الفصل 8 | من 9 فصل

رواية تكسرات الروح الفصل الثامن 8 - بقلم نادية شعيب

المشاهدات
18
كلمة
4,226
وقت القراءة
22 د
التقدم في الرواية 89%
حجم الخط: 18

تقع عين جاسر على تلك الباكية، تلك المجنونة الصغيرة، لتحدث كهرباء من نوع جديد. هنا تتوقف منظومة العقل عن العمل، وكأن فيروسًا أصابها، وتفقد قدرتها على إعطاء الأوامر. يقف جاسر صامتًا مثل تمثال، وكأنها ألقت عليه تعويذة بعينيها وصوتها الباكي، فأصابت قلبه لتجعله أسيرًا لها دون أدنى مجهود. ليشعر جاسر بالسلام والاستسلام... بالهدوء والضجيج... السكينة والانهيار... الخوف والأمان. فكانت كمن أطلقت من عينيها سهمًا أصاب منتصف قلبه.

ليحدث نفسه: كنت أظن أن الحب من النظرة الأولى أسطورة اخترعها عاشق أحب حد النخاع، لكنني وجدتها حقيقة أحياها الآن بكل تفاصيلها. وأنا أتساءل: كيف لعينيها البريئة تلك أن تكون صيادًا ماهرًا يصيب ويقتل؟ أما يكفيكِ ما فعلتيه بقلبي، والآن تقصدين روحي؟ من أنتِ؟ أأنتِ من نسل البشر؟ لا... من الفراشات؟ لا... من الغزلان؟ ... من الحوريات؟ ... نعم، أنتِ من الحوريات! يفيق جاسر من الغيبوبة التي أصابته على صوت بكائها. ليحدث نفسه وهو لا

يستطيع أن يبعد عينيه عنها: مين يقدر يبكي الجمال ده؟ ثم يتجه بنظره إلى تميم ويسأله بحروف متعثرة: مين دي يا تميم؟ يشير إليها تميم بغضب ونفاذ صبر: الآنسة نور، أخت ليلى. ينظر إليها جاسر بعيون هائمة: وكمان اسمك نور، ده أحلى اسم في الدنيا، ولا إيه؟ يلكمه تميم في كتفه: انت فين يا جاسر؟ شوف شغلك يا دكتور. لينتبه الجميع على صوتها من جديد: أنا عاوزة أدخل أشوف ليلى. ليصيح فيه تميم بغضب:

قلتلك هي كويسة، الصبح هتفوق وتدخلي تشوفيها. تصرخ فيه نور بغضب أشد: أنا مش هستنى لبكرة، أنا عاوزة أشوفها حالا. يتجه تميم بنظره إلى جاسر، ذلك الغارق في النظر إليها: انت يا دكتور، ويشير بيديه إلى نور، اتفضل اتصرف، ولا انت فقدت الذاكرة وجاي تتنح هنا؟ تقف الكلمات على شفتيه متعثرة، لا تستطيع الخروج. ثم يوجه حديثه إلى تميم: اهدأ يا تميم شوية، ما تزعقش لها كده. ثم ينظر إلى نور مجددًا:

أنا بعتذر بالنيابة عن تميم، ممكن تهدّي شوية. كل ذلك تحت نظرات زين الثاقبة، لينطق بعد طول صمت بسؤال خبيث: مالك يا دكتور، انت مش معانا هنا ولا إيه؟ من ساعة ما دخلت وأنت كأنك في دنيا تانية. ينتبه جاسر على حاله ويحدث نفسه: آآآآه، دنيا تانية. ثم يوجه حديثه إلى نور: أنا هدخلك لها يا آنسة نور. نور بنظرات يملأها الترجي: بجد هدخلني أشوفها؟ يحدث جاسر نفسه: أرجوكي بلاش النظرات دي. ثم ينتبه لها:

أيوه هدخلك لها، بس حاولي تهدّي عشان مصلحة أختك، هي محتاجاكي تكوني قوية. أنا هعلق لك محلول، وأما يخلص هدخلك لها. نور بهدوء: ماشي، بس بسرعة الله يخليك. جاسر: اتفضلي ع السرير ارتاحي، وأنا هتصرف. تتجه نور إلى السرير بهدوء شديد، ويخرج جاسر هاتفه ويتصل بإحدى الممرضات لتحضر له المحلول وحقنة مهدئة. تجلس نور على حرف السرير، ويجلس جاسر على الكرسي المواجه لها.

