مضت الأيام سريعة.. سافر خالد ويارا إلى ألمانيا. وبعد يومين كان ميعاد عملية خالد الأولى. وقفت يارا أمام غرفة العمليات تزرف الدمع. تتعجب مما حولها، كيف لبرودة الجو أن تؤثر على برودة الأعصاب لهذه الدرجة. مستشفى كبيرة في ميونخ وهي الوحيدة الواقفة تبكي في الطرقات خوفًا على زوجها الراقد تحت مشرط طبيب لا يعرفه ولا يهتم لأمره. هو بالنسبة له حالة، لكنه بالنسبة لها دنياها. انسالت الدموع على وجنتيها في صمت حتى خرج الطبيب وتحدث
بكلمات إنجليزية ركيكة: "He will be okay, he can leave after 4 hours, the surgery was successful." شكرته يارا وتتبعت خالد الذي كان محمولاً على ترولي المستشفى. توجهوا به إلى إحدى الغرف. كان خالد لا يزال تحت تأثير المخدر، لكنه بدأ في الإفاقة. جلست يارا إلى جواره وأخذت تقبل جبينه وخديه. فتح خالد عينيه وتكلم بصوت حاول جاهداً أن يبدو أنه بخير. همس خالد بنبرة ضعيفة مبحوحة: "متخافيش أنا كويس." همست يارا ولا تزال
الدموع تنهال من عينيها: "خالد حاسس بإيه يا حبيبي في حاجة بتوجعك." ربت خالد على كفها: "والله كويس مش حاسس بحاجة." ابتسمت يارا: "الدكتور قال العملية نجحت." خالد: "الحمد لله." يارا: "قال كمان ممكن نروح بعد 4 ساعات." خالد: "مش قولتلك عملية بسيطة... بطلي عياط بقي أنا كويس." يارا: "مش قادرة يا خالد وأنا شايفاك نايم تعبان كده." خالد:
"حبيبتي أنا كويس مفيش حاجة والدكتور قالك أهو. هاروح كمان شوية لو كنت تعبان أكيد كان هيخليني حتى أبات تحت الملاحظة." دخلت الممرضة لإزالة المحلول من يد خالد وقالت بعض الكلمات بالألمانية. هتفت يارا: "English please." نظرت لها الممرضة في عدم فهم وانصرفت. صاحت يارا: "شايف يا خالد هاتجنن من برودة الناس في البلد دي." خالد: "معلش يا حبيبتي." دخل ممرض آخر ينظر في الأوراق الطبية وهتف بالعربية بلكنة سورية. الممرض:
"حمد الله ع سلامتك أخ خالد." صاحت يارا: "يا فرج الله أخيراً حد عربي في البلد دي." الممرض: "أخوكي مازن من سوريا." همس خالد بضعف: "أهلاً بيك. في ممرضة قبلك دخلت قالت حاجة كده بالألماني وخرجت." الممرض: "كانت بتقولك أخي بتقدر تشرب سوايل دافية لحد أما تفوق وتقدر تقوم تتحرك من السرير." خالد: "هو الدكتور مشي؟ الممرض: "لا عنده عملية تانية وهييجي يمر عليك قبل ما يمشي. لازم يكشف عليك بنفسه ويعطيك خروج قبل ما يروح." يارا:
"يا ريت تبقي تيجي مع الدكتور تترجملنا علشان الدكتور أصلاً بيتكلم إنجليزي بالعافية." الممرض: "تكرم عينك... هاطلبلك ينسون." انصرف الممرض وبقيت يارا إلى جوار خالد. اقتربت يارا وهمست وهي تتكئ بكتف خالد: "حبيبي اشرب الينسون... قادر تتعدل." امتعضت ملامح خالد: "تأثير البنج ابتدي يروح وحاسس بألم شوية." صاحت يارا في لهفة: "طيب اتصل بالتمريض يجيبولك مسكن." ابتسم خالد:
"مش للدرجة دي يا يارا. أنا خارج من عملية متوقع يكون في شوية ألم. كفاية قلق بقي." سقطت دمعة من عين يارا: "كان نفسي يكون في حد معايا من أهلنا أو صحابنا يبقى واقف جنبي. كنت هاموت من القلق عليك وأنا لوحدي." خالد: "معلش حبيبتي الحمد لله العملية نجحت وأنا كويس قدامك أهو." رن هاتف خالد ونظرت يارا ووجدت أن المتصل هو علي. أشارت لخالد بالهاتف وقالت: "ده علي هترد عليه؟ حرك خالد رأسه: "لأ ردي انتي...
