر بالعقل، أنا بس قولتلك علشان أبرأ مريم قدامك، إنما نعمل مشاكل خلينا إحنا الأصلة .
أردف بانفعال وغضب من نفسه :- والكلام اللي سمعته عن بنتي، هنصلح دة إزاي؟ هنروح نقول لكل واحد وواحدة دة كدب من غير مبرر ؟
هز رأسه بنفي قائلاً بمكر :- أطمن يا عمي أوعدك زي ما قالت عنها الكلام الوحش دة هخليها تصلح كل حاجة.
أردف بحنق :- والأستاذة اللي فوق ساكتة ليه؟ ما نطقتش و برأت نفسها ليه ولا غاوية تعب والسلام !
ثم تابع بندم شديد :- دة أنا ضربتها لأول مرة في حياتي أرفع إيدي عليها .
مط شفتيه بضيق قائلاً :- بنتك ضحت بنفسها علشان واحدة ما تستاهلش، وإن كان على مريم بكرة تيجي بعلبة بسبوسة حلوة كدة و تصالحها بيها، يلا هسيبك أنا بقى تصبحوا على خير .
بعد وقت دلف وهو يحمل الصغير الذي يغفو بسلام على كتفه، أسرعت مريم نحوه لتمسك الصغير و تضعه بالفراش قائلة :- يا حبيبي أنت نمت !
حملته برفق، و رفعت أنظارها نحو الآخر قائلة بهدوء خجل :- غير هدومك علشان تتعشى، هروح أنيم ميدو و أحضر الأكل علطول .
أومأ لها بابتسامة خفيفة، بينما دلفت هي لتضع الصغير برفق على الفراش، و قبلته في وجنته المكتنزة بحنان، ثم دثرته جيداً، لتخرج بعدها و ترص الطعام على الطاولة ريثما ينتهي هو.
جلست تنتظره، فخرج مرتدياً ملابس بيتية مريحة، ومن ثم جلس ليتناول طعامه .
نظرت له بحذر قائلة :- عملت إيه ؟
ابتسم بهدوء قائلاً :- متقلقيش عملت كل خير، ثقِ فيا .
ابتسمت له بامتنان،فظهرت غمازتها التي يلاحظها لأول مرة، قائلة بشكر :- شكراً على اللي عملته معايا، و شكراً إنك صدقتني.
قطب جبينه قائلاً بمرح :- بتشكريني على إيه يا هبلة ؟ أنتِ ناسية إني جوزك، وإن دة واجبي ناحيتك
قرع قلبها كالطبول بين ضلوعها، و اصطبغت وجنتيها باللون القرمزي، وكم دغدغت الكلمة مشاعرها برقة، اقشعر بدنها على إثرها، فهزت رأسها بخفوت، ونظرت للطعام تلهي ذاتها كي تهرب منه، بينما أخذ هو يطالعها بمشاعر جدت عليه لم تكن أبداً في الحسبان، فهو بين عقل ينهره، وقلب يخبره بأن يقترب ولم لا طالما هي زوجته، ولكنه لا يزال حبيس ذكريات مؤلمة له، و بعيداً عن هذا يشعر بأنه يقترف خطأً جسيماً كلما تذكر أنها كانت يوماً زوجة أخيه .
تنحنح بخشونة قائلاً :- بكرة إن شاءالله هيكون في عزومة عندنا بابا وعمي ومحمود وكله .
هزت رأسها قائلة برقة :- طيب كويس قولتلي من دلوقتي علشان أعمل حسابي، بس في حجات ناقصة كدة .
- اكتبِ اللي ناقص في ورقة وأنا هجيبه.
إلتزم كلاً منهم الصمت، حتى أنهوا طعامهم، وبعد أن لملمت الأطباق و غسلتها، أردفت بتوتر :- تحب تشرب حاجة ؟
عبث في خصلات شعره قائلاً :- اه يا ريت كوباية نسكافيه .
أومأت له، و ولجت للداخل،بينما امسك ياقة الفانلة الصيفية التي يرتديها، و أخذ يحركها بعشوائية لينبعث الهواء له قائلاً :- و بعدين معاك بقى ؟ هو النفس بيتشفط من المكان كدة ليه ؟ شكلك مش هتجبيها البر معايا .
أدار التلفاز، و أخذ يقلب في القنوات حتى استقر على أحد الأفلام الأجنبية الشهيرة، فأخذ يتابعه بتركيز شديد على الرغم من أنه شاهده العديد من المرات .
أتت وهي تحمل كوبين و وضعتهم على الطاولة الصغيرة، وما إن رأت الفيلم هتفت بصوت حماسي :- الله ! مملكة الخواتم، خليه يا إسلام بالله عليك، أنا بحبه أوي.
أردف بضحك :- أهو قدامك مش هقلب، تعالي نتفرج عليه سوا .
أومأت بابتسامة اخترقت صدره كالرصاصة، ولكنها أحدثت نغماً هادئاً محبباً بداخله .
جلست إلى جواره قائلة:
- دة الجزء الأول followship of the ring حلو جدا. كده نسمع على رواقة.
ظلا يشاهدان الفيلم بانسجام شديد. وبمرور الوقت، شعر بثقل على كتفه. فوجه مقلتيه ناحيتها، وجدها تغفو على ذراعه بسلام. وكادت رأسها أن تسقط لولا يده التي حالت دون ذلك. فمال بظهره على الأريكة، وأراح رأسها على صدره، وسرعان ما سمع دقات قلبه السريعة مجددا.
رفع يده التي كانت ترتجف قليلا، وأزاح خصلات شعرها التي تحجب عنه رؤية وجهها. وأخذ يسير بأصابعه على بشرتها الناعمة يتلمس ملامحها ببطء. وجدها تجعد أنفها بضيق أثر فعلته، فابتسم بعبث وكرر الفعلة. فهتفت بنعاس:
- بس يا ميدو، عاوزة أنام.
كتم ضحكته بصعوبة وكرر الفعلة. فصدمته حينما أردفت بنعاس، وهي مغمضة العينين، حينما رفعت رأسها قليلا، ثم جذبت رأسه ناحيتها وقبلته في وجنته بعمق قائلة:
- أديني بوستك أهو، يلا بقى سيبني، عاوزة أنام.
قالت ذلك ثم عادت أدراجها لتتوسد صدره مجددا، تنام بعمق وهي تشعر بالدفئ يغلفها. فأحتضنته أكثر لتهمهم بسعادة وكأنها تطير فوق السحب، ولا تعي لذلك الذي كاد أن يصل ثغره للأرض بعد فعلتها. لو كان عداءا بماراثون يركض فيه لما كانت حالته كهذه. أخذ صدره يعلو ويهبط بعنف، وحبات العرق تجمعت فوق جبينه. فهتف بتوتر:
- أنا قولت من الأول أنها مش هتجيبها البر.
قال ذلك ثم نهض بحذر من جوارها كالملسوع، وازدرد ريقه بتوتر. وكاد أن يدلف لغرفته ليهرب من تلك المشاعر اللعينة التي تطارده في الآونة الأخيرة. لا يريد أن يعترف بها، ولكنها ترغمه في كل مرة على الاعتراف، وكأنها تخبره لا مفر من الهروب. نظر لها وجدها تنام بعدم راحة، فتنهد بصعوبة قائلا بتبرير زائف:
- يووه، أنا هشيلها وأنامها مكانها وخلاص.
سحب نفسا طويلا لعلومه نقص الأكسجين قرابتها. حملها برفق وتوجه لها ناحية غرفتها، ومن ثم مددها برفق. ووجد نفسه يقبلها بوجنتها بخفوت. وفعل المثل مع الصغير ودثرهما جيدا. ومن ثم خرج من الغرفة، وهتف بابتسامة حالمة:
- شكلك بتتكلم صح يا محمد، لازم أتغلب على كل حاجة وأبدأ معاها من جديد.
بقلم زكية محمد
_____________________________________
قبل ذلك بساعات قليلة كانت العائلة تجلس مع الابن الغائب والذي أشتاق إليه الجميع، وكانت الطفلة تجلس على قدم رحيق التي اندمجتا معاً سريعاً و أحبت رحيق الفتاة كثيراً، ولكن ما أثار دهشة عاصم هو معرفته أن لديه ابنة عم أخرى على قيد الحياة فقد ظنها أنها ماتت مع والدتها فهتف بتعجب :- بس إزاي دة لقتوها فين ؟
هتف شادي بعملية :- كانت عند خالتها و بابا لقاها هناك .
هز رأسه بعدم اكتراث للتدخل في تفاصيل أكثر قائلاً :- أها أوك الحمد لله أنها بخير و لقتوها .
عند رحيق كانت تود النهوض للقيام بأمر ضروري، فهتفت بحنو للصغيرة :- جوجو حبيبتي روحي لتيتة يلا، أنا هروح فوق ورايا شغل .
هزت الصغيرة رأسها برفض قائلة :- no,no أروح معاكي يا رحيك .
ابتسمت بحنان قائلة :- بصي خليكي هنا وأنا هجبلك حجات حلوة كتير .
أردف شادي بضحك :- يا سلام يا ست رحيك سحرتي للبنت بسرعة كدة لدرجة أنها مش عاوزة تسيبك، شوفت يا عاصم ؟
هتف بابتسامة ودودة :- جوري تعالي هنا يا حبيبتي.
توجهت لوالدها، بينما صعدت الأخرى للأعلى بخفة حتى لا يشعر بها أحد، و ولجت غرفتها و أبدلت ملابسها بسرعة، و بعد أن انتهت توجهت لغرفة شقيقتها ، و وقفت في جانب غير مرئي بحيث لا تراها عندما تخرج، وما هي إلا ثوان حتى خرجت الأخرى ترتدي ملابس سهرة فاضحة، و تسير ببطئ شديد تنظر يميناً و يساراً كاللص حتى نزلت، فأسرعت الأخرى تسير خلفها بحذر حتى لا تشعر به من في المقدمة .
خرجت من الباب الخلفي من خلال المطبخ، ومن ثم أسرعت في مشيتها ناحية السور الذي وضعت عنده سلم حديدي حتى يتسنى لها الهروب دون أن يراها الحرس وعندها سيخبرون مراد و سيفشل مخططها حين إذ، بعد أن صعدت قفزت من الجانب الآخر بحذر فهي معتادة على ذلك، و نهضت تنفض هندامها قائلة بضجر :- أوف دي بقت حاجة تخنق، بس كله يهون علشان بسومتي.
سارت للأمام لتقفز خلفها رحيق التي تألم قدمها قليلاً فقالت بعبوس :- اه يا قردة عملتيها إزاي دي ؟ !
استقلت الأولى سيارة أجرة، وفعلت الثانية المثل و أخبرت السائق بأن يتبعها وأن لا تغيب عن مرمى بصره.
استرجعت بذاكرتها قبيل ذلك بقليل حينما كانت تسير صدفة، ولكنها وقفت بصدمة حينما سمعتها تتحدث مع شاب، و قد تواعدا بأن يتقابلا بمنزل أحدهم، فمنذ ذلك الحين ساورها القلق حيال الموضوع، ولهذا هي تسير خلفها الآن و تراقبها .
بعد وقت توقفت السيارة أمام فيلا كبيرة، فترجلت منها و دلفت للداخل بعد أن تأكد الحارس من هويتها، فنزلت الأخرى لتفعل مثلها إلا أن الحارس منعها من الدلوف، فرجعت تجر أذيال الخيبة، ولكنها لم تستسلم حيث أخذت تنظر هنا وهناك إلى أن لمحت سيارة تقف بجوار السور، فسارت بسرعة و أعتلت السيارة بصعوبة، ومن ثم تسلقت السور، و نظرت تحتها لتغلق عينيها وتقفز لتطلق صرخة عالية قائلة بألم :- كان مالي بس يا ربِ ما تروح مطرح ما تروح، اه يا رجلي يا عضمك يا رضا !
أما أقوم أشوف المتسهوكة دي راحت فين وهتعمل إيه ؟
سارت للأمام لتسمع صوت موسيقى صاخبة فتوجهت نحو الصوت، لتُفاجئ من وجود مجموعة من الفتية يتراقصون على أنغام الموسيقى، وكذلك الفتيات اللاتي يرتدين ملابس لا تقل فضاحة عن أختها.
شهقت بصدمة قائلة :- إيه قلة الأدب دي !
العيال دي ملهاش أهل يربوهم ؟
استشاطت غضباً عندما وجدت شيري تجلس بجوار شاب، وذلك الشاب يحاوطها من خصرها يقربها منه، فتوجهت نحوهما كالصاروخ و سحبتها من ذراعها بقوة لتقف قبالتها قائلة بحدة :- إيه اللي بتعمليه دة؟
تطلع لها الموجودن بتعجب من تواجد تلك الغريبة بينهم، بينما طالعتها شيري بذهول، ولكنها هتفت بغضب :- وأنتِ مالك و بعدين إيه اللي جابك هنا، أنتِ بتجسسي عليا ؟
أردفت بغضب :- جيت إزاي بنفس الطريقة اللي جيتي بيها هنا، أما بتجسس عليكي دي فأنا مليش دعوة بيكي نهائي بس لما الموضوع يخص بابا و سمعته يبقى لازم أتدخل، قدامي على البيت من سكات .
دفعتها بقوة كادت أن تطرحها أرضاً قائلة بحدة :- أنتِ ملكيش دعوة بيا أنتِ فاهمة ، أنا هخلي الحرس يرموكي برة .
تدخل أحدهم قائلاً بعبث :- مين المزة دي يا شيري، ما تعرفينا ؟
بينما أخذ باسل يطالعها بإعجاب واضح قائلاً بهدوء :- أهدي يا شيري أعصابك يا بيبي، مين دي ؟
أجابته وهي تطالع رحيق بازدراء:- دي اللي قولتلك عليها قبل كدة ..
هز رأسه بتذكر قائلاً :- اه دي أختك ؟
أردفت بانفعال :- متقولش أختي أنت هتعمل زيهم .
هز رأسه بنفي قائلاً بروية :- أوكي أوكي مش أختك بس أهدي وأنا هتصرف .
ربعت يديها قائلة :- لما نشوف يا باسل !
تقدمت رودي منها قائلة بخفوت وهي تمعن النظر في رحيق :- هي دي اللي قولتي عليها ؟
زفرت بضيق قائلة :- أيوة هي، الهانم ماشية ورايا وعرفت مكاني انا خايفة لمراد يجي و تبقى مصيبة .
حدجتها رودي بحقد،فهي تبدو فاتنة على الرغم ما ترتديه من ملابس محتشمة، فشعرت بغل تجاهها خشية أن تؤثر على مراد، فأخذت تفكر في حل للإيقاع بها، وما إن توصلت له، مالت على أذن الأخرى لتخبرها بما يدور بمخيلتها، و سرعان ما ازدادت ابتسامة الأخرى بخبث وهي تهز رأسها بموافقة.
أسرعت شيري تردف بود مزيف :- رحيق بليز ما تقوليش لحد أنا عملت كدة علشان محدش هيرضى يخليني أسهر، هقعد شوية و همشي علطول، روحي وأنا هحصلك.
هزت رأسها بنفي قائلة بإصرار :- لا رجلي على رجلك هنمشي دلوقتي مع بعض، وبعدين إيه اللي أنتِ لابساه دة يا هانم مبين جسمك، لو مش خايفة من أبوكي وأخوكي خافي ربنا .
جزت على أسنانها بغيظ، ولكنها أظهرت عكس ذلك قائلة بهدوء مغاير :- تعالي بس متخافيش، طيب إيه رأيك تستنيني و نمشي سوا، منها أقعد شوية ومنها أقعد قدامك تحت عينك أهو .
أردفت باستسلام :- ماشي لما نشوف أخرتها إيه معاكي، واه متتلزقيش في الواد الملزق دة .
هزت رأسها قائلة بابتسامة مصطنعة :- حاضر يلا أقعدي بقى دة أنا هجبلك عصير انما إيه صنف جديد مجربتهوش قبل كدة .
أتت رودي وهي تحمل أكواب و قدمتها لهن قائلة بابتسامة مزيفة :- اتفضلوا العصير.
تناولت منها الكوب لتتجرعه بنهم، لشعورها بالعطش الشديد، و بعد أن أفرغت الكوب هتفت بتعجب :- العصير دة بيحرق في الزور أوي !
أردفت شيري بخبث وهي تناولها كوباً آخر :- دة عصير كوكتيل جديد خدي اشربي تاني دة حلو أوي .
و بالفعل تناولت منها الكوب لترتشف منه، بينما أخذتا تطالع كل منهما الأخرى وعلى وجههن ابتسامة انتصار لنجاح مخططهم.
على الجانب الآخر ما إن وصلت له الأخبار، نهض يلملم أغراضه بغضب شديد، و يتوعد لهن، وغادر المكان بسرعة قصوى ، وانطلق بسيارته ونيران الغضب تلاحقه .
كانت الشمس تغيب، تاركةً وراءها سماءً تتلون بألوان البرتقالي والأحمر. جلس يوسف على كرسي خشبي قديم في شرفة منزله، يحتسي كوبًا من الشاي الساخن. كانت نسمة هواء باردة تداعب وجهه، تحمل معها رائحة الياسمين من الحديقة.
فجأة، سمع صوتًا يناديه من أسفل. رفعت رأسه، فرأى أميرة تقف عند بوابة المنزل، ترتدي فستانًا أزرق سماويًا، وتبتسم ابتسامة واسعة.
"يوسف!" نادت بصوت عالٍ. "هل أنت مشغول؟"
نهض يوسف من مكانه، وابتسم. "لا، لست مشغولًا. تفضلي بالدخول."
دخلت أميرة إلى المنزل، وسارت بخطوات واثقة نحو الشرفة. جلست على كرسي مقابل ليوسف، ووضعت حقيبتها الجلدية الصغيرة بجانبها.
"كنت أتساءل إذا كان بإمكانك مساعدتي في شيء ما." قالت أميرة، وعيناها تلمعان بفضول.
"بالتأكيد، ما هو؟" أجاب يوسف، وهو يميل نحوها.
"أتذكر أنك كنت تتحدث عن رحلة إلى الجبل الأسبوع الماضي. هل ما زلت تخطط للذهاب؟"
"نعم، كنت أفكر في ذلك."
"حسنًا، هل يمكنني الانضمام إليك؟" سألت أميرة، وهي تتظاهر بالاهتمام.
نظر يوسف إلى أميرة، ورأى في عينيها شيئًا لم يره من قبل. كان هناك مزيج من الرغبة والتحدي، وشيء آخر كان يثير فضوله.
"بالتأكيد، لماذا لا؟" أجاب يوسف، مبتسمًا. "سيكون من الممتع أن نذهب معًا."
ابتسمت أميرة ابتسامة واسعة، وبدا عليها السرور. "رائع! متى سنذهب؟"
"غدًا صباحًا. هل هذا مناسب لك؟"
"نعم، مناسب جدًا."
"حسنًا، إذًا، نتقابل غدًا."
"حسنًا، نتقابل غدًا."
نهضت أميرة، وودعت يوسف. مشت بخطوات سريعة نحو البوابة، ثم استدارت ونظرت إليه مرة أخيرة.
"إلى اللقاء، يوسف."
"إلى اللقاء، أميرة."
اختفت أميرة خلف البوابة، وترك يوسف وحيدًا في الشرفة، يفكر فيما حدث. كان يشعر بشيء غريب في قلبه، شيء لم يستطع تفسيره.
كانت الشمس قد غابت تمامًا، وحلت الظلمة على المكان. استمر يوسف في الجلوس في الشرفة، تحت ضوء القمر، يفكر في أميرة وفي الغد.
رواية ذئب يوسف الفصل الثالث عشر 13 - بقلم ذكية محمد
نظرت للشراب بتردد، ولكن ما إن رأت البقية يرتشفون منه طمأنها ومن ثم شربته على الفور، لتعطي لها شيري كوباً آخر وشربته لشدة شعورها بالعطش من الجهد الذي بذلته، وكأسان كانا كافيين لجعلها في حالة سكر تامة .
أخذت تضحك بهستيرية، فهتفت بترنح :- شيري أنتِ واقفة مقلوب ليه؟
أجابتها بتشفي :- أبداً يا روحي، خدي اشربي كمان.
التقطت منها الكوب قائلة بسُكر :- العصير اللي بيحرق في الزور !
أنهت جملتها و تجرعته بأكمله، ثم أخذت تضحك بصوتها العالي وقالت بتفكير :- شيري أنا عاوزة أرقص .
رفعت حاجبها بدهشة قائلة :- ترقصي ! وماله يلا تعالي أرقصي، دي شكلها هتحلو أوي .
أخذت تتمايل على أنغام الموسيقى قائلة بدون وعي :- يلا يا بسمة هاتي الطرحة .
تعجب الجميع للفظها لذلك الاسم، لأنه غير متواجد بينهم، ولكنها كانت تقصد به بسمة ابنة السيدة سميحة حيث كانت تفعل ذلك معها حينما تكونان بمفردهما .
ابتسمت رودي بخبث و ناولتها الوشاح الخاص بها والذي يلتف حول جيدها قائلة :- أدي ال scarf اللي أنتِ عاوزاه .
أردفت رحيق وهي تنظر لشيري :- هاتي أغنية حسن شاكوش يا بسمة .
أومأت بمكر قائلة :- حاضر يا روح بسمة . بينما غمزت لأحدهم بأن يصور ما يحدث .
لفت الوشاح حول خصرها، وأخذت تتمايل باحترافية، و ضحكاتها تملأ المكان، و نظرات الشباب تكاد تأكلها، اجتمع من بالمكان حولها و أخذوا يصفقون و يطلقون صافرات الإعجاب بتلك الجميلة الغائبة عما تفعل .
توقفت السيارة الخاصة به ونزل منها و خلفه الحرس، كانت النيران متجسمة بعينيه، و دمائه غلت بعروقه حتى كادت أن تنفجر.
دلف للداخل لتتوقف قدماه عن الحركة، لتلجمه الصدمة مما رأى، لطالما كان جامداً لا يظهر ما يشعر به على وجهه، إلا أنها نجحت في ذلك، حيث اتسعت عيناه على آخرهما، و كاد ثغره أن يصل للأرض من هول الصدمة.
بدأت أنفاسه تتثاقل، والبركان الذي بداخله يثور معلناً عن انفجاره .
تقدم منها بخطوات سريعة، و جذبها بعنف من ذراعها قائلاً بصوت عال، صمت كل شيء على أثره، جعلت جدرانه الجليدية تتآكلها تلك النيران التي تصاعدت وهو يراها بتلك الهيئة :- إيه اللي أنتِ بتهببيه دة ؟
نظرت له بتذمر قائلة وهي تبعد يده عنها :- أنت مين ؟ اه اه عرفتك أنت مراد الفريزر البارد .
جز على أسنانه بعنف قائلاً :- أخرسي خالص قدامي، وفين الهانم التانية؟
كانت ترتعش حرفياً فور رؤيتها له يدلف كالأعصار و ازدردت ريقها بصعوبة خوفاً من القادم. ما إن أبصرها، شعرت بهروب الدماء من وجهها، فصاح بغضب :- قدامي على العربية.
هزت رأسها بخوف، و ركضت من أمامه تنفذ ما طلبه، بينما أخذ يهز التي تترنح أمامه قائلاً :- وأنتِ حسابك بعدين .
شدت ذراعها الذي كان تحت قبضة يده قائلة بحنق :- يووه أنت مالك أنا عاوزة أرقص، أنت بارد كدة ليه ؟ ثم ضحكت قائلة بتكرار وهي تصفق بيديها :- مراد البارد ....مراد الفريزر....يا فريزر يا فريزر..
جذبها خلفه وهو يكاد يحطم أسنانه، وأخذ يسير بسرعة بها، ركضت هي خلفه لتلحق به قائلة بصراخ :- سيبني يا بارد ..سيبني، يا بسمة ليه جيبتي الفريزر دة عندكم ؟ مشيه مشيه ..
رفع حاجبه قائلاً بتهكم واضح:- وكمان سكرانة !
تعثرت قدمها فسقطت قائلة بوجع :- رجلي..رجلي يا فريزر استنى الله يخربيتك، قطر ماشي !
عض على شفته بغيظ، يود لو يفصل رأسها عن باقي جسدها فهتف بحدة :- أنتِ هتستهبلي! اخلصي قومي .
أردفت بدموع :- رجلي وجعاني يا فريزر !
زفر بضيق، وما جعله يستشيط غضباً هو نعتها له ب"الفريزر"، جلس قبالتها وفك ذلك الوشاح الذي يتوسط خصرها و ألقاه بعنف، وحملها على حين غرة فشهقت قائلة بضحك :- الله ! أنت هتمرجحني ؟ طيب براحة علشان بدوخ .
اصطكت أسنانه ببعضها محدثة صوتاً من شدة غضبه و ضيقه من تلك المعتوهة التي تنجح في كل مرة أن تزيد من غليان دمائه.
سقطت رأسها على صدره فرفعت وجهها نحوه قائلة بسكر :- مراد! أنت بارد . ثم رفعت كفها ومشت بأطراف أصابعها تتلمس بها وجهه قائلة بضحك خافت :- دقنك بتشوك !
احلقها يا فريزر...
ولم تتحدث بعدها حيث سقطت يدها و ارتخى جسدها، فنظر لها بانتباه وجدها سقطت في النوم .
وصل للسيارة فقام أحد الحرس بفتح الباب الخلفي ليضعها ببعض القوة بجوار شيري التي كانت مصدومة من فعلته، أذلك الذي يرفض أن تقترب أي أنثى منه يحمل فتاة بين ذراعيه !
بعد وقت توقفت السيارة بداخل القصر، فنزلت شيري تمشي بخطوات أشبه بالركض للداخل، بينما لم يجد مفراً من أن يحملها مجدداً و دلف بها للداخل .
كان عاصم ما زال متيقظاً برفقة والده و عمه وشادي وجده بالصالة الكبيرة وكانت الصغيرة قد غفت .
ما إن وضعت شيري قدمها على أول سلمة، صرخ مراد باسمها قائلاً :- شيرين أقفي عندك!
التف الجميع نحو مصدر الصوت، فأصابتهم الصاعقة حينما وجدوه يحمل رحيق الغافية. نهض شادي قاطعاً ذلك الصمت قائلاً بذهول :- مراد إيه اللي بيحصل هنا دة ؟ فهمني !
رفع حاجبه باستنكار قائلاً :- أبداً بلم الفضايح اللي بيعملوها أخواتك.
نظر له بضيق مزمجراً بغضب :- احترم نفسك يا مراد، وشوف نفسك بتقول إيه ؟
قال ذلك ثم حمل رحيق عوضاً عنه بحنق، و دلف بها إلى إحدى الغرف القريبة و وضعها بها، ولاحظ ثمة رائحة كريهة تنبعث منها من خلال تنفسها، ولكن لا وقت لذلك، بل عليه معرفة الأمر، إذ خرج سريعاً ليردف بانفعال :- أنت كنت شايل أختي بالطريقة دي ليه؟ وجايبهم منين؟
أردف بسخرية :- أبداً جبتهم من فيلا واحد وكانوا هناك....
صمت غير قادر على نطق تلك الكلمات، لطالما رأى فيها الفتاة الملتزمة، فزفر بغيظ قائلاً وهو يشير لشيري :- الهانم و الليدي التانية كانوا في حفلة مع شباب و بيشربوا خمرة، و الأستاذة التانية بترقص ولامة حوليها الشباب .
هتف مجدي بصدمة :- بتقول إيه ؟
أردف بأسف وهو يمط شفتيه بضيق :- للأسف يا عمي دي الحقيقة .
التف شادي نحو شقيقته وطالع هيئتها التي جعلته يغلي كالمرجل، و بلحظة قبض على شعرها قائلاً بحدة :- كام مرة أنبه عليكي اللبس دة ما يتلبسش يا هانم ها كام مرة ؟
أخذ صدرها يعلو و يهبط بعنف وهتفت بتلعثم :- اااا..
أنا أنا..
لطمها بقوة قائلاً :- الظاهر الحنية مش جايبة معاكي بفايدة، و أنا أتساهلت معاكي بما فيه الكفاية .
صرخت بوجهه قائلة :- أنت بتضربني ليه ؟ بدل ما تروح تضربها هي، اه ما هي من أول ما جات وأنت عمال تدلع فيها وناسي إني أختك طبعاً مش هتغلطها.
طالعها بصدمة قائلاً :- إيه الهبل اللي بتقوليه دة ؟ أنتوا الاتتين أخواتي، وكوني إني بضربك و بحاسبك دلوقتي يبقى يهمني أمرك زيك زيها يا ريت بس تطلعي الأفكار اللي مش تمام دي من دماغك، ومين قالك إني مش هعاقبها؟
ثم وجه مقلتيه نحو مراد قائلاً بعدم تصديق :- مراد فهمني اللي حصل أنا هتجنن، و رحيق إزاي تعمل كدة دي متعرفش حد، مش ممكن!
أردفت بحقد :- مش ممكن ليه ؟ على العموم لو مش مصدق مراد شاف كل حاجة .
أردف بثقة :- رحيق متعرفش حد هنا علشان تروح عنده، ورحيق اللي رفضت إني أحضنها وكانت هتضربني على الرغم من أني أخوها استحالة تعمل كدة .
أردفت بانفعال :- قصدك إيه؟ بتلمح لايه ها ؟
أردف بغيظ :- وكمان ليكي عين تقاوحي!
هتف عمران بصرامة :- بس يا ولد أنت وهي، إيه مش محترمين اللي أكبر منكم ! وأنت يا مراد اتكلم مش هنشحت الكلام كمان.
أردف بجمود :- ما أنا قولت يا بابا اللي شوفته، ويا ريت تتصرفوا معاهم بدل ما اسم العيلة يتلطخ بسبب بنتين، بعد أذنكم.
صعد للأعلى، بينما أردف مجدي بعدم تصديق :- بناتي بيعملوا كدة! مش ممكن لا أكيد في حاجة غلط في الموضوع، روح صحيها يا شادي أنا لازم أعرف كل حاجة دلوقتي.
أردف شادي بروية خوفاً على والده :- بابا أهدى. هي صعب تفوق دلوقتي أوعدك أول ما تفوق هعرف منها كل حاجة.
نظر مجدي لابنته الأخرى بأسى قائلاً :- وأنتِ يا شيري؟ دي جزاتي ! مديلك حريتك و واثق فيكِ شباب وخمرة يا شيري ! علشان اتشليت يعني قولتي بابا مش هيشوفني؟
أردفت بسخط :- وفيها إيه يا بابي دول صحابي وأنا معملتش حاجة غلط، إحنا في القرن 21 بلاش الدقة القديمة بتاعتك دي على رأى مامي.
كاد أن يتقدم منها ليلقنها درساً على حديثها الغير أخلاقي مع والدها، إلا أن مجدي أردف بسخرية :- سيبها يا شادي. مامي!
اممممم قولتيلي مامي، العيب مش عليكي، اسمعي أما أقولك الكريدت كارد هتتسحب منك و مفاتيح العربية ومن النهاردة هتمشي بحرس وكل نفس هتتنفسيه هيكون بعلمي، حطي كل حاجة و اطلعي على أوضتك.
نظرت له باعتراض شديد، ولكن ما إن رأت الإصرار بعينيه التقطت المفاتيح و البطاقة و ألقتهم بحدة على الطاولة، و هرولت لغرفتها بسرعة، و بداخلها كره يتصاعد للأخرى.
قطب عاصم جبينه بعبوس قائلاً :- إزاي طلعوا ؟ مش قالوا إنهم طالعين فوق! وازاي الحرس يسيبهم يعدوا كدة ؟
أردف شادي بغيظ مكبوت :- أنا هروحلهم و أشوف شغلي معاهم وهحاسبهم على الاستهتار دة .
أنهى حديثه ليغيب في الخارج لدقائق معدودة، ليدلف بعدها بوجه مكفهر فتسألهم أعينهم بما فعل وإلام وصل، فيهتف بسخرية :- الهوانم طلعوا من على السور و استخدموا السلم، بجد برافو !
هتف المرشدي بغلظة :- شيري ما تعملش حاجة زي كدة أبداً، دي تصرفات ناس جاية من الشارع، و أظن أنتوا عارفين مين اللي عمل كده كويس !
تطلع له ابنه قائلاً بحزن :- بابا اللي بتغلط فيها دي تبقى بنتي و حفيدتك فبلاش كلام من دة إذا سمحت.
زفر بضيق قائلاً :- أياً كان! اللي اتعمل دة أكبر غلط، ونقطة سودة لعيلة المرشدي، لما بكرة تلاقي صورهم منورة الجرايد، وزي ما عاقبت شيري يا ريت تعاقب اللي أنت مش شايف غيرها من أول ما جات.