ينظر إليها يتأمل ملامحها، وتلك الدموع العالقة برموشها، وأنفها الأحمر من شدة البكاء، وتلك الخدود التي أصبحت... زين: مالك يا دكتور، أنت تعبان؟ لم ينتبه جاسر لصوت زين، ليلكمه تميم مجددًا وينحني يحدثه في أذنه بغضب: انت تعبان يا دكتور؟ ويكمل ساخرًا: تحب أجيب لك دكتور يكشف عليك؟ أصل أنا جايبك تخلصني من مصيبة، توقعني في غيرها. لينتبه جاسر لوجود تميم وزين، وكأنه لم يراهم من قبل. ليتنحنح بخجل:

اتفضلوا أنتوا عشان ترتاحوا، وأنا هفضل معاها. تميم بنظرات متسائلة خبيثة: انت قلت إنك هتروح بيتكم. ويكمل بسخرية: عندك إجازة لمدة شهر. جاسر بتلعثم: لأ، أنا كنت بهزر معاك، ما بتهزرش يا تميم، ولا إيه؟ تميم بنبرة ارتياح: الحمد لله تعالى يا جدو عشان ترتاح. يخرج تميم والجد من الغرفة، وهو مطمئن على نور، فهو رجل عاش من الحياة ما عاش، وخبر منها ما خبر. تدخل الممرضة معها المحلول. يقف جاسر وياخذ منها الأدوية: روحي أنتِ شوفي شغلك.

الممرضة: ممكن أستنى مع حضرتك؟ جاسر: لأ، مش محتاج حد معايا. تنظر نور إلى المحلول بخوف وتضم ذراعها إلى صدرها: أنا... أنا بخاف من الحقن. جاسر بنظرات زرع بها كل حنان العالم: متخافيش يا نور، مش هتوجعك، ثقي فيا، افردي دراعك ومش هتحسي بحاجة. لتمد نور ذراعها باستسلام. يبدأ جاسر في تركيب المحلول بهدوء ومهنية، متحاشيًا النظر إليها. ثم يقرب الكرسي من السرير حتى بات لا يفصله عنه انش واحد، وينظر إليها ويسأل بحنان ولهفة:

ها، حسيتي بحاجة؟ نور: لأ يا دكتور، ما حسيتش بحاجة خالص، بس إيه الحقنة اللي حطيتها فيه؟ جاسر بتلعثم: دي فيتامينات عشان أنتِ شكلك مبتاكليش كويس. نور باستعجال: المحلول ده هيخلص إمتى؟ جاسر وهو ينظر إليها متأملاً: هو انتي زهقتي مني ولا إيه؟ نور بارتباك: لأ، بس عاوزة أدخل أطمن على ليلى. هو حضرتك هتفضل هنا لحد المحلول ما يخلص؟ يتمتم جاسر بصوت ضعيف: هو أنا هقدر أمشي من هنا؟ ده أنا في جنة. نور بعدم فهم: حضرتك قلت حاجة؟ جاسر:

لو وجودي مضايقك أنا ممكن أمشي وأبعت لك... تقاطعه نور بخجل: لأ، أبداً مش مضايقني، بس كده هعطلك عن شغلك. جاسر وهو يعتدل في جلسته ويضع قدم على الأخرى: لأ... أنا خلصت شغلي من بدري، وما فيش ورايا حاجة. نور ببراءة: يعني هتروح؟ جاسر: لأ، أنا هفضل معاكي لحد ما أدخلك عند أختك وتطمني عليها... و..... قبل أن يكمل حديثه، تستسلم نور لسلطان النوم حتى الصباح.