لو رديت هيعرف إن صوتي تعبان ومحدش فيهم يعرف إني هاعمل عملية مش عايزهم يقلقوا." أجابت يارا على الهاتف: "ألو... علي إزيك... معلش أنا رديت على تليفون خالد بس هو نايم دلوقتي كنا بره طول اليوم ولسه راجعين." علي: "انتوا كويسين يا يارا؟ أنا بس كنت عايز أطمن عليكوا." يارا: "آه إحنا بخير الحمد لله. أول ما خالد يبقى كويس هاخليه يكلمك." قالت يارا كلمتها الأخيرة ثم أدركت أنها قالت أكثر من اللازم. صاح علي بقلق: "يبقى كويس؟!
هو خالد تعبان؟ يارا: "لأ مش تعبان هو نايم بس مرهق شوية. انت عارف من الصبح بنلف بنعمل شوبينج مستحملش من كتر اللف رجع نام." علي: "طيب خليه يكلمني ضروري." يارا: "حاضر أول ما يصحي لو كان الوقت مناسب هاخليه يكلمك علشان انت عارف فرق التوقيت." علي: "ماشي خليه يكلمني في أي وقت... سلام." أنهت يارا المكالمة مع علي التي أثارت في قلبه القلق على خالد.
دخل الطبيب ومعه مازن وتحدث الطبيب بالإنجليزية الركيكة. طلب منه مازن أن يتحدث بالألمانية وهو سيترجم إلى العربية. مازن: "الطبيب بيحكيلك إنه حالتك الحمد لله كويسة وأخد عينة منيحة يقدر يسوي بيها تلقيح للمدام... بكرة بتفوت المدام ع المستشفى تبدأ في أول خطوة... عم يحكي إنها عملية بسيطة جدا تحتاج بس راحة تامة بعدها بأسبوعين على الأقل وتعمل اختبار حمل وترجع تاني لهون ع المستشفى للدكتور بعد الاختبار." يارا:
"بكرة على طول كده بس خالد لسه مش كويس مش هاقدر أسيبه كده." مازن: "ما تخافي أختي على بالليل إن شاء الله بيصير زين." همس خالد: "متخافيش يا يارا أنا معاكي وزي ما الدكتور قال ده إجراء روتيني سهل وبعدها هنروح ترتاحي على طول وأنا هاكون معاكي متخافيش." قال خالد كلماته وهو يربت على يد يارا بحنان، التي كان القلق يعتصر قلبها من المجهول التي هي مقبلة عليه في بلاد غريبة لا تعرف عنها شيء سوى برودة طقسها وناسها.
وفي الصباح دخلت يارا إلى المستشفى مرة أخرى لإجراء أولى خطوات الحقن المجهري. سحب البويضات ومن ثم تلقيحها وإعادتها أجنة مرة أخرى. كان الإجراء غير مؤلم كما أكد لها الطبيب، لكنها كانت تحت تأثير منوم بسيط. استفاقت منه بعد حوالي النصف ساعة وعادت مرة أخرى إلى الشقة التي استأجرها خالد ليجلسوا فيها طوال مدة إقامتهم في ألمانيا. استديو صغير من غرفة واحدة لكنه قريب من المستشفى.