أردف بانفعال :- أقتلها يعني و أريحكم؟ دي بنتي ! بنتي يعني ليها زي ولادي الباقيين بالظبط و حاضر يا بابا هعاقبها ، بس اسمعها الأول.
أردف بغيظ :- و اشمعنا دي بالذات اللي هتسمعلها؟
تنهد بعمق قائلاً :- لأني متأكد أنها استحالة تعمل كدة، أكيد في حاجة دفعتها أو حاجة خلتها توصل للحالة دي، و قبل ما تتكلم وتقول واثق فيها و شيري لا، أنا واثق في تربية فاطمة بس مش واثق في تربية ناريمان، أنا من زمان وأنا حاطط حراسة عليها يراقبوا تصرفاتها، يعني مش دلوقتي لما ظهرت رحيق، من زمان يا بابا .
بقلم زكية محمد
تدخل عمران قائلاً بروية :- دلوقتي لازم نتابع السوشيال ميديا و نتصل بمعارفنا في الصحافة علشان لو حد جاب ليهم صور يلحقوا يتصرفوا.
______________________________________
فتحت مقلتيها لتستقبل يوماً جديداً، مررت ذراعها على الفراش ناحية الصغير، إلا أنها لم تجده، فجلست نصف جلسة و بعثرت خصلات شعرها بعشوائية قائلة :- راح فين الشقي دة بس ؟
لتندرج الحمرة لوجنتيها قائلة بخجل و حب :- وإسلام هوريه وشي إزاي بعد اللي حصل ؟ دة شالني لحد هنا و نمت على دراعه و محستش بنفسي يا رب ميكونش لبخت في حاجة تانية مش فكراها .
ثم تابعت بشرود و عينيها تلمع ببريق عشقه :- هو أتغير أوي و مبسوطة أنه صدقني، ياااه لو تعرف يا إسلام بحبك قد إيه ومن إمتى؟ أكيد هياجي اليوم اللي هقولك فيه كدة .
صمتت قليلاً لتردف بخوف مبهم :- بس يا ترى هتتقبل حقيقتي و لا هتسبني من أول ما تعرف!
يلا أنا مش هفكر في بكرة هخلي بكرة لبكرة...
بعد دقائق خرجت لتجدهم على طاولة الطعام يعدون المائدة، فنظرت لهم بدهشة قائلة :- إيه دة ؟ انتوا بتعملوا إيه؟
هتف إسلام بمرح :- صباح الخير الأول.
أردفت بحرج :- صباح النور، بس انتوا مصحتونيش ليه أحضر الفطار ؟
أردف بمرح و مزاح :- يا ستي إحنا شايلينك للتقيلة، أنتِ ناسية إن عندنا عزومة النهاردة ولا إيه ؟ هبقى أناديلك سامية تساعدك لأحسن تتعبي لوحدك.
هزت رأسها بنفي قائلة بعند :- لا ولا تعب ولا حاجة أنا أقدر أعمل كل حاجة لوحدي، كتبتلك الحجات اللي ناقصة.
أومأ بتفهم قائلاً :- ماشي تمام أبقي فكريني بيها قبل ما أنزل، يلا أقعدي أفطري .
جلست بجوار أحمد و قبلته من وجنته بعمق قائلة :- صحيت من غير ما أخد بوسة الصبح يا ميدو !
أردف إسلام بمكر :- لا خدها من زمان أوي.
قطبت جبينها بتعجب، فأسرع يقول :- قصدي يعني أنا بوسته الصبح.
هزت رأسها بتفهم، بينما هتف الصغير :- ماما إثلام ب...مممم
لم يكمل حديثه، حيث كمم إسلام ثغره بيده، وحمله واضعاً إياه على فخذه قائلاً بهمس وحنق شديد :- إحنا اتفقنا على إيه يا أبو حميد؟ هو دة إتفاق الرجالة برده!
نظر له الصغير بتذكر قائلاً بهمس بعد أن أزاح يده :- اه ثح نثيت يا إثلام، تمام أنا مش هقول وعد .
أردف بحنو :- كدة تبقى راجل وأنا هجبلك اللي أنت عاوزه لما ننزل .
أردف بحماس :- ماشي يا عمو إثلام، أنا عاوز اللعبة اللي قولتلك عليها امبارح.
ضحك بغيظ قائلاً :- محترم أنت أوي يا ميدو عند مصلحتك، ماشي يا بطل هجبلك اللي أنت عاوزه.
نظرت لهم بتعجب قائلة :- هو أنتوا بتقولوا ايه؟
ابتسم إسلام بتكلف قائلاً :- لا أبداً ما تخديش في بالك إحنا بس بنتفق على اللعبة اللي هنجبها لميدو .
هزت كتفيها بتعجب، و شرعت في تناول الطعام، بينما أخذ إسلام يطالع الصغير بغيظ وهو يسترجع بذاكرته ما حدث منذ ساعتين، حينما استيقظ بنشاط وابتسامة أعتلت ثغره، و تلقائياً لامس وجنته موضع قبلتها بالأمس، بعد أن أغتسل و أدى فرضه، توجه ناحية غرفتها و فتح الباب بهدوء حذر، فوجدها تغفو بسلام وإلى جوارها الصغير الذي ينام بطريقة مضحكة، فتوجه ناحيتهم وجلس بخفة إلى جوارها تاركاً جوارحه هي من تتولى زمام الأمور، تحركه وهو ينقاد خلفها بطواعية .
رفع يده ليبعد تلك الخصلات عن وجهها التي تحجب عنه رؤيتها، لا يعلم كم مر من الوقت وهو يراقبها دون كلل منه أو ضجر، بل وجد استمتاعاً في مراقبتها على ذلك النحو.
شعر بمغناطيس هي الشحنة السالبة وهو الموجبة فالتصق بها بجرأة منه، ليرد لها فعلتها بالأمس بكرم وسخاء .
شعر ببركان انفجر بداخله، ولا يريد الابتعاد بل يريد أن يروي ظمأه وأن ينهل المزيد والمزيد من ذلك النعيم .
انتفض في مكانه حينما أتاه صوت الصغير الناس :- إثلام أنت بتبوث مامي عيب !
سب نفسه بداخله وعلى انجرافه على ذلك النحو . نظر للصغير بحرج بالغ، وقد تبدلت الأدوار ليشعر بأنه طفل أذنب أمام معلمه، وفجأة أخذ الصغير وحمله وخرج به كي لا تستيقظ و تتساءل عن سبب مجيئه إلى هنا. وضع الصغير على الأريكة وجلس قبالته، بينما أردف أحمد ببراءة :- عمو إثلام أنت بوثت مامي، عيب يا عمو .
مسح على وجهه بضيق قائلاً :- ميدو حبيبي أنا كنت.....كنت بشوفها سخنة ولا لا علشان لو عيانة أديها حقنة.
هز رأسه قائلاً بتفكير :- لا هي بتشوف الحرارة لما بتبوثني هنا وهنا.
قالها الصغير وهو يشير لوجنته و جبينه، فعض إسلام على شفته السفلى بغل من تفكير هذا الصغير، فأردف بكذب :- ما الصغيرين بس اللي بيتباسوا هنا لكن الكبار .....ولا ..ولا أنت هترغي كتير أنا مش محتاج أبررلك على فكرة .
أردف الصغير وهو يهز رأسه :- يعني الكبار مش زي الثغيرين .
أومأ له بتأكيد، فأردف بحذر :- بس بقولك إيه متقولش لحد .
هز رأسه بموافقة قائلاً :- ماشي يا إثلام، و دلوقتي أنا جعان .
أردف بحنو :- بس كدة !
يلا بينا على المطبخ و أنا هعملك أحلى فطار .
دلفا معاً و أعدوا الطعام، ولكنه غَفِل تماماً عن نقطة أنه طفل و بإمكانه اخبارها ذلك بسذاجة منه، لذا قام بمنعه عن مواصلة الحديث، وهو يشعر بتوقف دقات قلبه خشية أن يخبرها مجدداً، لذا عليه الخروج به من المنزل ليتحدث معه بالأمر.
بعد وقت نزلا للأسفل في طريقهم للوكالة، فأخذه على جانب وهتف بحذر :- شوف يا ميدو عاوز أقولك على حاجة كدة .
هتف بانتباه :- إيه يا عمو؟
أردف بحنو :- مش أنت راجل كبير دلوقتي، ولا لسة عيل صغير بيعملها على روحه؟
امتعضت ملامحه قائلاً بتذمر :- لا أنا راجل مش عيل .
أومأ بانتصار قائلاً :- تمام، شوف بقى الرجالة ما بتفتنش ولا بتروح تقول لحد على حاجة لما بتحصل، علشان بيبقى سر كبير .
أردف بطفولية :- أنا مش بقول ثر لحد .
أردف بغيظ :- وأحنا مش اتفقنا متقولش لماما على اللي حصل الصبح ؟
أردف بضيق :- بث أنت مقولتش ثر !
ضغط على فكه بقوة قائلاً :- يعني لازم أقول سر ؟ ماشي يا سيدي دة سر و متقولش لأي حد أياً كان، تمام؟
هز رأسه قائلاً بموافقة :- ماشي يا إثلام، يلا بقى هاتلي اللعبة .
عض على شفتيه قائلاً بغيظ:- ماشي يا مصلحجي لما نشوف أخرتها معاك..
صمت قليلاً ليردف بخفوت :- ومع أمك ..
ثم ابتسم بعبث قائلاً بتوبيخ لنفسه :- بس مكانش المفروض تعمل كدة، تستغلها هي ونايمة! لو عاوز تعمل دة أعمله في النور بدل ما أنت بتسرق زي الحرامية.
مر على صديقه محمد، و ألقى عليه التحية فهتف محمد بمرح :- إيه يا برنس شكل الغزالة رايقة، و الضحكة من الودن للودن، هي السنارة غمزت ولا إيه؟
هتف بغيظ :- قُر يا أخويا قُر، هو أنا إيه اللي جايبني ورا غير قرك دة !
ضحك بصخب قائلاً :- هو أنا هكرهلك الخير يا عبيط!
ها طمني رفعت راسنا ولا؟
ضحك بغلب قائلاً :- والله أنت فايق و رايق، و بتقول كلام والسلام، أنا مش فاضيلك .
أومأ برأسه بتفهم قائلاً بعبث :- وماله يا كبير ، أهرب أهرب، بس مسيري هعرف.
ضحك الآخر مقرراً تجاهل أسئلته حتى يضع النقاط فوق الحروف، و يقف على أرض صلبة و ليتأكد هل هي تريد أن تُكمل في تلك الزيجة .
يا لك من أحمق لو تعلم مدى العشق الذي تكنه لك لأصابك الجنون و الصدمة. بقلم زكية محمد
_____________________________________
فتحت عينيها بتثاقل، و وضعت يدها على رأسها قائلة بتذمر :- اه يا راسي،صداع رهيب!
نهضت من مكانها وجلست نصف جلسة، و أخذت تحدق بالمكان قائلة بتعجب :- إيه دة ؟ أنا إيه اللي جابني هنا وأنا فين ؟
وما إن تذكرت البارحة ضمت نفسها بحماية قائلة برعب :- يا لهوي! أنا... أنا مش فاكرة حاجة..
- صباح الخير يا ....يا هانم!
انتفضت في مكانها على صوته، فالتفت ناحية صوت قائلة :- شادي!
أردف بتهكم :- أيوة شادي، أومال أنتِ كنتي متوقعة حد تاني ؟
مطت شفتيها بتعجب من حديثه قائلة :- حد تاني مين يعني؟ أنا مش فاهمة حاجة، هو مين جابني هنا، و شيري فين؟
أردف بغضب مكبوت :- سيبك من شيري و اللي جابك هنا، أنا عاوز توضيح منك فوراً للي حصل امبارح.
هزت رأسها بعدم فهم قائلة :- حصل إيه امبارح ؟ أنا مش فاكرة حاجة .
ضحك بتهكم قائلاً:- اه طبعاً هتفتكري إزاي وأنتِ سكرانة؟!
اتسعت عيناها بذهول قائلة :- إيه؟ بتقول إيه؟ إيه سكرانة دي كمان!
أردف بانفعال :- هنستعبط دلوقتي مش كدة!
رحيق ما تعصبنيش.
ارتعشت يديها تزامناً مع شفتيها بتوتر قائلة بصوت يوشك على البكاء :- لا لا والله ما فاهمة. أنا مش فاكرة حاجة، غير إني روحت ورا شيري خفت تكون بتعمل حاجة غلط، و خصوصاً لما لقيتها بتنط من فوق السور.
رفع حاجبه قائلاً باستنكار :- سور! ما شاء الله. اه و بعدين .
أردفت بدموع :- و بعدين روحت وراها المكان اللي راحتوا، و فعلاً كان في شباب وهي كانت قاعدة مع ولد، و لما زعقتلها قالتلي أنها مش بتعمل حاجة غلط، أنا مكانش قدامي غير أن استناها، وبس جابتلي عصير و شربته و مش فاكرة حاجة تاني.
هز رأسه بتهكم قائلاً :- يعني مشربتيش خمرة ؟
هزت رأسها بفزع قائلة :- لا والله أنا شربت عصير بيحرق في الزور بس، شيري قالتلي أنه عصير فخم كدة من بتوع الزوات .
رفع حاجبه بذهول قائلاً :- لا والله! فرقت هي يعني، العصير بيختلف بالمستوى!
أومأت بتأكيد قائلة :- أيوة زي ما في حجات هنا أول مرة أشوفها فأكيد العصير دة واحد منهم .
جز على أسنانه بعنف قائلاً :- طيب شوفي يا غبية اللي شربتيه دة مكانش عصير، دة كان خمرة ايه رأيك بقى ؟
شهقت بصوت عال قائلة بخوف و دموع :- خمرة! أنا شربت خمرة؟! لا لا لا أنا كدة عصيت ربنا، دي كبيرة من الكبائر. يا لهوي يا مصيبتي، لا لا سامحني يا رب مكنتش أعرف مكنتش أعرف..
أخذت تردد تلك الكلمات، و انهارت في موجة بكاء حارة والندم حليفها على ما أقترفته من ذنب.
نظر لها بشفقة، وقد تأكدت شكوكه الآن، فهي بعيدة كل البعد عن أن تقترف مثل ذلك الجرم، فاقترب منها قائلاً بحنو :- رحيق أهدي خلاص أنتِ مكنتيش تقصدي .
نظرت له بوجه دامي، و الدموع تغرق وجنتيها قائلة ببكاء و شهقات متقطعة :- والله ما أعرف لو كنت أعرف أكيد مكنتش هقرب ناحيتها منك لله يا شيري أنتِ و صحبتك.
كان مالي ما كنتي غورتي في ستين داهية .
ربت على ظهرها بحنو قائلاً :- خلاص أهدي وقومي كدة علشان نشوف هنعمل ايه في الباقي .
نظرت له بحذر قائلة:- ليه هو أنا عملت حاجة تاني؟ يا مصيبتي يا مصيبتي!
هتف بحدة :- ممكن تسكتي و تبطلي صويت؟
هزت رأسها بموافقة، بينما زفر هو بضيق قائلاً :- للأسف في حد صورك امبارح أنتِ و بترقصي .
شعرت وكأنها تسقط من فوق ناطحة سحاب، فسقطت أرضاً و تهشمت إلى فتات قائلة بذعر :- رقصت ! كمان رقصت ! يا لهوي يا لهوي، أعمل إيه أوري وشي للناس إزاي؟
هتف بحدة :- قولتلك بطلي صويت، الفيديو الحمد لله ما اتسربش و لحقنا الموضوع.
تنهدت براحة، ولكن زادت ضربات قلبها مجدداً حينما تابع :- بس في مشكلة تانية!
أردفت بنحيب :- في إيه تاني؟
نظر لها بحذر قائلاً :- في صور أتسربت للصحافة و السوشيال ميديا ليكِ و لمراد وهو يعني... أااا شايلك، وفي أوضاع أخدوها بذكاء علشان تبين حاجة تاني .
اتسعت عيناها بذعر قائلة :- حاجة إيه؟ وايه دخل مراد في الموضوع؟
أردف بتوضيح :- ما هو مراد اللي جابكم امبارح و لما كنتي سكرانة و وقعتي من طولك اضطر أنه يشيلك..اللي صور كان ذكي و قدر يصوركم في أوضاع توحي أنه يعني.....يعني... احم...
قاطعته قائلة بخجل :- بس بس خلاص فهمت . يا مصيبتي كان مستخبيلي فين دة ؟ يا فضيحتك يا رحيق ، يا شماتة أبلة طاظا فيا .
قطب جبينه بتعجب قائلاً :- أبلة طاظا مين؟
صرخت بحدة قائلة :- أخرس!
رفع حاجبه يطالعها بغرابة، بينما هتفت بحرج :- سوري اندمجت شوية في المشهد .
ضيق عينيه قائلاً بغيظ :- يا بت أتعدلي إحنا في إيه ولا في إيه!
هنعمل ايه في المصيبة دي، أحسنلك تخليكي هنا و متطلعيش مراد على آخره برة ومش عارف يبرر للصحافة باللي عندهم دة بإيه ؟
وضعت يدها في خصرها قائلة بوجه ممتعض :- نعم يا عمر! ليه كنت خايفة منه ولا خايفة منه؟
أردف بسخرية :- أيوة روحي زي الشاطرة كدة و قوليله البوقين دول، دة مش بعيد يدفنك مكانك، كان فين عقلك كان فين؟
أردفت بتذمر :- أنا كنت خايفة عليها لا تكون بتعمل حاجة غلط، و بعدين هي فين دة أنا هشرب من دمها، أوعى كدة .
خرجت من الغرفة بسرعة البرق، وعيناها تجوب المكان بحثاً عنها، وما إن وجدتها تجلس إلى جوار والدتها، ضيقت عينيها بغيظ و وعيد، و انطلقت نحوها كالقذيفة، صرخت الأخرى حينما رأت نفسها ممدة على الأريكة، و الأخرى فوقها تشد خصلات شعرها قائلة بغضب :- والله لأربيكي يا كلبة بتشربيني خمرة؟!
أنهت كلماتها وغرزت أسنانها الحادة في ذراعها، بينما أطلقت العنان لصراخها الذي ملأ المكان .
أخذت ناريمان تدفع رحيق بغضب قائلة بكره :- ابعدي يا متوحشة عن بنتي. بقلم زكية محمد
أتى من بالقصر على صراخهم، فأسرع شادي يحمل رحيق قائلاً بحدة :- بس خلاص كفاية .
هتفت بوجه دامي من فرط الجهد وهي تطالعها بشراسة :- سيبني يا شادي لازم أعلم عليها، هي فاكراني مش هعرف أجيب حقي!
- بس أخرسي خالص!
_______________________________
"ذئب يوسف"
رواية ذئب يوسف الفصل الرابع عشر 14 - بقلم ذكية محمد
خيم الصمت للحظات، و ألجمتها الصدمة من وجوده أمامها و تدرجت الحمرة القانية لوجنتيها عندما تذكرت ما أخبره إياه شقيقها .
هتف المرشدي بحدة و غطرسة :- البيت بقى فوضى من ساعة ما دخلت البنت دي فيه و المصايب عمالة تنزل فوقينا.
أومأت سلوى قائلة بكره :- أيوة فعلاً، دي هتشوه اسم العيلة اللي لينا سنين محافظين عليه وجات هي عملت مشكلة لحفيدي مش عارف يطلع منها إزاي ؟
على الرغم من ألمها الداخلي جراء حديثهم، لم تعبأ بهم، و إنما توجهت لوالدها الذي يبدو على وجهه الأسى، وجلست لتكون في مقابلته قائلة بدموع :- أنا آسفة يا بابا والله غصب عني، سامحني يا بابا أنا استاهل منك أي عقاب، ولو عاوزني أمشي همشي و أريحكم مني، نار حاتم ولا إني أقعد مع ناس مش طايقين وجودي.
أردف بوجع :- ليه يا بنتي مُصرة توجعي قلبي
قبلت يده قائلة بلهفة :- بعد الشر عنك يا بابا من أي وجع .
مد يده ليمسح عبراتها بحنان قائلاً :- يبقى تخليكي جنبي، أنا مش هستحمل تبعدي تاني و أقعد أدور عليكي، أنا عارف إنك عملتي كدة غصب عنك.
أومأت بتأكيد قائلة :- اه والله يا بابا، آسفة كنت غبية بس أنا معرفش شكلها و للأسف صدقتها .
هز رأسه بتفهم قائلاً :- حصل خير علشان تاخدي بالك بس المرة اللي جاية .
أردفت سلوى بغطرسة :- بدل ما أنت عمال تدافع عنها كدة شوفلنا حل في المصيبة دي .
نظر الجميع لمراد الجامد والذي لم يتبين عليه أي تعبير بعد و أخذوا يراقبوا ردة فعله بحذر، بينما تقدمت الصغيرة من رحيق و ربتت على ذراعها قائلة :- ?what's going on، أنت ليه تبكي؟
ابتسمت لها بخفوت قائلة :- أبداً يا حبيبتي أنا مش بعيط، دة التراب دخل في عيني.
قطبت جبينها بضيق قائلة :- في دوشة كتير وأنا مش عارفة أنام!
ربتت على شعرها قائلة :- معلش يا حبيبتي في مشكلة صغيرة، يلا روحي خلي الدادة تحضرلك الفطار و بعدين نبقى نلعب سوى .
أومأت بموافقة، و انصرفت لتنفذ ما طلبته منها، بينما هتف عمران بحذر:- مراد أتكلم أنت ساكت ليه؟!
الصحافة برة القصر و الميديا كمان هنفضل محبوسين هنا ؟
رفع بصره تجاه تلك البلهاء التي تسببت في كل تلك المشاكل، هو الذي لم تقترب منه أنثى ولم يعرهن أي إهتمام رغم توددهن له حتى أن الصحافة و وسائل الإعلام لقبته " قاهر السيدات"، أتت تلك لتهدم كل ذلك في لمح البصر، بعد أن تناولت الصحف صوراً تجمعه بها أُلتقطت بحرفية شديدة لتثير البلبلة و تؤكد أنهما على علاقة وطيدة ببعضهما.
لأول مرة يشعر بنيران تحرقه بداخله لطالما كان الجليد مخيم في أوردته.
حالة من الذهول شُكِّلت علي وجوههم، حينما قبض على ذراعها على حين غرة، ثم سار بها ناحية الخارج، بينما ظلت هي تحت تأثير الصدمة، حاولت أن تتحرر من قبضته إلا أنها كفت عن المقاومة حينما خرج صوته الأشبه بفحيح الأفعى :- بطلي حركة و أمشي من سكات، ومش عاوز أسمع منك نفس و يا ويلك لو عملتي حركة تافهة من بتوعك دول .
سرى الخوف بدمائها وهي ترى الغضب متجسد في عينيه، ازدردت ريقها بصعوبة و سارت معه مسلوبة الإرادة تنتظر القادم وما سيفعله.
أمر الحرس بأن يفتحوا بوابة القصر، فشهقت بصدمة حينما رأت هذا الجمع الغفير من الصحفيين و لمراسلين القنوات الإخبارية، دق قلبها بعنف فهي لأول مرة تقف في مثل هذا الموقف، بينما وقف هو جامداً ثابتاً يطالعهم بعدم اكتراث.
تقدم الحشد منه و أمطروه بوابل من الأسئلة التي تعتبر تدخلاً سافراً في الشؤون الشخصية وحياته بوجه خاص.
حك طرف أنفه و هتف بثبات :- أنا مش محتاج أبرر لحد اللي حصل ولا حتى يهمني، بس علشان أرضي فضولكم السخيف و المتطفل دة، دي بنت عمي جت من لندن من كام يوم و اتخطبنا و هنتجوز آخر الشهر . أظن دي خصوصيات محدش ليه دعوة بيها بس منعاً للغلط والكلام التافه اللي أنتوا كتبتوه امبارح اضطريت اقابلكم و تاخدوا من وقتي دقايق راحت على الفاضي.
أردف أحدهم بضيق من ردوده :- بنت عمك إزاي ؟ إحنا نعرف كويس أوي أن دي مش بنت عمك؟
أردف بجمود :- والله أنا مش هسيب شغلي و اللي ورايا و أقعد أقول معايا بنات عم و بنات خال، أظن كدة أرضيت فضولكم.
قال ذلك ثم دلف بها مجدداً للداخل، بينما منع الحراس الحشد من الولوج والذي بدأ في الرحيل تدريجياً.
ظلت على صدمتها لم تفق بعد، بينما وقف قبالتها قائلاً بغيظ شديد :- يا ريت تكوني مبسوطة بالمشاكل اللي عملتيهالي!
نظرت له أخيراً قائلة بتقطع :- أنت...
أنت إيه اللي قولته من شوية دة؟
أردف بجمود وهو يضع كلتا يديه في جيوبه :- اللي سمعتيه!
أردفت بانفعال :- بأنهي حق تقرر عني حاجة زي كدة ها؟ الهبل اللي قولته من شوية دة تنساه خالص.
أردف بغيظ وحدة :- صوتك دة ميعلاش عليا، وأنتِ ملكيش الحرية أنك تتكلمي بعد اللي حصل لو أنتِ مش هامك صورتك فأنا يهمني .
ثم أضاف بسخرية :- يعني معملتش كدة علشان سواد عيونك.
أردفت بشراسة :- حوش ياض أنا اللي واقعة في دباديبك! دة أنت فريزر متنقل.
ضم قبضته بقوة قائلاً بفحيح :- لسانك دة أنا هعرف أوقفه عند حده كويس والكلام اللي قولته هو اللي هيتنفذ، شكلك مشوفتيش الكلام ولا الصور علشان كدة فاردة جنحاتك أوي كدة! اتفضلي يا هانم شوفي !
أنهى حديثه وهو يوجه ناحيتها الهاتف الخاص به، لتتسع أعين الأخرى بفزع، و وضعت يدها على ثغرها لا تصدق ما ترى .
ابتسم بتهكم قائلاً:- إيه شايفك خرستي يعني!
هزت رأسها بعدم تصديق قائلة بتلعثم :- اااا.. أنت إزاي تشيلني يا قليل الأدب ما هو كله من عمايلك مكانش دة حصل.
ابتسم لأول مرة قائلاً :- كمان!
يعني أنتِ دلوقتي بتغلطيني؟ تصدقي أنا غلطان و المفروض كنت سبتك لحد ما الآداب جو خدوكم.
شهقت باستنكار قائلة :- إيه الكلام اللي بتقوله دة ؟ ما تحسن ملافظك.
لوح بيديه بعدم اكتراث قائلاً ببرود :- الكلام معاكي مضيعة للوقت وأنا مش فاضي .
أنهى حديثه ليدلف للداخل، بينما وقفت تنظر في أثره بغل واضح .
بالداخل هتف شادي بصدمة عندما علموا بما فعله :- أنت ازاى تعمل حاجة زي كدة؟ بتقرر من نفسك، ملهاش أهل ؟
أردف بهدوء :- عندك حل تاني؟
أردف بانفعال :- بطل برودك دة و كلمني زي البني آدمين، ملهاش اب أخ ترجعلهم؟ و لا أنت طبعاً أهم حاجة مظهرك قدام الناس !
جز على أسنانه بعنف قائلاً :- لاحظ إنك عمال تغلط فيا، ولولا احترامي للموجودين كنت رديت عليك ردي المناسب و أظن أنت عارفه كويس، أما بقى لمظهري قدام الناس فأنا متهمنيش حاجة و أقدر عادي أطلع من الموضوع بسهولة، بس اللي هيتضر أختك و سمعتها.
ثم توجه ناحية عمه قائلاً بهدوء :- عمي أنا متأسف بس صدقني أنا عملت كدة علشان أنقذ سمعتنا و صورتنا كلنا، وهي كانت أكتر حد هيتضرر .
هز رأسه بهدوء قائلاً :- أنا عارف و مقدر دة كويس، وأنا لو قعدت اشكرك مية سنة لقدام مش هوفي حقك واللي عملته مع بناتي و متزعلش من شادي هو بس مندفع حبتين.
هز رأسه بتفهم قائلاً :- مفيش حاجة يا عمي، و بالنسبة للطريقة كل حاجة هتمشي زي ما أنت عاوز يا شادي بعد أذنكم دلوقتي أنا ورايا شغل .
قال ذلك ثم انصرف بهدوء، بينما هتف شادي بغيظ :- شايف بروده شايف؟
أردف عمران بروية :- خلاص يا شادي أنت عارف مراد هتوه عنه يعني!
و يا سيدي بكرة بالليل لينا قاعدة مع بعض و نبقى نتفق و نمشي الأمور بالعرف اللي بينا.
انفردت ناريمان بسلوى قائلة بحقد :- شوفتي يا سلوى هانم أهو الهانم بدل ما توقع في مصيبة هتتجوز مراد حلم كل بنت .
هتفت بغطرسة :- زمان ابني اتجوز أمها و دلوقتي هي جاية تتجوز حفيدي، حفيدي أنا يرتبط بالبنت دي!
أردفت بغل :- طيب وهنعمل إيه هتسكتي يعني، احنا لازم نتصرف و بأسرع وقت..
هزت رأسها بموافقة، وبداخلها يفكر و يدبر لخطة لابعادها عن مرماهم تماماً.
صعد لسيارته و صدره و يعلو و يهبط بعنف قائلاً بغيظ :- الغبية الغبية مكانتش كدة هي و صغيرة! بس ماشي يا رحيق مبقاش مراد إلا لو علمتك الأدب من أول وجديد ..
بقلم زكية محمد
______________________________________
جاء الليل سريعاً، فهتفت بثينة قبل أن تغادر :- يلا هسيبك بقى أنا يا مريومة دلوقتي قبل ما حد يجي من الجماعة .
ابتسمت بود قائلة :- تسلميلي يا بوسبوس ساعدتيني و خلصت بسرعة، إسلام لو عرف هيشمت فيا و يقولي تستاهلي مش قولتلك نادي سامية تساعدك.
ضحكت بخفة قائلة :- لا يا ستي أنا همشي أهو و محدش هيعرف حاجة، سلام.
انصرفت بثينة لتنظر مريم لهيئتها قائلة بتذمر :- أما ألحق أستحمى و اظبط نفسي قبل ما يجوا.
بعد وقت بدأ الوفد في القدوم، حيث دلف محمود برفقة سامية و ابنهما فاستقبلتهم بحفاوة، و تلي ذلك قدوم عمها و زوجته التي تعاملها بجمود منذ أن تزوجها إسلام، وتلاهم والدها و والدتها برفقة إسلام و أحمد.
وقفت قبالة والدها وهي تطالعه تارة، و تحدق بالأرض تارة أخرى، فهتف هو بندم :- إزيك يا مريم يا بنتي؟
هتفت بخفوت وتوتر :- الحمد لله يا بابا، أخبار حضرتك أنت إيه؟
ربت على رأسها بحنان قائلاً :- بخير الحمد لله يا بنتي.
نظرت له بدهشة من تحوله المفاجئ معها، فدلف للداخل ليلحق بالبقية، بينما مال إسلام على أذنها قائلاً بهمس ومزاح :- إيه رأيك في المفاجأة الحلوة دي؟ أنا اللي عملتها.
ابتسمت له بخفوت قائلة :- اه حلوة فعلاً، شكراً يا إسلام.
قطب جبينه بتذمر قائلاً :- شكراً!
هو دة رد المعروف!
رفعت حاجبها بتعجب قائلة :- أومال إيه؟
أردف بمرح وهو يشير لوجنته قائلاً :- بوسة صغنتوتة كدة هنا..
شهقت بصدمة من تغيره المفاجئ، و تراجعت للخلف قليلاً، و تحول وجهها إلى شعلة نار، راقبها هو بتسلية قائلاً بخبث :- طيب خلاص هاخد أنا..
مال مقبلاً وجنتيها برقة، و انصرف مسرعاً للداخل وهو يكتم ضحكه على منظرها بصعوبة، بينما ظلت هي محلها كالجماد، شعرت بتوقف العالم من حولها و بهروب أنفاسها منها، و شعرت بتخدر في أطرافها، وصارت قدميها كالهلام فكادت أن تسقط لولا ذراعيه التي حاوطت خصرها قائلاً بضحك خافت :- كنت عارف والله إنك هتعملي كدة علشان كدة جيت.
حدجته بنظرات زائغة، و دقات قلبها تفضحها فخرجت حروفها المتقطعة بصعوبة :- أااا... أنا.. أنا مش قادرة أتنفس .
قالت ذلك ثم سقطت فاقدة الوعي، فحملها قائلاً بقلق :- يخربيتك ! هو أنا كل ما هاجي جنبك تفيصي مني بالشكل دة!