كل هذا وجاسر ينظر إليها وكأنه يرسم ملامحها الرقيقة ليحفظها داخل زوايا قلبه. في منزل ليلى. تحمل الجدة هاتفها بيديها المرتعشة وتحاول الاتصال بليلى ونور، وهي تحدث نفسها بخوف: هم مبيردوش ليه؟ استرها معانا يارب. ثم تتجه إلى شقة أمجد وتدق الباب بلهفة. يفتح أمجد الباب ويسأل الجدة: خير يا تيتا، في حاجة؟ الجدة: معلش يا أمجد، أصلي برن على البنات والاتنين مبيردوش. أمجد بقلق: هم فين لحد الوقت ده؟ الجدة:

ليلى كانت عند بيسان من بدري، وأنا طلعت عند أم محمد أشوفها عشان تعبانة والوقت خدنا. ونزلّت ملقتش نور كمان، ومن ساعتها وأنا برن عليهم. أمجد: يعني هما مع بعض؟ الجدة بخوف: معرفش. أمجد: طيب أنا هرن عليهم وأشوفهم فين وأروح أجيبهم، متقلقيش. يخرج أمجد هاتفه من جيب بنطاله ويرن على ليلى دون إجابة، ثم يرن على نور. في المستشفى، يرن هاتف نور. الموضوع على الكومود، ليجد جاسر اسم أمجد فيفزع ويحدث نفسه: مين أمجد ده؟ خطيبها ولا إيه؟

ثم ينظر إلى يديها فلا يجد دبلة أو خاتم، ليهدأ قليلاً ويحدث نفسه بارتياح: لأ، مش لابسة دبلة، يعني مش مخطوبة. الحمد لله. وقبل أن يشعر بالرضا لهذه الفكرة، ينتبه بفزع ويتحدث بصوت مسموع: يا نهار أسود! ممكن يكون حبيبها؟ وينظر لها بتوعد: عارفة لو طلعتي بتحبي حد تاني..... وما أن يصمت الهاتف حتى يبدأ من جديد في الرنين. ينظر جاسر إلى الهاتف بغضب: لأ، أنا لازم أعرف مين أمجد ده. فيفتح الهاتف بعنف: الوه، مين حضرتك؟ أمجد بفزع:

انت مين وبترد على تليفون نور ليه؟ جاسر بغضب: أعرف انت مين الأول. أمجد: أنا أمجد، جار نور. جاسر: و بتتصل بيها في وقت متأخر ليه؟ أمجد وقد نفذ صبره: وانت مالك؟ قولي أنت، نور وليلى فين؟ جاسر بعد أن شعر بسخافة تصرفه: الآنسة ليلى اتعرضت لحادث وفي الرعاية، ونور واخده مهدئ عشان انهارت لما عرفت بحادث ليلى. أمجد وقد تملك الرعب منه: ليلى... ليلى مالها؟ طمني عليها أرجوك. لتفزع الجدة وتبدأ في الصراخ. جاسر:

متقلقش، هي بخير، هتفوق على الصبح إن شاء الله. أمجد: انتوا في أي مستشفى؟ جاسر: مستشفى الغازولي. أمجد: إحنا جايين حالا. تصرخ الجدة: أنا كان قلبي حاسس إن فيه مصيبة. أمجد وهو يغلق الباب بلهفة: يلا ع المستشفى بسرعة. في جناح زين القاضي. يجلس الجد زين وتميم ومعتز. زين: عملت إيه يا معتز؟ معتز: قدرنا نوصل لصور العيال اللي ضربوا علينا نار، بس للأسف العربيات ما فيهاش نمر.

