إذا اجبرتك الحياة أن تسير في دروب الحزن والمعاناة، فاختار الرفيق. فهناك رفيق تهون معه الدروب، ويملأها لأجلك بالورود والأزهار والفراشات، ويزرع على جدران قلبك الرياحين وأزهار الياسمين، ويطارد معك أحلامك حتى يحققها لأجلك واحدًا تلو الآخر. وهناك رفيق يجعل طريقك الممهد بالورود والأزهار وكأنك تسير على حد سيف بتار، يدميك في كل خطوة، وتركض وراءك أسود الندم من كل اتجاه، وكأنها تركض وراء غزالة لا صاحب لها ولا مأوى.
فإذا اجبرتك الحياة على طريق، فاختار الرفيق الذي يقف حارسًا على باب أحلامك، وينثر اللآلئ على دربك المستحيل. *** صباح يوم بلندن. يستيقظ تميم القاضي.
(تميم هو مهندس متخرج من إحدى جامعات إنجلترا، 29 سنة، سريع البديهة، عقلاني، يحلل كل شيء قبل اتخاذ كل خطوة، مراوغ في الحديث، ذكي، حاد الطباع، طويل القامة، عريض الكتفين، قوي البنية، كأنه بُني من صخر، عيون بنية وشعر بني طويل وذقن كثيفة وشارب كثيف، يتميز بأناقته الشديدة ولا يؤمن بالحب) يأخذ شاور ويرتدي ثيابه الكلاسيكية ذات الماركة العالمية وساعته الباهظة الثمن. تدخل دادة مديحة.
(دادة مديحة مربية تميم منذ ولادته، جاءت معه من مصر لتهتم به طوال فترة دراسته) تنظر في أرجاء الغرفة ثم تصيح فيه بغضب: "هو كل يوم ياتميم الارف ده هيجرى ايه؟ أما تتجوز بدل اللي انت بتعمله ده وتخلف عيلين تلاتة؟ تميم: "صباح الخير الأول يا ديحة." مديحة: "صباح النور يا حبيبي. انت عارف لو جدك عرف اللي انت بتعمله هيعمل فينا إيه؟ ده مش بعيد يبعت حد يقتلنا ويدفننا هنا، يرضيك كده؟ اندفن بعيد عن بلدي."
تميم: "بعد الشر عليكي يا ديحة." مديحة: "متهربش من الكلام. انت لازم تتجوز وتسيبك من بيرلا بتاعتك دي." يضحك تميم بكامل صوته: "بيرلا يا ديحة، بيرلا. احفظي الاسم بقى." مديحة: "بيرلا ولا غيرها، المهم أنا شايفة إنك تتجوز وتخلف. أنا نفسي أشوف ولادك." تميم: "اتجوز إيه بس يا ديحة." ويكمل بثقة: "أنا عمري ما شفت بنت تستاهل إنها تشيل اسمي. إنتي عشان مبتخرجيش من الفيلا متعرفيش البنات عاملة إيه. مفيش بنت ليها أمان."
مديحة: "بنات الحلال كتير، بس مش هنا. هناك في مصر. بس إحنا نرجع وإنت هتلاقي كتير." تميم: "أوعدك يا ديحة لو لقيت البنت اللي بتحكي عنها دي، هجيبها من إيديها لحد عندك. ولو عجبتك هتجوزها، تمام كده يا ديحة." مديحة: "لو الست فريدة هانم سمعتك وإنت بتقول كده كانت قتلتني. تاخد رأيي أنا في العروسة؟ تميم: "طبعًا يا ديحة. ولو معجبتكيش عمري ما هتجوزها."
ينظر تميم في ساعته: "كده هتأخريني وإحنا بنتكلم عن بنت مش موجودة في الدنيا كلها. أنا ماشي، سلام يا ديحة." ويتجه إلى باب الغرفة تحت نظرات مديحة ودعواتها. (ربنا يبعتلك بنت الحلال تستاهلك يا حبيبي) يخرج تميم من الفيلا، يفتح له الحارس باب السيارة، يركب ويتجه إلى شركته، وتسير خلفه سيارة الحراسة التي أرسلها له جده. *** في مصر. منزل متوسط الحال في أحد أحياء القاهرة. تستيقظ ليلى.