يا فضيحتك يا إسلام هتعمل ايه و هتقولهم إيه؟
ولج للداخل فشهقن النسوة بقلق، و أسرعت والدتها تقول بذعر :- مالها مريم يا إسلام؟
حمحم بحرج قائلاً بكذب :- لا أبداً أصلها ضعيفة اليومين دول و بتوقع كتير، أكيد من المجهود اللي عملته النهاردة لوحدها، متقلقوش هفوقها حالاً.
دلف بها لغرفتها، و مددها برفق على الفراش، فأسرعت سامية وأتت له بقنينة عطر، فرش القليل على يده و قربه من أنفها، و بعد عدة محاولات استجابت و فتحت عينيها ببطء، وما إن رآها أردف بقلق :- أنتِ كويسة ؟
هزت رأسها بصمت، وهي على حالتها فأردف بخفوت بالقرب من أذنها:- أتعدلي بدل ما أرزعك واحدة تانية في حتة تانية قدام أختي.
سعلت بقوة في محاولة منها لاستيعاب حديثه الذي سيقودها للجنون، منذ متى وهو بتلك الوقاحة ؟!
اقتربت سامية منها قائلة :- ألف سلامة عليكِ يا مريومة، مش كنتي تناديني طالما تعبانة !
ما إن همت لتخبرها أنها ليست مريضة، كان إسلام الأسرع حينما ضمها بخبث قائلاً :- لا هي بقت كويسة دلوقتي يا سوسو، هي بس عاوزة تعرف غلاوتها عندنا.
ختم جملته مودعاً قبلة عميقة على رأسها كادت أن تطيح على ما تبقى منها، بينما أردفت سامية بمرح :- سيدي يا سيدي على الحب، طيب يلا يا أختي نحضر الأكل بدل ما محمود ياكلني.
ضحكت مريم على مزحتها، ولم تعي لذلك الذي يراقبها بشغف عندما اخترق صوت ضحكتها قلبه الذي يتعطش للمزيد والمزيد من قربها.
بعد وقت كان الجميع على طاولة الطعام و شرعوا فيه، أما هي كانت في عالم آخر منفصلة تماماً عنهم وكل ما يدور بمخيلتها الآن ما فعله معذبها للتو، وهي تكاد تصاب بالهذيان .
هتف موسى يثني على طعامها :- الأكل جميل كالعادة تسلم ايدك يا بنتي.
وكزها إسلام برفق بقدمه أسفل الطاولة لتنتبه، فتنحنحت بحرج قائلة :- ربنا يبارك في حضرتك يا عمي بالهنا والشفا.
هتف أيوب بهدوء في محاولة منه لتصليح الجدار المنهدم بينهما :- مريم نفسها حلو أوي في الأكل، ما بتكليش ليه يا بنتي؟
أردفت بخفوت :- باكل أهو يا بابا .
هتفت توحيدة بعتاب :- مش تاخدي بالك من صحتك يا مريم،بدل وشك اللي أصفر كدة و مخطوفة.
هتفت عواطف بسخرية مبطنة :- تلاقيها حامل ولا حاجة يا توحيدة..
وقف الطعام في حلقها مانعاً عنها التنفس وهي تفتح مقلتيها على وسعهما، و بدأت تسعل بشدة حتى تحول وجهها إلى اللون القرمزي.
اقترب منها إسلام بقلق بالغ و أخذ يضرب على ظهرها بخفة و ناولها كوب الماء قائلاً :- خدي اشربي ..اشربي..
ارتشفت القليل من المياه حتى عادت وتيرة أنفاسها لطبيعتها، ولكن لا زالت على صدمتها بعد، بينما هتف إسلام بخفوت مبطن بالسخرية :- حامل!
حامل إيه يا أما دة أنا بوستها أغمى عليها، اسكتي الله يخليكي، قال حامل قال!
انقضت الأمسية بخير وسط الجو الأسري الدافئ، و بعد أن انصرفوا وقفت هي بالمطبخ تنظف الأطباق و ما خلفته تلك الدعوة، تهرب منه وعقلها لا يزال مصعوقاً و دقات قلبها أعلنت الحرب لخوض معركة طاحنة، جففت نثرات العرق على جبينها بيد مرتجفة، بينما صرخت فجأة حينما سمعت صوته قائلاً :- أساعدك في حاجة؟
ضحك بصخب قائلاً :- إيه يا مريم، إيه يا ماما ما تجمدي قلبك شوية كدة! مش معقول كل حاجة كدة على أعصابك .
هتفت بضيق :- ما أنت داخل من غير احم ولا دستور!
أردف باستنكار:- حاضر هبقى أرن الجرس المرة الجاية، المهم مش عاوزة مساعدة ؟
جعدت أنفها قائلة بتعجب :- تساعدني ! غريبة!
قطب جبينه بتساؤل، فأردفت بتعجب :- أصل يعني أنت راجل وكدة..
قاطعها قائلاً :- اه و شغل سي سيد دة!
لا أنا مش كدة، وخصوصاً انك وقعتي من طولك و وقفتي اليوم كله تحضري الأكل لوحدك، فأكيد مش هروح أحط رجل على رجل وأقول تتفلق عادي، عادي جداً أساعدك دي حاجة مش هتنقص من رجولتي.
رفعت حاجبها بذهول قائلة :- يعني أنت هتغسل المواعين ؟
ثم أضافت بابتسامة بلهاء :- طيب تمام مفيش مشكلة، روح يا شيخ اللهي يخليك للغلابة اللي زيي، أهو كل حاجة عندك أنا هروح أريح عند التلفزيون شوية.
اتسعت عيناه بصدمة وهو يشاهد انسحابها من المطبخ قائلاً :- خدي يا بت تعالي هنا دي عزومة مراكبية الله يحرقك!
إلا أنها تركته بالفعل وتوجهت لتشاهد مسلسلها المفضل، بينما ضغط على يديه بقوة قائلاً بسخط :- ما بتصدقي الكلمة !
ثم أضاف بغيظ من نفسه :- وأنت كان لازم يعني تقول كدة، طيب ألبس أهو يا بطل.
بعد وقت من الصراع بينه وبين تلك الأطباق انتهت بفوزه بصعوبة، خرج ليجدها تشاهد التلفاز باستمتاع، فعض على شفتيه بغيظ قائلاً :- الله الله على الهانم اللي سايبة جوزها يغسل الصحون وهي قاعدة تتفرج قدام التلفزيون!
شهقت بخفوت قائلة ببراءة :- مش أنت قولت أنك هتساعدني!
أردف بغيظ :- اه قولت أساعدك مش تلبسيلي الليلة كلها!
ابتسمت بمكر قائلة :- بس إيه طلعتي ست بيت شاطرة أهو.
رفع حاجبه باستهجان قائلاً :- والله!
ضحكت بصخب قائلة:- منظرك وأنت بتغسل المواعين تحفة.
هز رأسه قائلاً بوعيد :- أيوة إيه تاني، تقلي من العقاب تقلي.
صمتت فوراً حيال سماعها كلمته الأخيرة، فأردفت بابتسامة بلهاء :- و جدع وحلو روح يا شيخ إلهي ما يوقعك في ضيقة أبداً، تاكل كيك؟ هجبلك كيك..
أنهت كلماتها و فرت للداخل خوفاً من العقاب الذي يتحدث عنه، بينما هز رأسه بضحك مكتوم قائلاً:- مجنونة!
عادت بعد دقائق وهي تحمل الأطباق المرصوص عليها قطع الكيك، و كوبين من النسكافيه و وضعتهم على الطاولة قائلة :- أهو المكافأة بتاعتك أهو.
أردف باستنكار:- عيل صغير أنا!
أحمد هتضحكي عليه بحتة كيكة!
أردفت بتوتر :- أنا مش بضحك عليك، أنا عارفة إنك بتحبها و شلت حتة كبيرة عشانك.
أردف بعبث :- اه بحبها وأنتِ عرفتي منين إني بحبها؟
زاغ بصرها في المكان، و بدأت تفرك أصابعها بقوة قائلة بتوتر :- أاا..عرفت من مرات عمي قالتلي.
هز رأسه بتفهم قائلاً :- طيب يلا تعالي كلي معايا..
أردفت بسرعة :- لا لا أنا هروح أنام، تصبح على خير.
انصرفت من أمامه في طرفة عين، لتختبئ بغرفتها وما إن دلفت أخذ قلبها يتراقص فرحاً على أنغام العشق، و ابتسامة عريضة أشرقت وجهها بعد ليال عجاف أرقتها في مضجعها.
تمددت جوار الصغير و احتضنته بحب، ثم أوصدت عينيها لتسافر إلى رحلة نوم هانئة منذ زمن، بعد أن كانت تستقل رحلات الوجع والآلام في دروب عشقه.
______________________________________
تسير جيئة و ذهاباً بغيظ شديد بغرفتها بعد أن رفض والدها و شادي أن تخرج لتباشر عملها في تلك الأيام، أخذت تقطم أظافرها بغل و هي تتذكر حديثه الذي ما زادها إلا حقداً عليه فهتفت بانفعال وهي تركل الفراش بقدمها :- بقى يقولي كدة وأنا أقعد ساكتة من غير ما أنطق ولا أتكلم! اه يا ناري، تسيبيه يعلم عليكي يا رحيق!
ثم صرخت فجأة بصوتها العالي كي تنفث عن غضبها.
صدح رنين هاتفها بالغرفة فالتقطته وما إن رأت المتصل أجابت على الفور قائلة بحذر :- أنا آسفة يا مدام سندس مش هعرف أجي النهاردة، بابا مش راضي يخليني أخرج بعد الفضايح اللي حصلت امبارح.
أتاها صوت الأخرى قائلة بدهشة :- بصراحة أنا لما شفت الخبر ما صدقتش، بس الكلام اللي مكتوب تحت الصور و......حجات يعني أكيد أنتِ شوفتي.
عضت على شفتيها بغيظ قائلة :- ولاد الهرمة مش يشوفوا الأول قبل ما يتكلموا عالم فاضية بصحيح، بس متقلقيش المشكلة اتحلت.
أردفت بتعجب :- إزاي مش فاهمة ؟!
أردفت بحنق :- الفريزر قال إننا هنتجوز .
أردفت بحدة :- نعم !
دة اللي هو إزاي؟
إجابتها بهدوء :- زي ما سمعتي هي الأخبار لسة ما نزلتش ولا مش فاضيين بس غير للفضايح!
ثم أضافت بشكوى :- اسكتي يا سندس يا أختي، مش الفريزر يقرر بالنيابة عني وأنا قاعدة مصدومة، بس دلوقتي فوقت ومش هسكت و هطربق الدنيا فوق دماغه .
أردفت بضحك :- يا مجنونة اعقلي ! أكيد هو عمل كدة للصالح العام و لمصلحتك.
أردفت بتذمر :- يقوم جاررني وراه زي الجاموسة ولا كأن ليا لازمة!
دة أنا هوريه .
هزت رأسها بيأس قائلة بروية:- خلاص يا رحيق أعمل إللي أنتِ عاوزاه، بس يا ريت تفكري كويس علشان المشكلة ما تتوسعش، و أخبار مرات باباكي إيه؟
ضيقت عينيها بغل قائلة :- اسكتي يا أختي جيبي سيرة عدلة، بس متقلقيش عليا دة أنا مورياها الويل هي و جدتي و بنتها إلهي تتشك في صباعها الصغير هي أصل المصيبة دي كلها، دي عيلة ما يعلم بيها إلا ربنا.
قطبت جبينها بتساؤل قائلة :- ليه هي عملت إيه؟
يجلس ينظر أمامه بشرود فانتبه للذي يسحب المقعد و يجلس إلى جواره قائلاً بضجر :- صباحك فل يا عمنا.
هتف بهدوء :- صباحك فل يا مدحت.
أردف بتساؤل :- مالك شايل طاجن ستك ليه؟
زفر بغيظ وغل قائلاً :- يعني أنت مش عارف ليه!
ضيق عينيه بمكر قائلاً :- طيب والعمل؟ هتسيبها كدة بعد ما توتوها و اكلتوها و علمتوها، ما يطولكش من الحب جانب؟ صحيح ناكرة للجميل ما صدقت مشيت لا بصت على أهل حارتها ولا أفتكرتهم.
أردف بحنق :- و هتيجي إزاي يا فالح بعد اللي عملته، إزاي تعمل كدة من غير ما ترجعلي؟ دي حتى أم بسمة غلطت فيها هتيجي لمين يا حدق؟
أردف بخبث :- طيب ما تتصرف أعمل أي حاجة بدل ما هي متنغنغة في العز وأنت طافح الكوتة هنا .
نظر أمامه قائلاً بتصميم :- أنا لا يمكن أسيبها تتهنى لوحدها بالعز دة، سيبني اقلبها في دماغي وبعدين هشوف هعمل إيه؟
أومأ له بهدوء وهو يبتسم بخبث لنجاح كلماته و تأثره بها، فهو لن يهنأ باله أبداً طالما ابتعدت عن مرمى بصره، و سيفعل أي شيء لتكون ملكه..
في مكان آخر، تغلي كبرميل البارود غضباً وهي تتطلع للشاشة أمامها والتي تعرض صورة لمراد مع تلك الفتاة الدخيلة عليهم.
كانت بجوارها صديقتها التي تراقبها بحذر خشية حدوث أي عواقب و هتفت بتوتر :- أهدي يا سالي دي اكيد أخبار fake أنتِ عارفة الصحافة بتحب الحجات دي وكدة .
هتفت بغضب حارق :- واللي قاله من شوية برده كلام صحافة؟ بقى يسيبني أنا علشان دي !
أردفت الأخرى بروية :- ما أنتِ عارفاه لا عمره شوفناه مع واحدة ست ولا أي حاجة بس غريبة فعلاً أول مرة أشوفه في الوضع دة مع بنت.
أردفت بحدة :- بيري !
أنتِ بتفوري دمي زيادة بكلامك دة .
أردفت بحذر و توتر :- لا أنا ما أقصدش، إيه رأيك تكلمي ناريمان هانم و تستفسري منها عن الموضوع؟
هزت رأسها بموافقة وهي تنظر أمامها بغل قائلة :- أوك هعمل كدة، أنا استحالة أسمح للمهزلة دي تحصل . بقلم زكية محمد
______________________________________
بعد أسبوع ليلاً تجلس بضجر و ملامح الضيق مرسومة على وجهها، فقد سافر معشوقها لبورسعيد من أجل توريد البضائع التي بحاجة لها الوكالة ونفذت منها، وها هو غائب عنها لمدة ثلاثة أيام وقد اشتاقت إليه حد الهوس، وسرعان ما صبرت نفسها بأنه سيصل غداً بأمر الله، و ستروي قلبها أخيراً برؤيته سالماً أمامها فقد أدمنته و انتهى الأمر.
فاقت من شرودها على صوت الصغير قائلاً بتذمر:- يلا يا ماما علشان نقول happy birthday و نطفي الشمعة.
جثت على ركبتيها لتكون في مستواه و احتضنته بحب قائلة :- يا روح مامي أنت كبرت سنة و بقى عندك أربعة يا روحي، عقبال ما أشوفك أحلى عريس، كل سنة وأنت طيب ومعايا يا قلب ماما .
قبلها في وجنتها قائلاً:- وأنتِ طيبة ماما.
مسكت يده و خرجا معاً للصالة بعد أن ارتدت ملابس بيتية مريحة .
حملت الصغير ليجلس على المقعد و قامت بإشعال الشمعة التي تحمل العدد أربعة، و بدأوا يغنون معاً و يتراقصون، حتى أطفأ الصغير الشمعة بحماس و فرح .
التقطت الهاتف و بدأت تلتقط لهما الصور سوياً، وهم يمرحون بسعادة.
بالأسفل وصل باكراً عن معاده لتيسر الظروف، بعد أن تمم على البضاعة مع عمه و والده هتف بهدوء :- طيب عاوزين حاجة تاني أنا طالع أدي أحمد الهدية بتاعته قبل ما ينام.
هز موسى رأسه بنفي :- لا يا ابني أطلع ارتاح وبكرة بإذن الله نبقى نتمم على الحسابات .
أومأ بهدوء وصعد للأعلى وهو يطالع تلك العلبة المغلفة والتي أحضرها ليهادي بها الصغير فلم ينسى أن اليوم هو عيد ميلاده الرابع .
صعد بسرعة وما إن توقف أمام الشقة، سمع بعض أصوات الموسيقى فابتسم بمكر فهو لم يخبرهم بعودته ليصنع لهم مفاجأة.
فتح الباب بحذر و هدوء كي لا يشعران بوجوده، واغلقه بنفس الهدوء ليمشي على أطراف أصابعه نحو مصدر الصوت فكاد أن يتحدث بصوته العالي ليخبرهم بقدومه، إلا أنه وقف مصعوقاً يشاهد تلك الجنية تتمايل على أنغام الموسيقى و تضحك للصغير الذي يحاول تقليدها.
بقلم زكية محمد
أخذ يتفرسها بنظرات تكاد تلتهمها من رأسها لقدميها.
خرج صوته قائلاً بإعجاب صارخ وهو يتأمل ما ترتديه فيبدو أنها انتهزت غيابه لتبدو بتلك الفتنة وكم هو ممتن للظروف التي لو أخرته ما كان سيقف هنا و يرى تلك المتمردة، خرج صوته العابث قائلاً :- ألعب! يا هوت شورتاتك يا عتبة !
_______________________________
"ذئب يوسف"
رواية ذئب يوسف الفصل الخامس عشر 15 - بقلم ذكية محمد
يجلس الجميع في البهو الكبير، وفي المنتصف يجلس المأذون وعلى يمينه مراد و على يساره مجدي لبدأ مراسم كتب الكتاب، و على مقربة منهم كانتا تجلسان و الحقد يتصاعد منهن كألسنة اللهب فهن ظنوه أنه يقول هكذا ليخرس ألسنة الصحافة و الإعلام، و لكنه مستمر في تلك اللعبة .
بالأعلى تزفر بضيق بينما تقف زوجة عمها إلى جوارها و صديقتها آلاء التي هتفت :- بسم الله ما شاء الله على عروستنا القمر.
امتعض وجهها بضيق قائلة :- دي جوازة الندامة يا أختي!
هتفت زوجة عمها بهدوء :- ليه يا حبيبتي ألف بعد الشر، ربنا يجعلها جوازة العمر و يسعدك العمر كله.
عضت على شفتيها بغيظ قائلة :- يعني أنتِ مش عارفة يا مرات عمي ! دي لعبة و مسيرها تنتهي وأنا اللي هطلع خسرانة في الليلة دي لما أطلق و سيرتي تبقى على كل لسان.
ربتت على ظهرها بحنو قائلة :- لا يا حبيبتي خير بإذن الله، مين عارف مش يمكن الجوازة دي تستمر علطول!
رفعت حاجبها قائلة باستنكار :- علطول! ومع الفريزر دة! سوري يا مرات عمي ما اعتقدش.
ضحكت بخفة قائلة :- لا صدقيني مراد كويس جداً و بصراحة أنا أكتر واحدة فرحانة أنه خلاص أخيراً أتجوز بعد ما كنت شوية كمان و هفقد الأمل فيه.
أردفت بتبرم :- اه وكل واحد هيحقق أمنيته على قفايا!
ما أنا اللي استاهل ضرب الجزمة من الاول، كان لازم أعمل فيها سبع رجالة في بعض و أروح ورا الهانم .
تدخلت آلاء قائلة بروية و مرح :- يا بت ما تبقيش كئيبة كدة افردي وشك دة ويلا علشان ننزل الناس مستنية تحت.
زمت شفتيها بعبوس قائلة:- ماشي يا أختي أدينا نازلين.
بعد وقت تم كل شيء و ارتبط اسمها إلى جوار اسمه تحت ميثاق الزواج، أما هي كانت في موقف لا تحسد عليه فكانت تشعر بالضياع وسط كل ما مرت به وتمر، و لوهلة تساءلت ما الذنب الذي أقترفته لتُعاقب عليه؟ سرعان ما استغفرت ربها وأنه القدر لا مفر منه.
نظرت لوالدها لتجد في عينيه دموع ولكنها دموع فرح، ربما لثقته بابن أخيه الذي لا تعرفه جيداً، و حولت مقلتيها لتلك الأفاعي المتجسدة في جسد إنسان، و رأت الغضب و الحقد مرسوم بأعينهن، فابتسمت بخبث فما أسعدها عندما ترى الحنق مرسوم على وجوههن، فأخذت تبتسم باصطناع لترسل لهن أن ما يحدث يروق لها.
على الجانب الآخر كان والدها ينظر لها بحب، وعاد بذاكرته للخلف و بالتحديد في الصباح حينما أخبر مراد بأن يعجل في الزواج كي يخرس ألسنة الجميع، و أيضاً لسبب آخر خوفه عليها فهو لن يكون قادراً على أن يحميها وهو قعيد كرسي متحرك، فلتكن إلى جواره هو و مسؤوليته التي وكله إياها فهكذا سيكون مطمئناً عليها أكثر، لأنه يعلم مراد جيداً إن عبث أحد مع شيء يخصه ينسفه و يمحوه تماماً.
توالت المباركات و التهاني عليهم عدا المذكورين في السابق، تحدث عمران لتلطيف الأجواء المشحونة :- إيه يا مراد، ما تاخد مراتك و تقعدوا مع بعض شوية في أي حتة برة.
هتفت رحيق بتسرع :- لا! أنا قصدي ....مش عاوزة أطلع يعني و كدة..
أردف بتفهم :- طيب خلاص على الأقل اقعدوا مع بعض شوية أهو تتعرفوا على بعض أكتر ولو برة جنينة القصر.
كان يبدو من الخارج جامداً، ولكن بداخله كان يود الإعتراض، خاب أمله حينما هتفت لميس بحماس:- اه كويس جداً يلا يا مراد يا حبيبي..
جز على أسنانه بقوة، و أومأ لهم بموافقة، ومن ثم خرجا معاً تحت ضغطهم، وتحت نظرات الغل الأخرى التي كانت تتابعهم.
ما إن وصلا للمسبح جلس هو على المقعد المجاور له و أخرج هاتفه وأخذ يتصفحه، غير مبالي بالتي تقف و تغلي كالمرجل و تهز ساقيها بعصبية وهي تراقب بروده قائلة بخفوت :- فريزر فريزر مغلطتش يعني!
سارت بعض الخطوات لتجلس على المقعد بجواره تارة تنظر للماء اللامعة على الاضواء و تارة تنظر أمامها حتى أصابها الضجر، فتأففت بضيق قائلة :- أظن كدة كفاية حرقة دم!
وما إن نهضت هتف بصوت صارم :- أقعدي!
هتفت بغيظ :- نعم!
لا مش هقعد، هقعد أعمل إيه؟ دة حتى الجو يخنق .
جز على أسنانه بعنف قائلاً بتهديد :- بقولك أقعدي يعني تقعدي..
جلست بعنف قائلة بتذمر :- أنا عارفة أنها جوازة شوم من الأول محدش صدقني! طيب أتكلم معايا أعمل أي حاجة بدل ما أنا قاعدة كدة..
رفع حاجبه بتهكم و رمقها بنظرات سخرية ثم تابع ما يفعله. استشاطت غضباً وخاصة عندما رأته يبتسم للشاشة فعلمت أنه يحدث شخصاً ما ولكنها لا تعلم من بالتحديد، فقامت بسحب الهاتف منه قائلة بحدة :- على فكرة أنا بكلمك بطل برودك دة!
أردف من بين أسنانه:- هاتي الفون.
هزت رأسها بنفي قائلة بإصرار :- لا مش هدهولك إلا لما تحترمني الأول، الزفت دة مش أهم مني.
أردف بضجر :- هاتي الفون و بلاش دراما و اه الفون لما يكون فيه شغلي يبقى أهم منك.
ازدادت وتيرة أنفاسها، وبلحظة تهور ألقت الهاتف خلفها والذي لم يكن سوى داخل المسبح، فاتسعت عيناها بذعر خاصة عندما رأت نظراته التي يرمقها إياها والتي بمثابة أسهم حارقة، إذ هتفت بتلعثم :- أااا..... أنا ما ...ماأقصدش يا مراد والله، أنا كنت قاصدة أرميه على الأرض.... أنا... أنا همشي..
وما إن استدارت لتفر و تلوذ بالنجاة، وجدت من يطبق على ذراعها بقوة حتى كاد أن يهشمه.
تبادلا النظرات ما بين خوف و غضب نهاه حينما أردف بفحيح :- انزلي هاتي الفون.
قطبت جبينها بتوتر قائلة :- أنا....مش ..مش بعرف أعوم....
قاطعها قائلاً بعدم اكتراث :- مش مشكلتي يلا هاتي الفون..
أردفت بحنق:- هو أكيد باظ هتعوزه في إيه؟
دفعها بحدة قائلاً بجمود :- يلا.
هزت رأسها بخوف عندما رأت الإصرار بعينيه، فنظرت للمسبح و توجهت ناحيته، و بلحظة رددت الشهادة و قفزت بداخله لتحرك ذراعيها بعشوائية تناضل للعيش، وهي تحاول البحث عن الهاتف، فشعرت بأنها النهاية فاستسلمت للأمر الواقع، وما هي إلا لحظات حتى سكن جسدها في الماء.
ظن أنها تكذب لذلك أصر على أن تحضره، و لكن انتابه القلق حينما وجدها ساكنة هكذا في الماء، فقفز خلفها على الفور وقام بإخراجها و مددها على الأرضية، و أخذ يضغط على قفصها الصدري و لجأ لانعاشها بالتنفس الصناعي، و بعد عدة محاولات شهقت بقوة و أخذت تسعل بشدة و تتنفس بصعوبة، بينما هتف هو بغيظ :- اتنفسي براحة..
فعلت ما املاه عليها، ثم أخذت تضربه بقبضتيها في أماكن متفرقة قائلة بحدة :- كله بسببك يا جلاب المصايب مش هترتاح إلا لما تموتني!
نظر لها باستنكار قائلاً :- شكلك ناسية اللي عملتيه!
نظرت لملابسها بضيق قائلة :- هدومي اتبلت هدخل إزاي قدامهم كدة ؟
أردف بخبث :- زي الطريقة اللي طلعتي بيها من الفيلا المرة اللي فاتت.
اصطكت أسنانها بغضب قائلة :- بطل تلميحاتك الزفت دي، كان يوم أسود.
أردف بجمود وكأنه شيئاً لم يكن :- تعالي ورايا..
قال ذلك ثم سلك طريقاً آخر من الخلف للوصول للأعلى دون أن يراهم أحد، فكورت قبضتها بغل و سارت خلفه، و لكن ما لم يكن في الحسبان شاهدتهم ناريمان التي هتفت باذدراء والتي كانت تشاهد لحظة اقترابه منها عندما كان ينعشها وقد فسرت الأمور بشكل خاطئ :- إيه قوام سحرتيه!
مش غريبة عليكي مامتك عملتها قبلك.
غلت الدماء بعروقها فهتفت بحدة :- بقولك إيه يا ست أنتِ كله إلا أمي مش هسمحلك ولا هسمح لأي حد يجيب سيرتها بالوحش.
أردفت بسخرية لاذعة :- و منظرك دة تفسريه بأيه مش قادرين تصبروا لحد الفرح!
صرخت بحدة أفزعت من أمامها :- أخرررسي!
تدخل مراد منهياً ذلك الجدال قائلاً ببروده المعتاد :- أظن أنها مراتي و بعلم الكل يعني أي حاجة تحصل بينا لا هي غلط ولاحرام .
أنهى حديثه و امسك يدها و صعد بها للأعلى، بينما رفعت حاجبها بشر قائلة :- لا بقى دة أنا لازم أتصرف بأسرع وقت مش هستنى كتير.
أردفت بخفوت وغيظ :- سيب أيدي يا جدع أنت.
ولكنه كالأصم لم يتركها إلا عند باب غرفتها قائلاً بجمود قبل أن يغادر :- يا ريت بعد كدة متتصرفيش بغباء تاني.
اختفى بلمح البصر، لتلكم الجدار بيدها بقوة قائلة بغل :- اه يا ابن الناس الطيبين! و حياة مقاصيصي لأوريك يا فريزر..
بقلم زكية محمد
______________________________________
شعرت بدلو ثلج سُكب عليها في شهر يناير، فاصطكت أسنانها ببعضهما بقوة، و سرعان ما تحول الفصل لتشعر بالحرارة تغزو وجنتيها و سائر جسدها.
اتسعت عيناها بذهول وهي تراه ماثلاً أمامها يبادلها ابتسامة عابثة، و لوهلة شعرت بالخوف حيال نظراته المصوبة نحوها والتي لا تبشر بالخير.
أطلقت صرخة عالية فجأة وهي تدور حول نفسها كالمجنونة قائلة :- غمض عنيك، غمض عنيك يا قليل الأدب.
ضحك بخبث قائلاً :- و ربنا ما أنا سايبك النهاردة، كدة يا مريومة يا بخيلة أول ما أغيب تلعلعي كدة!
راقبت تقدمه منها بأنفاس تكاد تجمعها من الهواء الذي هرب من حولها، بينما أخذ يتفحصها قائلاً بمكر :- ما شاء الله، من أين لكي هذا؟
أردفت بخجل زائد :- إسلام بطل الولد قاعد .
نظر للصغير الذي يطالعه ببراءة قائلاً :- إزيك يا أبو حميد كل سنة وأنت طيب يا بطل، بص شوف جبتلك إيه؟
أنهى حديثه وهو يمد له تلك اللعبة، فركض الصغير نحوه و التقطها منه و فتحها بحماس وما إن رآها فرغ فاهه بدهشة قائلاً بفرح :- الله حلوة أوي يا إثلام.
مال عليه مقبلاً إياه بوجنته بحب قائلاً :- قلب إسلام أنت يا أبو حميد، يلا يا بطل روح أوضتك عاوز أقول لماما كلمة سر.
أومأ بتفهم قائلاً :- ماشي، بث بعدين نلعب مع بعض؟
هز رأسه بموافقة قائلاً :-حاضر يا أبو حميد.
ركض الصغير للداخل، بينما انتصب هو في وقفته و نظر لمريم التي كادت أن تنصهر كالجليد من فرط الخجل، والتي سحبت غطاء الطاولة و لفته حولها، فانفجر ضاحكاً عليها قائلاً :- لا يا مريومة مفناش من كدة ما تبقيش بخيلة أومال، ولا أحمد بس اللي ليه كل حاجة ! طيب اعتبريني ابنك يا شيخة والله الواد أحمد دة محظوظ حظ، أوعدني يا رب نص حظه.
اقترب منها قائلاً بخبث :- شيلي المفرش شيلي خلينا نتفرج كويس، قصدي يعني نتكلم مع بعض كويس.
أردفت بتقطع :- أنا.....
أنا دايخة.
أردف بفزع :- لا أبوس إيدك ما تفيصيش دلوقتي، بصي اتنفسي واحدة واحدة و هتبقي زي الفل.
اقترب منها ليتخلص من ذلك الغطاء بخبث، ثم أخذ بيدها و جلسا معاً على الأريكة قائلاً بحنو :- أهدي و اتنفسي براحة كدة ..
أطاعته و بدأت تتنفس بتمهل حتى هدأت، فأردف بحذر وهو يناولها كوب الماء :- خدي اشربي المياه هتهدي أكتر.
تناولت منه الكوب، و ارتشفت منه القليل وهتفت بتوتر وخجل :- أنا... أنا هروح أشوف أحمد.
امسك يديها قائلاً بعبث :- أحمد جوة بيلعب، خلينا في عم أحمد و ام أحمد.
شهقت فجأة قائلة بضياع :- ها ؟
ابتسم بهدوء و أعاد خصلات شعرها خلف أذنها قائلاً بهمس وجرأة :- إيه القمر دة!
اتسعت حدقتيها بمزيد من الصدمة، و فجأة أخفت وجهها بصدره قائلة بتوسل و خفوت :- ما تبصليش كدة، أنا خايفة !
اهتز قلبه بعنف بين اضلعه و اذدرد ريقه بتوتر من قربها الزائد، إلا أنه لم يحرم ذاته من التقرب منها، إذ دفن وجه بجوف عنقها قائلاً وهو يطبع قبلة هادئة على شريانها النابض، انتفض سائر جسدها على أثر ذلك، وهتف بصوت مبحوح :- خايفة ليه؟
شهقت بصوت مسموع، وما إن همت لتغادر حاوط خصرها قائلاً بمكر :- رايحة فين بس! عاوز أقولك حاجة.
قطبت جبينها بتعجب قائلة :- حاجة إيه؟!
لم يستطع مقاومتها أكثر من ذلك، فاقترب منها كالمغيب يروي ظمأ ليال عجاف . بعد وقت ابتعد عنها ليسند رأسه على خاصتها قائلاً بعاطفة جياشة :- وحشتيني وكنت عاوز أسلم عليكي.