ورجالتي بيحاولوا يوصلوا لهم، وإن شاء الله على الظهر بالكتير هيكونوا في إيدينا. تميم: أول ما توصل لهم يا معتز، تديني خبر. أنا لازم أربيهم بأيدي. وهو يخرج كل حرف من تحت أسنانه. زين: أهم حاجة دلوقتي ليلى عاملة إيه؟ عايزين نطمن عليها. تميم: أنا لسه مكلم الدكتور وطمني عليها، إن شاء الله هتكون بخير يا جدو، ما تقلقش. بعد مرور نصف ساعة، أمام باب المستشفى. ينزل أمجد والجده ركضًا اتجاه مكتب الاستعلامات. أمجد:

لو سمحت، الآنسة ليلى زيدان المحمدي في غرفة كمال؟ موظف ينظر في الشاشة الكمبيوتر أمامه: الآنسة ليلى زيدان المحمدي في الرعاية المركزة. الجدة بفزع: رعاية مركزة؟ ليه؟ بنتي مالها؟ أمجد بكلمات مهتزة تقطر خوفًا: فين الرعاية المركزة؟ الموظف: في الطابق الرابع. بعد مرور عدة دقائق، يصل أمجد والجده إلى غرفة الرعاية المركزة ليجدوا الطبيب يخرج منها. الجدة: طمني يا دكتور، ليلى عاملة إيه؟ وحادثة إيه اللي حصلت لها؟ أمجد:

طمني يا دكتور على وضعها. الطبيب: مين حضرتكم؟ الجدة: أنا جدتها. الطبيب: الآنسة ليلى جت مصابة بطلق ناري، وكانت حالتها خطر، والحمد لله العملية عدت بنجاح. وهي دلوقتي في الرعاية، وإن شاء الله هتفوق على الصبح وتقدروا تشوفوها. تستند الجدة على ذراع أمجد وهي تقاوم السقوط وتبذل مجهودًا لتظل واقفة: مين اللي ضربها بالنار؟ وهي تصرخ: حفيدتي مالهاش أعداء ولا حد بيكرهها. أمجد وقد تملك الخوف منه: مين اللي ضربها بالنار يا دكتور؟

الطبيب برسمية: أنا ما عنديش أي معلومات غير إنها كانت مع زين باشا القاضي وتميم حفيده، وهم في جناح رقم...... لتندهش الجدة وأمجد، الذي يسأل نفسه: ليلى كانت بتعمل إيه مع حفيد زين القاضي لوقت متأخر زي ده؟ تصيح الجدة: أنا عاوزة أدخل أشوف ليلى. يصل زين القاضي وتميم في نفس الوقت، ليتقابلوا مع الجدة، التي تصيح بفزع: عايز أشوف ليلى حالا. وتستند على أمجد، الذي تبدو عليه علامات الضيق. يقترب منهم زين وينظر إلى

الجدة ويتحدث بهدوء شديد: مساء الخير يا خديجة هانم. الجدة بلوم وغضب: هي دي الأمانة يا زين باشا؟ ينظر إليها زين نظرات خجلة: أنا... أنا عارف إن مافيش كلمة اعتذار تكفي، لكن عزائنا إن ليلى الحمد لله حالتها مستقرة، وإن شاء الله هتفوق على الصبح، وإن شاء الله كلها كم يوم وترجع لبيتها ودراستها. الجدة بغضب وتصميم: أنا عاوزة أعرف مين اللي ضربها بالنار. زين وهو ينظر إلى الأرض بخجل:

مش هي اللي كانت مقصودة، اللي ضرب عليها نار كان قاصد تميم حفيدي، بس الرصاصة جت في ليلى. لينتبه أمجد ويسأل بغضب: وحفيدك كان معاها ليه؟ زين بنبرة رزينة: تميم كان رايح يوصلها، واللي حصل حصل. لكن أوعدك يا خديجة هانم، اللي عمل كده هدفعه الثمن غالي. الجدة: أهم حاجة دلوقتي إنها تقوم بالسلامة، وعاوزة أدخل أشوفها. ينظر تميم إلى الجدة ويحدثها بهدوء: أنا حاولت أحميها، لكن هي فتحت الباب ونزلت من العربية، والرصاصة جت فيها.