وبعد مرور 3 أيام عاد خالد ويارا مرة أخرى للمستشفى لإعادة زراعة الأجنة التي كانت إجراء أسهل مما سبقه. وكانت يارا مستيقظة تمامًا طوال الإجراء وبجوارها خالد يتابعان ما يجريه الطبيب ويحاولان فهم بعض الكلمات الألمانية الصعبة. لكن فاجأهم سؤال الطبيب حين قال بانجليزيته الركيكة: "Do you want boys or girls?" فهما لم يفكرا من قبل في ذلك. الاثنين نعمة كبيرة يأملان بها. قال خالد دون تردد: "Both are fine."
فهو لا يريد أن يختار ولا أن يختار الطبيب، فترك الأمر بيد الله يهبه ما يريد، فكلاهما سواسية عنده.
انتهت عملية زراعة الأجنة بسلاسة وعاد خالد ويارا مرة أخرى لشقتهم في ألمانيا. كانت تعليمات الطبيب أن ترتاح يارا قدر الإمكان، وأن تترك المنزل للضرورة فقط حتى تمضي مهلة الأسبوعين ومن ثم تعود إليه مرة أخرى. لكن خالد أصر أن تبقي يارا في السرير وكان هو من يقوم بخدمتها وإحضار الطعام لها. كان يدللها كثيرًا فهو يعلم أن الحالة النفسية من أهم العوامل لنجاح العملية وكان في قرارة نفسه يعلم أنها تعاني كل هذا الألم الجسدي والنفسي لأجله هو. فغيرها من النساء كانت ستتركه حين تعلم أنه لا ينجب ولن تتكلف كل هذا العناء. لكنها تحبه، تريده ولا تريد سواه.
مضى الأسبوعان وكل من خالد ويارا في انتظار يوم الاختبار. كانت صوت دقات قلب خالد تصم أذنيه وهو ينتظر بلهفة نتيجة الاختبار. اتفقا ألا ينظرا إلا بعد مرور الثلاث دقائق المكتوبة على الاختبار المنزلي للتأكد من صحته. كان التوتر يظهر على خالد ويارا كانت تغمرها مشاعر لم تعرف سببها من قبل، فهي دومًا تستطيع أن تتحكم بمشاعرها. كانت أثقل ثلاث دقائق مضت عليهما، وحين حانت اللحظة الحاسمة. لم يستطع خالد أن يكبح دموعه التي انهالت رغماً عنه حين رأى خطين في ذلك الاختبار المنزلي معلناً بوجود حمل. احتضن يارا وأنهال عليها بالقبلات التي كانت بدورها في دوامة من المشاعر بين الفرح والخوف.
وفي زيارة الطبيب، طمأنهما على الوضع لكن يارا أرادت أن تعود مسرعة إلى مصر لترتمي في أحضان والدتها وتبث لها الأخبار السعيدة. فالفرحة تصبح أكبر وأحلى حين تجد من يشاركك فرحك. لكن الطبيب قال بصوت رخيم: "You cannot fly unless you pass 14 weeks from today." صرخت يارا حين سمعت كلماته: "14 أسبوع!!! لكن خالد طمأنها أن الوقت يمضي سريعًا وأنها تعتبر هذا الوقت مجرد استرخاء واستعداد لما هو قادم.
أما في القاهرة بينما أحمد وهدى غارقان في نهر من العسل بعد زواجهما. لم تكن أحوال علي على أفضل حال. بينما يستعد آدم للخروج رن هاتفه في الصباح. نظر آدم لاسم المتصل، وأجاب بدهشة: "علي!! غريبة مش عادتك تتصل الصبح كده." أتاه صوت علي متوتراً وقلقاً من الطرف الآخر: "آدم أنا عايزك تسمعني وتركز. أنا مقبوض عليا في قسم أكتوبر أول. متكلمش أحمد. حاول تتصرف وتجيب محامي وتجيلي بس بسرعة يا آدم." انتفض قلب آدم مما سمع: "إيه حصل؟
أنت كويس." علي: "انجزي يا آدم من فضلك." آدم: "حاضر حاضر."