لا لن يتحمل قلبها الصغير هذا الكم من الصدمات على دفعة واحدة، شعرت بدوار عنيف يعصف بها و استسلمت لتلك الظلمة فأغلقت عينيها و استكانت بين ذراعيه، بينما زفر هو بضيق قائلاً :- لا وربنا كدة كتير! مريم مريم فوقي الله يحرقك مكانتش بوسة دي!
بعد محاولات عدة منه لافاقتها استجابت أخيراً له، و فتحت مقلتيها قائلة بضعف و كأن عقلها يرفض تصديق ما حدث للتو :- هو في إيه؟
رفع حاجبه باستنكار قائلاً :- ما شاء الله يعني من أول ما أقرب يغمى عليكي و تصحي فاقدة الذاكرة!
يا فرحة أمي بيا.
قطبت جبينها قائلة بدهشة :- أنت تقصد إيه؟
أردف بغيظ :- لا صحصحي معايا كدة، أنتِ مش فاكرة اللي حصل خالص ؟!
عادت للخلف بذاكرتها لتسترجع تلك اللحظات لتستوعب أنها حقيقة و ليس حلم كما تخيلته، لتغزو الحمرة وجنتيها بخجل زائد.
ابتسم بمكر وهو يسير بأطراف أصابعه على وجنتيها قائلاً :- شكلك أفتكرتي يا خلبوصة!
نهرته بخجل :- إسلام!
أردف بعبث :- الله! هو اسمي حلو كدة وأنا ما أعرفش!
صرخت بحدة قائلة:- أنت بقيت قليل الأدب كدة ليه؟ أوعى سيبني.
ضحك بخبث قائلاً :- هو حد يشوف القمر دة و ميبقاش قليل أدب!
وضعت يدها على جبينه قائلة بتعجب :- أنت سخن؟!
أردف بإعياء مصطنع :- اه سخن أوي حتى شوفي كدة.
ضيقت عيناها بغيظ، حينما كُشِفت لعبته فوكزته بذراعه قائلة :- بطل كدب.
ضحك عالياً وهو يقول :- اعملك إيه طيب؟! مش أنتِ اللي بتسألي أسألة غير منطقية وملهاش أي دخل بالموضوع!
طالعته بحذر قائلة :- إسلام أنت بتعمل كدة ليه؟ أنا مش فهماك!
تنهد بعمق قائلاً بحيرة :- ولا أنا فاهم نفسي يا مريم، بس أنا ببقى مبسوط وأنا جنبك، اليومين اللي غبتهم حسيت بفراغ كبير أنتِ كنتي ملياه وأنا مش واخد بالي، مريم أنا مش عاوز نبقى كدة عاوز نبقى زي أي اتنين متجوزين من غير مشاكل.
أردفت بضياع :- ها أنت قولت إيه؟
أردف بتأكيد:- اللي أنتِ سمعتيه يا مريم، ها موافقة نكمل ولا نفضل على اتفاقنا اللي أول مرة ؟
لم ترد عليه وكيف ترد و أخرستها الصدمة تماماً، أيسألها إن كانت موافقة أن تكمل حياتها معه!
وهي التي تتمنى البقاء بجواره إلى أن يأذن الله؟
لمع الدمع بعينيها بعدم تصديق لما تسمع، بينما أردف هو بحذر :- مالك يا مريم، هو كلامي دايقك؟
اعتصر عينيه بعنف وهو يحلل سبب الدموع بشكل خاطئ ليردف بهدوء مصطنع :- اعتبري إنك مسمعتيش حاجة و آسف لو ضايقتك و فرضت نفسي عليكي.
وما إن هم ليقف، وجدها تتشبث بيده فنظر لها وجدها تهز رأسها بنفي و دموعها تهطل بغزارة، فتراجع فوراً وجلس إلى جوارها قائلاً بقلق :- طيب أنتِ بتعيطي ليه دلوقتي؟
لم تجب وانما ازدادت في البكاء، وهي تخشى أن تخبره بحبها له حينها سيتهمها بالخيانة لأخيه و هذا ما لن ترضى به أبداً.
مد يده ليمسح عبراتها بحنان قائلاً:- طيب ممكن تبطلي عياط؟
هزت رأسها بموافقة لتحاول كبت دموعها التي نزلت رغماً عنها، لطالما تظاهرت بالقوة أمام أعينهم، فأردف هو بروية :- ها سامعك عاوزة تقولي إيه؟
نظرت أرضاً قائلة بخفوت :- ممكن تديني شوية وقت؟
هز رأسه بتأكيد قائلاً:- طبعاً خدي الوقت اللي أنتِ عاوزاه بس يا ترى فيه أمل و لو حتى بسيط؟
هزت رأسها بخفوت وخجل بنعم، فابتسم قائلاً :- تمام، يبقى خدي وقتك براحتك و أهو فرصة نتعرف على بعض أكتر من غير ما نتخانق مع بعض.
ثم أضاف بعبث وهو يشير لها :- بس بشرط ما تقطعيش بعادتك دي.
لم تفهم ما يرمي إليه إلا عندما نظرت إلى ما يرمي إليه بصره، فشهقت بخجل و سرعان ما نهضت وهي تركض للداخل صارخة بتذمر :- قليل الأدب.
هز رأسه بضحك قائلاً بصوت عال :- يا ميدو تعال يا حبيب عمو تعال ..ثم تابع بصوت خافت يملئه الغيظ :- تعال على ما أمك تحن علينا .
بالداخل وضعت يدها على ثغرها بعدم تصديق وابتسامة واسعة أفتقدتها منذ زمن بعيد و قلبها يقيم حفل غناء راقص يحتفل بما سمعه منذ قليل، تمددت على الفراش وهي تتطلع للسقف و عينيها الحب منها يفيض ومن ثم أخذت تقفز بسعادة و ودت لو تصرخ بجنون الآن فلن يلومها أحد على ما هي فيه فيالها من سعادة غمرت روحها التي كاد أن يتآكلها الحزن.
______________________________________
في الصباح الباكر تقف بركن بعيده بالقصر تضع على أذنها تنتظر رد الطرف الآخر الذي ما إن أجاب هتفت بحذر :- ها عملت اللي قولتلك عليه؟
- أيوة يا ناريمان هانم.
أردفت بنشوة انتصار :- طيب هستنى اللي طلبته منك في رسالة فوراً دلوقتي .
أنهت المكالمة لتأتي لها رسالة بعد ذلك، ما إن قرأت ما بداخلها نظرت أمامها قائلة بشر :- مش هستنى لما سلوى هانم تقول هعمل إيه و مهعملش ليه، أنا لازم أتصرف و أخلص الموضوع دة بنفسي.
____________________________________
استيقظت صباحاً بنشاط و أعدت الطعام، و وقفت تعض على إصبعها بخجل وهي تتطلع لباب الغرفة التي يقبع بها، و بالأخير حسمت الأمر إذ دلفت بخطا حذرة لتراه مازال غافياً.
تقدمت نحو الفراش و أخذت تتطلع إليه بحب تتأمله بعشقها المكنون له منذ زمن.
مدت يدها لتوكزه بخفة بذراعه قائلة بخفوت :- إسلام.. إسلام أصحى.
صرخت بفزع حينما وجدت نفسها مكبلة بين ذراعيه و قريبة منه حد الهلاك حينما جذبها نحوه فجأة فهتفت بعتاب :- إسلام خضتني!
ابتسم لها بحب قائلاً :- سلامتك من الخضة يا قمر، طيب بزمتك في حد يصحي حد كدة! بالرقة دي مش هيصحى خالص.
أردفت بخجل وهي تحاول أن تبتعد عنه لتستطيع التنفس :- طيب قوم علشان تفطر.
قطب جبينه بتذمر قائلاً :- كدة من غير ما تصبحي عليا يا مريومة !
عضت على شفتيها بخجل قائلاً :- صباح الخير.
لم يستطع الصمود أكثر من ذلك إذ جذبها نحوه و روى ظمأه. ابتعد عنها بعد وقت قائلاً بخبث :- أحلى صباح دة ولا إيه!
و حينما رأى جسدها المتخشب أردف بحذر :- أوعي تقولي هيغمى عليكي!
دفعته بعشوائية لتفر من أمامه، بينما هتف هو بضحك :- الحمد لله المرة دي مفيصتش مني شكلها كدة خدت مناعة.
بعد وقت جلست بجوار أحمد الذي هتف بطفولية :- إثلام صحي ولا لسة أنا جعان.
أتاه صوته المرح قائلاً :- لا يا ميدو إثلام صحي أهو.
جلس هو بدوره و شرعوا في تناول الطعام، و وسط ذلك صدح هاتفه برنين معلناً عن وصول رسالة فقام بفتحها قائلاً بضجر :- يا دي العروض و الباقات اللي مش هتخلص.
وما إن فتح الرسالة و قرأ محتواها تجمد كالجليد، و تجهم وجهه و غلت الدماء بعروقه و تعالت وتيرة أنفاسه و سلط وجهه على الرسالة تارة و على مريم تارة أخرى، و دقق في محتوى الرسالة و أخذ يقرأ كلماتها مراراً و تكراراً " مراتك بتخونك و بتستغفلك"
نظرت له بتعجب من تغيره المفاجئ فسألته بقلق :- مالك يا إسلام؟ خير إن شاء الله.
أردف باقتضاب :- مفيش!
ثم نهض قائلاً بجمود :- أنا نازل الشغل خليك أنت يا أحمد النهاردة.
أنهي كلماته ثم غادر مسرعاً، بينما أخذت تطالع أثره بتعجب شديد قائلة :- يا ترى إيه اللي غيَّرك كدة؟!
فاقت من شرودها على صوت الصغير قائلاً:- ماله إثلام يا ماما زعلان ليه ومش خدني الكوالة؟
ربتت على شعره قائلة بحنو :- مش عارفة يا ميدو لما يجي نبقى نسأله، يلا كل فطارك علشان هنروح لسامية. بقلم زكية محمد
_____________________________________
بعد مرور أسبوع لم يحدث به شيء سوى عودة رحيق للعمل مع سندس بعد محاولات عدة في ترجي والدها و أخيها حتى وافقا على ذلك، و تتعامل بتحفظ مع مراد منذ آخر موقف.
استمر هذا الرقم المجهول في إرسال الرسائل التي تخبره في كل مرة أنها خائنة، تخونه وأنها على علاقة بآخر وهو يكاد يجن حتى بات يراقبها و يتصرف معها بجمود أثار دهشتها و حزنها في ذات الوقت فقد عاد لما كان عليه بعد أن أخبرها بأنه يريد أن تستمر حياتهم الزوجية بشكل طبيعي و لكنه لم يجد أي شيء يثبت صدق الكلمات و فكر أخيراً أنها مجرد كلمات لزرع الشك بينهما لذا عليه تجاهلها و الاستمرار قدماً.
في الشركة الخاصة بالدعاية والإعلان شعرت بالجوع فنظرت لآلاء قائلة:- أنا جعانة و عاوزة أكل هنزل أجيب أجبلك معايا؟
هزت رأسها بنفي قائلة :- لا متشكرة يا رورو مش جعانة .
نهضت بدورها و نزلت للأسفل، و ما إن تخطت الجانب الآخر و سارت وهي تنظر أرضاً، شعرت بشخص خلفها و سرعان ما جذبها و وضع يده على ثغرها و سار بها قليلاً ليختفي عن الأعين بأحد الجوانب، ومن ثم فتح باب السيارة وقذفها فيه وجلس هو بجانبها، و سرعان ما انطلقت بهم السيارة إلى وجهتها .
أخذت تتلوى بعنف لتتحرر من قبضته و تصرخ بصوت مكتوم، إلا أنه هتف بتهديد :- أخرسي خالص بدل ما أخلص عليكي.
أخذت تطالعه بنظرات مذعورة و توقفت عن المقاومة، بينما أردف هو بفحيح :- مفكرة نفسك هتروحي مني فين؟ لو فكرتي إنك اتخلصتي مني يا رحيق تبقي غلطانة، أنا بس كنت سايبك بمزاجي وجه الوقت اللي هاخد فيه حقي منك.
تساقطت دموعها بقهر وهي تشعر بالذعر و دقات قلبها تطرق بعنف كالطبول وهي تدعو الله بداخلها بأن ينجيها من براثن ذلك الذئب.
______________________________________
جلست بحيرة على الأريكة وهي تفكر في سبب تغيره نحوها بهذا الشكل، زمت شفتيها بعبوس قائلة :- يكون حد قاله حاجة تانية؟ بس هيقوله إيه؟ما هو عارف كل حاجة، أنا هتجنن!
مش راضي يتكلم و مش عارفة ماله.
سمعت صوت الجرس فسحبت حجابها و وضعته على رأسها و توجهت لترى من الطارق؟
شهقت بصدمة حينما رأت الماثل أمامها، و سرعان ما دلف للداخل واغلق الباب خلفه قائلاً بخبث :- إزيك يا حلوة ! فاكرة إني مش هوصلك؟!
بدأ صدرها يعلو و يهبط بعنف، و خرج صوتها المتقطع قائلة :- أنت... أنت بتعمل ايه هنا؟ أطلع برة.. أطلع بدل ما أصوت و ألم الناس عليك .
أردف بمبالاة :- وماله صوتي ساعتها هقول إني جايلك بمزاجك وأنتِ اللي طلبتي دة.
هزت رأسها برعب قائلة :- حرام عليك عاوزين مني إيه تاني؟ بعد ما خربتوا حياتي، عاوزين إيه؟
أردف بخبث :- جاي نكمل اللي بدأناه هناك عندي في الشقة .
جحظت عيناها بصدمة قائلة :- بدأنا إيه يا حقير؟ طيب والله لأصوت وشوف بقى هيحصلك إيه؟
وما إن همت لتصرخ، كمم ثغرها بيده و أحكم حركتها رغم مقاومتها الضارية، ثم جذبها نحوه لإحدى الغرف والتي لم تكن سوى خاصتها، ثم قذفها على الفراش وعلى وجهه ابتسامة ماكرة.
قبل ذلك بدقائق معدودة وصلت له رسالة على أن " أطلع شوف مراتك جايبة عشيقها لحد البيت " .
جن جنونه و هب واقفاً و انصرف مسرعاً للأعلى وصل بوقت قياسي وكأنه في مضمار مع الزمن .
دلف للداخل ليسمع صوت صراخ مكتوم ليدلف للداخل، ليُصعق وهو يرى رجلاً يحضنها وهي تأن بضعف، حيث كان يكمم فاهها و يثبتها جيداً لتبدو الأمور للآخر طبيعية.
نزعه بقوة من فوقها لتصيبه الصدمة مرة أخرى عندما تعرف عليه، اندلعت بداخله حرائق غابات الأمازون ليضربه بكل قوته قائلاً بوعيد و غضب يحرق الأخضر و اليابس :- النهاردة محدش هيخلصك من إيدي.
أخذ يضرب فيه بعنف، و الآخر يسدد و يتلقى ولكن قوة إسلام كانت الكفة الراجحة، لذا ليهرب من براثنه أخرج المُدية التي كانت بحوزته و قام بتصويبها بشكل عشوائي لتصيب ذراعه بقوة ليتركه إسلام و ينتهز الآخر الفرصة و يلوذ بالفرار بعد أن حقق ما أتى لأجله.
بقلم زكية محمد
صرخت هي بفزع وهي ترى الدماء تجري على طول ذراعه، و ما إن همت لترى ما به، حدجها بنظرات لو كانت رصاصاً لأردتها صريعة في الحال، و رفع يده بأن لا تقترب منه، بينما أخذت تهز رأسها بعنف، وهي تخبره بعينيها بأنه لم يحدث شيء كما يظن، وأن عناية الله التي تمثلت فيه هي من أنقذتها .
تقلصت ملامحه بألم وهو يضغط على ذراعه بقوة حتى يمنع نزيف الدماء، بينما كاد قلبها أن يتوقف مكانه من قلقها عليه، وهي في موقف يحسد عليه وكم ألمها نظرات الإتهام التي يمطرها إياها........
_____________________________
"ذئب يوسف"
رواية ذئب يوسف الفصل السادس عشر 16 - بقلم ذكية محمد
غرق وجهها بالدموع و اقتربت منه قائلة بخوف :- علشان خاطري خليني أشوف الجرح بتاعك و بعدين أعمل إللي أنت عاوزه، الله يخليك..
صرخ بعنف قائلاً :- أخرسي!
مش عاوز أسمع نفسك.
إلا أنها لم تصغي له و أردفت ببكاء :- و حياة أغلى حاجة عندك خليني بس أعالجك، أقعد هروح أجيب علبة الاسعاف حالاً .
أنهت كلماتها و ركضت مسرعة للخارج وهي تشهق بعنف، بينما جلس هو بإهمال وقد داهمته عاصفة هوجاء فاجتثت جذوره فخر على قدميه فما عادت له قوة بعد ذلك.
لا يصدق أنه وقع ضحية للمرة الثانية في فخ الأنثى بكل غباء منه، وتلك المرة غير سابقتها فالضربة أقوى و أصابته بمقتل .
دلفت في تلك اللحظة و وضعت العلبة بجوارها، و بدأت تطهر له الجرح الذي يتطلب غرزتين فقطبتها له، أما هو كان يشعر بأن لمساتها لذراعه بجمر يحرقه، فما إن انتهت ابتعد عنها و كأنها شيء معدي تألم قلبها لأجل ذلك و بدأ ينزف من جديد بعد أن ضُمدت جراحه قليلاً.
أخذ يسير بالصالة كالمجنون لا يعلم ما يفعل؟ أيذهب و يفصل رأسها عن جسدها، أم يذهب و يخبر والدها و يتخلص منها؟
لو أتوا له بمياه المحيطات والبحار والأنهار وكل ما يوجد على سطح الأرض من مياه لن تطفئ تلك النيران المشتعلة بداخله، أمغفل هو لهذه الدرجة لتتلاعب به وهو كالأبله صدقها و صدق ذلك الوجه الذي يشع براءة ؟
ركل المقعد بقدمه بعنف قائلاً بتوبيخ لنفسه :- قولتلك، قولتلك يا حمار!
بداخل غرفتها سمعت صراخه، فانتفضت بخوف ولكنها يجب أن تخرج لتبرئ نفسها، إذ خرجت بخطا أشبه بالسلحفاة ازدردت ريقها بتوتر و هتفت بخفوت :- إسلام!
زفر بغل وهو يحدجها بنظرات لو كانت سهاماً لأخترقت صدرها في الحال، و سرعان ما جذبها بعنف بذراعه السليم قائلاً :- عاوزة إيه من زفت إسلام ها؟ المرة دي هتبرري عملتك دي بإيه بحجة إيه؟ أنتِ إيه يا شيخة !
أردفت بدموع و ألم :- والله مظلومة يا إسلام و....
صرخ بغضب :- اسمي ما يتنطقش على لسانك، أنتِ سامعة؟
هزت رأسها بخوف، بينما دفعها بقسوة وهو على حالته، وما إن همت لتتحدث، وجدت صفعة قوية نزلت على وجنتيها صرخت على إثرها، بينما أردف هو بغل :- القلم دة كان لازم أدهولك من أول ما جيتي هنا، بتوسخي بيتي يا........
أردفت ببكاء :- لو سمحت كفاية أنا سكتلك كتير وأنت سايق فيها .
رفع حاجبه باستنكار قائلاً :- دة أنا! بجيبه من عند أمي أظن ولا بتبلى عليكي!
واللي شوفته من شوية دة؟ اه فعلاً بهينك لدرجة إني المفروض أقتلك، بس واقف متكتف هقول إيه لعمي و محمود ؟ ما يستاهلوش أبداً..
صرخت بقهر تدافع عن نفسها قائلة :- والله مظلومة، أنا فتحت الباب لقيته في وشي و بعدين ....و بعدين دخل و قفل الباب، هددني هيقولكم إني جايباه بمزاجي هنا لو صوت، و بعدين سحبني لجوه و......
نهرها بغضب قائلاً :- أخرسي متكمليش.
أردفت بوجع :- لا هكمل أنت لازم تسمعني أنا معملتش حاجة غلط و ربنا يشهد .
حدجها بغضب قائلاً :- اللي زيك ما ينطقش اسم ربنا على لسانه، يا بجاحتك ما أنا شوفته وهو.....
صمت زافراً بغضب، بينما هتفت هي بصدق :- والله كان قافل بقي بأيده و مكتفني، كان أقوى مني صدقني.
أردف بغيظ :- أنتِ عارفة كام مرة يتبعتلي رسالة بيتقالي فيها إنك خاينة و بتستغفليني، انا ما صدقتش كل دة في كل مرة، بس لما أجي ألاقي راجل غريب في بيتي وعلى سريري عاوزاني أعمل إيه أشجعكم؟
صرخت بقهر قائلة :- قولتلك محصلش بينا حاجة .
أردف بتهكم :- اه سوري لو جيت في وقت مش مناسب و قطعت لحظاتكم الزبالة .
أردفت بحدة وهي تهم لصفعه :- أخرس!
امسك يدها قبل أن تلطم وجنته قائلاً بفحيح :- متخلنيش واحد تاني أنا مش عاوز أكونه، ما تطلعنيش عن شعوري وإلا ساعتها هتكرهي اليوم اللي أتولدتي فيه.
نفض يدها بعيداً عنه قائلاً بازدراء:- مش عاوز أشوف وشك قدامي، بس أجيب أمه ابن ال.....و أنا هطلقك، استحالة أعيش مع واحدة زيك.
أردفت بحدة وقد فاض بها الكيل :- أنا اللي مش عاوزة أعيش معاك و أول ما أثبت برائتي تطلقني علطول، أنا اللي استحالة أعيش مع واحد شكاك زيك.
ركل الطاولة بعنف قائلاً :- أمشي من وشي أمشي.
بلحظة كانت بداخل غرفتها و سقطت أرضاً في إحدى زواياها، و أخذت تنتحب بمرار وهي تبتسم بسخرية وتهتف بداخلها :- متى ابتسمت الأيام لكِ؟
______________________________________
بعد عدة ساعات هتفت سندس بقلق :- أنتِ متأكدة أنها قالتلك أنها رايحة تجيب أكل؟
هزت رأسها بموافقة قائلة بدموع :- اه والله يا مدام أنا خايفة عليها أوي هتكون راحت فين؟
أردفت بقلق مماثل :- أنا هتصل بأخوها أشوفها لو كانت معاه ولا لا .
وبالفعل قامت بالاتصال به، وما إن رد عليها هتفت بحذر :- إزيك يا شادي ؟
أردف بهدوء و مرح :- أهلاً يا مدام سندس، البت رحيق عملت حاجة ولا إيه؟ قوليلي هشدهالك من ودانها.
أردفت بقلق أكبر :- يعني هي مش معاك ولا مع مراد
هز رأسه بنفي قائلاً :- لا مش هنا، تلاقيها زمانها روحت.
اغلقت عينيها قائلة بسرعة :- أصل حاجتها هنا، وهي نزلت من ساعتين تقريباً وقالت إنها هتجيب أكل و مجاتش لحد دلوقتي.
اتسعت عيناه بصدمة قائلاً :- بتقولي إيه؟ طيب اقفلي وأنا هتصرف.
أنهى المكالمة و اتصل على زوجة عمه بالقصر لتخبره بأنها لم تعد بعد، فأسرع يهرول لمكتب مراد حيث فتحه بعنف، فهتف الأخير بسخط :- أنت إزاي تدخل بالشكل دة يا .......
قاطعه قائلاً بخوف :- رحيق مش موجودة مختفية!
قطب جبينه بتعجب قائلاً :- مختفية!
إمتى دة حصل؟
أردف بسرعة :- سندس اتصلت عليا و بتسأل لو كانت يعني جات هنا، هتكون راحت فين بس؟
نهض من مكانه قائلاً بهدوء:- أنا هتصرف
أردف الآخر وهو يركض للخارج :- وأنا هروح مكان شغلها و هشوف. بقلم زكية محمد
______________________________________
توقفت السيارة بعد مدة قضتها في السير، ثم ترجل هو منها و سحب الأخرى قائلاً بتهديد وهو يكمم ثغرها :- لو طلعلك نفس اتشاهدي على روحك .
صعد بها للبناية و دلف بها لإحدى الشقق الفارغة، ثم زجها بداخلها بعنف و أوصد الباب خلفه .
هتفت بصراخ :- أنت جايبني هنا ليه؟ أنا عاوزة أمشي أفتح الزفت الباب دة.
ضحك بشر قائلاً :- أنتِ بتحلمي ! أنتِ مش هتعتبي عتبة الباب دة .
أردفت برجاء :- أرجوك يا حاتم خليني أمشي بابا هيقلق عليا.
أردف باستهجان :- أنسي أبوكي دة خالص، من النهاردة في حاتم وبس .
هزت رأسها بذعر قائلة :- أرجوك يا حاتم خليني أمشي، بالله عليك يا حاتم أنا بنت خالتك بردو!
أردف بحدة :- و بنت خالتي تروح تتمرمغ في العز لوحدها و ناسية ابن خالتها! شوفي مين اللي غلطان.
أردفت بحذر :- خلاص أنا... أنا هخلي بابا يدفعلك اللي أنت عاوزه بس سيبني بالله عليك أمشي.
أردف بمكر :- لا يا حلوة بعد إيه!
ما أنا خلاص هطلع من وراكي بمصلحة إنما إيه لوز اللوز..
ركضت بسرعة نحو الباب لتلوذ بالفرار، ولكنه كان الأسرع حينما جذبها عنوة فأخذت تصرخ بصوت عال :- إلحقوني يا ناس، حد يلحقني..اااااه.
تلقت صفعة قوية طرحتها أرضاً، بينما مال عليها ليجذبها من حجابها بقسوة قائلاً:- أخرسي يا بنت ال....، صوتك ما اسمعهوش.
هزت رأسها بنفي قائلة بإصرار :- لا مش هسكت و هفضحك في المكان دة .
ضحك بصوته العالي قائلاً :- هو أنا مقولتلكيش! العمارة فاضية و المكان فاضي و لو صوتي لبعد بكرة محدش هيسمعك.
تعالت وتيرة أنفاسها وهي تطالعه بذعر، و عقلها يصور أسوأ السيناريوهات التي بإمكانه أن يفعلها. ازدردت ريقها بصعوبة قائلة :- أنت بتعمل كدة ليه؟
أردف بغل :- ملكيش دعوة و دلوقتي يا حلوة هطلع القديم والجديد، أنتِ تحت رحمتي دلوقتي و مبقاش حاتم إن مخليتك تبوسي رجلي علشان أرضى بيكي و وقتها هقولك شطبنا.
تراجعت للخلف بخوف وهي تكاد تقع مغشياً عليها من كلماته تلك فأردفت بدموع :- أنا... أنا متجوزة حرام عليك، طيب أعمل حساب لخالتي الله يرحمها مش دايما كانت تقولك راعيها؟ هتنهش في لحمي علشان شوية فلوس يا حاتم! هي دي الرجولة؟
طالعها بمكر قائلاً :- لا الرجولة دي هوريهالك جوة.
صرخت بفزع حينما اقترب منها فجأة ثم جذبها خلفه بقوة، بينما هي تقاتل بكل ما أوتيت من قوة وهي تغرز أظافرها بوجهه، وحينما رأت إصراره وأنه لن يتراجع عما ينويه وأنها هالكة لا محالة، تصنعت الإغماء لعل ذلك ينجيها منه، و بالفعل خارت قواها ولم تتحرك.
تفقدها هو بحذر قائلاً بغلظة :- أوعي يكون شغل التمثيل دة هياكل معايا لا فوقي يا بت ..
وحينما لم يجد منها رد حملها للداخل، بينما كاد قلبها أن يقف مكانه، وضعها على الفراش و نظر لها برغبة قائلاً :- هتروحي مني فين أدينا قاعدين و اليوم طويل يا مزة.
أنهى كلماته و ترك الغرفة لتلتقط أنفاسها براحة وهي تحمد الله و ترجوه بأن ينجيها منه، ضربت على رأسها بعنف حينما تذكرت أنها نست الهاتف بالشركة فهتفت بهمس :- لو معايا دلوقتي كنت عرفت أتصرف!
يا رب نجيني منه يا رب، يا ترى يا بابا عامل إيه دلوقتي؟
بالأسفل ترجل من سيارته و تبعه بعض الحراس الخاصين بحراسته، و دلف لتلك البناية ومن ثم للشقة التي بداخلها.
طرق الباب بغضب عاصف ففتحه حاتم الذي تلقى لكمة قوية أطاحت به أرضاً، فنهض ليحاسب من قام بتلك الفعلة و لكنه تسمر مكانه وهو يجده واقفاً يطلق سهاماً نارية نحوه، و ما لبث أن لكمه مجدداً و مسكه من تلباب ملابسه قائلاً بفحيح :- هي فين؟
هتف بتلعثم :- مم ..مفيش حد هنا غيري.
لكمه مجدداً وهو يقول :- أكتر حاجة بكرهها في حياتي هي الكدب.
نظر لرجاله قائلاً بأمر :- امسكوه و أوعى يهرب منكم.
حدجه بوعيد قائلاً :- لو بس لمست شعرة منها صدقني الموت هيكون أرحملك بكتير.
قال ذلك ثم ولج للداخل ليبحث عنها من بين الغرف، و ما إن فتح الأخيرة تم ضربه بقوة على رأسه ومن قوة الضربة وقع على الأرض فاقداً الوعي في الحال.
سمعت هي أصوات قريبة من الغرفة فأخذت تبحث عن أي شيء تحتمي به فوقع بصرها على إحدى المزهريات فمسكتها و وقفت خلف الباب، وما إن فتحه هو حتى قامت بضربه بكل قوتها وهي تهتف بشراسة :- والله لأقتلك يا حاتم الكل......
هربت الحروف من على لسانها و تجمدت أطرافها، حينما تحققت من هويته، إذ ضربت بيديها على قدميها بقسوة قائلة بذعر :- يا مصيبتي! دة الفريزر! يا لهوتي يا خرابي، إيه اللي أنتِ هببتيه دة يا رحيق الجزمة؟ هترملي نفسك بدري بدري، قتلتي الراجل يا أختي..
جلست أرضاً بجواره ثم أخذت تهزه برفق قائلة بخوف :- مراد فوق والله ما أقصد، أنا كنت فكراك الزفت حاتم .
وعندما وضعت يدها على رأسه وجدت أنها ملطخة بالدماء، فشهقت برعب و أخذت تصرخ بصوتها كله تترجاه بأن يستيقظ.
اهتدت أخيراً لهاتفه عندما عبثت في جيوبه و مسكت يده لتضع إصبعه على البصمة لُيفتح الهاتف فوراً، لتتصل بعدها على شادي الذي ما إن أتاها صوته هتفت ببكاء :- إلحقني يا شادي مراد مات!
توقف بالسيارة بصدمة بعد أن كاد أن يفتعل حادث قائلاً بعدم فهم وهو تحت تأثير الصدمة :- رحيق! مش دة تليفون مراد؟!
أتاه ردها قائلة ببكاء :- أيوة ..أيوة تعال بسرعة بالله عليك، أنا ضربته أنا مكنتش أقصد والله...
أنا آسفة..
أردف بخوف :- رحيق رحيق ركزي معايا كدة، أنتوا فين؟
أردفت بضياع وهي تتطلع حولها بانهيار :- مش عارفة ...مش عارفة
أردف بقلق :- طيب بصي أكيد مراد معاه الحرس بتوعه هو مش بيمشي من غيرهم، أدي التليفون لأي حد منهم..
نهضت بدون تفكير لتخرج، و عندما رأت الحرس ممسكين بحاتم تراجعت للخلف بحذر، بينما أردف هو بحدة :- مفكرة نفسك هتهربي مني! ماشي يا رحيق ماشي.
نظرت لأحدهم قائلة بلهفة :- لو ...لو سمحت خد كلم شادي. بقلم زكية محمد
أذعن لطلبها و التقط منها الهاتف ليتحدث معه ببضع الكلمات في إحدى الجوانب، و بعدها ينهي المكالمة ليتوجه للداخل بعد أن أملى على البقية بأن يحتفظوا بحاتم ، بينما ركضت هي خلفه بخوف و بداخلها يدعو أن يكون على قيد الحياة.
______________________________________
بعد وقت كان ممدداً على الفراش بإحدي المستشفيات الكبرى، و يحاوطه عائلته الذين يتابعوه بقلق، بينما كانت رحيق منهارة في أحضان شقيقها و الآخر يمسد على ظهرها بحنو، و يلقي عليها ببعض الكلمات المطمئنة لها ليهدأ من روعها و ما عانته في تلك الساعات القليلة .
على الجانب الآخر كانت ناريمان تطالعها بحقد دفين، وهي تجز على أسنانها بغضب من فشل مخططها وهي تتعجب من كيفية وصوله لها بتلك السهولة!