أنا عارف إن ده مش عذر، بس أنا حاولت أحميها بكل قوتي، بس هي خافت من صوت الرصاص ونزلت من العربية و.... ليقاطعه أمجد وهو يضغط على كل حرف: يعني لو كانت روحت لوحدها، كانت دلوقتي في بيتها وبخير. في غرفة ليلى. تفتح الجدة الباب ببطء وتدخل، لتجد ليلى مستسلمة لتلك الغيبوبة بلا حراك، وكأنها في عالم آخر. لتجهش جدتها في البكاء وتتحدث بصوت مسموع: قلبي يا ليلى، مين اللي عمل فيكي كده يا قلب جدتك؟

لتقترب منها وتمسح بيدها على جبينها الشاحب وتقبلها وتناجي ربها: يارب قومها بالسلامة يارب، أنا ماليش غيرهم يارب، طمني عليهم. ثم تدخل الممرضة لتقول: لو سمحت يا حاجة، كفاية كده عشان مصلحة المريضة. الجدة: سيبيني شوية معاها كمان، الله يخليكي. الممرضة: للأسف ما ينفعش عشان مصلحتها، دي أوامر الدكتور. تخرج معها الجدة. في الخارج، أمام باب الغرفة، يقف أمجد يفرك يديه بغضب شديد، يحاول السيطرة على أعصابه.

وعندما يفتح الباب، يهرع إلى الجدة التي تبكي ولا تستطيع الوقوف على قدميها التي أصبحت رخوة وكأنها هلام، ليمسكها قبل أن تقع: طمنيني يا تيتا، ليلى عاملة إيه؟ الجدة ببكاء: في غيبوبة يا ابني، مش حاسة بحاجة خالص. زين: اطمني يا خديجة هانم، إن شاء الله على الصبح هتفوق وتكون كويسة. الدكاترة طمنونا، ما تخافيش. الجدة: اللهم إني لا أسألك رد القضاء، ولكني أسألك اللطف فيه. ثم تتجه بنظرها إلى تميم وتسأله:

انت كنت معاها يا تميم يا ابني؟ تميم: أيوه يا هانم، كنت معاها وحاولت أحميها زي ما قلت لحضرتك، بس للأسف..... ليقاطعه أمجد بغضب: يعني إيه حاولت أحميها؟ ينظر إليه تميم بنصف عين ولا يرد. أمجد بغضب أشد: انت سامعني؟ أنا بكلمك. تميم ببرود: مين حضرتك؟ وارد أرد عليك ليه؟ بصفتك إيه؟ أمجد بارتباك: أنا.... أنا... الجدة: ده أمجد جارنا ومتربي مع أحفادي من وهم صغيرين، إحنا تقريبًا عيلة واحدة. وتنتبه الجدة: أمال نور فين؟ تميم:

في جناح جدو، وهي واخده منوم عشان كانت منهارة. ممكن حضرتك تيجي تشوفها لحد ليلى ما تفوق. ويشير إليها بيديه لتتقدمه إلى الجناح. في جناح زين، في غرفة نور. يجلس جاسر على الكرسي المقابل لسرير نور، ليفتح فجأة الباب وتدخل الجدة تركض باتجاه نور. يقف جاسر: مين حضرتك؟ لترد وهي تجلس وتمسد على شعرها وتقبل جبينها ببكاء: بعد الشر عليك يا قلب جدتك. ثم تنظر إلى جاسر وتسأله: هي عاملة إيه يا دكتور؟ جاسر:

هي بخير يا فندم، هي نايمة بس بسبب المنوم وهتصحى على الصبح إن شاء الله. الجدة: شكراً يا دكتور. يتنحنح جاسر بخجل: أنا هسيب حضرتك معاها يا فندم وأروح أشوف شغلي، لو احتاجتي حاجة ابعتي لي الممرضة. أنا دكتور جاسر الغازولي. الجدة: شكراً يا دكتور. يخرج جاسر إلى غرفة الأطباء. في غرفة الأطباء، يجلس جاسر أمامه فنجان قهوة، يفكر في الجميلة التي احتلت تفكيره وأشعلت الحرائق داخل قلبه. يتذكر نظراتها... صوتها... ملامحها البريئة.

يبتسم ابتسامة الواقع في الحب حد الثمالة. ليدق الباب ويدخل تميم. جاسر: اتفضل يا تميم. تميم: لو سمحت يا جاسر، أنا عاوز أدخل أطمن على ليلى. جاسر: اصبر للصبح، كلها ساعتين والنهار يطلع. تميم بانفعال: تاني هتناقشني وتجادلني؟ لما أقولك عايزة أدخل لها، يبقى تدخلني على طول، بدل ما أكسر الباب وأدخل. ينظر له جاسر مطولاً بنظرات تملأها الدهشة دون أن يتكلم. تميم: خلاص يا جاسر، أنا هتصرف. يمسكه جاسر من ذراعه: خلاص يا تميم، هدخلك.

يرتدي تميم ملابس معقمة ويتجه إلى غرفة الرعاية، ليجد أمجد مازال يقف ينظر إلى تميم بغضب يكاد يفتك به. أمجد: هو انت رايح فين باللبس ده؟ ينظر إليه تميم بطرف عينه دون أن يجيب، ليجذبه أمجد من ذراعه: أنا بكلمك، انت داخل عند ليلى؟ يدفعه تميم بغضب محذرًا بسبابته: إياك تفكر تتصرف كده تاني، وإلا هتندم. هنا يدخل جاسر بينهم: مينفعش كده، انتوا في مستشفى. أمجد: هتدخل عندها بأي عين؟

ليلى بتموت بسببك، لو كانت روحت لوحدها مكنش كل ده حصل، انت شر ماشى على الأرض. تميم: احترم نفسك بدل ما أخليك تندم. أنا عامل حساب لخديجة هانم اللي انت جاي معاها، وإلا كان زماني عرفتك مقامك. يتدخل جاسر للمرة الثانية: ما ينفعش يا جماعة اللي بيحصل ده، إحنا في مستشفى. تميم بغضب: انت مش سامع؟ أمجد: الكلام زعلك عشان حقيقة؟ وبعدين انت هتدخل عندها بصفتك إيه؟ تميم: شيء ما يخصكش. أمجد: يخصني طبعًا. تميم بثبات

ونظرات تملأها التحدي: هدخل بصفتي إن أنا السبب في اللي هي فيه، وإن أنا كنت آخر حد معاها. ده غير إني تميم القاضي، بعمل اللي أنا عايزه، وأدخل المكان اللي أنا عايزه، وما حدش يقدر يمنعني. فهمت ولا لسه؟ تحت نظرات أمجد القاتلة، الذي لا يجد ما يرد به. ويكمل تميم بنبرة واثقة: أنا رأيي إنك تروح ترتاح في بيتكم، وما تحملش هم ليلى ولا عيلتها، إحنا معاهم. ثم يتجه تميم إلى داخل حجرة ليلى، ويترك أمجد وراءه يحترق غضبًا. في غرفة ليلى.