أنهى آدم مكالمته مع علي والقلق والتوتر يسيطران عليه. حاول آدم أن يتمالك أعصابه وبحث في سجل هاتفه عن أرقام محامين وقام بالاتصال بهم واحد تلو الآخر لكن لم يستطع أن يصل لأحد منهم. لم يرغب أن يتصل بأحمد. فرغم تحذيرات علي له إلا أنه لا يزال عريس جديد لم يمض على زواجه شهر كيف يفجعه بمصيبة كهذه. فكر آدم كثيرًا فلم يجد بدًا سوى الاتصال بدكتور عمر والد سارة. هو يعلم أن أخاه محامي كبير وبالفعل ما هي إلا نصف ساعة وكان آدم ودكتور عمر وأستاذ عادل عز الدين في قسم 6 أكتوبر يبحثان عن علي الذي وجدوه يقف خارج أحد المكاتب والأصفاد تكبل يديه.
ذهل علي ما إن رأى دكتور عمر وأخيه ولم يتمالك أعصابه وبخ آدم أمام الجميع. صاح علي بحدة: "إنت غبي!! أقولك تكلم محامي تتصل بحمايا يا بني آدم أنت." هتف آدم: "ملقيتش محامي بيرد الصبح كده، كمان ده مش حد غريب وأخوه محامي كبير." دكتور عمر: "إيه حصل يا علي طمني يا ابني." حرك علي رأسه بألم: "مفيش يا دكتور متقلقش. أنا معرفش آدم عمل كده ليه." اقترب منه دكتور عمر وربت على كتفه:
"مش هقولك اعتبرني زي أبوك بس على الأقل اعتبرني أخوك الكبير. وإحنا أهل يا علي أنا عارف ومقدر إنك مش عاوزني أشوفك في المنظر ده... بس خلينا نساعدك." اخفض علي رأسه في حزن: "والله يا دكتور أنا ما أحبش إنك تشوفني في الموقف ده. هو حضرتك قلت لسارة حاجة؟ دكتور عمر: "لأ متخافش أنا مقولتلهاش عشان متقلقش." أستاذ عادل: "إيه حصل يا علي؟؟ ليه قبضوا عليك إنت عملت إيه؟ علي:
"أنا أول ما وصلت الشركة النهاردة الصبح لقيت البوليس في كل مكان وقبضوا عليا. بيقولوا قضية تهرب ضريبي... بس إحنا كنا بندفع الضرايب بانتظام وعندي كل التحويلات. قولتلهم كده بس بيقولوا الضرايب ما تدفعتش من 5 سنين... وده مستحيل." أستاذ عادل: "طيب إنت متأكد من إن الحسابات فعلاً كانت بتورد الفلوس دي للضرايب." حرك علي رأسه بالنفي: "لأ... أنا شاكك في مدير الحسابات. من الصبح باتصل بيه موبايله مقفول هو ومحامي الشركة."
أستاذ عادل: "في الغالب ممكن يكونوا متفقين مع بعض... خليني أدخل للظابط وأشوف فيه إيه." دلف أستاذ عادل لغرفة الظابط. بينما ربت دكتور عمر على كتف علي الذي كان يقف في انكسار ينظر لتلك الأساور الحديدية المكبلة يديه في حزن لم يستطع أن يخفيه فظهر على ملامحه واضح كنور الشمس. دقائق وخرج أستاذ عادل يحمل العديد من الأوراق. أستاذ عادل: "بص يا علي الوضع صعب... واضح إن مدير الحسابات والمحامي عندك نصبولك فخ محترم...
