الفصل 35 | من 37 فصل

رواية تمرد عاشق الجزء الثاني الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم سيلا وليد

المشاهدات
21
كلمة
10,857
وقت القراءة
55 د
التقدم في الرواية 95%
حجم الخط: 18

الأماكن لا تساوي شيئًا وهي خالية ممن نحب. والحنين هو إحساسنا الدافئ بالشوق إلى إنسان ما، إلى مكان ما، إلى شعور ما، إلى حلم ما، إلى أشياء تلاشت واختفت، ولكن عطرها ما زال يملأ ذاكرتنا ومكاننا. أشياء نتمنى أن تعود إلينا وأن نعود إليها في محاولة بائسة منا لإعادة لحظات جميلة وزمان رائع أدار ظهره لنا ورحل كالحلم الهادئ. فإذا كان النسيان قافلة تسير، فالحنين قاطع طريق. فتحت عيناها وجدت نفسها بغرفة من اللون الأبيض.

نظرت حولها ولم تر أحدًا، يبدو أنها بالمشفى. وضعت يديها على وجهها وأحست بوخزة مؤلمة أصابت شقها الأيسر عندما تذكرت حبيبها، زوجها، مالك قلبها. نزلت من الفراش وهي تتمتم باسمه. "جواد." همست بها وهي تتحرك بهدوء. فتحت الباب بهدوء. وجدت صهيب يجلس أمام الغرفة، يضع رأسه بين راحتيه. التفت حولها تبحث بقلبها قبل عينيها. وقفت مستندة على جدران باب الغرفة. "صهيب." همست بها تناديه.

لم يكن يسمع همسها، فكان في ملكوت أحزانه عندما اتصل به باسم وأخبره بخبر هوى قلبه في بحر أحزانه لطيلة سنوات عمره. كيف يخبر والده؟ كيف سيكون الخبر على قلب والدتها؟ آهة باحتراق خرجت من جوف قلبه. "ماذا ستفعلين صغيرتنا؟ لقد كبلتِ من أحزانك ما لا يطيقه قلب ولا عقل." ظلت تناظره بصمت. هنا شعرت بالخوف، ولكن كيف وقلبها يطمئنها. "فين جواد يا صهيب؟ اتأخر ليه؟ أغمض عيناه وسحب نفسًا عميقًا، كأنه داخل فوق صراع ما بين أحزانه وصموده.

رفع عيناه التي انسدلت دموعه على وجنتيه رافضة صموده الوهمي. رآها حازم الذي وصل للتو. "زوزو حبيبتي عاملة إيه." تقدمت نغم تحاوط جسدها. "تعالي ارتاحي عشان اللي في بطنك، متنسيش إنك حامل." نظراتها ثابتة فقط على صهيب ودموعه، كأنها لم تر غيره حولها. بادلها نظراتها أخيرًا. وقف متجها لها. "روحي مع مدام نغم ارتاحي، لازم ترتاحي." قاطعته. "اخوكي فين؟ فين جوزي؟ ارتجف قلبه لدى سماعه لكلماتها، وجمودها أمامه.

حاول رسم الجمود على ملامحه محاولًا ألا يضعف أمامها. "مليكة جاية بعد شوية هي وسيف، حبيبتي لازم ترتاحي." قاطعته بصوت مرتجف رغم غصة مؤلمة من هروبه من جوابها. وصل ريان حيث مكانهم. نظر لها. "حمد الله على سلامتك دكتورة غزل." ناظرته واردفت. "جواد كلم حضرتك مش كدا يا بشمهندس؟ نظر للأسفل بأسى وحزنًا، فكل الأخبار تؤكد خبر وفاته. فهم ما يؤلم قلبها عندما ناظرتهم جميعًا. استندت على الجدار خلفها.

"عايزة أنزل القاهرة دلوقتي، انتوا جايبيني هنا ليه؟ جواد هيرجع على البيت ويزعل لو ملقنيش." انسدلت دموع نغم بغزارة على وجهها من حالتها. تمنت ألا تكون بمكانها يومًا أبدًا. اقترب حازم محاوط جسدها. "حبيبتي مينفعش تنزلي القاهرة دلوقتي، إنتِ تعبانة والحمل في خطر. والدنيا ملغمة شرطة، حتى عمي راح الفيوم هو ونهى، مينفعش تنزلي دلوقتي." صرخت بقهر، زوجة لم تعلم شيئًا عن زوجها.

"محدش هنا له الحق يقولي أعمل إيه، أنا هستنى جوزي في بيتي." أشفق عليها كثيرًا ويعطيها كل الحق بما تشعر به، فالأمر مؤلم وصعب. رمق زوجته بنظرة فهمتها فورًا. "غزل حبيبتي تعالي دلوقتي ارتاحي، الدكتور يطمنا عليكي وبعد كدا اعملي اللي انتِ ترتاحيله." "عايزة أكلم جوزي الأول، أطمن عليه. حد يديني تليفون." اقترب صهيب وضـمها لأحـضانه. "غزل إنتِ مؤمنة بقضاء ربنا، وكل 'ما يصيبنا إلا ما كتبُ الله لنا'." خرجت سريعًا من أحـضانه.