(طالبة في آخر سنة كلية هندسة، جميلة جدًا، شعر بني طويل إلى آخر ظهرها، ممشوقة القوام، عيون بلون العسل المصفى، وبشرة بيضاء مثل بشرة الأطفال) تستيقظ مبكرًا كالعادة، تدخل المطبخ لتعد طعام الفطار وتضعه على السفرة، وتنادي: "يا تيته، يا تيته، الفطار جاهز. يلا يا عالم، الكل يصحى." (الجدة خديجة، جدتها لأمها، مريضة منذ وفاة ابنتها أم ليلى)
(نور، أخت ليلى، طالبة بالصف الثالث الثانوي، بريئة، متمردة، لطيفة، جميلة، تحب الجميع، طموحة رغم قسوة الحياة معهم، قصيرة، ذات شعر أسود متوسط الطول، عيون واسعة سوداء تنم عن ذكاء شديد، وبشرة بيضاء ووجه مستدير وأنف دقيق) نور: "هقوم يا ليلى، بس سيبيني شوية. أنا كنت سهرانه بذاكر طول الليل." ليلى: "ما أنا كنت سهرانه معاكي وصحيت وحضرت الفطار. قومي يا ستي، الفطار هيبرد." نور: "حاضر يا ليلى، قمت أهو."
تجلس ليلى والجدة ونور لتناول طعام الإفطار. وبعد عدة دقائق. ليلى: "الحمد لله، أنا شبعت. همشي عشان عندي محاضرة بدري. ما تنسيش يا نور تدي الدوا لتيته. سلام." الجدة: "مع السلامة يا حبيبتي، ربنا يوفقك يا ليلى وأشوفك أحسن مهندسة في الدنيا." *** في إحدى المدن الجديدة بمصر. قصر عظيم مبني على طراز قديم يشبه قصور العصر الملكي، على مساحة شاسعة وكأنه مدينة كاملة، قصر عائلة القاضي. في غرفة بيسان القاضي.
تدخل عايدة، أخت مديحة، إلى غرفة بيسان. عايدة: "تجلس على طرف السرير جانب بيسان وهي نائمة وتمسد على شعرها بحنان. اصحي يا بوسي عشان جدك مستنيكي على الفطار." بيسان: "سيبيني خمس دقائق بس. أنا نمت إمبارح متأخر والله." عايدة: "قومي يا بوسي، جدك مستنيكي وكمان إنت عندك محاضرة بدري. قومي يا كسولة. أنا حضرتلك الحمام وحضرتلك هدومك كمان." تدخل فريدة هانم، أم تميم وبيسان.
(فريدة هانم شخصية مغرورة، متعجرفة، لا تهتم إلا بالمظاهر، تمتلك شركة لاستيراد الأجهزة الطبية، جميلة الوجه، ترتدي أفخر الملابس، تهتم بجمالها وأناقتها، ولا يبدو عليها التقدم في السن) فريدة: "تصرخ بوجه عايدة بغضب شديد. إنتي إزاي تقولي بيسان من غير هانم؟ أوعي أسمعك تقولي كده تاني، أحسن صدقيني هتصرف معاكي تصرف مش هيعجبك." عايدة: "حاضر، حاضر يا ست هانم." فريدة: "وإنتي يا بيسان إزاي تسمحي لها تقولي لك كده؟
ما يصحش ترفعي الألقاب مع الناس اللي شغالين عندنا. إنتي سامعة ولا لأ؟ المرة الجاية هتتعاقبي يا بيسان." بيسان: "بصوت مخنوق بالدموع. حرام عليكي يا مامي، دي هي اللي ربتني من وأنا... تقاطعها فريدة بصراخ: "هي اللي ربتك! أمال أنا كنت بعمل إيه؟ أوعي أسمعك تقولي كده مرة تانية. الناس تقول علينا إيه لو عرفوا إن الخدامة هي اللي ربتك؟
أنا اللي غلطانة من الأول إني سبت العلاقة توصل بينكم لكده. المهم دلوقتي البسي بسرعة وحاصليني على الفطار." تخرج فريدة من الغرفة وتترك عايدة وبيسان يبكيان بأحضان بعض. بيسان: "ببكاء. ما تزعليش يا دادا، أنا اللي غلطانة. حقك عليا. لو كنت صحيت معاكي بسرعة ما كانش حصل كل ده. أرجوكي سامحيني، أنا بحبك قوي والله يا دادا."
عايدة: "ما تعيطيش يا بوسي، أنا مش زعلانة ولا يهمك. أنا عندي حل حلو. قدام الست فريدة هقول لك يا هانم، ومن وراها إحنا حرين مع بعض. هو إحنا بنشوفها في القصر يعني؟ دي يا إما في الجمعية يا إما في حفلة يا إما في الشركة. يلا يا بوسي عشان تجهزي. جدك تحت مستنيكي." *** في غرفة الطعام. غرفة بها سفرة تمتد لتتسع لأكثر من 24 كرسي، يجلس عليها الجد زين القاضي على رأس الطاولة.