لما حدث قبل ذلك، عودة للزمن بساعات للخلف حيث وقفت سيارة ضخمة في حي شعبي، و ترجلت منها سيدة من الطبقة العليا ولم تكن سوى هي.
أخذت تطالع المكان باذدراء واضح، و لكن عليها فعل ذلك لكي تتخلص منها .
صعدت للأعلى حيث شقته و طرقت الباب و انتظرت قليلاً حتى فتحه حاتم الذي هتف بتعجب :- أفندم؟!
هتفت بكبرياء :- عاوزة أتكلم معاك شوية.
أشار لذاته قائلاً بدهشة :- أنا!
أردفت بتأفف :- أيوة انت أومال هيكون مين يعني .
نظر لها بريبة قائلاً :- اتفضلي قولي اللي عندك.
مطت شفتيها بسخرية قائلة :- إيه هنتكلم على الباب كدة !
كشر بحاجبيه قائلاً وهو يفسح لها الطريق :- اتفضلي.
دلفت للداخل وهي تنظر لما حولها بتعالي، و جلست على المقعد قائلة :- أنت ابن خالة اللي ما تتسمى رحيق مش كدة؟
هز رأسه قائلاً:- أيوة ابن خالتها، ليه، هي عملت حاجة؟
زفرت بغل قائلة :- بص أنا هعرض عليك عرض كدة أنا عرفت أنك طمعان فيها من زمان و عاوزها لنفسك، إيه رأيك تاخدها و تبعدها عن القصر و تعمل فيها اللي أنت عاوزه و هديك مبلغ مش بطال، أهم حاجة مترجعش القصر نهائي، ها إيه رأيك؟
حك مؤخرة رأسه بتفكير قائلاً بتساؤل :- لا مؤاخذة أنتِ مين، و إيه مصلحتك من كدة؟
أردفت بغلظة :- دة شيء ما يخصكش، ها هتعمل اللي قولتلك عليه ولا أشوف حد غيرك؟
هز رأسه مسرعاً وهو يقول :- لا موافق طبعاً بس هطلع بكام من المصلحة دي؟
أردفت بجمود :- 400 ألف جنيه.
قطب جبينه برفض قائلاً:- لا يا هانم أنتِ فاكرة العملية سهلة ولا إيه؟ دي مصاريف و قعاد و بيات ، لا شخللي جيوبك شوية.
جعدت أنفها بعدم فهم قائلة :- إيه؟
زفر بضجر قائلاً :- يعني زوديهم شوية عاوز الضعف وإلا كدة يفتح الله.
أردفت بغيظ :- أوك موافقة بس تعمل دة بأسرع وقت و يا ريت النهاردة.
أردف بثقة :- أضمن أن الفلوس في جيبي أعملك اللي أنتِ عاوزاه.
و بالفعل بعد أن تأكد من وصول النقود على حسابه أسرع بتنفيذ الخطة التي باءت بالفشل، وها هي تجني منها ثمار الحسرة على مجهودها الذي بذلته سدى.
عادت للوقت الحالي وهي لا زالت على حالتها، لم تستطع أن تمكث بمكان واحد هي فيه، فخرجت مسرعة للخارج ريثما يستيقظ هو.
فتح عينيه أخيراً لينتبه له الموجودون و أولهم والدته، التي اقتربت منه و تساءلت بلهفة :- أنت كويس يا حبيبي؟
ابتسم لها بحنو كي لا يقلقها قائلاً :- أنا كويس يا أمي متقلقيش.
أردفت بحنو وهي تمسد على شعره :- حمدا لله على سلامتك يا حبيبي.
توالت عليه العبارات التي تحمل السلامة و العافية له، بينما خرجت رحيق بسرعة ما إن علمت أنه بخير فهي تشعر بالذنب الشديد يأكلها كما تأكل النيران الحطب.
أبعد أن خاطر بنفسه و أتى لإنقاذها يُلاقي منها ذلك؟
رفعت عينيها المغرورقة بالدموع لتجد سندس و آلاء، فأسرعت فوراً لتلقي ذاتها بين ذراعيها قائلة ببكاء :- أنا السبب، أنا السبب!
احتضنتها بحب قائلة :- هششش بس خلاص أهدي، دة قدره و الحمد لله هو كويس دلوقتي يلا بقى متبقيش كئيبة كدة، يلا علشان ندخل نطمن عليه.
ابتعدت عنها و نظرت أرضاً قائلة بخجل من نفسها :- لا، روحوا أنتوا أنا هقعد هنا، أنا مش قادرة أبص في وشه بعد اللي حصله بسببي، أنا غبية أوي.
أردفت بمرح :- يا روحي أول مرة تعرفي إنك غبية!
جعدت أنفها بحنق قائلة :- أنا بس اللي أقول على نفسي كدة.
ضحكت بخفة قائلة :- ماشي يا رورو، يلا بقى تعالي دة جوزك مش حد غريب!
هزت رأسها باستسلام و دلفت معهم، إذ ألقوا التحية و تمنوا له الشفاء العاجل .
ما إن وقع بصرها عليه صدفة شعرت بمن ينزع روحها منها ببطيء، و سكين حادة تمزقها بداخلها، بينما أخذ هو يطالعها بسخرية و اتهام و تشفي. لم تستطع أن تمكث بالغرفة أكثر من ذلك، فرسمت شبح ابتسامة على صفحة وجهها الباهت و تعللت بالخروج لعمل مكالمة هاتفية ضرورية.
هتف شادي بمرح :- طيب يلا بينا يا جدعان نطلع إحنا و نسيبهم لوحدهم شوية.
تطلعت له برجاء، فأخبرها بعينيه بأن لا بد من تلك المواجهة .
انصرف الجميع لتظل هي واقفة أمامه كالتلميذ الذي ينتظر العقاب من مدرسه.
تطلع لها هو بغيظ من تهورها و غبائها الغير منتهي.
رفعت عينيها نحوه بحذر و هتفت بتوتر :- حمدا لله على سلامتك.
هتف بجمود :- الله يسلمك.
تابعت برقة :- أنا مكنتش أقصدك أنا كنت فكراك هو علشان كدة ضربتك، أنا متشكرة أوي على أنك أنقذتني.
أردف بهدوء :- أنا عملت كدة علشان عمي اللي مش هيستحمل يسمع عنك حاجة وحشة.
أردفت بغيظ :- بس؟
هز رأسه قائلاً ببرود :- أيوة بس أومال هيكون في إيه تاني؟
أردف و بانفعال :- مفيش يا أخويا مفيش. ثم تمتمت بصوت خافت :- قال وأنا اللي كنت خايفة عليه ليجراله حاجة، ما هو زي القرد أهو !
و فجأة دلفت سالي كالإعصار وهي تقترب منه و تتفحصه بعينيها قائلة بقلق :- مراد أنت كويس؟ حصلك حاجة؟ ألف سلامة عليك، أنا كنت هموت من الخوف عليك.
طالعتها الأخرى بحاجب مرفوع يصيبها الذهول مما تراه أمام عينيها قائلة بتهكم و خفوت :- و دي مين دي كمان؟ بقلم زكية محمد
______________________________________
بالخارج أخذت تلتقط أنفاسها بصعوبة، و يديها ترتعش بشدة وهي تهتف بتشجيع لنفسها و دموعها ملئت مقلتيها وعلى وشك أن تفيض لتغرق وجنتيها :- بس خلاص أهدي، أنا قوية مش ضعيفة، مفيش حاجة بس أهدي..
جلست على الكرسي الموجود بالطرقة و لكنها تفاجئت بصوته الساخر قائلاً :- أهلاً بمدام سندس، معقولة الدنيا صغيرة كدة و نتلاقى تاني بعد السنين دي!
وقفت بصعوبة وهي تطالعه بصدمة، وما إن همت لترحل أردف بتهكم :- إيه معندكيش حاجة تقوليها !
أخبار زوجك المصون إيه؟ أوبس قصدي طليقك.
أردفت بصوت ضعيف :- من فضلك ما تتكلمش.
ضحك بسخرية قائلاً:- مش دة اللي فضلتيه عليا؟ اشربي بقى .
صرخت بحدة قائلة بدموع متساقطة :- اسكت اسكت أنت مش فاهم حاجة.
هز رأسه قائلاً باودراء:- ولا عاوز أفهم، أنا بس جيت أشوف الليدي سندس اللي باعت حبها علشان شوية فلوس، ها كسبتي الفلوس؟ بالعكس أنتِ خسرتي كل حاجة، أنا جيت أأكدلك بس إنك متعنيش ليا بحاجة فبلاش تستخبي زي الحرامية و إتعاملي عادي.
أنهى حديثه و تركها لتقع على الكرسي بإهمال وهي تتنفس باختناق و تهتف بوهن :- إيه اللي جابك يا عاصم بس؟ يا رب صبرني و خليك جنبي مليش غيرك ..
على الجانب الآخر ضرب الجدار بقبضته بقوة وهو يصك أسنانه ببعضها وهو يؤنب نفسه على ما حدث و لكن يجب أن يفعل ذلك ليرجع جزءًا من كرامته المهدورة على يدها منذ أكثر من ست سنوات حينما أخبرته صريحة بأنها تريد الزواج بآخر من أجل ماله، ولن تعيش معه لأنه سيبدأ من الصفر رغم امتلاك والده لأكبر الشركات، إلا أنه أخبرها أنه سيستقل بذاته وعلى الرغم من أنها كانت مرحبة بتلك الفكرة إلا أنها تغيرت في عشية و ضحاها لتخبره بأنها لن تكمل معه، وكم صدمه ذلك و أوقعه صريعاً، ليخرج من شروده و يهتف بقسوة :- تستاهل، تستاهل خليني أدوقها شوية من اللي شربتهولي.
______________________________________
ليلاً بعد أن طلبت من والدتها أن تعتني بالصغير هذه الليلة جلست على الأريكة تفكر بشرود و قد حسمت أمرها في أن تخبر إسلام بالحقيقة و تبرئ نفسها عندما تقدم له دليل برائتها، وعلى الرغم من أن هذا الدليل سيفتح أبواب النار على أشياء أخرى أكثر خطورة، إلا أنها مضطرة لذلك فهي كانت ستخبره عن ذلك الأمر في كلا الحالتين فهي كانت بحاجة لترتب أمورها و تخبره بكل شيء.
وضعت يدها موضع قلبها الذي ينزف بغزارة، و تساقطت دموعها قائلة بتشجيع :- أنا عارفة إنك موجوع و هتتوجع زيادة، أنا عملت كل حاجة علشان أرضيك و منفعتش علشان كدة هنبعد دة الأحسن صدقني،انا أتوقعت الكل يوجعني إلا هو بس طلع هو أكبر وجع ليا، أنا هخلص الموضوع دة بسرعة و همشي مش هوري حد وشي تاني، أنا تعبت نفسي حد يحس بيا، لكن لا الكل جاي عليا.
مسحت عبراتها بعنف عندما سمعت صوت الباب فعلمت أنه عاد، لتتأهب كل حواسها استعداداً لما هو قادم.
ولج وعلى وجهه علامات الأرق، فهو يتعمد أن يأتي متأخراً لكي لا يراها بوجهه، و يغادر المنزل باكراً إلا أنه تفاجئ عندما وجدها لا زالت مستيقظة، زفر بضيق و توجه للداخل مباشرة، إلا أن صوتها الصارم أوقفه حينما هتفت بجمود :- عاوزة أتكلم معاك.
هتف باقتضاب :- وأنا مش عاوز أتكلم .
أردفت بانفعال :- بس أنا عاوزة أثبت برائتي علشان أخلص من وشك دة.
رفع حاجبه باستنكار قائلاً بغيظ :- هتثبتي براءتك إزاي؟ ماشي قولي اللي عندك لأني مصدع عاوز أنام.
نظرت أرضاً وهي تشعر بتفتت كرامتها إلى قطع صغيرة قائلة بقهر مغلف بالخجل :- قربلي وأنت تعرف.
رفع حاجبه بعدم فهم قائلاً بسخرية :- أقربلك إزاي يعني؟
توقف قليلاً ليستوعب مرمى حديثها فأردف بتهكم :- بالطريقة دي!
ثم انفجر ضاحكاً بسخرية قائلاً :- وحشك البيه و عاوزة تعوضي غيابه؟
أردفت بدموع ذليلة :- لو سمحت كفاية إهانات ليا لحد كدة مش أنت عاوز دليل برائتي، وأنا بقولك أهو بالطريقة دي بس هثبتلك .
هز رأسه قائلاً بخبث و تفكير :- وماله أهو نستفاد بأي حاجة من الجوازة دي بدل ما كله ماشي في إتجاه واحد.
قال ذلك ثم حملها ليدلف بها للداخل وهو ينوي القسوة معها، إلا أنه وجد ذاته يعاملها كقطعة زجاج يخشى عليها من أن تتهشم، ليدلف معها إلى عالم جديد لم يختبره من قبل، ليشعر بأنه يدلف الجنة و يتنعم بنعيمها، ليتمم زواجه بها ليصبح فعلي، ليبتعد عنها بعد وقت كمن أصابته صاعقة رعدية وهو ينظر لتلك البقعة التي على الفراش بذهول و كمن على رأسه الطير، و داخله يتساءل كيف لها أن تظل إلى الآن عذراء؟!!!!!!!!!!
بقلم زكية محمد
______________________________________
يا ترى إيه السر اللي مخبياه مريم؟
"ذئب يوسف"
رواية ذئب يوسف الفصل السابع عشر 17 - بقلم ذكية محمد
تجلس بغيظ تبكي على الأطلال لفشل مخططها، عندما انتفضت في مجلسها فور رؤيتها لمراد، فابتسمت ابتسامة باهتة و هتفت بتوتر :- إيه يا مراد مش كنت ارتاحت يا حبيبي بدل القومة دي!
ثم تابعت بكره وهي تصك أسنانها بعنف :- منها لله الغبية اللي عملت فيك كدة، قولتلكم قبل كدة وجود البنت دي هيسبب المشاكل محدش صدقني.
أردف بهدوء :- ما هو علشان كدة أنا جاي أتكلم معاكي .
تهللت أساريرها قائلة بلهفة :- إيه هتطلقها؟أحسن بردو دي واحدة مش من مستواك و ما تلقش بمركزك و لا بعيلتنا.
قطب جبينه بضيق قائلاً :- بس أنا ما قولتش إني هطلقها !
تبدلت ملامحها لتهتف بغل مكبوت :- أومال هتعمل ايه؟
أردف بجمود :- مش لازم أعرف مين اللي خطفها الأول.
زاغت انظارها لتردف بتوتر :- تلاقيها عاملة لعبة هي وابن خالتها دة.
أردف بمكر :- وايه عرفك أنه ابن خالتها؟
اذدردت ريقها بتوتر قائلة:- سمعت...سمعت شادي بيقول كدة .
قوس شفتيه بعدم اقتناع قائلاً :- هو فعلاً اللي خطفها دة ابن خالتها بس وراه حد طبعاً سانده وإلا كدة مكانش هيجرؤ يعمل دة.
رمشت بسرعة و دقات قلبها تعلو مع وتيرة أنفاسها، و أردفت بتلعثم :- هو، هو أنت عرفت مين اللي عمل كدة؟!
أومأ بتأكيد وهو يراقب اضطرابها باستمتاع قائلاً :- اه طبعاً أومال إيه اللي هيعرفني مكانها بسهولة كدة و خصوصاً في المكان المقطوع اللي هي كانت فيه؟ مش بس كدة أنا عارف مين اللي عمل كدة قبل ما تتخطف أصلاً، بس حبيت اسكت علشان أبينله أنه ذكي و عارف يخطط.
كاد أن يتوقف قلبها قائلة بتلعثم :- و، و يا ترى مين دة اللي عمل كدة؟
أجابها بجمود وهو ينظر بعينيها مباشرة :- اللي عمل كدة واقفة قصادي دلوقتي وعاملة نفسها بريئة وهي متعرفش إن لعبتها مكشوفة.
شعرت بجفاف في حلقها كصحراء قاحلة لا ماء فيها، بينما أردف هو بتهديد :- أنا دلوقتي بتكلم معاكي لوحدي ومش هعرف حد باللي حصل مش علشانك لا، علشان عمي ولو حاولتي تعملي أي حاجة هتشوفي مني وش مش هيعجبك.
أردفت بنفي كاذب :- أنا، أنا معملتش كدة، أنت أتجننت!
أردف بصرامة :- تحبي أوريلك المكالمات بتاعتك ولا مرواحك هناك لبيت الزفت دة ؟ أنا مبعيدش كلامي مرتين، وأنا حذرتك فمتجيش تلوميني بعد كدة.
أنهى كلماته، ثم غادر من أمامها، بينما خرجت سلوى التي كانت تسمع حديثهم منذ البداية قائلة بتوبيخ :- قولتلك ما تتصرفيش من دماغك، أهو عرف لوحده دة مراد يا ناريمان يعني مش أي حد.
هتفت بكره :- أعمل إيه يعني؟ مكانش قدامي غير كدة علشان أخلص منها، أتاري البيه مأمنها كويس و عارف كل حاجة.
أردفت الأخرى بغل :- البنت دي مش ساهلة ضمت الكل لصفها و كأنها بتطلع لينا لسانها و بتقول شوفوا قاعدة على قلبكم طظ فيكم.
صمتت قليلاً لتردف بكره :- علشان كدة لازم نتخلص منها بس نهدى و نرتب على رواقة.
_____________________________________
بالداخل تجلس بجوار والدها تهز قدمها بعصبية شديدة، وهي ترى تلك المدعوة سالي التي لم تغادر منذ أن أتوا.
طالعتها بغضب وهي ترى محاولاتها للتقرب من كتلة الجليد، و رغم أنه يصدها و يعاملها بنفس الجمود، إلا أن هذا يشعل فتيل اللهب بداخلها ولا تعلم ماهيته بعد.
طالعها والدها بتعجب قائلاً :- مالك يا رورو متضايقة ليه يا قلب بابا؟
أردفت بحنق :- هي الزفتة دي اللي ما تتسمى تسالي هتغور إمتى؟
جعد جبينه بعدم رضا قائلاً بعتاب :- مينفعش كدة يا رحيق دي مهما كانت ضيفة.
اصطكت أسنانها بعنف قائلة :- ضيفة مقولناش حاجة، إنما دي عمالة تدحلب ورا الفريزر من وقت ما جه من غير خشا، جاتها بلوة وهي حلوة كدة استغفر الله العظيم.
ضحك بخفوت قائلاً بمرح :- بس الفريزر أهو مش مديها وش يا رورو، اطمني.
ثم أضاف بمكر :- و بعدين أنتِ متضايقة ليه؟
هزت كتفيها بعدم معرفة قائلة :- مش عارفة، بس حاسة إن في نار جوايا يا بابا مش هتطفي إلا لما أروح أجيبها من شعرها و أديها العلقة التمام.
ضحك بصخب قائلاً بمكر :- كل دة و مش عارفة!حبيبة أبوكي أنتِ.
رفعت حاجبها بتعجب قائلة:- حضرتك بتضحك على إيه؟
كتم ضحكته بصعوبة قائلاً:- لا أبداً أصل شايف ناس هنا الغيرة هتجننها وهي مش عارفة.
أردفت بتعجب :- نعم! غيرة! مين دي اللي تغير؟ أنا أغير من الصفرا أم بدوي دي؟
أردف بتسلية :- مش كانت حلوة من شوية إيه اللي غير رأيك؟ وأنا مقصدش أنك غايرة منها بالشكل اللي أنتِ فهمتيه، أنتِ غيرتِ منها علشان هي قاعدة طول الوقت جنب مراد وأنتِ واقفة هنا زي الخايبة.
اتسعت عيناها بصدمة قائلة وهي تشير بإصبعها نحوها :- دة أنا! أنا أغير على الفريزر!
نكتة حلوة أوي يا بابا.
هز رأسه نافياً وهو يقول :- لا يا حبيبة بابا دة اللي أنا شايفه حتى ولو كنتِ بتداريه جواكي أو مش عارفة تحددي مشاعرك و متلخبطة.
أردفت بإصرار :- لا طبعاً دة متهيألك .
نظر لمراد الذي دلف لتوه، فسرعان ما التصقت به الأخرى تحاول التودد إليه فهتف بمكر :- إلحقي مراد جه أهو.
رفعت أنظارها نحوه لتضغط على شفتيها بغل قائلة :- لا بقى مبدهاش يا أنا يا أنتِ يا أم بدوي!
أنهت كلماتها و انطلقت نحوهم كالقذيفة بينما ابتسم مجدي قائلاً بتأكيد:- و الله بتحبيه يا رحيق.
وقفت إلى جواره و حدجت الأخرى بنظرات أشبه بسهام تلقيها بها و ابتسمت باصطناع قائلة :- منورة يا تسالي يا أختي، أقعدي واقفة ليه؟
تأففت بضيق منها قائلة :- شكراً ليكِ .
ثم تجاهلتها قائلة بنعومة :- ها يا مراد هتصمم القرية السياحية لدادي إمتى ؟ بابا مش راضي حد يصمم غيرك.
أردف بجمود :- إن شاء الله هبتدي فيه أول الأسبوع يكون خلصت الشغل اللي في أيدي.
أسرعت تقول بلهفة :- طيب إيه رأيك نقعد برة نتكلم شوية أنا عاوزة أتكلم معاك شوية.
ضيقت الأخرى عينيها قائلة بخفوت :- مش هنولك اللي في بالك أبداً.
قالت ذلك ثم أسرعت تمسك ذراع مراد قائلة بجمود تعلمته منه أخيراً:- سوري أصل مراد تعبان و محتاج يرتاح شوية، بعد أذنك.
سارت معه نحو الأعلى و الأخير يتبعها باستسلام منه، وما إن دلفا للغرفة سحبت ذراعها بعنف قائلة بحدة :- عاجبك أوي يا أخويا اللي بيحصل تحت دة!
البت الملزقة دي مش طايقاها أصلاً، وهي عمالة تتسهوك سهوكة بنات بصحيح و أنت الموضوع جاي على هواك و......
احتجزها فجأة لتصطدم بالجدار خلفها، و لم يعطيها الفرصة إذ أقترب منها حد الخطر ينهل من رحيقها دون توقف .
بعد مدة ابتعد عنها قليلاً ليجد وجهها تحول إلى جمرة مشتعلة وعلى وجهها إمارات الصدمة، ابتسم بخفوت لأول مرة قائلاً بمكر :- ملقتش طريقة أفصلك بيها إلا دي، مبحبش الكلام الكتير و اللي ملهوش لازمة.
سحبت نفساً عميقاً تسترد به أنفاسها التي سلبها إياها منذ لحظات وهي تشعر بتصاعد وتيرة دقات قلبها على غير الطبيعة. حاولت التحدث ولكنها وجدت صعوبة بالغة في جمع الحروف إلى جوار بعضها بعد أن أثار زوبعة عنيفة بداخلها فنطقت أخيراً بتلعثم :- أنت... أنت...عملت إيه؟ والله لأروح أقول لبابا يا قليل الأدب، دة جزاته أنه مأمنك على بنته!
أردف بجمود :- والله بنته هبلة و مش مستوعبة إن إحنا متجوزين.
أردفت بانفعال :- يا برودك يا فريزر ولا كأن في حاجة حصلت !
شهقت بخوف حينما وجدت ذاتها محاصرة مجدداً يطل عليها بقامته الممشوقة، و مال على أذنها يهمس بفحيح :- لو الكلمة دي اتقالت تاني مش هيحصلك كويس، سامعة؟
هزت رأسها بموافقة، بينما تابع هو بانتصار:- شطورة و بتسمعي الكلام.
ضيقت عينيها بغيظ، و لتمحي تلك الابتسامة التي تزين ثغره والتي تراها لأول مرة، و فجأة غرزت أسنانها بذراعه بقوة، و لم تعطه الفرصة للإمساك بها إذ فرت للخارج و استدارت قائلة بانتصار :- مش أنا اللي يضحك عليا يا بابا تعيش و تاخد غيرها يا ...يا فريزر.
ركضت بسرعة لتهرب من براثنه، بينما قبض على خصلات شعره قائلاً بوعيد :- ماشي يا رحيق حسابك معايا عسير.
بقلم زكية محمد
___________—––___________——________
لازال على حالته يقف كالتمثال الذي لا حركة فيه ولا حياة، يحاول عقله المصعوق أن يستوعب مدى الصدمة التي تعرض لها منذ قليل، بينما أخذت تبكي بصوت مكتوم، ترثي كرامتها المهدورة و جروح فؤادها الغائرة .
تنحى عن كونه تمثالاً أخيراً ليتوجه ناحيتها قائلاً بعدم تصديق :- إزاي دة ؟ ازاي؟
لم يتلقى منها أية ردود سوى دموعها التي تهطل بغزارة و صوت شهقاتها التي تملأ المكان، فصرخ بانفعال :- انطقي إزاي؟ إزاي أنتِ لسة بنت؟ و أحمد؟ ردي عليا ..
انتفضت بخوف من صياحه المتكرر عليها فخرج صوتها قائلة بخفوت :- ابني!
صاح بغضب :- أنتِ هتجننيني؟ أومال إيه دة؟ استني استني هو أحمد ابن علي أصلاً؟
هزت رأسها بتأكيد قائلة :- اه والله ابنه، ابنه.
ضرب على الحائط بجوارها قائلاً بجنون :- إزاي؟ إزاي ابنه؟ مريم ! اتكلمي أنا على آخري.
أردفت بخفوت :- طيب ممكن تطلع برة الأول.
زفر بحنق قائلاً باستسلام:- ماشي يا مريم أنا هستناكي برة لما نشوف اخرتها إيه؟
قال ذلك ثم التقط قميصه ليرتديه و خرج ينتظرها بالصالة ريثما تتبعه، و ما هي إلا دقائق معدودة حتى ظهرت أمامه تسير بخطوات متمهلة، و تنكس رأسها للأسفل، ومن ثم جلست قرابته قائلة بوجع وهي تحدق بسجادة الأرضية :- قبل ما أتكلم يا ريت تنفذ كلامك و تطلقني لأن استحالة أعيش معاك تاني.
أردف بمهاودة ليعرف ما المخفي خلف تلك الجدران التي بنتها دون أن يعلم أحد بوجودها من الأساس:- ماشي هعملك اللي أنتِ عاوزاه، بس الاول قوليلي إزاي دة حصل؟
مسحت عبراتها التي لم تستطع التحكم فيها تلك المرة و خاصة أمامه هو، و شردت في نقطة ما وهي تسترجع تلك السنوات حيث بداية ألمها وهي، عندما أخبرها والدها بأنها ستتزوج من ابن عمها علي، و عندما اعترضت لم يعبأ لعدم موافقتها البتة، بل خطط كل شيء مع أخيه حتى تمت الزيجة بشكل مفاجئ للطرفين .
بعدما انتهى الزفاف صعدا للشقة الخاصة بهم والتي سيمكث بها للغد قبل أن يغادر للأسكندرية حيث مقر عمله هناك حيث يعمل مهندساً لإحدى الشركات الضخمة .
ارتجفت أوصالها بخوف من القادم لطالما رفضت تلك الزيجة التي لم تكن في الحسبان و أتت فجأة. ارتجف قلبها الصغير في قفصها الصدري، فكم تمنت في أحلامها الوردية أن تكون زوجة أخيه وليس هو.
شهقت بخوف عندما سمعت صوته الأجش قائلاً :- أدخلي يا مريم هتقعدي عندك كتير!
هزت رأسها بضياع وهي تشعر و كأنها تُساق لمنصة الإعدام. صدح هاتفه بالرنين وما إن نظر لشاشته و رأى المتصل زفر بضيق و نظر لها قائلاً بتهرب :- أدخلي جوة يا مريم على ما أرد على التليفون.
خرج للشرفة ليرد على الهاتف قائلاً بهدوء :- أيوة يا بسمة.
أتاه صوتها قائلة بغضب :- جرا إيه يا دلعدي ما بتردش على التليفون ليه؟
أردف بغضب مكتوم :- هرد إزاي وأنا في الفرح اللي المفروض بتاعي يا نجيبة عصرك؟
أردفت بسخرية :- فرحك! اه قولتلي شكلك نسيت الاتفاق يا حبيبي!
زم شفتيه بضيق قائلاً :- لا منسيتش يا بوسبوس لسة على اتفاقنا.
أردفت بدلال :- أوعى تنسى بسبوستك حبيبتك.
ابتسم بهدوء قائلاً :- استحالة انساكي يا روحي هو أنا أقدر!
أردفت بحب :- في مفاجأة محضرهالك و عاوزة أقولهالك.
أردف بعبث :- دلوقتي!
دة حتى النهاردة دخلتي.
أردفت بحدة :- طيب أبقى اعملها يا علي و شوف هعمل إيه؟
ضحك بخفوت قائلاً :- بحب غيرتك دي أوي، ها يا ستي قوليلي إيه هي المفاجأة؟
أردفت بفرح وهي تضع يدها على بطنها :- أنا حامل يا حبيبي.
وقع عليه الخبر كالصاعقة فلم ينبس بحرف، بينما أردفت هي بسعادة:- النهاردة عرفت لما نفسي غمت عليا و قعدت أرجع كتير و الدكتور قالي حامل في شهر.
و عندما لاحظت صمته أردفت بتعجب :- لولو أنت ساكت ليه يا حبيبي، أنت زعلان؟
أردف بتيه :- أنتِ حامل؟!
أومأت بموافقة وهي تقول بتذمر :- أيوة حامل بس الظاهر أنك مش مبسوط بالخبر دة، هو أنت هتقول إمتى لباباك إن إحنا متجوزين؟
أردف بشرود :- لما الأمور تهدى بعد ما بابا يكتبلي الأرض اللي في اسكندرية و تبقى باسمي، لو عرف إني متجوز من وراه مش هيسكت و خصوصاً لو عرف إنك......
صمت لتتابع هي بتهكم :- رقاصة مش كدة! بس أحب أفكرك يا عنيا إن لولايا مكنتش هتوصل للي وصلتله.
أردف بلوم :- الله! إيه لازمة الكلام دة بس دلوقتي؟ أنا مقصدش.
أردفت بعتاب و حزن :- ولا تقصد يا علي، واضح إنك عمرك ما هتتقبل إني كنت في يوم رقاصة قبل ما تقنع أبوك .
أردف بروية :- الموضوع مش كدة أنتِ عارفة أنه ميفرقش معايا لأني عارف ظروفك كويس، بس أبويا مش هيقبل دة بسهولة سيبيني أخطط بس.
أردفت بغيرة و غضب :- و السنيورة اللي عندك ! عارف بس لو لمست أيدها هعمل منك كفتة أنت فاهم؟
ضحك بغلب قائلاً :- دي مراتي دلوقتي يعني المفروض يحصل اللي بالي بالك ولا إيه؟
صرخت بحدة قائلة:- علي!
بلاش تستفزني، أنا قولتها كلمة لو قربت منها هاجي عندك و أطربقها فوق دماغك.
أردف باستسلام :- خلاص يا بوسبوس، مش هقربلها حاكم أنا عارفك متهورة و تعمليها.
رفعت حاجبها بانتصار قائلة :- أيوة يا حبيبي ربنا يكفيك شر مكر العوالم، هقفل معاك و نام في اوضة لوحدك واه هكون على إتصال بيك الليل كله أنا فاضيالك النهاردة.
زفر بضيق قائلاً :- سلام يا بسمة سلام.
أنهى المكالمة معها و دلف للداخل لتصيبه الصدمة حينما وجدها تقف بوجه شاحب، فصك على أسنانه بغيظ قائلاً :- أنتِ واقفة هنا ليه؟
هتفت بتلعثم وهي تكاد تخر أرضاً من هول ما سمعت :- أااا، ممممم....
قاطعها قائلاً بغضب :- أنتِ إيه انطقي.
أردفت بخوف منه:- أنا، أنا كنت، جيت، أسألك على مكان الاوضة.
أردف بغضب عاصف :- أنتِ سمعتي إيه؟
أردفت بوجه شاحب :- ممممم، ما سمعتش أنا مليش دعوة..
وما إن استدارت لتفر من بطشه، قبض على ذراعها بقوة ألمتها بشدة و أردف بغلظة :- تعالي هنا و كلميني..
نظرت له بذعر من هيئته فقالت بخوف طفولي :- مش هقول لحد والله، مش هقول.
جز على أسنانه بغيظ و هو يزفر بضيق فبالتأكيد سمعت ما قاله ليطالعها بنظرات نارية خشية أن تخبر أحد من العائلة و عندها سيحدث مالا يحمد عقباه، لذا شدد من قبضته قائلاً بفحيح :- لو اللي سمعتيه دة إتقال لحد هقتلك أنتِ سامعة ؟
هزت رأسها برعب قائلة :- حاضر يا أبيه علي..
قطب جبينه بتعجب، ألا زالت تنعته بتلك الصفة و قد صار زوجها!