تناظره بعينين تغشاها الدموع. "متكملش ياصهيب، أنا جوزي هيجي هو وعدني وأنا بثق في وعده." سحبها حازم ليدخلها الغرفة، ولكنها وجدت سيف بآخر الممر الذي تقف به. ابتسمت له عندما اقترب. "غزل جواد عايش." أسرعت له وأمسكت بيديه. "كنت عارفة ياسيف، هو وعدني. تعالى وديني عنده." "إنت اتجننت ياحمار، إيه اللي بتقوله دا." ناظره سيف. "أنا متجننتش، جواد عايش. مالقوش جثته في العربية، الطب الشرعي قال دا واحد تاني. باسم قالي كدا."

صفعه على خديه بقوة. "فوق ياسيف واتقبل إن أخوك مات. دار حولهم، لازم تتقبلوا الحقيقة، أخوك مات." وضعت يديها بأذنيها وصرخت. "باااااس محدش يتكلم، مش عايزة أسمع صوت حد فيكم، أنا جوزي عايش." جذبها صهيب بقوة ونظر لها بغضب. "لأ لازم تسمعي، جواد مات. الشرطة أكدت لنا الخبر ودا من امبارح، عربيته انفجرت ووقعت في البحر، وهو كان فيها ياغزل. لازم تقنعي نفسك بكدا. وفوقي عشان ولادك اللي في بطنك." دفعه ريان بقوة. "إيه اللي بتقوله دا."

ضمها نغم لأحضانها. "غزل لازم تهدي عشان اللي في بطنك." ارتجف جسدها بالكامل مع كلمات صهيب. "هو اللي مجنون، جواد عايش أنا متأكدة. جوزي عايش. حبيبي عايش. 'جواد'." همست بها وسقطت ذاهبة لعالم لا يوجد به غيرها. تلقاها حازم بين يديه. وبدأ يتحدث بغضب مع صهيب. ود لو يخـنقه بيديه مما صفعه بها. أسرع سيف لإحضار الطبيبة. جلس يمسح بعنف على وجهه. الدنيا أصبحت تخنقه بما سيواجه ويتحمله.

اليوم سيكون بديلاً لأخيه، ولكن كيف يتحمل ما يراه وما يسمعه. جلس ريان بجواره، ممسدًا على ظهره. "معرفش أقولك إيه، غير أنا مش مصدق الأخبار دي الصراحة." لفت له يتمنى ما يشعر به حقًا. يتمنى أن يكون كابوسًا ويفيق منه. قاطعه اتصال مليكة. سمع لصوت بكائها. "إنتوا فين ياصهيب وليه روحنا الفيوم؟ وإيه الأخبار اللي شوفتها دي؟ معقول جواد... أبوك ممكن يروح فيها ياصهيب؟ وقف يحاول التنفس، لا يعلم ماذا يفعل.

أمانته التي تصارع آلامها وعدم تصديقها، ولا والده الذي لو علم سيسقط وربما يموت من أحزانه. حاول يملأ رئتيه بالأكسجين. لا يشعر شيئًا غير الاختناق. أخيرًا خرج صوته. "فين بابا يامليكة؟ حاولي متخليهوش يشوف أي أخبار، هو كدا كدا مسافر بكرة العمرة هو وماما، ودا كويس." صاحت بوجهه. "فين جواد ياصهيب؟ أوعى تقولي إنه مات فعلاً. أخوك فين حبيبي؟ طمن قلبي. وليه حازم مابيردش على تليفوناتي؟ استمعت لصوت ضوضاء بالخارج. نظرت من النافذة.

وجدت كم من الصحفيين الذين يتجهون لمنزلهم، والأمن يحاول منعهم. "صهيب فيه صحفيين كتير قدام البيت." مسح على وجهه بعنف وأردف. "هبعتلك حازم وسيف حالًا، وانتِ حاولي تتعاملي بحذر. إحنا لسة حبيبي منعرفش جواد فين." قالها وتمنى أن تكون كلماته حقيقية. "صحيح ياصهيب يعني جواد مامتش صح؟ أيوه هو أكيد خاطف غزل كعادته ويومين وهيرجع، ماهي غزل برضو مش موجودة من امبارح." دا مطمئن شوية. أغمض عيناه قهراً وألمًا على ما يسمعه.

نظر لحازم وسيف اللذان يقفان على باب الغرفة بصمت. "حبيبتي لازم أقفل وحازم وسيف هييجولكم." خرج الطبيب. وقف متجها له. "إيه أخبارها يادكتور؟ "هي كويسة، أنا أدتلها مهدئ مش هتصحى قبل أربع ساعات. الصدمة غلط على اللي في بطنها، ماننساش إنها في شهورها الأولى وكمان توأم." "تمام شكراً لحضرتك." قالها حازم بهدوء. اتجه لريان. "بنشكرك يا بشمهندس إنت معنا من امبارح، فيك تروح ترتاح."