الأوراق بتثبت إن فيه تهرب ضريبي فعلاً وإن الشركة مبتوردش ضرايب، وجه أكتر من تفتيش وإنذار ومكنش في استجابة من ناحيتكم." صاح علي: "لأ مفيش أي إنذار جه. لو في حاجة زي دي بتيجي على مكتبي أو مكتب أحمد ومجالناش أي حاجة. التفتيش آه كان بييجي والمحاسب بيقولي الدنيا تمام. وتحويلات الضرايب كانت بتتعمل في وقتها كل شهر." أستاذ عادل: "علشان كده بقولك نصبولك فخ. طيب تحويل الضرايب كنت بتعمله على حساب إيه؟
معاك أي أوراق تثبت التحويلات دي." هتف علي بيأس: "كلها في المكتب... ومكتوب في التحويل اسم الشركة والبطاقة الضريبية." أستاذ عادل: "حلو أوي. بتكتب البيانات دي في التحويل هتسهل علينا إننا نثبت إنك كنت بتدفع الضرايب في مواعيدها." هتف آدم: "طيب لو هو بيسدد فعلاً ليه قبضوا عليه؟ أستاذ عادل:
"في الغالب الحسابات كانت بتقوله إن التحويل تم وبيحول الفلوس دي لنفسه. والمحامي أكيد متورط معاه لأن إنه ميردش ده حاجة تخليك تشك فيه. كمان مفروض لو جه إنذارات يبقى المحامي على علم بيها. الموضوع مش بيتحول قضية وضبط وإحضار بين يوم وليلة." هتف دكتور عمر بقلق: "طيب علي يا عادل هيحصل فيه إيه؟ أستاذ عادل: "بحاول أجيبله خروج بكفالة عشان يقدر يجيب الأوراق اللي تثبت براءته."
نكس علي رأسه في حزن. أصبح من المجرمين الباحثين عن خروج بكفالة. لحظات ونادى العسكري على علي للدخول للتحقيق. دلف المحامي إلى غرفة الظابط مرة أخرى مع علي وخرجا بعد حوالي الساعة. كان علي بلا قيود على يديه حين خرج. اقترب آدم وهتف: "ها يا علي طمني." اخفض رأسه وقال بألم: "هاخرج بكفالة لمدة يومين." أستاذ عادل: "إن شاء الله في أقل من يومين نثبت البراءة. بس لازم تطلع دلوقتي يا علي تعملي توكيل عشان أقدر أتصرف." دكتور عمر:
"هتصرف أنا في التوكيل يا عادل هاخلي حد ييجي المكتب لعلي يعمله هناك. بس دلوقتي تعالي نطلع على الشركة نشوف موضوع التحويلات دي."
انطلق الأربعة إلى مقر الشركة، الذي كان عبارة عن مقر صغير في إحدى المناطق المخصصة للمكاتب والشركات. كان الموظفين قد انصرفا بعد القبض على علي في الصباح، فلم يكن هناك أحد سواهم. بحث علي عن الأوراق المطلوبة وفي أقل من 10 دقائق كان الملف الخاص بالضرائب أمام المحامي الذي ألقى النظر على كل ورقة فيه بتتمعن وتركيز ثم قال. أستاذ عادل: "بشمهندس علي هو أنت اللي بتعمل التحويل بنفسك كل شهر؟ علي:
"لأ مدير الحسابات اللي بيحول وأنا بس بـ approve على التحويل." هتف دكتور عمر بقلق: "هو في إيه يا عادل طمنا." أستاذ عادل: "التحويلات في آخر 5 سنين لرقم حساب مختلف عن اللي كنت بتحوله السنين اللي قبلها." هتف آدم بذعر: "يعني هو كان بيحول لحساب تاني؟ أستاذ عادل: "من الواضح إن المحاسب كان بيحول لرقم حسابه. والورق ده ممكن يكون ملعوب فيه بكل سهولة متعدل اسم المستلم. خليني أكلم واحد صاحبي في البنك أعرف الحساب ده باسم مين."
بهت علي حين سمع تلك الكلمات من المحامي الذي لم يضيع لحظة وبالفعل أمسك الهاتف وتحدث لأحد المسؤولين في البنك المركزي. ثم عاد مرة أخرى لعلي وسأله. أستاذ عادل: "تعرف حد اسمه محمود سامح عبدالرحيم؟ علي: "آه ده مدير الحسابات." أستاذ عادل: "الحساب اللي بيتحول عليه الفلوس كل شهر باسمه." صرخ آدم: "طيب والحل؟ دي تحويلات بملايين." أستاذ عادل: "الحل إن يدفع الفلوس دي كلها وغرامتها ونحاول نثبت إن علي ما كانش متورط معاه."