(زين القاضي صاحب أكبر شركات ومن أغنى وأهم رجال الأعمال في مصر، يمتلك شركات مقاولات ومصانع السيراميك ومصانع للأجهزة الكهربائية، رجل طيب، حاد الذكاء، حكيم، متواضع، محب الخير للجميع، يتعامل مع البسطاء بمنتهى الطيبة، ليس له أحفاد سوى تميم وبيسان، ولا يهتم لشيء إلا لأمرهم، يضع الخطط لكل شيء ولا يوجد ما يحدث بالصدفة، مراوغ في الحديث، يتفادى الإجابات المباشرة، تحركاته محسوبة بعناية) تدخل فريدة هانم،
تجلس على الطاولة وتقول: "صباح الخير يا عمي." زين: "صباح الخير يا فريدة. صوتك عالي على الصبح، وبتزعقي ليه؟ فريدة: "ما فيش يا عمي، دي حاجة بسيطة كده." زين: "ما الحاچة البسيطة بتعملي منها كارثة يا فريدة. إرحمي بنتك بدل ما تطفر على لندن هي كمان. إحنا مش عارفين نرجع تميم من سنين." فريدة: "يعني أنا السبب في سفره يا عمي؟ يعني أنا أم وحشة؟ زين: "خلاص يا فريدة، البنت نازلة." بيسان: "صباح الخير يا جدي."
زين: "صباح الخير يا بيسان. افطري يا حبيبتي عشان تلحقي المحاضرة." يبدأ الجد وفريدة وبيسان في تناول طعام الإفطار. بيسان: "مامي، ليلى صاحبتي هتيجي النهارده تذاكر معايا شوية." فريدة: "وإنتي ما تعرفيش تذاكري لوحدك؟ بيسان: "لا يا ماما، في حاجات أنا أنا مش بفهمها من الدكتور وليلى بتشرحها لي أحسن من الدكتور." فريدة: "هي ليلى دي أحسن منك في إيه عشان هي تطلع الأولى على الدفعة كل سنة وإنتي لأ؟
قولي لي وأنا أجيب لك أحسن دكاترة في مصر تشرح لك اللي إنتي مش فاهماه، وسيبك من الليلة دي. وبعدين لو حد من صاحباتي شافها ولا حد من العيلة وهي بتشرح لك يقولوا علينا إيه؟ بيسان: "والله يا مامي هي بتشرح أحسن من الدكاترة." فريدة: "هو إنتي بتديها فلوس عشان تشرح لك؟ (بنظرة خبيثة) بيسان: "لا والله يا مامي، هي بتشرح لأي حد عاوز منها حاجة، مش أنا بس. هي كده متعاونة مع كل الناس."
فريدة: "تمام يا بيسان، بس دي آخر مرة. المرة الجاية قولي لي وأنا أجيب لك أحسن أساتذة في مصر، وبلاش تقعدوا في أوضتك، اقعدوا في الجنينة أو أي حتة تانية. أحسن تمد إيدها على حاجة كده ولا كده." زين: "يخبط بكل قوته على السفرة ويقول بعصبية. كفاية يا فريدة، كفاية! إنتي خلاص حكمتي على البنت إنها حرامية!
ليلى بتدخل القصر من أربع سنين وعمر حاجة ما اتسرقت منه، بس حضرتك ما كنتيش واخدة بالك مين بيدخل يذاكر لبنتك. وكمان بنتك هي إيه اللي محتاجاها؟ إحنا اللي بنستفاد منها. كثر خيرها إنها سايبة اللي وراها وجاية تذاكر لبوسي بدون مقابل، ولا عشان هي فقيرة ومش بتلبس براندات عالمية مش عاجباك البنت؟ فريدة: "خلاص يا عمي، كفاية كل ده عشان اللي اسمها ليلى." زين: "خليها تيجي يا بيسان، وذاكروا في مكتبي، بلاش تدخل أوضتك." وينظر لفريدة
بطرف عينيه ويقول بتهكم: "أحسن حد يلبسها مصيبة." فريدة: "في نفسها. هو إنت ما بتنساش حاجة بعد العمر ده كله؟ ولسه فاكر." بيسان: "ليلى طيبة قوي والله يا مامي، دي صاحبتي الوحيدة. وحضرتك ناسيه إن تميم مانعني أصاحب حد في الجامعة." فريدة: "خلاص يا بيسان، هو أنا غلطت في ملكة بريطانيا؟ أنا شبعت وهقوم عشان عندي ميتينج مهم." بيسان: "أنا شبعت يا جدي، أنا كمان هقوم عشان عندي محاضرة مهمة وليلى هتستناني قدام الجامعة."