"مفيش تعب ولا حاجة، أنا هوصل الشركة عندي اجتماع، ونغم هتكون معها، وياريت لو ترجع لعندي في البيت، جواد آخر كلامه تفضل عندي عشان يطمن عليها." قاطعه سيف. "هو قصده تقعد في مكان يخصك مش عند حضرتك أبدًا وتكون تحت حمايتك." أومأ حازم على صدق حديث سيف. "خلاص إحنا استأجرنا بيت هنا وهروح أجيب مراتي تقعد معها."

"لأ مفيش حد هييجي، وزي ما البشمهندس قال، هي هتفضل عنده، هو هيتصرف. لازم نبعد فترة عشان الأنظار علينا، متنسوش إن عم غزل هربان من السجن ومش هيسكت إلا لما يوصلها، وإحنا اللي ممكن نعرفه مكانها. غياب جواد جه في مصلحته." ربت ريان على كتفه. "أنا تحت أمركم طبعًا وزي ماقولتلك جواد موصيني. وحاضر هشوف لها مكان قريب خاص بيا ونغم هتلازمها، لحد مانتأكد من الخبر ولا جواد يظهر." قاطعه إتصال هاتفه. تحرك مغادرًا يعتذر.

"سلام لازم أتحرك." "أيوة." جحظت عيناه مما استمع لصوت المتصل. وقف يستمع باهتمام. "لأ ابدًا الحمد لله، تمام متقلقش، ماهي إلا دقيقتين فقط." ارتاح قليلاً واتجه لعمله. بعد أسبوع الحال كما هو. خرجت غزل من المستشفى إلى منزل خاص بريان مع مكوث نهى بجوارها، وحسين الذي ذهب بصحبة زوجته إلى الأراضي المقدسة ولا يعلم ما صار، ظنًا أن ابنه في مكان ما هو وزوجته. جلست تستنشق بعض الهواء النقي عله يهدي من نيران أشواقها له.

كان الجو يشبه الصقيع. اصطدم وجهها بالبرد القاسي الذي لفح وجهها من الشرفة المطلة على البحر. فاليوم إحدى ليالي الشتاء من شهر يناير. أغمضت عيناها وتمنت بدخوله إليها حتى يدفئها بقبلاته الساخنة على بشرتها الباردة. فتحت عيناها عندما اتجهت نهى إليها بطعامها. "صباح الخير يا جميل، عاملة إيه وحبايب خالتو المحبوبين عاملين إيه." "فين صهيب؟ فركت يديها وهربت من أنظارها. "الجواب صعب أوي كدا، متعرفيش جوزك فين؟ أجابتها بحزن.

"نزل القاهرة عشان يعملوا عزا جواد، عمو حسين عرف وتعبان في المستشفى." وقفت كأنها تلقت صعقة على رأسها. "إيه الهبل دا، عزا إيه ونعي إيه، أنا جوزي عايش." اتجهت للخزانة، وأخرجت ملابسها وارتدتها سريعا. وقفت تنظر لها بصدمة. "غزل رايحة فين؟ أجابتها بضيق. "مش شغلك يا نهى." تنهدت بضيق، فهي في حالة لا تسمع للنقاش. استدارت لها عندما وجدت حزنها. "رايحة أشوف جوزي ليه متعمد يعصيني يا نهى." طرق الباب وظهرت العاملة.

"أستاذة نغم تحت منتظرة حضرتك." أومأت لها بهدوء. "تمام روحي قدميلها حاجة وأنا نازلة." اتجهت لنهى بنظرها. "إنتِ مش سامعة صوت ابنك؟ روحي شوفي بيعيط ليه." اقتربت لها تضمها لأحضانها. "غزل حبيبتي فوقي ياقلبي، أنا عارفة صدمتك كبيرة بس دي إرادة ربنا." ابتسمت لها. "أنا كويسة حبيبتي وكويسة أوي." وضعت يديها على أحشائها. "ولادي هييجوا وأبوهم هو اللي هيشلهم ويسميهم." هزت رأسها بوجع من حالتها. اتجهت ووقفت أمامها.

"غزل بقالنا أسبوع وانتِ على حالتك دي." قاطعتها. "نهى نغم تحت عايزة أشوفها عشان ننزل القاهرة. لمي حاجة الولد عشان ترجعي معايا. ملوش لازمة قعدتك هنا." تنهدت نهى بحزن عليها، لا تعلم ماذا تفعل لكي تخرجها من حالتها. "عمك يحيى هرب من السجن ياغزل، إنتِ عارفة معنى ده إيه، ده ممكن يوصلك وينتقم لموت ابنه." ربتت على كتفها. "متخافيش، زاهر معايا وجواد هيرجع يوقفه عند حده، وأنا مش ضعيفة يا نهى." وقفت أمام نغم.