هز رأسه بعدم اكتراث قائلاً بقسوة :- أختفي من قدامي دلوقتي.
و بلحظة تبخرت و حبست نفسها داخل إحدى الغرف ولازالت على نفس صدمتها به، بينما جلس هو يزفر بضيق فقد سار كل شيء عكس ما يخطط و خاصة عندما سمعت مكالمته الهاتفية فهو غير مستعد لأي مواجهة الآن مع والده.
انقضت الأمسية سريعاً ليحل الصباح لينطلقا معاً نحو الاسكندرية بحجة قضاء شهر العسل، وكم كانت تود أن تظل إلى جوار والدتها فهي تشعر بالخوف كلما رأته..
ما إن خطت قدمها الشقة دب الخوف بقلبها لتعتليها الصدمة حينما رأت فتاة في مقتبل العشرينات تجلس واضعة ساق فوق أختها و تطالعها بعدم رضا.
نهضت من مكانها و وقفت قبالتها ثم أخذت تحدجها بتفحص قائلة بسخط :- هي دي العروسة يا علوة؟ أمممم، مش بطالة.
طالعتها مريم ببراءة قائلة :- أنتِ مرات أبيه علي؟
رفعت كلا حاجبيها قائلة بدهشة :- هو قالك ؟ هههه و كمان بتقولك يا أبيه حلوة دي!
اه يا حبيبتي مراته و أم ابنه.
قالتها وهي تضع يدها على بطنها لتتراجع الأخرى بصدمة، بينما أردفت بسمة بتعالي :- شوفي يا حلوة في شوية قواعد كدة هقولك عليها، شايفة الأوضة دي؟
هزت رأسها بموافقة قائلة :- أيوة .
أردفت بحاجب مرفوع:- دي هتبقى أوضتك اللي هتعيشي فيها الكام شهر اللي جايين دول على ما الموضوع يخلص.
اعترض علي قائلاً :- بس يا بسمة..
قاطعته قائلة بإصرار:- اللي قولته هيتسمع يا علي، و دلوقتي أختار يا أنا يا هي.
جعد أنفه بضيق قائلاً :- إيه اللي أنتِ بتقوليه دة ؟ أنتِ عاوزاني أتخلى عن بنت عمي في الغربة؟!
أردفت ببراءة مصطنعة :- لا يا حبيبي أنا مقصدش كدة، أنا أقصد أختار مين اللي هتبقى مراتك فعلياً واظن أنت فاهمني كويس.
جز على أسنانه بغيظ و جذبها من ذراعها بعيداً قائلاً بضيق :- إيه اللي أنتِ بتقوليه قدامها دة؟ دي عيلة!
أردفت بشهقة معترضة :- ولو يا عمري أنا ما أضمنش الظروف ولا أضمن الرجالة، مش يمكن تحلى في عينك بكرة ولا بعده؟
أردف بمهاودة :- يا بت أنتِ اللي في القلب هو في بعدك برده!
مصمصت شفتيها بعدم رضا قائلة :- كل بعقلي حلاوة كل، و أوعى كدة أنا زعلانة منك هي دي وحشتني بتاعتك!
غمز بعينيه لها بعبث قائلاً :- أظبط الأمور بس وأنا هوريكي وحشاني قد إيه؟
أردفت بوقاحة :- لا الدنيا متظبطة تعال أنت بس.
ثم أردفت بصوت عال :- البيت بيتك يا مريومة طبعاً خدي راحتك، بعد أذنك هندخل جوة نريح شوية أصل لولو وحشني أوي.
قالت ذلك ثم سحبته من ياقة قميصه لإحدى الغرف، بينما وقفت هي كالجماد لا تعلم ما تفعل و كأنها في حلم توجهت للغرفة التي أشارت لها بسمة سابقاً، و وضعت حقيبتها أرضاً لتجلس بشرود على الفراش وهي تفكر بحالها الذي يشبه الكابوس الذي تتمنى أن ينتشلها أحد منه عما قريب.
زفرت بضيق قائلة :- أنا هتصل بالبت عزة تقولي النتيجة طلعت ولا لسة .
و بالفعل اتصلت بها لتجيبها الأخرى بفرحة :- مريم حبيبتي؟ أنتِ وصلتي؟
هتفت بخفوت :- أيوة يا عزة وصلنا من شوية.
ابتسمت بود قائلة :- حمداً لله على سلامتك، بس في عروسة تسيب عريسها و تقعد تتكلم مع صحبتها بالشكل دة!
ابتسمت بوجع قائلة :- لا عادي هو معندوش مشكلة، طمنيني على النتيجة.
ابتسمت بحماس قائلة :- ألف مبروك يا عروسة جبتي %98 .
ابتسمت بسعادة غامرة قائلة :- بجد!
أنا جبت كدة؟
أومأت بتأكيد قائلة :- أيوة يا روحي ألف مبروك وأنا جبت %95 .
أردفت بحب :- ألف مبروك يا زوزو .
أجابتها بفرح :- الله يبارك فيكِ ها هتدخلي صيدلة زي ما قلتي؟
هزت رأسها بنفي قائلة بحزن :- لا يا عزة ما أنتِ عارفة بابا مش راضي يخليني أكمل تعليم بيقولي كفاية عليكي الثانوي، أنتِ بقى هتدخلي إيه؟
أردفت بحماس :- أنا هدخل كلية علوم بإذن الله أنا و البت سهام.
ابتسمت بمرار و أردفت بدموع مكبوتة :- ربنا معاكم و يوفقكم، سلميلي على سهام لما تشوفيها سلام.
أنهت معها المكالمة لتسقط على الفراش تنتحب بصوت مكتوم وهي ترثي حلمها الضائع قائلة بخفوت :- حرام عليك يا بابا تحرمني من كل حاجة حلوة.
بعد مرور أسبوع استمرت فيه بسمة بالحيطة و الحذر تجاه مريم كي لا ينفرد علي بها، فهي تقف بينهما كالحاجز و تقريباً تضعه كالخاتم في إصبعها فلا يعصي لها أمراً.
كانوا يجلسون على الطاولة يتناولون الطعام بهدوء حتى قطعته هي حينما أردفت بخفوت :- علي ممكن أطلب منك طلب؟
نظر لها بانتباه قائلاً :- اتفضلي يا مريم.
فركت أصابعها بتوتر و أردفت برجاء :- أنا جبت %98 في الثانوية العامة و يعني ....يعني كنت عاوزة أدخل صيدلة ممكن تخليني أكمل و أروح الكلية، وحياة بسمة عندك.
ثم طالعت بسمة قائلة برجاء :- بالله عليكي قوليله يوافق أكمل ، وأنا والله مش هضايقكم خالص، و هعمل شغل البيت كله كمان علشان حضرتك حامل يعني وكدة..
بقلم زكية محمد
لاحت ابتسامة انتصار على ثغرها فهي فرصة مناسبة فستغيب كثيراً عن المنزل و ستشغل ذاتها بالاستذكار لذا هزت رأسها قائلة بحنو زائف :- متقلقيش يا حبيبتي أكيد علي معندهوش مانع، الكلية قريبة هنا و مفيش مشكلة، إيه رأيك يا علي؟
هز رأسه بتفكير قائلاً :- أنا ممكن أوافق بس بشرط.
أردفت بلهفة :- قول بسرعة وأنا هنفذ ..
أردف بهدوء :- ما تحكيش أي حاجة بالموضوع دة لا لأهلي ولا لأهلك ولا أي مخلوق برة.
هزت رأسها بفرح قائلة :- حاضر حاضر والله ما قُلت ولا هقول، اطمن.
و بالفعل التحقت بالجامعة و اهتمت بدروسها جيداً، أما علي كان همه يزداد يوماً بعد يوم وهو لا يعلم كيف سيتصرف في الجنين القادم، و كيف سيقدمها لهم على أساس أنها زوجته فوالده لم يبت في موضوع كتابة الأرض التي هنا بالإسكندرية له فهو في أمس الحاجة لها لكي يسدد ديونه التي تغرقه منذما تعرف على تلك المدعوة زوجته و رفاق السوء خاصته الذين سحبوه نحو قاع مظلم لا مجال للعودة منه بسهولة، منذ أن تعرف عليهم في إحدى صالات الرقص عندما ذهب مع رفاقه و منذ تلك اللحظة وهو انخرط في عالمهم و تتبع شيطانه ورغباته و سلم ذاته لهم، فتوسطت له ليحصل على مركز مرموق في الشركة وهو مستمر في أفعاله الغير أخلاقية معها إلى أن تزوجها .وها هو يجني ثمار ذلك فقد أصبح مدمناً للمخدرات التي جعلت الديون تتكاثر عليه من قبل هؤلاء اللذين يطالبون بنقودهم، ولذا هو في أمس الحاجة لبيع قطعة الأرض تلك.
ولم ينتهي الأمر عند ذلك ليفاجئ أن والده قد حدد موعد زواجه من ابنة عمه التي لا يعرف عنها سوى اسمها و بعض الملامح لها لعدم رؤيته لها لسنوات طويلة، فما كان منه سوى الموافقة لكي لا يصغر والده أمام عمه، و ها هو في نيران ألقى بنفسه بها ولا يعرف ما يفعله للنجاة، فلا منفعة من الندم الآن.
أخذت تلح عليه بأن يخبر أهله و لكنه أخذ يتهرب منها فبأي وجه سيواجه والده فيجب أن يقف على أرض صلبة .
بعد مرور شهرين دلف لغرفتها كالعاصفة حينما سمعها تتحدث مع أحدهم و علامات الغضب على محياه.
ازداد خفقان مضغتها بين ضلعيها قائلة بتلعثم :- أااا، خير يا علي في إيه؟
هتف بغضب :- مين اللي بتحبيه دة إن شاء الله؟ طرطور أنا!
هو أنا علشان سايبك بمزاجي هتاخديني على قفايا؟
هزت رأسها بنفي قائلة :- أااا، مبحبش حد، أنت، أنت سمعت غلط.
جذبها من خصلات شعرها بغضب قائلاً :- هو مين انطقي بدل ما أشرب من دمك.
أخذت تصرخ و تتلوى بين يديه قائلة :- اه سيب شعري حرام عليك.
صفتها بقوة قائلاً بعصبية شديدة :- دة أنا هقتلك النهاردة لو ما نطقتيش .
قال ذلك ثم انهال عليها بوابل من الصفعات حتى هتفت أخيراً بضعف :- إسلام، إسلام..
توقفت يده في الهواء وهو يحدجها بصدمة قائلاً:- إسلام! إسلام مين؟ أخويا؟
هزت رأسها بخفوت بنعم، بينما صاح هو بغضب :- ولما أنتِ بتحبيه كدة قبلتي تتجوزيني ليه؟
أردفت بوجع :- أنا مليش دعوة هما اللي قالوا وعملوا كل حاجة، كفاية حرام عليك ما تضربنيش تاني.
كور يده بغضب و لوهلة شعر بمدى حقارته أمامها، فيبدو أنه ليس هو الوحيد الذي أُجبر على تلك الزيجة. زفر بضيق قائلاً :- خلاص بطلي عياط.
ثم أردف بابتسامة مطمئنة :- بتحبيه أوي كدة؟
نظرت له ببلاهة، بينما كرر هو سؤاله قائلاً :- مجاوبتيش يعني؟
نكست راسها.
أرضاً ولا تعلم لما تجيبه، أتخبره أنها تعشقه منذ نعومة أظافرها منذ أن تعلمت كيف تمشي برفقته حينما يصطحبها للوكالة الخاصة بهم، كيف تخبره بكل ذلك وهو زوجها الآن، و ليس الآخر الذي طعنها بخنجر حينما علمت أنه يحب جارتهم التي كانت معه بالجامعة.
ربت على كتفها فانتفضت بدورها فأردف مسرعاً :- متخافيش مش هعملك حاجة، أنا عاوزك تذاكري دلوقتي و بعدين ربنا يسهل.
قال ذلك ثم خرج قائلاً بندم خافت:- أنتِ لسة صغيرة لدرجة أنك متستاهليش واحد زيي.
خرج للصالة ليجد بسمة تصوبه بسهام حارقة و هتفت بتبرم :- خير يا أخويا إيه اللي دخلك عند السنيورة ؟
هتف بحنق :- دي مراتي يا بسمة زيها زيك.
شهقت باستنكار قائلة :- نعم! من إمتى دة يا أخويا ؟ لا يا حبيبي أنا براوية و لحمي مر، أنا زي الفريك محبش شريك، كفاية راضية أنها على ذمتك لحد دلوقتي و مطلقتهاش. بقلم زكية محمد
أردف بخزي من نفسه :- هطلقها يا بسمة مش علشانك لا علشان بس أنا مستهلهاش.....
_______
"ذئب يوسف"
رواية ذئب يوسف الفصل الثامن عشر 18 - بقلم ذكية محمد
صعد للأعلى بجنون بعدما أدرك أنها ليست بالمنزل، و ضرب باب الشقة الخاصة بعمه بعنف، حتى فتحته توحيدة التي ما إن رأته و رأت حالته المزرية هتفت بقلق :- خير يا إسلام يا ابني في حاجة؟
هتف بلهفة وعقله يرفض أي إحتمال آخر :- مريم عندك صح؟ هي جوة، صح يا مرات عمي، مش كدة؟
هزت رأسها بنفي قائلة بتوضيح :- لا يا ابني هي اه جات و خدت أحمد من يجي ساعة كدة و نزلت تاني، هي مش في الشقة؟
هز رأسه بضياع قائلاً :- لا لا مش موجودة، مش موجودة.. أنا هنزل أشوفها تحت عند أبويا أكيد عنده.
طوى درجات السلم تحته حتى وصل لشقة والده وطرق الباب بعنف، فانتبها له من بالداخل فهتفت عواطف وهي تضع يدها على قلبها :- يا ساتر يا رب مين اللي بيخبط كدة على الصبح؟
فتح موسى الباب ليجد ابنه الذي ولج يبحث عنها كالمجنون بالداخل، بينما ظل والديه يطالعانه بذهول من تصرفاته الغير طبيعية بالمرة.
هتف موسى بتعجب :- مالك يا إسلام بتدور على إيه يا ابني؟ بقلم زكية محمد
هتف بتيه :-.
مريم، مريم يا بابا مريم مجاتش هنا؟
مصمصت عواطف شفتيها بتهكم قائلة :- لا مجاتش يا ابن بطني، و مالك مدلوق عليها أوي كدة؟ دة أنت حتى مقولتش صباح الخير، و لسة هنشوف..
قاطعها موسى قائلاً بصرامة :- عواطف بس اسكتي.
ثم التف لابنه قائلاً بروية :- لا مش موجودة يا ابني تلاقيها عند أمها ولا حاجة؟
نزلت في ذلك التوقيت توحيدة التي هتفت بقلق وهي تدلف للداخل :- لقيتها يا ابني؟ أنا شوفتها عند محمود و ملقتهاش و كمان صحبتها.
شعر بالاختناق و كأنهم سحبوا الأكسجين من المكان، فجلس بإهمال على المقعد قائلاً بضياع :- مريم ضاعت مني خلاص.
تقدم منه والده و أردف بدهشة :- قصدك إيه يا إسلام؟
نهض قائلاً بتذكر :- اكيد عند عمتو هي قريبة من هنا هروح أشوفها.
و بلحظة اختفى من أمامهم، و الصدمة ما زالت على وجوه البقية ليردف موسى بانفعال :- فيه إيه؟ أنا مش فاهم حاجة!
أردفت توحيدة بدموع قلقة :- مريم مش موجودة في البيت هي و أحمد.
قطب جبينه بتعجب قائلاً :- مش موجودة!
تلاقيها راحت تشتري حاجة ولا راحت مشوار، طيب ما تتصلوا عليها.
هزت رأسها بنفي قائلة :- سألنا و مش موجودة و تليفونها هنا في البيت، هتكون راحت فين بس؟
أردفت عواطف بسخرية :- يعني هتكون اتخطفت ولا اتخطفت زمانها تيجي من الحتة اللي هي فيها، مش عارفة قالبين الدنيا على ليه!
أردفت توحيدة بعتاب :- دي بنتي يا عواطف مش عاوزاني أقلب الدنيا عليها إزاي بس، بالله عليك تتصرف و تعمل حاجة يا حج موسى دي غلبانة و ملهاش حد إلا إحنا.
هز رأسه قائلاً بخفوت :- حاضر يا توحيدة روحي بلغي أيوب و محمود علشان نعرف هنعمل ايه.
في غضون دقائق كان أمام باب شقة عمته التي تسكن في الشارع المجاور لهم، و طرق الباب بلهفة وهو يأمل بداخله أن تكون بالداخل.
فتحت عمته منال الباب بوجه مقبوض فهتف هو بخوف من الإجابة:- إزيك يا عمتو ؟ هي مريم عندك؟
لم ترد عليه وانما أخذت تطالعه بغيظ شديد أربك الذي يقف أمامها، فكرر سؤاله بتلعثم :- عمتي أنتِ ساكتة ليه؟
هتفت بغيظ :- عاوز إيه يا إسلام؟
جعد أنفه بدهشة من طريقة حديثها قائلاً :- عمتو أنتِ بتكلميني كدة ليه؟!
جذبته من أذنه و سحبته للداخل قائلة بحنق :- تعال هنا يا روح أمك و قولي عملت إيه في البت؟
لم يعبأ لألم أذنه و أردف براحة و طمأنينة:- يعني هي عندك؟ مريم عندك! طيب هي فين أنا عاوز أشوفها.
زادت من ضغطها على أذنه قائلة بغيظ :- كلمني هنا و رد عليا الأول يا حمار.
أردف بتذمر و ألم :- حمار! الله يسامحك يا عمتو، طيب سيبي ودني طيب..
تركته قائلة بغل :- و ربنا المعبود لأوريكم واحد واحد يا عيلة الأحمدي، البت جيالي خلصانة لولا الدكتور الله أعلم كان هيحصلها إيه!
أردف بقلق بالغ :- ليه مالها، هي فين؟ أنا هدخل أشوفها .
و ما إن هم ليدلف للداخل و قف بسبب صوتها الحاد الصارم قائلة :- أقف عندك يا إسلام!
و يا ريت لو تطلع برة و تورينا عرض اكتافك
جز على أسنانه بغيظ و هتف بهدوء مغاير :- عمتو أنا عاوز أشوف مراتي.
أردفت بجمود :- مش قبل ما نتكلم يا إسلام.
زفر بضيق قائلاً :- حاضر يا عمتي هنتكلم بس طمنيني عليها أرجوكي.
أردفت بتهكم:- غريبة بتسأل عنها يعني و قلقان عليها وأنت السبب في اللي هي فيه.
نظر لها بوجه شاحب قائلاً:- هي حكتلك؟!
أردفت بجمود :- هو سؤال واحد عملت إيه في البت وصلها للي هي فيه دلوقتي، دي كانت هتموت روحها من العياط لولا الحقنة اللي أدهالها الدكتور نجدتنا، و أحمد يا يعيني اللي كمل عياط هو الآخر خايف على أمه.
أردف بانتباه :- أحمد! هو فين طيب؟
أردفت بهدوء :- جوة في الأوضة بيلعب في لعب مازن ابن عادل بعد ما هدي، و دلوقتي مستنية جوابك يا إسلام، حرام عليك دي مريم ضفرها برقابيكم يا ولاد أخويا، دي هي اللي بتسأل عليا لو مجتش يبقى في التليفون.
حك مؤخرة رأسه بحرج قائلاً :- إيه يا عمتي يعني إحنا مش بنسأل عليكي! دة اول الأسبوع كنت عندك.
مصمصت شفتيها بتهكم قائلة :- أنت هتذلني يا واد!
قصره قولي عملت إيه في البت؟
نظر للأرض بحرج و حزن قائلاً :- الموضوع كبير أوي يا عمتي، و أنا بدل ما أكحلها عميتها.
أردفت بحنق :- عملت إيه يا منيل أحكي حاكم أنا عارفاك إيدك سابقة لسانك.
تنهد بعمق قائلاً :- صدقيني يا عمتي الحكاية كبيرة أوي، أكبر مما تتخيلي علشان كدة هحكي و الكل يكون موجود لأننا كلنا غلطنا في حقها مش بس أنا.
نظرت له بعدم فهم قائلة :- يعني إيه؟ أنا بدأت أقلق منك يا واد!
مسح وجهه بكف يده قائلاً بتعب :- هتعرفي يا عمتي بس شوية كدة كمان.
- عمو إثلام.
رفع بصره تجاه مصدر الصوت ليطالع كتلة البراءة تلك بحب قائلاً وهو يفرد له ذراعيه :- حبيب عمو تعال يا ميدو، تعالى يا حبيبي.
تقدم الصغير جرياً فضمه بذراعيه و رفعه ليجلسه على فخذه، و من ثم احتضنه بحب و أغلق عينيه يحاول ألا تنزل عبراته تأثراً بذلك الصغير الذي لا ذنب له أن يولد لأم كتلك ولا لأب كهذا، احتضنه بقوة حتى تألم الصغير قائلاً بتذمر :- كفاية يا إثلام خنقتني.
ابتسم له بحنو و قبله من وجنته بقوة قائلاً :- معلش يا ميدو يا حبيبي حقك عليا.
أردف بضيق :- عمو إثلام عاوز أشوف ماما، هي كانت بتعيط و الدكتور جه و أداها حقنة..
ربت على شعره قائلاً بحب :- متخافش يا أبو حميد ماما كويسة، يلا روح كمل لعب على ما أخلص كلام مع تيتة.
بقلم زكية محمد
هز رأسه قائلاً :- لا أنا عاوز أقعد معاك و كمان ماما.
ضمه لصدره فاستكان الصغير بين ذراعيه و أخذ يعبث في اللعبة التي بيده، بينما نظر هو أمامه بشرود و خوف مبهم من القادم.
______________________________________
بعد مرور أسبوعين كان العمل على قدم و ساق في حديقة القصر استعداداً لحفل زفاف حفيد العائلة بابنة عمه التي ظهرت من العدم.
تتأمل هيئتها بذلك الفستان الذي صمم خصيصاً لها من أشهر دور الأزياء العالمية، تطالع نفسها بالمرآة و مشاعر جمة تهاجمها ما بين القلق و السعادة و الخوف و الطمأنينة، لا تعلم إن كان استمرارها في تلك الزيجة هو القرار الصائب أم لا، ولكن كل ما تعرفه أنها يجب عليها الإقدام في تلك الخطوة من أجلها و من أجل والدها، زمت شفتيها بعبوس وهي تتذكر كتلة الجليد الذي بات يلعب مؤخراً على وتيرة مشاعرها و ما تشعره بقربه، و مع هذا كله ما زال متحفظاً بقناع الجمود فهي لم تخطئ أبداً حينما أطلقت عليه لقب " الفريزر" ، ذلك المتبلد الذي باتت تبحر في دروبه دون أن تفهمه.
لاحت سحابة حزن على وجهها وهي تتذكر والدتها التي في أمس الحاجة لها في يوم كهذا، شعرت بها آلاء و سندس اللاتي يقفن بجوارها، فاحتضنتها سندس بحنان قائلة بوجع خفي :- متعيطيش و تبوظي الميكب، أنا حاسة بيكي و عارفة إزاي الإحساس دة صعب، بس أهو ربنا عوضك بينا و بمرات عمك اللي هي زي مامتك دلوقتي، متعيطيش يا روحي.
هتفت بصدق :- أنا مش عارفة عملت إيه حلو علشان ربنا يبعتك ليا، ربنا يخليكي يا مدام سندس.
تدخلت آلاء قائلة بمرح :- أخص عليكي يا رورو من لقى أحبابه ولا إيه!
ابتسمت لها بخفوت قائلة :- و دي تيجي بردو أنتِ صحبة عمري، عقبالك كدة قريب.
بعد وقت دلف شادي بمرحه المعتاد، و نزل بصحبتها و كان بالأسفل يقف مراد بانتظارها برفقة والدها و والده، و ما إن وصلا للأسفل احتضنت رحيق والدها بقوة والذي بادلها عناقاً حاراً و أدمعت عيناه قائلاً:- ألف مبروك يا حبيبة بابا، ربنا يسعدك يا حبيبتي.
تماسكت بقوة حتى لا تنهار، فتدخل شادي بمرحه و استطاع أن يرسم الابتسامة على وجوههم .
وضعت يدها بيده و تأبطا و سارا للخارج لمتابعة مراسم الزفاف.
بقلم زكية محمد
انسلت من بين الموجودين لتجلس بمكان خال و تسمح لعبراتها التي كبحتها كثيراً في الهطول، أخذت تبكي بصمت و قد أتتها ذكرى زواجها المشؤوم، اليوم الذي زجها فيه أخيها نحو الجحيم بعد أن حرمها من حق اختيار شريك حياتها من أجل مصالحه، و خبث الآخر الذي خطط كل شئ حتى يفوز بها و كأنها إحدى المقتنيات لتكتشف بعدها أنه خائن يخونها يومياً، و ما إن ملَّ منها و من شكواها الدائم و هذا ما زاده ضجراً ليلقي بها حيث أتت، لتصيبها الصدمة عندما لم يرحب شقيقها بوجودها معهم، ليلقي لها بحفنة من النقود من ورثها المستحق، و ما أقسى من أن تأتيك الطعنة من أقرب الأقربين!
وضعت يدها على ثغرها كي لا يصدر منها صوت شهقاتها، لتنتفض في مكانها حينما شعرت بيد تربت على ظهرها قائلة بصوت طفولي:- أنتِ بتعيطي ليه يا طنط؟
ابتسمت لها بوجع حاولت مداراته قائلة وهي تأخذ بيد الصغيرة و تجلسها إلى جوارها على العشب قائلة:- أبداً يا حبيبتي أنا مبعيطتش في تراب دخل في عيني.
أردفت الصغيرة بطفولية:- أنتِ قاعدة لوحدك ليه؟
هزت رأسها بخفوت قائلة :- لا هقوم أهو، قوليلي بقى أنتِ سايبة الفرح و جيتي هنا ليه؟
أردفت بتوضيح :- كنت thirsty و جيت أشرب و بعدين سمعت صوتك.
- جوري بتعملي إيه عندك؟
قالها عاصم الذي كان يبحث عنها بقلق، و تعجب من رؤيته لابنته برفقة سندس، بينما نهضت جوري قائلة :- بابي طنط بتعيط..
أردف بغضب مكتوم :- طيب يلا اسبقيني وانا هحصلك..صمت ليتابع بسخرية :- وأنا هشوف طنط اللي بتعيط دي!
أومأت له بموافقة و انصرفت، بينما وضع يديه في جيوبه قائلاً بتعالي :- و يا ترى المدام زعلانة و بتعيط ليه؟
مط شفتيه بتهكم ليقول بقسوة متعمدة :- ايه عينك كانت على أخويا بس طار منك، أهو يبقى صيدة جديدة.
نهضت من مكانها وهمت لتصفعه على إهانته إياها قائلة بحدة :- أخرس!
و بعدين أنت ملكش دعوة،فاهم؟
مسك يدها بعنف وضحك بسخرية قائلاً :- و الشو اللي عملتيه مع بنتي من شوية دة كان إيه، واضح إنك بترسمي على تقيل.
نظرت له بازدراء قائلة :- أنت بني آدم حقير وقلة الكلام معاك أحسن.
قبض على رسغها بشدة حتى كاد أن يكسره قائلاً بحدة :- لمي لسانك أحسنلك، و شوفي كويس مين الحقير فينا!
دفعته بغضب حتى تحررت منه قائلة :- إحنا خلاص صفحة و اتقفلت فبلاش تنبش في الماضي و حجات راحت مش راجعة.
رفع حاجبه باستنكار قائلاً :- وأنا مين قالك إني يهمني الماضي، ولا تكوني فاكرة إني بجري وراكي دة أنتِ تبقي عبيطة أوي! أنا بس جاي أحذرك تبعدي عن بنتي و يا ريت بلاش من الحوارات الفكسانة دي!
أردفت بانفعال :- أنت قصدك إيه بكلامك دة؟
أردف بغيظ :- قصدي متستغليش البنت في إنك تقربي مني.
نظرت له بذهول قائلة بضحك موجع :- أستغل إيه و نيلة إيه! ثم تابعت بقوة زائفة لرد اعتبارها من الكلمات الموجعة التي وجهها لها منذ لحظات :- و أقرب منك ليه إن شاء الله! دي بس أوهام في خيالك يا بشمهندس، شوف مين اللي بيعترض طريق التاني و بيخلق أي حاجة علشان يكلمه بيها ساعتها بس هتفهم مين بيستغل مين.
قالت ذلك ثم انصرفت للداخل بسرعة لتجفف دموعها العالقة، بينما ضغط بقوة على قبضته حتى برزت عروقه و بعدها ضربها بالجدار بقوة قائلاً بوعيد :- ماشي يا سندس أنا هعرف أخد حقي منك كويس أوي.
قال ذلك ثم انصرف هو الآخر للحفل.
على الجانب الآخر كانت رودي تطالع المشهد بحقد قائلة :- البنت دي مش ساهلة و عملت اللي فشلت فيه اي واحدة تعمله، نفسي أقتلها أنا اللي مفروض أبقى مكانها البيئة اللوكل دي!
هتفت شيري بكره :- تعيشي و تاخدي غيرها يا رودي، بس عندك حق دي مش سهلة أبداً أنا أول مرة أشوف مراد كدة! لا دة معجباته النهاردة هيموتوا من الغيظ.
أردفت بسخط :- شيري!
هو أنتِ فرحانة فيا!
هزت رأسها نافية تقول :- لا أبداً يا بيبي، بس بصراحة الموضوع ممتع بصي كدة سالي!
قالتها وهي تشير لسالي التي بحاجة لسيارة المطافي لإخماد الحريق الذي نشب بداخلها.
زمت رودي شفتيها بضيق قائلة :- okay أنا أصلاً مش زعلانة، أنا بس زعلانة على الأيام اللي قضيتها و أنا بأيام وردي بس يا خسارة راحت على الفاضي.
ربتت على كتفها قائلة بمكر :- متخافيش يا روحي، خليها تتمتعلها يومين قبل ما تترمي من هنا رمية الكلاب، يلا بقى تعالي نشوف البنات راحوا فين.
على الجانب الآخر كانت ممسكة بكأس العصير و عروقها قد برزت من كثرة ضغطها عليه، وهي تطالعهم بغل و كره شديدين. اصطكت أسنانها بعنف و نيرانها لم تُخمد بعد، وهي تشاهد مراد يحاوط خصر رحيق و يلتقطان بعض الصور .
وإلى جوارها صديقتها هايدي إلى تتطلع لها بحسرة و بعض التشفي، فقد سئمت من غطرستها الغير منتهية، وهي تكرر في كل لحظة أن مراد لن يكون لأي امرأة أخرى سواها، و ها هي خابت جميع توقعاتها فقد ارتبط بواحدة أخرى غيرها، فلربما هذا ينتشلها من مستنقع الغرور التي هي به، و تستيقظ و تعي حقيقة الأمور.
خرج صوتها هادئاً تقول :- سالي أنتِ كويسة؟
هتفت بغضب مكتوم و صدرها يعلو و يهبط بعنف من فرط الإنفعال:- كويسة!
أنا الود ودي أقوم أخنقها بإيدي و استريح.
أردفت بروية :- سالي take it easy,darling أعصابك يا حبيبتي هتحرقيها على ناس مش مستاهلة.
أردفت بغل وهي تحدجها بكره :- مش سالي اللي تخسر بسهولة كدة.
على مقربة منهم وقفتا مرغمتان حفاظاً على مظهرهما أمام هؤلاء الذين يدعون الثراء، و اضطروا أن يكذبوا في حقيقة رحيق حيث أخبروهم بأنها كانت تدرس بلندن وعندما أنهت الدراسة أتت ليعلن بعدها مراد خطبتهم و زواجهم بعدها بفترة.
هتفت ناريمان بغيظ :- قعدتي تقولي اصبري اصبري لحد ما أهو أتجوزها و هتقعد هنا غصب عن عين التخين.
هتفت الأخيرة بسخط قائلة بنوع من الاستسلام :- يعني عاوزاني أعمل إيه و مراد عينه في وسط راسه مش بتتحرك خطوة وإلا عارف بيها.
ضيقت عينيها بحدة قائلة :- يعني إيه هترضي بالأمر الواقع، هترضي ببنت فاطمة هنا وسطنا اللي السبب في اللي حصل لابنك!
مطت شفتيها بضيق قائلة :- ناريمان بقولك إيه يا ريت تهدي، لو على المكان اللي هي موجودة متقعديش فيه .
طالعها بذهول قائلة :- إيه؟! أنتِ اللي بتقولي كدة!
ثم أضافت بسخرية لاذعة :- لا شكلك كبرتي و خرفتي.