هتف علي بضيق وخيم الحزن على ملامحه: "بس أنا مش معايا أدفع الملايين دي ولا حتى نصهم. مفيش سيولة بالمبلغ ده." دكتور عمر: "طيب لو مدفعش يا عادل هيبقي الحل إيه؟ أستاذ عادل: "للأسف هيحجزوا على الشركة وهيتحبس ودي تهمة مخلة بالشرف. بس أنا عندي فكرة ممكن ننفذها." صاح دكتور عمر: "إيه هي بسرعة مش هنسيب الولد مستقبله يضيع." أستاذ عادل: "إنت عندك هنا أوراق الموظفين؟ علي: "آه موجودة في أوضة الـ HR." أستاذ عادل:
"طيب هاتلي ملف الولد ده وهات ملف المحامي كمان." انصرف علي يأتي بالأوراق المطلوبة. بينما مال دكتور عمر على أذن عادل. دكتور عمر: "طمني يا عادل ممكن يخرج منها؟ أستاذ عادل: "إن شاء الله خير. هي الدنيا معقدة لأن المبلغ كبير وهو مش معاه المبلغ المطلوب بس خلينا نحاول." آدم: "هو مينفعش يقسط المبلغ ده؟ أستاذ عادل: "دي هتبقى آخر محاولة معاهم لو معرفتش أخلي المحاسب ده يعترف."
دقائق وعاد علي يحمل الملفات المطلوبة. نظر أستاذ عادل في الأوراق ثم أخرج صورة بطاقة محمود. أستاذ عادل: "بص يا علي وركز معايا. هو أكيد عرف إنك اتقبض عليك. هتروحله على العنوان ده اللي في البطاقة. وهتسجله وتحاول تخليه يعترف." دكتور عمر: "بس هو ممكن يكون سافر أو ساب البيت." أستاذ عادل:
"معتقدش إنه يلحق. خلينا نحاول. بص يا علي هتحاول توقعه في الكلام وفهمه إن المحامي بتاع الشركة اعترف عليه قدام النيابة. وإن التحويلات كلها برقم حسابه." علي: "طيب ولو رفض يعترف وفضل ينكر." أستاذ عادل: "دي شطارتك انت بقى يا علي إنك تخليه يعترف." صاح علي بحدة: "أنا أصلاً ممكن لو شفته أخنقه بإيدي." آدم: "لأ يا علي. لازم تتحكم في أعصابك. أنا هاجي معاك ونحاول نخليه يعترف بس يلا لازم نتحرك بسرعة قبل ما يهرب."
في الطريق، كان علي شارد الذهن. ربت آدم على ذراعه وهمس: "متقلقش إن شاء الله هتتحل." صاح علي ولأول مرة سمح لدمعة أن تفر من عينيه: "إنت فاهم يعني إيه اتسجن زي المجرمين؟ ... أنا ممكن أبيع العربية والشقة... بس سارة! هاتجوزها إزاي؟ حتى لو بعت الشقة والعربية وده مش هيحصل في يوم وليلة مش هيغطوا المبلغ." آدم: "اهدي بس يا علي وسيبها على ربنا." همس علي بضعف: "ونعم بالله. بس أنا برضه لازم أحط كل الاحتمالات." صمت علي بألم.
وبعد دقائق كانت سيارة علي تقف تحت منزل ذلك المدعو محمود. يقطن في منطقة شعبية نسبياً. سأل آدم عنه وعرف أنه يقطن بالدور الثاني. صعد سريعاً علي وآدم السلالم المتهالكة. وبقي دكتور عمر وأخيه في السيارة. وقبل أن يطرقا الباب تأكد علي أن هاتفه على وضع التسجيل الصوتي. دق علي الباب. فتحته طفلة صغيرة عمرها لا يتجاوز الستة أعوام. سألها علي بهدوء عن محمود فأجابته: "بابا جوه يا عمو اتفضل."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!