"حبيبتي ليه بتتعبي نفسك، أنا كويسة ونهى عندي." طالعتها نغم بحزن، فقد فقدت كثيرًا من وزنها مع ذبول بشرتها وبهتانها. اقتربت وجذبتها لتجلسها بجوارها. "عايزة أقولك أنا مؤمنة بكلامك ويقينك برجوع جوزك، بس ده ميمنعش إننا نحافظ على أمانته لحد ما يرجع." "أنا لازم أنزل القاهرة يا نغم، عايزة أطمن على بابا حسين." بعد فترة اتجهت لمسكنهم بالقاهرة. دلف للمنزل بهدوء، وجدت نجاة التي تجلس تنظر في شرودها الحزين ولبسها الأسود.

خطت إلى أن وصلت إليها. "عاملة إيه يا ماما." ارتجف قلبها عندما استمعت لصوتها. رفعت نظرها إليها. فجأة تساقطت دموعها. "غزل حبيبتي يابنتي." ضمّتها بقوة، أم فقدت وليدها لفترة، الآن وجدته. خرجت من أحضانها تنظر بأعين تغشاها الدموع. أحست بوخزة مؤلمة لقلبها. قبلت رأسها. "عاملة إيه حبيبتي وقاعدة كدا ليه؟ وإيه كل الأمن اللي برة دول؟ ظلت تناظر إليها كغريق وجد ضالته فيها، حيث رأت ابنها الفقيد فيها. رفعت يديها تحاوط وجهها.

"حبيبي كان بيحبك ويموت فيكي، كأني شيفاه قدامي." جذبتها وأجلستها بجوارها تضمها لأحضانها، وكأنها تستنشق رائحة ابنها بها. تلاشت بما يدور حولها، فقط تضمها لأحضانها، وتتساقط دموعها. خرجت من أحضانها. "ماما حبيبتي بتعيطي ليه؟ انتوا ليه مش مصدقين إن جواد عايش." وصل صهيب للتو عندما أخبرته نهى بقدومهما. "إيه اللي جابك من إسكندرية ياغزل؟ لم تتجه له وكأنه لم يكن موجودًا، ظلت تنظر إلى نجاة. اتجه إليها ووقف أمامها.

"مبترديش عليا أنا مش بكلمك، ليه جيتي من إسكندرية من غير ماتعرفيني؟ اهتزت نظراتها للحظات أمام غضبه الذي صورته بالهمجية. "ليه آخد إذنك؟ مفكر نفسك مين؟ جذبها بقوة حتى أوقفها. "غزل إنتِ شايفة حالة الكل إزاي، بلاش تتسرعي حاولي تخرجي من صدمتك دي، جوزك مات." وصل الجميع على صرخات صهيب. فقدت قدرتها على الحركة أو الكلام. هزت رأسها وأردفت بصوت مرتجف. "إنت مجنون أكيد، كلكم مجانين، أنا جوزي عايش." جذبتها مليكة لأحضانها وظلت تبكي.

كل ذرة بمشاعرها تنتحب من حالتها أمامها. نظرت لمليكة وأشارت لها. "مليكة انتِ مصدقة إن جواد." ارتجفت شفتيها، وزعت نظراتها بين الجميع. "كلكم مصدقين." اتجه صهيب لسيف. "خدها مع زاهر وصلها إسكندرية ويارب ميكنش حد لاحظ وجودها هنا." اقتربت وقفت أمامه بصدمة. "نعم إنت مين عشان تقولي أروح فين وآجي منين؟ لتكونش تفكر إن أصدق تخاريفكم إن جواد مش هيرجع، ولا تكون مفكر إنك جوزي." "اعتبريها من النهاردة كدا." جحظت عيناها من كلماته.

دفعته بكل قوتها وصفعته بقوتها. برقت عيناه وتنافرت عروقه من فعلتها. اقترب كثور هائج. "كنت عارف ياغزل صعب التعامل معاكي، بس بحذرك دلوقتي مفيش كلام هيتراجع بعد كلامي، ودلوقتي هترجعي اسكندرية بالطيارة كمان وهتفضلي هناك لحد ما تولدي." اقترب أكثر حتى أصبح بمواجهتها، ينظر إليها والشرر يتطاير من مقلتيه، وأردف مايكسر ظهر البعير. "أنا دلوقتي مكان جواد، سمعتيني وغصب عنك." اتجهت نهى لهما لكي تهدئه عندما ساءت الأحوال بينهما.

"صهيب إهدأ حبيبي مينفعش." صرخ بوجهها: "محدش يقولي إهدأ، أنا مش مجنون، أنا قلت اللي عندي." نظرت نهى له بصدمة ثم اتجهت بنظرها لغزل، ولكن غزل أصبحت كالمهر الجريح. "آخرص إنت مفكر نفسك مين، أنا متجوزة من جواد الألفي اللي هيفضل اسمه مرتبطني لآخر يوم من عمري. فوق ياحضرة الدكتور، متعملش عليا كبير، أنا مش ضعيفة." اقتربت وهمست له بصوت كاد أن يكون متزنًا رغم شراسة نظراتها له.