اتسعت عيناها قائلة بغضب :- ناريمان!
إلزمي حدودك كويس أوي و شوفي بتكلمي مين.
رفعت حاجبها بدهشة قائلة بتهكم :- لا عارفة كويس أوي بس يا ريت كمان ما تنسيش عمايلك.
قالتها بتهديد مبطن و اختفت من أمامها، بينما تمتمت سلوى بضيق :- و دة وقتك أنتِ كمان، طلعتي مش ساهلة يا ناريمان مش ساهلة أبداً و يتخاف منك.
تتأفف بضيق وهي تتابع المتواجدين تارة و تنظر له بطرف عينيها تارة، بينما ظل هو جامداً يتابع المراسم بهدوء ثلجي.
هتفت بضجر:- بقولك إيه يا أخينا هي القعدة هتطول، ضهري وجعني من الصبح وأنا واقفة و أيش حمام مش عارفة إيه و ميكب إيه و......
ثم أخذت تثرثر بعبوس، بينما ضيق عينيه بملل من ثرثرتها التي لم ينتبه لحرف مما قالته، و ما إن انتهت و وجدته على نفس حالته أردفت بضيق :- لكن بكلم مين " فريزر" بصحيح!
مال على أذنها قائلاً بهمس خطير :- سمعتك على فكرة و هعرفك الفريزر هيعمل إيه كمان شوية.
اتسعت عيناها بخوف قائلة ببلاهة :- لا أنا بهزر يا ميرو مبتهزرش يا راجل خلي البساط أحمدي..
طوي كفه و ضغط عليه بقوة، و بداخله يتساءل ماذا فعل ليبليه الله بتلك القصيرة الماكرة؟!
بعد إنتهاء الزفاف صعدا للجناح المخصص لهم، و ما إن دلفا للداخل توجه هو آلياً ليبدل ملابسه تحت نظراتها المزعورة فصرخت بحدة قائلة بوجه متوهج خجلاً :- أنت بتعمل إيه يا قليل الأدب؟ مش شايف إن في واحدة قدامك!
هتف بجمود :- وهي فين الواحدة دي؟
اصطكت أسنانها بعنف قائلة بغيظ :- نعم يا عمر ! ليه قالولك عليا راجل ولا راجل!
أردف بخبث :- والله أنا مش شايف غير كدة، كلامك شكلك ميدلش غير على كدة .
بقلم زكية محمد
وضعت يدها في خصرها قائلة بشراسة :- مين دي اللي راجل ياض دة أنا رجالة الحتة كانوا يتمنوا نظرة مني.
رفع شفته العليا بتهكم قائلاً باستفزاز :- دول عميوا أو معندهمش زوق .
ضيقت عينيها بوعيد قائلة :- ماشي اما وريتك.
دلفت للمرحاض وهي تبتسم بظفر، بينما ضحك هو بخفوت على تلك البلهاء قائلاً :- دي عبيطة و شكلي هستغل دة لصالحي كتير..
إلا أنه وقف مصعوقاً يشاهد هيئتها الجديدة عليه التي خرجت بها، و رغم أن الخجل يقتلها إلا أنها تحلت ببعض الشجاعة لتقف قبالته قائلة بابتسامة منتصرة وهي تطالع نظراته نحوها :- بتبصلي كدة ليه، مش أنا راجل!
ثم اقتربت منه قائلة بخفوت :- علشان بس تعرف إنك أنت اللي أعمى يا ....يا فريزر.
حاوط خصرها بتملك مما جعل خلاصها منه مستحيلاً و أردف بخفوت مدمر لأعصابها :- أنتِ قد اللي عملتيه دة؟
هزت رأسها بنفي قائلة بتوتر و وجهها الذي أصبح كتلة جمر متوهجة :- لا طبعاً، أنت هتعمل عقلك بعقلي يا.
....فري....قصدي يا مراد.
رفع حاجبه قائلاً بخبث :- أنا قولتلك قبل كدة أنك هتندمي لو نطقتي الكلمة دي تاني، و أنا بقى هعاقبك كويس أوي.
أردفت بتخبط و صوت خافت :- هتعمل ايه؟
- هعمل كدة..
قال ذلك ثم مال ليتجرع الرحيق الذي أدمنه من أول لحظة اقتطفه فيها، ثم غرق معها في بحور العشق معاً.
____________________________________
متمددة على الفراش تنظر للفراغ بشرود و قد طغى الحزن عليها، وهي تتذكر آخر ما حدث منذ أسبوعين حيث أتى بقية أفراد العائلة، و هنا تحدث إسلام و أخبرهم عن ذلك السر الخطير الذي أخفته طيلة تلك السنوات دون أن يعلم به أحد.
و ما إن انتهى من سرده حلت عليهم صاعقة ، ولم تختلف حالتهم عن خاصته شيئاً و كلاً منهم يسبح في واديه.
أيوب الذي يأكله الندم و الحسرة عما أقترف بحقها في كل مرة فهو لم يظلمها مرة بل كرر ذلك العديد من المرات دون أن يعبأ بشيء آخر.
تساقطت دموع توحيدة قهراً على ابنتها التي لم تذق يوماً هنيئاً، فهي تعلم بعشقها لإسلام الذي تراه مسطر في عيني ابنتها و مدى تعلقها به منذ أن كانت طفلة، وكم هي سعيدة بتلك الحقائق التي ستغير موزاين ابنتها التي ظُلمت مراراً و تكراراً افتراءً و ظلماً ليس إلا.
موسى الذي شلته الصدمة عن الحركة، لا يصدق أن ابنه فعل كل هذا، كيف كان يرتدي قناع المثالية بينما يختبئ خلفه حياة مليئة بالمعاصي، كيف خدعهم طيلة هذه المدة و هم صدقوه؟ يا للحسرة التي اعترته! فهو يقف والخزي حليفه هنا فبأي وجه سيواجه أخيه، و بالأخص هي ذلك الجبل العتيد الذي تحمل الكثير دون أن يخر أرضاً. أخذ يطلب له الرحمة فلا يجوز الآن عليه سواها.
عواطف التي شعرت بتجمد في أطرافها وهي تسمع حقيقة ابنها الذي مارس الزيف عن جدارة وكم كان بارعاً به، يا الله! لو أحد ينتشلها من ذلك الكابوس، نعم هي تشعر و كأنها بكابوس ستصحو منه قريباً. كم شعرت بالدونية و الندم لظلمها إياها، تلك التي تحملت كل شيء من ابنها ولم توشي به لأحد، و عندما اضطرت لفعل ذلك لتبرئ نفسها. حمدت الله أن الوضع لم يسؤ بعد، فالأمور يمكن اصلاحها الآن.
كان الغضب هو المتحكم بها و هي تسمع لتلك الحقائق الدنيئة التي ودت لو كانت جميعها أكذوبة. وكم شعرت بالشفقة تجاهها وما عانته بمفردها، تلك الحنونة الغالية التي تحظى بمكانة عالية بقلبها، تساقطت دموعها رغماً عنها وهي في حالة ذهول من قدرة تحملها لكل ذلك!
و لم تختلف حالة سامية و محمود عنهما شيئاً.
انتبهوا جميعهم و خرجوا من تلك الحالة التي خيمت عليهم على صوت الصغير الذي خرج وهو يعبس بطفولية قائلاً :- جدو موثى.
ثم ركض ناحيته و حمله الآخر بعينين تفيضان من الدمع و احتضنه بقوة و كأنه يرسل له أسفاً كبيراً له، فنظر الصغير له بحزن قائلاً :- جدو أنت ليه بتعيط، و إثلام كمان.
ثم أخذ يطالع الجميع فوجدهم على نفس الحالة فهتف بتذمر :- كله بيعيط حتى ماما جوة بتعيط.
انتبهت حواس إسلام ليردف بلهفة :- صحيح يا ميدو يعني ماما صاحية دلوقتي؟
هز رأسه بنعم قائلاً :- أيوة يا إثلام ثاحية .
هتف بتماسك وهو يتوجه ناحية الغرفة التي تقبع بها :- أنا هروح أشوفها.
وقف أمام باب الغرفة وهو في حالة تردد من دلوفه فهو يخشى أن يصيبها مكروه بسبب رؤيتها له بعدما فعل. حبس أنفاسه و فتح الباب بحذر، لينشطر فؤاده نصفين وهو يراها متكورة كالجنين على الفراش و تبكي بصمت.
اصطك فكه بعنف غضباً من نفسه و ليس أحداً آخر، وكم ود لو يبرح نفسه ضرباً عنيفاً على تهوره و تسرعه في الحكم عليها.
زادت عبراتها نزولاً عندما شعرت بدلوفه، و كيف لا تشعر به وهو إدمانها!
تقدم منها حتى جلس على الأرض ليكون قبالتها و هتف بحزن وهو يشعر بعبراتها خنجراً يغرز في قلبه في كل مرة فيزيده ألماً :- ممم..مريم ..مريم أنا... أنا آسف كنت غبي و متهور، أنا عارف إنك موجوعة و مني أنا بالذات بس أعذريني حطي نفسك مكاني، للأسف اللي عمل كدة نجح أنه يزرع جوايا الشك، بس أوعدك هدور وراه ومش هسكت إلا لما أعرف مين هو و ساعتها هندمه على اليوم اللي أتولد فيه، مريم..مريم كلميني أرجوكي متقعديش ساكتة كدة.
مد يده ناحية وجهها ليمسح عبراتها إلا أنها بقت عالقة بالمنتصف عندما وجدها تنكمش بنفور منه و تغلق عينيها، وكم ألمه ذلك !
و علم حينها أن الطريق لوصالها صعباً، صعباً إن لم يكن مستحيلاً.
نهض من مكانه ثم مال عليها مقبلاً إياها بقوة على رأسها و كأنه من خلالها ينقل لها ندمه و أسفه، ثم انتصب واقفاً و غادر الغرفة وهو يجر أذيال الخيبة خلفه، فتطلع له الموجودون و أعينهم تتساءل بلهفة، و لكنهم تراجعوا بحزن عندما قرأوا الإجابة المرسومة على وجهه.
دلفت والدتها لها التي مكثت معها وقتاً طويلاً تطمئن فيه عليها، و بعد وقت غادروا بعد أن أوصوا منال بأن تعتني بها.
و منذ ذلك الحين وهو يأتي يومياً طلباً للعفو و المسامحة، و لكنها ترفض بكل حسم فما فعله ليس بهين.
فاقت من شرودها على دقة الباب و دلوف عمتها بعدها لتقول بابتسامة بسيطة :- مريومة حبيبتي في حد برة عاوز يشوفك.
__
"ذئب يوسف"
رواية ذئب يوسف الفصل التاسع عشر 19 - بقلم ذكية محمد
نظرت لها بتعجب قائلة بصوت مبحوح :- حد مين دة؟
أردفت بهدوء :- بيقول أنه محمد، يلا قومي علشان تشوفيه جاي ليه، أنا هطلع أستناكي.
نهضت من مكانها بتثاقل، و ارتدت حجابها بعناية ثم خرجت لترى من ذاك الذي طلب رؤيتها!
ما إن خرجت للصالة ورأته عرفته على الفور فهو صديق إسلام، تأففت بضيق و نهض هو بدوره ليمد يده ليصافحها، ليضمها بحرج عندما وجدها تطالعه بحاجب مرفوع على فعلته تلك، تنحنح بحرج قائلاً :- إزيك يا مريم؟
قطبت جبينها بتعجب و جلست إلى جوار عمتها قائلة بجمود :- الحمد لله.
أردف بابتسامة بسيطة :- يا رب دايما أنا جيت علشان ......
قاطعته بحدة قائلة :- لو جاي تدافع عن صاحبك و تعمل من البحر طحينة يبقى وفر تعبك أحسن.
هز رأسه قائلاً بتفهم :- يعني أنا معرفش اللي بينكم بس مفيش أمل حتى؟!
رفعت حاجبها قائلة بسخرية :- أمل ماتت و شبعت موت يا أستاذ يا ريت تقول للي باعتك يبطل شغل العيال دة، لإني مستحيل أرجعله و قوله يا ريت يحس على دمه و يطلقني زي ما قال.
عبس وجهه قائلاً بروية :- أفهم من كلامك دة خلاص الباب اتقفل بينكم.
هزت رأسها بتأكيد قائلة :- البيبان و الشبابيك وكل حاجة.
نهض من مجلسه قائلاً بهدوء :- طيب تمام بعد أذنكم، اه و يا ريت محدش يقول لإسلام على مجيتي هنا علشان أنا جيت من وراه ولو عرف هيزعل. بقلم زكية محمد
أومأت منال له بهدوء، بينما انصرف هو إلى حيث أتى.
جلست على الأريكة وهي تشعر بالإختناق الشديد، و اه من قلب ذليل و عقل عزيز!
جلست عمتها إلى جوارها و احتضنتها دون أن تنبت بكلمة، فهي تعلم جيداً بحالة التخبط التي تعيشها فهي تقع في نيران عشقه و لا مفر لها من الهروب.
هتفت بهمس موجع :- قلبي واجعني أوي يا عمتو، نفسي أرتاح بس مش عارفة!
هتفت بدموع مكبوتة :- ألف بعد الشر عليكي من الوجع يا حبيبتي، أنتِ بس محتاجة وقت تبعدي عنهم شوية الاوباش دول اللي مزعلين مريومة حبيبتي.
ابتسمت بخفوت قائلة :- وجعوني أوي يا عمتو ومحدش فيهم صدقني، كله قال عليا مش محترمة وهما عارفين إني تربيتهم، وهو أكتر حد جرحني، كنت مستنية منه يطمني بس هو عمل زيهم و ألعن، و أسماء بعد دة كله برده جاية تدمرني...ااااه يا عمتو هموت والله مش قادرة..
ضمتها بخوف شديد و بدأت تقرأ عليها بعضاً من آيات الذكر الحكيم، و قد عزمت على شيء و عزمت على تنفيذه، فهي لن تظل هكذا مكتوفة الأيدي تشاهد سقوطها دون أن تساعدها.
______________________________________
في إحدى النوادي العامة، يجلس يهز ساقيه بانتظارهم و ما إن رآهم مقدمين عليه، ابتسم بخفوت قائلاً :- يا مراحب بالحلوين.
جلسا قبالته وهتف محمد بسعادة :- يا أهلاً بيك يا رأفت يا وش السعد .
هتف بحذر :- إيه كل حاجة تمت خلاص؟
هزت بثينة رأسها بموافقة قائلة بفرح شديد :- أيوة الخطة نجحت و الهانم مشيت أكيد إسلام هيطلقها أو طلقها في الحالتين مش هنخسر كلها شوية وقت.
.
تدخل رأفت قائلاً :- طيب وأنا لا مؤاخذة نصيبي فين من دة كله، دة لولايا مكنتوش قعدتوا منشكحين كدة .
أردف محمد بغلظة و هو يدس يده بجيبه ومن ثم أخرج بعض الورقات النقدية :- خد يا رأفت ياكش يطمر بس.
تناول النقود منه وهو يعدها بشراهة قائلاً :- من يد ما نعدمها يا زُمُل.
ثم نظر لبثينة قائلاً :- وأنتِ يا حلوة الحلوين، إيه النظام؟
رمت له النقود على الطاولة بحنق قائلة :- أهو يا أخويا، إيه ما بتشبعش!
أردف بضحك :- هو في حد يقول للفلوس لا؟
نظر له محمد قائلاً بملل :- طيب يا رأفت يلا هوينا مش خدت اللي يلزمك.
وضع النقود بملابسه، و نهض قائلاً وهو يغمز بعبث :- اه يا شوية أشرار هتخططوا إيه تاني؟ على العموم لو في جديد أنا في الخدمة يلا سلام يا معلمة.
انصرف رأفت ليهتف محمد بهدوء :- و دلوقتي هنعمل ايه؟
أردفت وهي تمط شفتيها :- هنستنى لحد ما يطلقوا انت تاخد اللي ليك وأنا أخد اللي ليا.
حك مؤخرة رأسه قائلاً بقلق :- بس أنا خايف مترضاش بيا و توافق عليا.
أردفت بخبث :- جرا إيه يا حمادة شوية تسبيل على شوية إهتمام و الدنيا هتظيط معاك، سبني أنا بس أتكتك.
غمز بمكر قائلاً :- اه حبيب القلب اللي أنتِ مش عارفة توصليله!
بقلم زكية محمد
رفعت شفتها باستنكار قائلة :- جرا إيه يا حبيبي، إحنا هنقعد نقطم في بعض ولا إيه؟ ما أنت كمان البت ما عبرتك في مرة، أنت هتعملهم عليا.
جز على أسنانه بغيظ قائلاً :- خلاص يا بثينة مش لازم تفكريني و تنكدي على اللي جبوني.
أردفت بضيق وهي تهم بالنهوض :- طيب يلا يا أخويا بينا لأحسن حد يشوفنا.
أردف بتساؤل :- على فين كدة ما أدينا قاعدين بندردش سوى!
أردفت بابتسامة لئيمة :- أخص عليك يا حمادة أنت مش عاوزني أقف جنب صحبتي في ظروف زي دي !
لا أبداً دة أنا لازم أواسيها، مش صحبتي يا جدع!
طالعها بدهشة قائلاً :- لا دة أنتِ إبليس يضربلك تعظيم سلام، و يقولك يا أستاذة، يخربيتك ايه دة؟صحيح إن كيدكن عظيم .
تأففت بضجر قائلة :- سلام يا حودة أشوفك بعدين.
_____________________________________
استيقظ قبلها بغيظ شديد وهو ينظر لتلك الغافية، لا ليست بسلام وإنما كأنها في معركة طاحنة، تركل و تضرب ما تقع عليه يدها أثناء نومها، وها هو قضى بقية الليل على ذلك الحال، و عندما غفي أتت لتركله ببطنه حيث أنها تقلبت أثناء نومها لتكن قدميها ممدة فوقه و رأسها عند آخر الفراش حتى خاف أن تسقط رأسها أرضاً، و كم هي تغفو بعمق و كأنها لم تفعل شيء.
مسح على وجهه بإرهاق وهو يبتسم بخفوت عليها، تلك الفاتنة الساحرة التي ألقت عليه تعويذتها منذ الصغر فباتت تسكن بداخله رافضة أن تتزحزح أنش واحد حتى مدت جزورها لأعماقه فأصبح من المستحيل بترها.
لم تتغير طباعها، سليطة لسان، مندفعة، متهورة، شرسة،لينة، حنونة، لا يحمل قلبها ذرة كره، ولكن إن تعدى أحد حدوده معها تقف له بالمرصاد، قوية، هشة، بها كل شيء و نقيضه، و نجحت في ما فشل فيه سابقاتها من اللواتي توددن له و تمنوا فقط لو ينظر لهن، لتأتي هي و تخطف لُبّه بعد أن نجحت في أسره طيلة هذه المدة، كما نجحت في أهم شيء أن تلقي بمياه مغلية على ذلك الجليد الذي يظهره لينصهر و يذوب، لم ينجح أحد في إثارة انفعالاته سواها، إلا أنه يحفظ ماء وجهه عندما يتحكم بتأثيرها عليه فلا يظهر عليه شيء تلاحظه وهذا ما يرغبه، فغروره الذكوري لا يزال يتحكم في زمام الأمور.
فاق من شروده على دفعة أخرى منها، فهتف بحنق :- دة أنتِ لو في حلبة مصارعة مش هتعملي كدة!
تنهد باستسلام لينهض و يعدل وضعيتها جيداً، بينما هي لا تشعر بشيء ثم تمدد جوارها مجدداً وهو يتطلع لها بحب، و شرد في هؤلاء المحيطين بها و كيف سيتصرف معهم فلن يسمح لأي منهم أن يمسوها بسوء.
بدأت ترمش بأهدابها الطويلة، و فتحت مقلتيها وهي تتمطئ بكسل غافلة عن تلك الأعين التي تتفرسها بإفتتان، اتسعت عيناها بذعر من رؤيتها له بجوارها فشهقت قائلة :- أنت بتعمل إيه هنا جنبي؟ اه بان على حقيقتك يا واطي يا قليل الأدب يا..........
ابتلع باقي حروفها بجوفه، ليوقف وابل الشتائم التي يطلقها لسانها البذيء، وابتعد عنها بعد فترة قائلاً بحنق :- أنا بصراحة حطيت صوابعي العشرة في الشق منك، عاوز أشتريلك كُتيب يقولي إزاي أفهم اللي جوة دماغك دي..
ثم أضاف بسخرية :- دي لو كان في دماغ أصلاً.
انكمشت بخجل وقد تذكرت ما حدث بينهما البارحة، وضمت الغطاء لتختفي تحته، بينما تعجب هو لحالتها قائلاً :- أنتِ بتعملي إيه؟ رحيق!
هتفت بتلعثم:- هذا الاسم غير موجود بالخدمة من فضلك أطلبه في وقت لاحق..
كبح ضحكاته قائلاً بعبث وهو يدرك خجلها منه :- خدمة إيه بس!
ومالك مستخبية عندك كدة؟
أردفت بتذمر :- الجو حلو هنا..
أردف بخبث وهو يسحب الغطاء :- وريني كدة طيب.
هزت رأسها بعنف قائلة بصراخ :- لا لا مش حلو أنا بكدب عليك..
حاوط خصرها بتملك قائلاً بمكر:- أنا اللي هقرر إن كان حلو ولا لا.. بقلم زكية محمد
و عندما همت لتعترض تبخر رفضها في مهب الريح وهي في حضرة هيبته الطاغية مستسلمة لتلك المشاعر التي تغزوها بضراوة.
بعد وقت ضربته بصدره قائلة بتذمر و شراسة :- مكنتش أعرف إنك قليل الأدب كدة يا فريزر..
وعندما لاحظت نظراته الصارمة نحوها أردفت بتوتر :- قصدي ....يا مراد أنا... أنا مقصدش..
ضيق عينيه بغيظ قائلاً :- ماشي هعديها بمزاجي المرة دي..
أردفت بخجل :- طيب أبعد أنا عاوزة أروح أشوف بابا..
رفع حاجبه باستنكار قائلاً :- تروحي فين معلش!
رحيق أصطبحي و قولي يا صبح، ما تفوريش دمي وأحنا لسة في بداية اليوم.
أردفت بحنق :- دة بابا يا مراد وأنا عاوزة أشوف أخد الدوا ولا لا.
أردف بتهكم:- لا متخافيش عمي أخد الدوا وزي الفل.
أردفت بتعجب :- أنت عرفت إزاي؟ هو قالك؟
جز على أسنانه بغيظ قائلاً :- اه قالي، رحيق اسكتي الله يخليكي أنا على آخري منك.
شهقت بتذكر، ليهتف الآخر بقلق :- في إيه؟
أردفت بجبين مقطب :- أنا جعانة أوي و عاوزة أفطر!
قبض على يده بقوة، وهو يعض على شفتيه بغيظ قائلاً:- قومي يا رحيق قومي و روحي الحتة اللي تعجبك.
قال ذلك ثم دلف للمرحاض و أغلق الباب خلفه بعنف أرتجفت على أثره قائلة بحنق :- يا باي عليك يا فريزر..
ثم وضعت يدها على ثغرها وهي تتطلع للباب خشية أن يسمعها و عندها لن يمرر الأمر مرور الكرام.
______________________________________
ليلاً صعد للأعلى و بيده باقة زهور حمراء، وهو يتذمر بداخله قائلاً:- و أديني أهو جبت الورد زي ما قالت عمتي بعد ما اللي يسوا و ميسواش بصولي وكأني عامل جريمة، ياكش ياجي بفايدة.
ضغط على الجرس، لتفتحه منال بسرعة، فدلف للداخل بهدوء وهمس لعمته :- هي فين؟
هتفت بغيظ :- طب قول السلام عليكم الأول!
أردف بحرج :- إزيك يا عمتي يا عسل أنتِ؟
مصمصت شفتيها بعدم رضا قائلة :- أهو كلام و ضحك على الدقون، ربنا يخليك يا ابن أخويا يا اللي بتسأل عني في اليوم يجي خمس ست مرات..
أردف بحنق بداخله:- مش هنخلص النهاردة.
ثم تابع بصوت مسموع:- الواد أحمد نايم وكله تمام؟
هزت رأسها بتهكم قائلة :- اه يا أخويا وهي قاعدة في الأوضة دي.
ابتسم بأمل قائلاً :- طيب حيث كدة بقى نشوف شغلنا.
بقلم زكية محمد
أنهى كلماته ثم توجه ناحية الغرفة، و فتح الباب و دلف للداخل بهدوء، فوجدها تقف قبالة الشرفة تنظر أمامها بشرود، وقف للحظات يطالعها يختلس النظر والامعان فيها، قبل أن تقوم العاصفة ككل مرة.
تقف تشاهد المارة بروح خاوية نُزِعت منها الحياة، تتساءل متى سترسي سفينة راحتها على البر، فقد تعبت من العواصف البحرية و التيارات التي تجدف بها بمفردها، لم تعد هناك قدرة لديها للمواصلة فقد خارت وأصبحت رفاتاً.
عصرت مقلتيها بعنف عندما شعرت به يقف خلفها، معذب روحها و بلسم جروحها، أي جنون هذا؟!
وضع باقة الزهور على المقعد، واقترب منها بخطوات حذرة حتى توقف خلفها مباشرة، و حاوط خصرها قائلاً بلهفة ظمآن بالصحراء ولم يجد له نقطة ماء تروي عطشه:- وحشتيني.
اقشعر بدنها من قربه المهلك لها، إلا أنها أخذت تناضل حتى لا تخسر في تلك الحرب القائمة، إذ هتفت بحنق :- أوعى إيدك دي عني كدة..
أحكم حركتها بذراعيه قائلاً برفض قاطع :- لا أنا مش هبعد مهما تعملي، أنتِ وحشتيني اوي هو أنا موحشتكيش!
أردفت بشراسة :- يا برودك يا أخي و لا كأنك عملت حاجة و جاي تضحك عليا بكلمتين، لا يا حبيبي أنا مابيكلش معايا الكلام دة.
تغاضى عن حديثها إلا كلمة واحدة و أردف بمكر :- الله كلمة حبيبي طالعة من شفايفك حلوة أوي، ما تدوقيني منها شوية..
أخذت تدفعه بغضب قائلة بغيظ مغلف بالخجل:- أدوقك إيه يا قليل الأدب! أبعد كدة.
أردف بخبث :- أنا قصدي تدوقيني من الكيك اللي أنتِ عملتيه النهاردة، أنتِ اللي ضميرك مش سالك.
ضيقت عينيها قائلة بغيظ :- والله!
أردف ببراءة :- أيوة طبعاً، أومال أنتِ بالك راح لإيه يا خلبوصة؟
أخذت تقاتل بضراوة لتتحرر من أسره قائلة بحنق:- طيب سيبني بقى، و بطل عمايلك دي لأنك مهما تعمل مش هسامحك، و مستنية ورقة طلاقي منك قريب.
اصطك فكه بعنف قائلاً بغضب مكتوم :- كلمة طلاق دي لو جات تاني على لسانك هقطعهولك، أنتِ سامعة؟
أردفت بسخرية :- يا سلام! مش دة كان كلامك ليا ولا أنا غلطانة!
متضايق ليه دلوقتي أديني أو هخلصك مني علشان ترتاح.
خيم الحزن على عينيه قائلاً بندم :- ومين قالك إني كدة مرتاح؟ مريم أرجعي ماشي أزعلي مني و أعملي اللي أنتِ عاوزاه بس وأنتِ معايا، أنا مبعرفش أنام من وقت ما سبتي البيت ولا عارف راحة ولا أي حاجة، مريم أنا اكتشفت إن حياتي من غيرك ولا حاجة..
أردفت بجمود وهي تحارب تأثير كلماته عليها :- أبقى أشتريلك منوم علشان تعرف تنام دي مش مشكلتي.
أردف بغيظ :- مش مشكلتك! طيب اسمعي بقى لو مجتيش البيت على آخر الأسبوع كدة، متلومنيش في اللي هعمله.
أردفت بتحدٍ :- اللي معاك أعمله أنا مش خايفة منك ها.
أردف بوعيد :- ماشي يا مريم لما نشوف شجاعتك دي هتوصلك لفين!
وقع بصره على الورود فالتقطها قائلاً بسخط وهو يقدمه لها :- خدي الورد دة يا مشحتفاني، دة أنا اتجرست بسببه في الحتة و كله بسببك.
وضعت يدها في خصرها قائلة بحنق :- وأنا مالي أنا قولتلك جيبه!
هز رأسه بيأس قائلاً :- أنا أصلاً استاهل ضرب الجزمة إني جبت زفت ورد.
و بلحظة ألقى بها أرضاً بعنف، ثم أخذ يدعس عليها بقدمه قائلاً بانفعال :- و أدي الورد يقطع الورد واللي اشترى الورد...
راقبته بذهول فأردفت بحدة :- الورد يا مجنون أنت بتعمل إيه، أوعى كدة..
أردف بغضب :- وأنتِ خليتي فيا عقل، بت أنتِ أوعي تكوني فاكراني هسكت على الوضع كتير، إذا كنت ساكت دلوقتي فدة بمزاجي.
أردفت بشراسة :- أمشي أطلع برة أنا مش عاوز أشوفك. بقلم زكية محمد
مط شفتيه بسخرية قائلاً :- والله دة بيت عمتي واقعد في الحتة اللي تعجبني..
- خلاص يبقى أنا اللي همشي.
وما إن همت لتغادر الغرفة جذبها ناحيته بعنف، و احتجزها بينه و بين الحائط خلفها، فتوترت قائلة :- أنت... أنت...
أبعد..
أردف بهدوء :- هبعد بس بعد ما أخد جرعتي..
لم تفهم مرمى حديثه، إذ أقترب ليروي ظمأه بعد أن أصبحت جدار قلبه صحراء قاحلة، بينما كانت هي كالمغيبة في حضوره الذي يخدر أطرافها و قربه الذي يشفي جروحها على الرغم من أنه المتسبب في ذلك.
شعرت بالخزي لاستسلامها ذاك، لطالما نوت معاقبته على ما ارتكب في حقها، دفعته بعيداً فاستجاب لها و استدارت لتخفي نفسها عنه، بينما تفهم هو موقفها فهي تشعر بالتخبط وأنها في المنتصف غير قادرة على البعد وغير قادرة على الرجوع.
قبل رأسها بقوة قائلاً :- أنا همشي دلوقتي و هستناكي بعد يومين في بتنا.
قال ذلك ثم انصرف، بينما كورت يدها بغيظ قائلة :- واثق أوي من نفسه الأستاذ، طيب لما تشوف حلمة ودنك يا إسلام مش راجعة.
ثم تابعت بخزي وهي تحدث قلبها اللعين الذي يتأثر بأقل شيء منه :- وأنت هتفضل تهيني تاني لحد إمتى؟
بالخارج خرج و وجهه يغني عن ألف حديث، ما إن رأته عمته هتفت بروية :- معلش يا ابني عندها حق بردو، اللي حصل مش هين.
أردف بغيظ :- يعني مشفعش مجيتي هنا في اليوم بالتلات و الأربع مرات و أنا بتذللها ترجع مش راضية، أبوس أيدها ولا رجلها أحسن!
ضربته بخفة على رأسه قائلة :- وكمان بتقاوح! استلم أنت اللي جبته لنفسك، حد قالك أتهور و تعمل فيها تور.
أردف بغيظ مكبوت :- عمتي!
أردفت بمرح :- يا واد بناغشك فكها كدة هتبقى أنت وهي!
أردف بمراوغة :- بقولك إيه يا عمتي يا حبيبتي، ما تقعدي معاها كدة تليني دماغها الحجر دي و تخليها ترجع بدل ما أكسرهالها.
ضيقت عينيها بغيظ قائلة :- و عاوزها ترجع معاك! ينيلك يا بعيد، خد يا واد هنا و قولي عملت إيه؟ هو أنت اتكلمت معاها كدة؟
أومأ بتأكيد :- أيوة طبعاً أومال هكلمها إزاي، ألماني!
مصمصت شفتيها بسخرية قائلة :- لا جدع يا إسلام، أنت عاوز تشلني يا واد! فين الحنية و الكلام الحلو اللي قولتلك عليه؟
عبس وجهه قائلاً :- لا الكلام الحلو دة يقولوه العيال اللي لابسين سلاسل إنما أنا أحب أدخل دغري في الموضوع علطول.
بقلم زكية محمد
أردفت بغيظ :- يخيبك!
أردف بانفعال :- هي كلمة هديها مهلة لحد آخر الأسبوع، جات من سكات يبقى استبينا، مجاتش يبقى تستحمل اللي هيجرالها.
أردفت بروية :- براحة عليها يا ابني، أصبر شوية كمان علشان خاطري.