يدخل تميم ويتجه بخطوات سلحفية إلى سريرها. يقف بجوارها ينظر إليها نظرات مليئة بالندم والخوف. يتذكر وقت إطلاق الرصاص وخوف ليلى وذعرها، وكيف نطقت باسمه بصوت ضعيف وهي تفقد وعيها والدماء تلطخ جسدها الضعيف. ليفوق من شروده ويحدثها بصوت مسموع: إن شاء الله هتبقي كويسة، أنا متأكد إنك بنت قوية وهتعدي المحنة دي بخير. قومي يا ليلى عشان خاطر جدتك وأختك، وعشان خاطر بيسان. أنا اكتشفت النهارده إن انت سند لناس كتير، مش بس جدتك وأختك.

قومي يا ليلى، وأنا هاخد حقك من اللي عمل كده. ثم يبتسم ابتسامة صغيرة: قومي عشان نكمل خناقتنا، بس قولي لي، بنت جميلة ورقيقة زيك ومتفوقة في دراستها، إزاي يكون لسانها طويل كده؟ ثم يحاول أن يقترب منها، ليدخل جاسر قائلاً: كفاية يا تميم. يتراجع تميم إلى الوراء ويخرج بجانب جاسر، ثم يلتفت إليها مرة أخرى وينظر إليها مطولاً: أنا مستنيكي بره يا ليلى، ما تتأخريش. يحدثها وكأنها تسمعه: أنا واثق في قوتك. في مكتب زياد المنشاوي. زياد:

عملت إيه يا ذكي؟ عرفت حاجة عن البنت اللي كانت مع تميم القاضي؟ ذكي: أيوه يا باشا، البنت صاحبة أخته، وكان رايح يوصلها، بس شكله كده في حاجة بينهم. لأن زين القاضي واخد جناح في المستشفى، ومرجعش بيته، ومستني يطمن عليها. والمستشفى من كتر الحرس اتحولت لثكنة عسكرية، محدش عارف يدخل ولا يخرج إلا بعد ما يتفتش. زياد: يعني البنت دي خطيبة تميم؟ ذكي: أكيد يا باشا. زياد بغضب: أكيد لأ يا غبي! واحد زي تميم القاضي هيخطب في السر ليه؟

أكيد في حاجة تانية. أنا عايز أعرف كل حاجة عنها، سواء كانت خطيبته ولا في بينهم حاجة تانية. في جناح زين القاضي. يجلس تميم مع الجد زين. يدق الباب بنغمة رسمية. تميم: ادخلي. يفتح معتز الباب ويدخل بخطوات سريعة واثقة. زين: خير يا معتز، شكلك جايب أخبار كويسة. معتز: فعلًا يا باشا، العيال اللي ضربوا نار تحت أيدينا، تحب نتصرف معاهم؟ ينهض تميم من جلسته واقفًا، يحذره بسبابته: أنا قلت لك، أنا اللي هتصرف معاهم. زين:

أنا مش عايزك تتورط في دم يا تميم، هو ده اللي زياد بيخطط له دلوقتي. تميم: أنا متأكد من كده يا جدو، متخافش عليا. أنا مستحيل تهون عليا روح إنسان، حتى لو كان مجرم. أنا هاخد حق ليلى منهم من غير ما أخسر ضميري. ثم يكمل مبتسمًا: أنا برضه حفيد الثعلب الكبير، وحضرتك علمتني إن الحياة معارك، وعلمتني إن الاستسلام ما يشبهناش. وأنا أعرف أحدد مين هو خصمي، وأنا خصمي مش العيال دي. أنا خصمي زياد المنشاوي.

أنا بس هعلم عليهم وأخليهم ما يعرفوش يعملوا كده مع حد تاني، وزياد له ترتيبات تانية أكبر من كده بكتير. ثم يتجه بنظره إلى معتز: خلي الشباب يوديهم مخزن السيراميك على ما نوصل. معتز: هم فعلاً هناك من عشر دقايق يا تميم. زين: خلوا بالكم من نفسكم. تميم ومعتز: الله المستعان. يتجه تميم ومعتز إلى الخارج باتجاه موكب السيارات بخطوات سريعة ثابتة تدك الأرض، توحي باندلاع حرب قادمة لا محال.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...