"أنا غزل جواد الألفي تربيته قبل ما أكون مراته، ومتفكرش إني هقبل لمجرد هزار حتى، أنا رافضة كل اللي بتعملوه دا. أنا جوزي عايش وهيرجع وقريب أوي. وطول ما أنا مدفنوش بإيدي يبقى عايش ياحضرة المهندس الذكي. وهيرجع وهعلمه وأعملك الأدب." نظرت حولها في أرجاء المنزل ووضعت يديها على أحشائها. "حتى هو قريب مني أقرب من اللي في بطني." أشارت لقلبها.

"طول ما بينبض جواد عايش. بدل ما واقف تتشطر عليا روح شيل نعي أخوك اللي ملى السوشيال ميديا، ويا ريت مشفتوش وشك قدامي، لأني هزعلك بجد." قالتها ثم تحركت مغادرة. جلس صهيب واضعًا رأسه بين راحتيه. "روح وراها ياسيف، أو كلم حازم يهديها." ربتت نهى على كتفه. "ليه بتكلمها كدا ياصهيب؟ كنت قاسي معها." مسح على وجهه بعنف. "لازم تخرج من صدمتها، لازم أقسى عليها، دي رافضة الحقيقة، خايف عليها بعد كدا."

"متخليهاش تمشي ياصهيب هاتلي غزل في حضني يابني كفاية جواد وأبوك." جلس على عقبيه أمامها. "ماما حبيبتي لازم غزل تبعد عننا الفترة دي، عشان نقدر نحافظ عليها وعلى اللي في بطنها. أنا لوحدي، بتخبط من الكل." شهقت والدته شهقات متتالية بصوت مرتفع. "أنا كمان حاسة إن جواد عايش، حاسة إنه قريب مننا يابني." "إنت هتعملي زيها ياماما." "خدني لأبوك ياصهيب عايزة أروح أشوفه يابني."

بعد أكثر من ساعتين وصلت إسكندرية وهي تشعر بآلام في أسفل بطنها. أسرعت للأريكة الموجودة بغرفة المعيشة، ظلت تبكي بوجع قلبها، والآلام داخل أحشائها. صرخت من شدة آلامها. أتاها العاملة. "دكتور إنتِ تعبانة." اتصلت بنغم هانم. أشارت بنعم. بعد قليل وصلت نغم بالطبيب. حذرها الطبيب من حركتها ومن سفرها، ولكن لم تأخذ بكلماته. "أعطاها بعض الأدوية الخاصة بتثبيت الحمل، مع تحذيراته المستمرة." كان يظهر عليها الألم والحزن في آن واحد.

دخلت نغم إليها بنوع من الشوربة المفيدة لحملها ولتدفئتها في هذا الجو القاسي بالإسكندرية. وضعت الطعام بجوارها. ربتت على ذراعها. "لازم تاكلي أي حاجة ياحبيبتي، إنتِ إزاي تعملي حاجة زي كدا، لسة في شهورك الأولى وتسافري المسافة دي كلها وترجعي في نفس اليوم." مسحت على شعرها عندما وجدت دموعها تنسدل كشلال على وجنتيها. "عايزة أنام لو سمحتي يانغم، روحي لأولادك." حازم كلمني وجاي هو ومليكة في الطريق. قاطعها صوت هاتفها.

"أيوة حبيبي." "لأ." بعدت عنها بعض الخطوات وأردفت. "تعبانة أوي ياريان والدكتور مطمنيش، لوجع بطني وظهري بيقول ممكن نفقدك في أي وقت." كان يقف بجواره، شعر بأن الأرض تميد به وأصبح قاب قوسين أو أدنى من فقدان وعيه، عندما شعر بآلامها. جلس يضع رأسه بين يديه عاجزًا لا يعي ما يدور حوله، شعور بضعف الدنيا يحتل كيانه ورغبته في ضمها واطمئنانها. انتهى ريان من مكالمة زوجته واتجه جالسًا بجواره.

"هتعمل إيه، الدكتور مش مطمن للحمل، وكمان هي لسة مصرة إنك عايش." ابتسم عندما تخيل حالتها وهي تناطح الجميع. فجأة استمع لرنين هاتف ريان. "خد دي مكالمة فيديو نغم هتصورها زي ماطلبت منها." أمسك الهاتف ويداه ترتجف. وقف ينظر لهاتف ريان الذي تركه وغادر للخارج. تتسطح على الفراش تمسك بصورته وتضمها لقلبها وتنسدل دموعها بصمت. تتحدث إلى الصورة بقلب مفطور. "ليه محدش مصدقني إنك عايش." لامست صورته بأنامـ لها الرقيقة.

"كدا ينفع ياجود، أنا زعلانة منك ومخصماك، قدرت تبعد عني شهر كامل حبيبي، طيب أنا موحشتكش." وضعت يديها على أحشائها. "ولادك دول ذنبهم إيه." أزالت دموعها وأردفت. "طيب تعالى عشان أنت وحشتني أوي، تعالى أشبع منك ومن ريحتك وبعدين اختفي تاني." ضمت الصور لصدرها كادت أن تعتصرها. وآهة خرجت من أعماقها. "آه يا وجع قلبي عليك ياحبيبي وأنا معرفش إيه اللي حصل معاك، آه يارب، الصبر من عندك يارب."