زين: "مع السلامة يا بوسي." *** في الجامعة. تصل ليلى أمام باب الجامعة، في نفس الوقت تصل سيارة بيسان، لينزل منها الحارس الخاص، يفتح لها الباب، وتدخل وراءها الجامعة. تقابل ليلى. ليلى: "صباح الخير يا بيسان." بيسان: "صباح النور يا ليلى." ليلى: "إيه يا بنتي الضلفة اللي ماشية وراكي دي؟ ده الطلبة والدكاترة بيخافوا منه. ده اسمه ترويع آمنين، حرام عليكي." تضحك بيسان: "أعمل إيه يا ليلى؟
تميم أخويا مصمم ما أخرجش من السجن قصدي القصر من غيرهم. أمال لو شفت الاثنين اللي في العربية التانية ده أقل واحد فيهم." ليلى: "نلحق المحاضرة أحسن الدكتور مش هيدخلنا." بيسان: "متخافيش، لما يشوف الجارد هيدخلنا على طول." تضحك ليلى وبيسان في طريقهما إلى المحاضرة. *** في القصر. زين: "أنا عاوزك يا فريدة في موضوع مهم." فريدة: "ممكن أما أرجع يا عمي عشان عندي ميتينج مهم." زين: "الغي الميتينج يا فريدة." فريدة: "إزاي يا عمي؟
ده مهم جدًا." زين: "وأنا بأمرك إنك تلغي الميتينج وتلغي الشراكة كلها مع زياد المنشاوي." فريدة بصدمة: "هو حضرتك بتراقبني يا عمي ولا إيه؟ زين: "طبعًا يا فريدة براقبك، أمال إنتي فاكرة إيه؟ أنا عارف كل ورقة في شركتك رايحة فين وجاية منين، وعارف كل عملائك وكل موظفينك موظف موظف، وعارف كل قرش بتكسبيه كمان." فريدة: "ليه كل ده يا عمي؟ هو حضرتك بتخاف مني ولا إيه؟ زين: "يضحك بكامل صوته. أنا أخاف منك إنتي يا فريدة؟
إنتي لسه ما تعرفيش زين القاضي ولا إيه؟ أنا سايبك تلعبي بالشركة بتاعتك عشان تنشغلي عن بيسان وما تضيقش الدنيا عليها زي ما عملتي مع تميم وخليتيه يطفر من مصر كلها." فريدة: "وحضرتك عاوزني ألغي الميتينج ليه؟ زين: "إنتي مش هتلغي الميتينج، بس إنتي هتلغي الشراكة مع زياد المنشاوي، ولا تتصلي بيه ولا حتى تردي على تليفوناته." فريدة: "بس يا عمي، الصفقة دي...
يقاطعها زين بحدة: "ساعتها متلوميش غير نفسك، لأنك هتصحي تلاقي شركتك في خبر كان." فريدة بخوف: "خلاص يا عمي، هعمل اللي تقول عليه. بس هو زياد مزعلك في حاجة؟ يخبط زين على الطاولة بكامل قوته، لتشهق فريدة بخوف، ويصيح بها: "شكلك كبرتي وخرفت يا فريدة ونسيتي إن محدش يقدر يزعل زين القاضي." تقوم فريدة وهي تعتذر، لتخرج باتجاه سيارتها، وتحدث مديرة مكتبها لتلغي الميتينج. *** في مكتب زين القاضي. يتصل زين بحفيده تميم.
زين: "آلو، أيوه يا تميم، عامل إيه يا حبيبي؟ تميم: "الحمد لله يا جدي، وحشتني والله. حضرتك بخير وبيسان أختي عاملة إيه؟ وحشتوني جدًا." زين: "بخير يا حبيبي. هتنزل مصر إمتى؟ تميم: "خير يا جدي، أنا ورايا شغل مهم ومش هعرف أنزل." زين: "أنا عاوزك ترجع تستقر في مصر على طول." تميم: "أنزل ليه يا جدي وأستقر عندك ليه؟ أنا مرتاح هنا وشركتي بتكبر يوم عن يوم."
زين: "أنا محتاجك هنا معايا جنبي يا تميم. صفي شركتك وانزل، الشغل هنا كويس. وبعدين الشركات دي كلها لك من بعدي يا تميم، عاوز أرتاح وخايف أموت وأسيب بيسان لوحدها." تميم: "بعد الشر عليك يا جدي. وبعدين لوحدها ليه؟ فريدة هانم في؟ زين: "فريدة هانم مش فاضية إلا لشركاتها وحفلاتها وجمعيتها وخروجاتها مع وتزعق لعايدة والخدامين وبس." تميم: "هفكر يا جدي، مع إن الموضوع صعب." زين: "بصرامة. ترد علي بكرة." ويغلق الخط دون أن ينتظر رد.
يا ترى تميم هينفذ كلام جده ولا هيكون له رأي تاني؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!