أردف بحنق :- يا عمتي أنا عاوزها ترجع البيت علشان أفضى على رواقة لابن ال....... اللي كان ورا الموضوع و أعرف اجيبه، لكن طالما هي بعيدة كدة أنا مش عارف أعمل أي حاجة..
ربتت على كتفه قائلة بابتسامة :- عشت و شوفتك يا ابن موسى متشحتف كدة، لا دة أنت واقع أوي لدرجة أنك مش قادر تصبر على بعادها و باعت صاحبك يلين دماغها....
انتبه لكلمتها الأخيرة و هتف بتعجب :- صاحبي! صاحبي مين؟
تلجلجت في الحديث عندما تذكرت أنه لا يخبره حتى لا يسبب مشكلة بينهم فأردفت بتوتر :- لا أبداً أنا قصدي صاحبتها هي جات هنا تشوفها.
أردف بإصرار :- عمتي قوليلي صاحب مين اللي جه دة لأني مش هتنازل.
هزت رأسها باستسلام قائلة :- صاحبك جه اسمه محمد و جاي يشوف الوضع إيه و هيرسى على إيه، و قالنا ما نقولكش علشان متزعلش منه.
ضيق عينيه بدهشة قائلاً :- ما أزعلش منه!
إمتى جه دة؟ وقال إيه بالظبط؟
قصت عليه كل شيء وما قالته مريم له، فهز رأسه بتفكير و من ثم انصرف، فأردفت هي بحيرة :- ربنا يهدي سركم مش هقول غير كدة.
____________________________________
تجلس في المنتصف بينهن، و إلى جانبهن لميس تلك السيدة الحنون التي تعاملها بكل الحب منذ أن وطأت قدميها إلى هنا لطالما هي ابنة فاطمة التي كانت تحبها كثيراً لولا الظروف التي فرقتهم.
هتفت آلاء بخبث :- إيه الحلاوة دي يا رورو، ايه أخبار الفريزر؟
حدجتها بغضب حتى لا تتحدث أمام والدته هكذا، فأسرعت الأخرى تقول :- أتصلح ولا لسة ما بيتلجش أصل إمبارح كان بايظ.
ضحكت سندس بخفوت عليهما قائلة :- اه أتصلح يا آلاء يخرب عقلك أعقلي شوية كدة أنتِ وهي.
هتفت لميس بود:- ربنا يكملك بعقلك يا سندس حكم الاتنين دول طاقة منهم على الآخر.
أردفت رحيق بغيظ :- اه فعلاً عاقلة!
عاقلة لدرجة إنها بتعيط زي العيال الصغيرة لما بتاخدي منهم حاجة ..بقلم زكية محمد
حدجتها بغضب، بينما ضحكت لميس قائلة :- خلاص يا بنات أنتوا هتاكلوا بعض لو فضلتوا أكتر من كدة.
أردفت آلاء بمرح :- اه والله عندك حق.
أتت الصغيرة لتفتح رحيق ذراعيها لها، فتركض الأخرى و تلقي بذاتها بين ذراعيها، لتقبلها الأخرى بقوة قائلة :- جوري حبيبة قلبي، وحشتيني الكام ساعة دول.
هتفت بتساؤل :- أنتِ كنتي فين سألت كتير عليكي بس قالولي إنك روحتي مشوار.
أردفت بحرج :- اه يا قلبي معلش هبقى أخدك معايا المرة اللي جاية.
لاحظت سندس فأردفت بابتسامة :- طنط، عيونك خفت دلوقتي ولا لسة بتوجعك؟
أردفت بابتسامة مرتجفة :- اه يا حبيبتي خفت، يسلملي قلبك الطيب.
أردفت رحيق بتعجب :- ليه مالها عيونك يا سندس؟
عبثت في حجابها بتوتر قائلة :- لا أبداً متاخديش في بالك، أصل إمبارح عيني دخل فيها تراب و جوري شافتني علشان كدة بتسأل.
أردفت بطفولية :- هخلي بابا عاصم يكشف على عيونك و يخليها تخف..
وعلى ذكر السيرة وجدته يدلف من الباب فانسلت من بين ذراعي رحيق لتركض لوالدها، بينما نهضت الأخرى قائلة بتماسك :- طيب أنا همشي يا رحيق افتكرت مشوار ضروري لازم أمشي... أنا...
أنا...ماشية يلا سلام...
رحلت بسرعة البرق تحت نظرات الأخريات المتعجبة من تصرفها، بينما بدأ الشك يتسلل بداخل الأخرى وهي تضيق عينيها بتفكير شديد.
كان لا يزال واقفاً يحتضن ابنته، وما إن مرت بجانبه رمقها بنظرات تهكمية بينما لم تستطع أن ترفع عينيها فيه، فشغلها الشاغل أن تختفي من أمامه، فهو يلقي اللوم عليها في كل مرة دون أن يعرف لم فعلت ذلك.
في اليوم التالي دلف للمحل الخاص بمحمد وهو في حالة يرثى لها، بينما كان الآخر مشغولاً في تنزيل البضاعة للداخل، جلس على المكتب ريثما ينتهي، بينما هتف الآخر من الخارج بصوت عال :- هات الدفتر بتاع الحسابات يا إسلام من عندك.
أومأ له بموافقة، وأخذ يبحث في الأدراج عنه، ليفتح آخر درج لتتسع عيناه بصدمة و ذهول لما رأى.
______________________________
رواية ذئب يوسف الفصل العشرون 20 - بقلم ذكية محمد
الفصل الحادي والعشرون
شعر بدوار شديد ضرب رأسه بحدة وهو يشاهد صوراً لذلك الحقير الذي سبق أن رآه في شقته في ذلك اليوم، و صوراً أخرى لأسماء، و ما زاده صدمة رؤيته لصورة لمريم و مفاتيح الشقة الخاصة به.
بالخارج يتابع الرجال وهم يحملون البضاعة من السيارة و يضعوها بالمخزن، أرتجفت أوصاله حينما تذكر أنه يضع كل شيء بالدرج و إسلام بالداخل يبحث عن الدفتر، أزاح العامل من أمامه بسرعة و ركض للداخل شاحب اللون، فوجد الأخير يبحث على الدفتر فوق المكتب و ما إن رآه هتف بثبات :- فين يا عم الدفتر دة مش لاقيه.
أردف بتنهيدة راحة :- لا خلاص أنا هجيبه تعال أنت بس تابع مع العمال برة.
نهض من مكانه قائلاً بهدوء مريب :- اه وماله يا صاحبي.
خرج هو ليفتح الآخر الدرج بلهفة، وما إن رأى الأشياء بمحلها تنهد براحة قائلاً :- أكيد هو مشفهاش وإلا مكانش منظره بقى كدة.
أي معجزة هذه التي ألقت عليه هذا الثبات المخادع، فبداخله بركان يغلي تتصاعد ألسنته ولن يهدأ له بال إلا بعد أن يصب حممه المنصهرة عليه وعلى من معه، ولكنه يجب أن يصمت الآن حتى يعرف لغز وجود هذه الصور و أيضاً مفاتيحه الخاصة بشقته، يجب أن يتريث قدر المستطاع من أجلها فيبدو أن الخطر لازال يحيط بها و أنهم يحيكون لأمراً آخر.
قضى تلك اللحظات الثقيلة على قلبه كالجبل، و انصرف بهدوء متعللاً بالعمل حتى يبدو طبيعياً أمامه، و ما إن دلف لداخل الوكالة توجه ناحية محمود قائلاً بخفوت :- محمود عاوزك في حوار .
انتبه له قائلاً :- خير يا ابن عمي!
جلس قبالته و نظر يميناً و يساراً قائلاً :- فتح ودانك معايا كويس و مش عاوز حد يعرف أي حاجة بالموضوع دة.
بعد وقت نهض قائلاً بغضب مكتوم :- أنا رايح مشوار صغير كدة، وأنت نفذ اللي طلبته منك دلوقتي و حذاري أي غلطة في الموضوع.
بعد دقائق كان أمام باب شقة عمته للمرة التي لا يعلم عددها، و طرق الباب ففتحته عمته فهتف بسرعة :- إزيك يا عمتي، فين مريم؟
وكزته بذراعه قائلة بمرح :- ما تتقل يا واد!
أردف بضجر :- عمتي مش وقت هزار ناديلي مريم بسرعة هنا حالاً.
قطبت جبينها بتعجب، ولكنها تمثلت لطلبه ودلفت للداخل قائلة :- مريم كلمي إسلام عاوزك، و قبل ما تعترضي شكله كدة في حاجة حصلت أطلعي شوفيه وأنا هقعد مع أحمد.
ما إن التقط الصغير اسم عمه هتف باعتراض:- لا أنا كمان عاوز أشوف إثلام يا ماما.
هزت رأسها باستسلام و خرجوا جميعهم لرؤيته، وما إن خرجت و رآها لوهلة نسي لم هو قادم و أخذ يمعن النظر فيها باشتياق، عاد لرشده قائلاً :- مريم تعالي أقعدي عاوزك في كلمتين ضروري.
هتفت بحنق :- كلام إيه دة إن شاء الله؟!
أردف من بين أسنانه :- مريم! أتعدلي معايا و تعالي أحسنلك هنا.
امتثلت لأوامره و جلست بضجر فركض الصغير ناحيته ليحمله إسلام بحنان و طالعها قائلاً بحذر :- مين جه البيت في الفترة اللي كنا فيها مع بعض؟
جعدت أنفها قائلة بغيظ :- إيه عاوز تتهمني في حاجة تانية؟
جز على أسنانه بعنف قائلاً بغضب مكتوم :- والله أقوم أكسرلك راسك دي، ما تتعدلي كدة أنا مش جاي أتنيل أتهمك بحاجة أنا بس عاوز أعرف و ضروري يا مريم.
أردفت بحنق :- محدش جه مين يعني هيجي؟
مسح وجهه بكف يده بعنف قائلاً:- استغفر الله العظيم، يا بنت الناس أنا مش قصدي حاجة قوليلي مين جه عندك حتى لو كان الحد دة أمي وصلت؟
هزت رأسها بتذكر :- لا مرات عمي مجتش وأنت مش موجود، مفيش غير أمي و سامية و بثينة..
أردف بحاجب مرفوع :- بثينة! إممممممم.
أردفت بغيرة :- أيوة يعني عاوز إيه منها بثينة، ولا تكونش هتتجوزها بعد ما تطلقني!
أردف بنبرة يقصد من خلفها إثارة حنقها :- تصدقي فكرة بردو، مش عارف أودي جمايلك فين الصراحة.
نظرت أعنتها قائلة بتذمر :- شايفة يا عمتي شايفة، علشان أقولك دة تور ما بيحسش!
حدجها بذهول قائلاً و هو يشير لنفسه:- دة أنا دة؟! قوم يا احمد قوم لما نشوف أمك المؤدبة دي!
أنهى كلماته و وضع الصغير على الأريكة و انتصب واقفاً يسير ناحيتها و نظراته تنذر بالشر، بينما تراجعت للخلف لتختبئ خلف عمتها قائلة بخوف :- إلحقيني يا عمتي!
أردف بسخرية :- راحت فين الشجاعة اللي كانت من شوية دي؟ بقى أنا تور! ماشي يا مريم ليكِ يوم. طيب أنا ماشي ..
أردفت بتهور مصحوب بالضيق لعدم اهتمامه بها ككل مرة :- بس؟ يعني أنت جاي تقول الكلمتين دول بس؟
وضع يده بجيبه قائلاً بخبث :-اه جيت بس علشان أقول الكلمتين دول، ولا أنتِ عاوزة حاجة تانية!
حدجته بغضب و قد تحول وجهها للأحمر النبيذي قائلة بحدة طفيفة :- لا مش عاوزة حاجة شرفت.
اصطك فكه بقوة قائلاً بغيظ :- مع السلامة يا عمتي.
ثم نظر لها قائلاً بعبث :- أما ألحق أشوف بثينة..
انصرف بخفة بينما أردفت بغل :- بثينة! ماشي يا إسلام الكلب، شايفة يا عمتي ابن أخوكي بيعمل إيه؟
ربتت على كتفها قائلة بروية :- يا حبيبتي دة بيناغشك، يعني اللي مخليه يجيلك هنا كل شوية علشان ترجعي هيبص لواحدة تانية! هو بس عاوزك تغيري.
هزت رأسها بعدم اقتناع و بداخلها غيرة عمياء تحرقها، فهو غير مسموح أن يلفظ اسم أنثى غيرها.
______________________________________
بعد يومين يجلس كعادته مكفهر الوجه، فرآه محمد الذي هتف بخبث مبطن :- مالك يا صاحبي بس؟ ليك كام يوم مش مظبوط كدة!
هتف بضيق :- يا عم سيبني في حالي كفاية الغلب اللي أنا فيه.
رفع حاجبه بدهشة مصطنعة قائلاً :- لا دة شكله الموضوع خطير، فيه إيه يا صاحبي؟
ضيق عينيه بغيظ من تكرار كلمة صديقي التي يهتفها مراراً و تكراراً، ألا يشعر بالخذي عند تفوهه بها؟!
مط شفتيه بضيق قائلاً :- المشكلة اللي أنا فيها محدش يقدر يحلها يا محمد .
هز رأسه بنفي قائلاً :- لا بس قولي في إيه، مش يمكن نلاقي حل سوا.
أردف بجمود :- ما اعتقدش يا محمد لأن الموضوع دة ما يتحلش دة بينتهي وبس. أنا هطلق مريم.
لمعت بوادر السعادة بعينيه قائلاً بلهفة :- بجد؟ ثم عاد لرشده ليقول:- ليه كدة يا إسلام بقى دة اللي اتفقنا عليه، مش قلنا تدوا لبعضكم فرصة.
أردف بحنق :- لا هديها فرصة ولا نيلة طريقنا مش واحد يا محمد علشان كدة هطلقها .
أردف بروية :- طيب استهدى بالله يا صاحبي كدة و كل حاجة هتبقى تمام، بس ليه يعني هتطلقها؟
أردف بغيظ :- مبحبهاش، انا اكتشفت إني مش عارف أنسى أمل خالص حتى بعد ما أتجوزت، أنا مخنوق أوي و عاوز أخلص منها لولا أبوها كنت طلقتها من زمان علشان كدة وديتها عند عمتها..
أردف بتعجب :- يعني مش علشان زعلانة منك؟!
أردف بغضب مكتوم :- مين قالك الكلام دة؟ ما تزعل ولا تتفلق، بقولك إيه أنا قائم أشوف مصالحي.
أنهى كلماته لأنه شعر بأنه لو تحدث بحرف آخر سيطرحه أرضاً، لذا تحجج بالعمل كي لا يقتله قبل أن يحقق مبتغاه، بينما طالعه الآخر بابتسامة عريضة منتصرة قائلاً :- ولا الخطة جات بفايدة و هتلعب و هتحلو. بقلم زكية محمد
دلف للداخل وهو ينظر يميناً و يساراً بحثاً عن أية شيء يفرغ بها شحنته الغاضبة فلم يجد غير محمود الذي باغته بلكمة قوية أوقعته أرضاً في الحال، بينما وضع الآخر يده على موضع الكدمة و نهض قائلاً بحدة :- في إيه يا حيوان؟ هو هيعبيك من هنا هتاجي تفضيهم فيا من هنا! خف الغباوة شوية.
صك على أسنانه بعنف قائلاً :- مش قادر أكمل، مش قادر أضحك في وشه وأنا نفسي أقتله.
أردف بشر :- ومين سمعك أنا نفسي أنزل كرشه دلوقتي بس اللي مصبرني أعرف مين معاه و طريق الواد إياه و ساعتها محدش هيرحمه مني.
أردف بحذر :- جبت اللي قولتلك عليه؟
أومأ بنعم قائلاً :- أيوة كله جاهز بس فاضل التنفيذ.
أردف بتصميم و عزيمة :- الموضوع هيخلص الليلة، الليلة لازم أعرف إن كان شكي طلع في محله ولا لا.
______________________________________
ليلاً كانوا يجلسون معه بداخل المحل الخاص به بحجة قضاء وقت معاً يتسامرون فيه كما السابق.
التفوا حول الطاولة التي تحمل لعبة الشطرنج وهم يلعبون بتركيز و يرتشفون الشاي الساخن .
أخذا يتابعوه بانتباه وهم يشاهدون متى سيبدأ مفعول المنوم الذي وضعوه له في الشاي، حتى أنهم انتابهم القلق من فشل مخططهم.
ما إن رأوا رأسه تهتز بتثاقل، غُرِس الأمل مجدداً بصدورهم و انتظروا حتى يغفو تماماً لينفذوا ما جعلهم يلجأوا لتلك الحيلة حتى وإن كان بها بعض الدونية.
أزاحه إسلام بعنف و غيظ ليرتد الآخر على الأريكة وهو غائب عن الوعي لا يشعر بشيء، ليلتقط الآخر الهاتف بسرعة من جيبه ثم مسك بإصبعه و وضعه على البصمة الخاصة بالهاتف و لحسن الحظ فُتح معهم، فأسرع إسلام يبحث فيه عن المكالمات و الرسائل و بجواره محمود اللذان صُدِما حينما وجدوا محادثات بينه و بين تلك المدعوة بثينة، و ذلك الحقير الذي فر هارباً ولم يلحق به، و كم صُعِقوا من تفكيرهم الشيطاني و تخطيطهم الدنيء للإيقاع بهما وكم نجحوا في ذلك و بجدارة .
دون الأرقام الخاصة بهما إلى هاتفه الخاص و بعث رسالة لهما من هاتف محمد تنص على أنه يريد مقابلتهما في ****** ومن ثم مسح تلك الرسائل على الفور من الهاتف و كأن شيئا لم يكن.
نظرا له بغضب عارم فهم إسلام ليخنقه إلا أن يدي محمود أوقفته قائلاً بغيظ مكبوت :- سيبه يا إسلام لسة عاوزينه دلوقتي، أنا عارف أنه مش بني آدم معندهوش ضمير و خان صاحبه و طعنه في ضهره بس استنى بس لبكرة علشان كل حاجة تنتهي مع بعضها و نخلص.
أخذ صدره يعلو و يهبط بشدة قائلاً بانفعال :- و ربي ليشوفوا مني يوم أسود من قرن الخروب.
أردف محمود بروية :- أنا عاوز أقتله قبلك بس لازم نستنى، خلينا نقعد على ما يتزفت يصحى و نغور من هنا.
أردف بانتباه :- متنساش إني هعمل نائم أنا كمان و تصحيه هو الأول علشان ميشكش في حاجة.
أومأ بتأكيد بينما يطالعانه بنظرات مملوءة بالكره و الازدراء.
____________________________________
تجلس على الفراش و أمامها جهاز الكمبيوتر المحمول، تكتب بعض الكلمات على محرك البحث جوجل وهي تهتف بتذمر :- أجيبها إزاي دي؟ اه لقيتها اكتبِ دي يا بت يا رحيق كيف تتعامل مع شخص فريزر؟
ولكن لم تأتها النتائج المطلوبة، فكتبت وهي تقول بصوت عال :- كيف تتعامل مع مراد الفريزر؟ هوف حتى الكمبيوتر مش عارفلك كاتلوج!
كان على وشك الدلوف و لكنه تسمر عند الباب حينما سمعها تنعته مجدداً بذلك اللقب الذي يكرهه، فأتكأ بذراعه الأيمن على الجدار يشاهد ما تفعله بسخرية، بينما صرخت بحدة :- يوووه و بعدين بقى أنا غلبت.
- و يا ترى إيه اللي مغلب حرمي المصون و مخليها هتتجنن كدة؟
غلقت الحاسوب قائلة بتوتر :- لا ...لا أبداً دة ....دة أنا كنت بدور على وصفة كدة في النت.
ضيق عينيه بغيظ قائلاً :- و لقيتي اللي بتدوري عليه؟
أردفت بحنق :- لا للأسف ملقتش، أصل الوصفة صعبة أوي بعيد عنك و صعب تتلاقى.
أردف بعبوس مصطنع وهو يلتقط الحاسوب من أمامها بلحظة قائلاً :- وريني كدة اللي بتدوري عليه دة.
أردفت بسرعة :- لا لا خلاص مش مهم هبقى أشوفها في حتة تانية. بقلم زكية محمد
فتح شاشة الحاسوب لينظر لما تكتبه، لتزدرد الأخرى ريقها بتوتر وحينما رأت نظراته الحادة المصوبة نحوها هتفت بتبرير أخرق :- دة أنا كنت بشوف إزاي يصلحوا الفريزر أصل التلاجة بايظة تحت و قلت أشوف يمكن أعرف اصلحها.
أردف بتهكم :- والله!
هزت رأسها قائلة بتلعثم وهي تنهض لتلوذ بالفرار منه :- أيوة طبعاً أومال هيكون في إيه يعني؟ أنا... أنا رايحة أشرب..
ما إن همت لترحل وجدت من يجذبها نحوه بقوة حتى التصقت به ليهتف بحدة :- أنتِ إزاي عاوزة تنزلي تحت بالشكل دة ها؟
أردفت بخوف من القادم :- أنا...مش .... أااا..هو...
قاطعها قائلاً بسخرية :- إيه لسانك اتربط مش عارفة تقولي جملة مفيدة!
زاغت أنظارها ولم تعرف ما عليها فعله للخروج من هذا المأزق، بينما أردف هو بغيظ :- مش قولتلك قبل كدة الكلمة الزفت دي ما تتنطقش تاني؟
أردفت بلهفة :- أنا مقولتش جوجل هو اللي بيقول، أنا مليش دعوة حاسبه هو مش أنا.
رفع حاجبه باستنكار قائلاً :-دة بجد!
هزت رأسها بموافقة قائلة ببراءة مصطنعة :- أبقى أكسره ولا أرميه علشان يحرم بعد كدة.
أردف بوعيد وهو يقترب منها :- أنا فعلاً هكسر و هقص لسانك كمان ..
ازدردت ريقها بصعوبة قائلة :- لساني! ليه يا عم هو أنا قولت إيه؟
أردف بخبث :- أنا هعرفك قولتي إيه دلوقتي.
و بلحظة كان ينهل من رحيقها دون توقف و كأنه غريق و وجد مرساه، ليغرق معها في بحور من نوع آخر.
______________________________________
بعد وقت ليس بقليل كان في منزل عمته التي تأففت بضجر قائلة :- و بعدين بقى، من كتر المحبة يا ابن أخويا، خير!
ضحك بصخب قائلاً :- الله يا عمتي بحبك .
مصمصت شفتيها بسخرية قائلة :- بتحبني انا برده!
اقترب منها مقبلاً إياها برأسها قائلاً :- طبعاً يا عمتي أومال مبحبكيش أنا جاي أنفذ إتفاقي اللي اتفقته مع بنت أخوكي، فينها؟
قطبت جبينها بتعجب قائلة :- إتفاق إيه دة؟
جلس على المقعد قائلاً :- ناديها الأول يا عمتي ربنا يباركلك أنا تعبان و على آخري.
هزت كتفيها باستسلام قائلة :- ماشي يا أخويا لما نشوف أخرتها إيه معاكم.
خرجت هي تقف قائلة بجمود :- يا نعم!
رفع حاجبه قائلاً بتهكم :- لا شكل القعدة هنا قوِّت قلبك جامد ما شاء الله! يلا قدامي على البيت .
هزت رأسها بنفي قائلة :- لا مش هرجع معاك في حتة.
جز على أسنانه بعنف قائلاً بهدوء مريب :- بقولك أدخلي إلبسي و روحي معايا بالذوق وإلا.........
صمت لتهتف هي بحنق :- وإلا إيه أنت كل شوية هتهددني!
هز رأسه نافياً وهو يقول بوعيد :- لا يا حبيبتي أنا مش جاي أهدد أنا جاي أنفذ بس.
أردفت بمبالاة و تحدي :- وأنا أو بقولك مش رايحة، و وريني بقى هتعمل ايه!
حك طرف أنفه قائلاً بوعيد :- لا من ناحية هعمل فأنا هعمل كتير.
و بلحظة حملها عنوة و وضعها على كتفه لتصبح رأسها بالأسفل و قدميها بالأعلى، فأطلقت صرخة عالية وهي تقول بحدة ممزوجة بالخجل :- بتعمل إيه يا مجنون نزلني.
أردف بابتسامة انتصار :- لا أنتِ لسة مشفتيش جنان، أنا بقى هوريكي الجنان على حق.
أنهى حديثه و توجه بها نحو الباب لتردف هي بحذر :- إسلام أنت... أنت هتعمل ايه؟
أردف بخبث :- هنروح بيتنا يا روحي.
اتسعت عيناها بذعر قائلة :- ها كدة و أنت شايلني! لا لا نزلني الناس هتشوفنا، بالله عليك لا يا إسلام.
مط شفتيه بدون اكتراث قائلاً :- والله دي مش مشكلتي في إيدك كل حاجة يا توافقي تروحي معايا برضاكي ساعتها هنزلك و هخليكي تلبسي و تيجي معايا، مرضتيش يبقى هتروحي بلبس البيت و بالشكل دة ها أخترتي إيه؟
صمتت ولم تعرف بما تجيبه، أما هو ما إن رآها هكذا تظاهر بالنزول فهتفت بصراخ :- خلاص خلاص هاجي معاك نزلني..
خرجت منال على صوتهما وما إن رأتهم هتفت بدهشة :- في ايه؟
أردفت مريم باستغاثة :- إلحقيني يا عمتي، شوفي المجنون دة عاوز ينزلني الشارع كدة.
أنزلها لتقف على الأرض قائلاً بغيظ و صرامة :- طيب يلا يا حلوة على جوة و نفذي اللي قولتلك عليه بدل ما أنفذ تهديدي التاني.
دبت الأرض بقدميها بحنق، ومن ثم دلفت للداخل وهي تتمتم بكلمات غير مفهومة ولكنها بالطبع حانقة عليه.
هندم ملابسه بغرور مصطنع قائلاً :- الحمشنة حلوة برده.
ضربت منال كف بآخر قائلة :- و الله أنتوا جوز مجانين و عاوزين السرايا الصفرة.
بعد دقائق خرجت وهي مرتدية ملابسها الخاصة بالخروج، وهي تمط شفتيها بتذمر و ضيق، بينما تحمل الصغير الذي غفا منذ لحظات قليلة.
طالعها بابتسامة ظافرة زادتها غضباً، و تقدم منها وحمل الصغير عوضاً عنها، و من ثم ودعوا منال و أنصرفا لشقتهم الخاصة.
دلفا معاً فتوجه مباشرة و وضع الصغير في فراشه، و من ثم دثره جيداً و أودع قبلة هادئة على وجنته، ومن ثم خرج ليرى تلك التي تتصاعد منها الأدخنة أثر الحريق الناشب بداخلها.
لا زالت تقف كما هي تهز قدميها بعصبية شديدة، و قد داهمتها الذكرى لتتذكر آخر مرة كانت بها هنا و ما حدث لتشعر بالاختناق و لمعت بوادر الدموع بعينيها، شعرت به يقف أمامها فتظاهرت بالقوة وهي بالحقيقة غصن هش إن مسه أحد سيقع في الحال.
أقترب منها و احتضنها بحب قائلاً وهو يعض على أصابعه ندماً علام فعل :- آسف.. آسف لكل وجع، لكل جرح، لكل لحظة بكيتي فيها وأنا كنت السبب في دة، أرجوكِ سامحيني، أوعدك إني هجبلك حقك من اللي عمل كدة كلها ساعات كدة و كل حاجة تخلص.
أخذت تقاومه إلا أنها استسلمت أخيراً لقوته و عدم خنوعه في الأمر، و بكت بحرقة قائلة :- أنت وجعتني و هنتني يا إسلام..
قبل رأسها بقوة قائلاً :- حقك عليا يا روح إسلام، سامحيني و أديني فرصة، يهون عليكِ إسلام!
أردفت بوجع و عتاب و خفوت :- ما أنا بردو هنت عندك .
أردف بندم :- كنت غبي و مش هتتكرر تاني، أنا خلاص أتعلمت، أهم حاجة أنول الرضا يا جميل.
لم تتحدث و إنما ظلت ساكنة بين دفء ذراعيه الذي أفتقدته منذ مدة تبكي و تشهق بخفوت، بينما أخذ يمسد على ظهرها بحنو، و اليد الأخرى تحاوطها بتملك خشية فقدانها.
بعد وقت هتف بمرح :- مريم! أنتِ نمتي ولا إيه؟
ابتعدت عنه بخجل وهي تمسح دموعها التي بللت قميصه، بينما هتف هو بمزاح :- ينفع كدة بليتي القميص!
أردفت بخفوت :- أنا آسفة مخدتش بالي.
أردف بحب وهو يجفف عبراتها بحنان :- فداكِ القميص و صاحب القميص، هو أنا عندي كام مريومة حلوة كدة.
أحمرت وجنتيها بخجل بينما أردف هو بعبث :- لا وكمان بنحمر لا عدينا، بقولك إيه متعمليلي كوباية نسكافيه من إيديكي الحلوة دي واكسبي فيا ثواب، أنا ليا يومين مطبق منمتش و تعبان جداً.
أردفت بقلق وهي ترى معالم الأرق على وجهه :- مالك أنت تعبان؟
ضيق عينيه بتعب مصطنع قائلاً بفرحة داخلية وهو يرى قلقها عليه :- اه مصدع أوي يا مريم..
قال ذلك ثم جلس على الأريكة وهو يضغط بيديه على رأسه وإمارات الألم مرسومة على وجهه، فاقتربت هي منه قائلة بخوف :- إسلام أنت كويس؟
أردف بهدوء متعب :- لا مفيش حاجة أنا كويس.
مسكت يديه بخوف حقيقي قائلة بدموع مهددة بالنزول :- طيب أنا هروح أجبلك مسكن للصداع من جوة. بقلم زكية محمد
قالت ذلك ثم هرولت للداخل، بينما أخذ يتابع اختفائها بعيون ذئب ماكر، ونهض قائلاً بخبث :- استعنا على الشقى بالله.
دلف لغرفتهم و نزع قميصه، و تمدد على الفراش ليكمل باقي عرضه اللئيم مثله.
عادت بكوب من الماء و قرص مسكن و لكنها لم تجده، فأردفت بتعجب :- راح فين دة؟!
ثم سمعت صوت أناته الآتية من الغرفة فأسرعت للداخل و قد وقعت الفريسة في فخ الصياد.
شهقت بخجل لرؤيته بتلك الهيئة فتقدمت نحوه ببطء قائلة وهي تمد له الماء و المسكن، فألتقطه منها و تظاهر بوضعه بفمه ثم ارتشف بعضاً من الماء، و ما إن رآها تغادر تأوه بخبث لتعود له بلهفة قائلة :- في إيه تاني؟
أردف بخبث :- شكلي سخن، شوفي كدة.
بطيبة قلب و حسن نية أذعنت لطلبه، و جلست جواره و وضعت يدها على جبينه لتهتف بتعجب:- لا مفيش سخونة يا إسلام، تلاقيك مصدع بس..
أطلقت صرخة خافتة عندما وجدت نفسها مكبلة بذراعيه و يطالعها بخبث، لتفهم مؤخراً أنه يخدعها، أخذت تتململ قائلة :- بتكدب عليا يا غشاش!
ضحك بمكر قائلاً :- طيب أعملك إيه وأنتِ مش راضية تسامحيني بقى .
جعدت جبينها بضيق قائلة :- يعني بالشكل دة هسامحك!
أومأ بتأكيد قائلاً بخبث :- اه أنا هصالحك كدة ..
أردفت باعتراض :- إسلام ...
إلا أنه كبح اعتراضها بطريقته الخاصة ليعتذر منها بطريقته الخاصة.
______________________________________
في اليوم التالي تجلس بشرود وهي تعض على شفتيها بأسى من استسلامها المخزي له ليلة أمس، لطالما نوت معاقبته و الإبتعاد عنه، و لكنها فوجئت بانهيار حصونها أمامه ليعلن عشقه راية الانتصار في كل معركة تخوضها معه.
في المقعد المجاور كان يجلس يراقب تعبيراتها قائلاً :- مريم! مالك؟
هزت رأسها قائلة بتخبط :- مفيش.
اصابه ذلك بمقتل و علم أنها تفكر فيما حدث بينهما، و السؤال هنا هل هي نادمة على ذلك ؟ لذا نظر لها قائلاً بشكل مباشر :- مريم أنتِ ندمانة على اللي حصل بينا صح؟
لم ترد عليه فابتسم بحزن قائلاً :- ماشي، أنا متأسفلك لو فرضت نفسي عليكي بالشكل دة، و دلوقتي يا ريت تروحي تلبسي علشان ورانا مشوار مهم.
كانت سترد عليه ولكن جذبها جملته الأخيرة فهتفت بتعجب :- رايحين فين ؟
أردف بجمود :- هنحط النقط فوق الحروف.....
______________________________ يتبع🧡