كان يستمع إليها تكاد مقلتاها تخرج من محجريها وقلبه أوشك على التوقف من فرط ألمه عليها. انسدلت دموعه. أسرع للخارج. قابله ريان. "رايح فين ياجواد؟ "رايح لها مستحيل أسبها دقيقة واحدة وهي كدا." أمسكه من ذراعه. "بس دي مخاطر، متنساش أهلك في أمان دلوقتي عشان فكروا إنك مت، ولسة ممسكوش عمها، وسفرها للقاهرة دا ممكن يكون فيه خطر." يعني حد راقبها.

"شوف أنا مقتنع من اللي قاله حضرة الضابط باسم، يمسكوا بس الناس اللي بدأوا يكبروا في البلد، ويبيعوا ويشتروا في البلد بفلوسهم القذرة." وأكمل مفسرًا. "يعني دلوقتي انت ميت في نظرهم، هيبدأوا يخرجوا من صمتهم ويلعبوا. في نفس الوقت أهلك بأمان. أما عن عمها مستحيل يعرف يوصلها، وإحنا مأمنينها كويس." "اقعد وأنا عندي فكرة حلوة هتريحك." نظر له عندما وصله مايفكر به. "لأ بلاش، أنا مصر أروحلها."

"ويحصل اللي يحصل، أهم حاجة أروحلها حالًا." توقف. "زاهر قال مفيش حد شافهم، هي مقعدتش غير دقايق هناك، غير عربيات الأمن محاصرة المكان، أنا لازم أروح أطمن عليها." أوقفه ريان. "حازم ومدام مليكة في الطريق." وقف يطالعه. "أنا لازم أشوفها وأطمنها." زفر ريان بوجع على حالته. "عارف أن الموضوع صعب، بس خلينا متفقين أن كدا أمن لها، وأحسن حاجة إنها معتقدة إنك عايش."

جلس عاجزًا يتمنى لو يصل إليها ويأخذها بأحـضانه، يستشم تعبير رائحتها. حقا لقد اشتاق لها حد الموت. عند غزل. أمسكت نغم حقيبة يديها مقبلة رأسها. ".. وأنا نص ساعة كدا هشوف الولاد وأجيلك." ربتت على يد نغم. "أنا كويسة، ماتشغليش بالك وزي ماقولت حازم ومليكة على وصول." خرجت نغم وتركتها بمفردها. أمسكت الهاتف تنظر لوصولهما. وجدت صورة لهما التي كانت بشرم الشيخ. تذكرت اليوم التالي. فلاش باك. فتحت عينيها.

وجدته يجلس يناظرها بنظراته العاشقة. اقترب من شفتيها مقتطفًا قبلته الصباحية. "صباح الحب ياقلبي." رفعت أناملها على وجهه. "صباح العشق ياحبيبي." نزل بجسده محاوطًا خصرها. "دا كله نوم، ينفع كدا تسبيني الوقت دا كله مشتقالك." وضعت يديها بخصلاته. "آسفة حبيبي نمت ومحسيتش بنفسي." جذبها بقوة لأحـضانه. تمنى أن يدخلها بقلبه. بعد فترة من قبلاته الصباحية. اتجه بها للمرحاض ليتنعما بحمامهما الدافئ.

عصرًا توجها لمطعم مشهور بهذه القرية التي يستقرون بها. كان المكان هادئًا على غير عادته في فصل الصيف. تناول غداءهما. ثم اتجه وأركبها الناقة، وظل يسير لمخيم بعيد بمسافة قليلة. أنزلها بهدوء محاوطًا خصرها. "حلو ركوب الجمل." "جدا ياحبيبي." "تحس إنك شوية وتمسك السحاب." قهقه عليها. "حبيبي إنتِ كنت راكبة جمل مش باراشوت." ضحكت مثله. "ماهو عامل زي الباراشوت برضو."

رجع مساءً بعدما زارا بعضًا من الأماكن السياحية الموجودة بالقرب منهما. قام بإشعال المدفأة، وأحضر الطعام الذي جلبوه من الخارج كان عبارة عن أنواع البيتزا التي يحبونها سويًا. أشعل الإضاءة الخافتة مع الموسيقى الهادئة. جلس ينتظرها حتى تنهي حمامها. بالأعلى أخرجت بدلة الرقص التي ابتاعتها اليوم من إحدى المحلات التي شاهدتها. استغلت انشغاله بالهاتف، وقامت بشرائها.

ارتدتها مع لمساتها التجميلية، برسم عينيها بالكحل العربي، وأحمر شـفاه ذات اللون الداكن، مع خلخالها، تاركة خصلاتها للعنان، مع رائحتها الخلابة، فقد استخدمت أفضل العطور. إليها. نظرت برضا لنفسها بالمرآة. ثم اتجهت للأسفل حافية القدمين. كان يجلس يوليها ظهره، والتفت عندما استمع لصوت خلخالها. اتسعت بؤبؤته شيئًا فشيئًا عندما رآها بتلك الطلة.

بدلة رقص يقال عليها لا يوجد بها أقمشة من قطعة واحدة، معظمها من الخيوط، تبرز جسدها الرشيق ومنحنياتها الخطرة وبياض بشرتها بسخاء، تام أمام عينيه. ناهيك عن لمساتها التجميلية ورائحتها التي نفذت لرئتيه. خطى إليها بتمهل. كانت تهبط درجات السلم الخشبي بدلالها الأنثوي، كأنها تخطو فوق قلبه الذي أصبحت نبضاته الهادرة تتخبط بين ضلوعه وكأنها تعلن ثورتها في عشقه لها. تطلبه بالكثير في ذلك الوقت. وصلت أخيرًا إليه. ينظر إليها فقط.

بدأ يدندن لها. تقابلت العيون التي أوقدت نيران العشق بقلبهما. جذبها بقوة حتى أصبحت بأحـضانه. رفع أنامله يتلمس وجهها بعشق. بدأ يدندن لها. "حبيبتي ترقص حافية القدمين." لفحت أنفاسه الساخنة صفحة وجهها الناعم، بل شعرت بحرارته المنبعثة من جسده، عندما حاوطها بذراعيه دافنًا أنفه بعنقها. "ناوية على إيه ياحبيبة جود؟ رفعت نفسها وطوقت عنقه متحدثة بدلال. "ناوية أعيش جوزي حبيبي في سعادة محدش عاشها قبله في حياته."

اقتربت تنظر لشفتيه مرة ولعـينيه مرة، رافعة يديها متحسسة ذقنه النابتة. "ناوية أخليه ميشوفش غير غزل بس." "ناوية أخليه يمشي ووجه ينور بسعادة الدنيا." همست أمام شفتيه بشفتيها المطلية بالأحمر الناري. "عايزة جوزي حبيبي أسعد راجل في الدنيا دي كلها." قالتها وخطت لهاتفه تغلق الموسيقى الهادئة وتبدلها بأغنية شعبية للرقص. خلع شاله الملتحف به حول عنقه، وتقدم بخطواته إليها، ممسكًا هاتفه من يديها، وقام بتشغيله لأغنية الرقص.

وقف أمامها رافعًا شاله مقربها إليه عندما صدحت الأغنية بالأجواء. حاوط خصرها وعاقد شاله حولها وأردف وهو مازال مطوق خصرها. "عايز أشوف إبداع مراتي حبيبتي." ضحكت بدلال أمامه، وقامت تتحرك بخجل في البداية. جلس أمامها ونظراته تفترسها.

"كان جسدها يتمايل برقة مع الموسيقى، مبدعة بحركاتها الأنثوية. رغم أنه رأى رقصاتها قبل ذلك ولكن اليوم مختلف، بحركات الإغراء لديها، قدماها الحافيتين تتحركان ببطء مع صوت خلخالها بتناغم حركاتها، تتمايل برقة أمامه، كأنه تتمايل وتتلاعب بقلبه. بات مذهولًا من حركاتها عندما نست خجلها منه وذهبت بعالم رقصها مع الموسيقى.

"جنيته الصغيرة تكاد تفقده عقله مثلما فقدته قلبه. جسدها يظهر أمامه بطريقتها المغرية مما أهلكت روحه وخلاياه بالكامل." وقف متجها إليها عندما فقد قدرة تحمله. كانت نظراتهما متشابكتين ببعضها. ضغط على هاتفه، وقام بحملها دون أي حديث متجها بها للأريكة التي توضع بغرفة المعيشة. ابتسمت خجلًا عندما ناظرها بنظراته الراغبة بها. عندما خفق قلبه بشدة وشعر بجمرات تحرقه داخليًا.

سيطر الخجل عليها وشعرت بقلبها كاد أن يخرج من ضلوعها من همساته لها بكلمات عشقه. وضعها على الأريكة بهدوء كأنها أغلى الجواهر لديه. وضع يديه على بشرتها التي تظهر أمامه بوضوح. استنشق رائحتها التي أذابته وأشعلت نيرانه أكثر فأكثر. وضعت يديها على عينيها عندما قام بتمزيق تلك التي لا تعتبر شيئًا. أزاح يديها ناثرًا قبلاته فوق عنقها وجسدها بالكامل، ليذهب بها لعالمه الخاص الذي يمتلكه وحده وليس لأحد غيره.

خرجت من ذكرياتها وازدادت دموعها عندما شعرت باشـتياقها المتعب لقلبها. بعد شهرين وما زال الوضع كما هو. أتت نغم لتأخذها هي ومليكة لمتابعتها الشهرية. كان يجلس بغرفة ملازمة لغرفة الكشف، وبابها مفتوح حتى يسمع ما يقال. تسطحت على فراش الكشف. وقفت نغم تنظر للذي يقف بداخل الغرفة يكاد قلبه يخرج من بين ضلوعه. "الأوضاع مش تمام أوي يادكتور، فيه جنين فيهم ضعيف جدًا. أنا المرة اللي فاتت حذرتك."

"بحاول آكل والله بس مش قادرة، كل حاجة برجعها يادكتورة." وقفت تنظر لها. "شكلك مش عايزة الحمل دا يادكتورة." ارتجف قلبها، واضعة يديها عليهما. "الحمل دا أغلى من حياتي يادكتورة." انشطر قلبه لصوتها الحزين. زفرت الدكتورة من حالتها اليائسة. "إحنا دخلنا الشهر الخامس. دلوقتي لو عايزة تعرفي نوعهم إيه." قاطعتها. "لأ مش عايزة أعرف، المرة الجاية أبوهم هيكون معايا إن شاء الله وقتها يبقى قولي." قالتها مع انسدال عبراتها.

ضمتها مليكة لأحضانها. "إهدي يازوزو حبيبتي، إحنا قولنا الزعل مش حلو وبيرفع الضغط." ساندتها مليكة وساعدتها في اعتدال ملابسها، متجهة للمقعد. "أنا تعبانة عايزة أروح يامليكة." ضمتها مليكة وخرجت لحازم الذي ينتظرهما بالخارج. جلست نغم أمام الطبيبة ودخل حازم بعد خروجها. "إيه يادكتورة أخبار الحمل." هنا خرج جواد من الغرفة. جحظت عيناه عندما رآه. "جواد." أردف بها بذهول. اقترب جواد يضمه ويربت على ظهره. دفعه حازم بقوة.

"إنت إزاي. أومال دفنا مين مكانك." وقفت الطبيبة. "أنا هلف على المرضى بتوعي." خرجت الطبيبة وتابعتها نغم الذي نظرت لهما. "أنا هلحق غزل ومليكة." أومأ جواد لها. "شكرًا يا مدام نغم." كان يقف مذهولًا مما يحدث حوله، يشعر بصاعقة على رأسه، لا يعي ما يدور. "معقول إنت عايش، يعني تلات شهور عايشين في حزن ووجع وإنت عايش." نظر للباب الذي خرجت منه غزل.

"ذنبها إيه تعيش الحزن دا كله، ذنبها إيه كل ليلة تنام ودموعها على خدها، لدرجة دي محدش فرق معاك." توقف عن الحديث. "صهيب كان يعرف." أشار بيديه. "لأ أكيد، معقول لأ." ظل يرددها كالمجنون. جذبـه جواد وأجلسه بجواره. "اقعد يا غبي واحكيلك كل حاجة. محدش يعرف غير ريان." "إنت اللي كنت في الشقة من أسبوعين، إنت اللي غزل شافتك وفضلت تنادي عليك وأنا فكرتها اتجننت."

"ياحازم كان لازم أعمل كدا، في مهمة صعبة ولازم نعملها بدون خسارة حد فينا. باسم ابنه اتقـتل قدامه، عارف دا معناه إيه؟ معناه ممكن أموت لو حد فيكم حصله حاجة. أنا لازم أحميكم لحد ما نقبض عليهم." قطب جبينه. "وغزل يا جواد ذنبها إيه تعيش الوجع دا وهي حامل." "دي بتموت قدامي كل يوم وأنا عاجز. ولا صهيب اللي عمال يخنقها بتحكمه ومفكرها اتجننت عشان يفوقها من صدمتها. تعرف قالها إيه." ضيق عيناه متسائلاً. "عمل إيه صهيب؟

وقف حازم ونظر لخارج النافذة. "قالها هتجوزك." هزة عنيفة أصابت جسده مما جعلته يفقد قدرته على الحركة والنطق. "صهيب قالها كدا." مسح حازم على وجهه بعنف. "الدنيا ولعة فوق ما تتصور بينهم. هو مفكرها تحت صدمتها وعايز يخرجها بصدمة أكبر، وهي كرهته ومش مستحملة تشوفه قدامها." أومأ برأسه بفهم. "دلوقتي خد مليكة وارجع القاهرة ومش هحذرك ياحازم ممنوع حد يعرف حاليًا، حتى مليكة. أنا هنا أسبوع وبعد كدا ريان هيكلمك ترجع هنا."

"إفهم من كدا إنك هتشوف غزل." تنهد بحزن يعلم أن المواجهة ستكون قاسية. مساءً كانت تتسطح على فراشها، وهي تبتسم من حركات أولادها. دخلت العاملة بكوب من العصير الطازج، مع بعض الفواكه. "البشمهندس حازم وصاني لازم حضرتك تاكلي الحاجات دي كلها." أومأت برأسها وتحدثت. "تمام يانهلة فيكي تروحي ترتاحي أنا هشرب العصير وآخد شاور وأنام." ابتسمت لها العاملة. "تحبي أجهزلك الحمام." ابتسمت غزل. "متشكرة أوي." قطبت جبينها وتساءلت.

"غريبة نغم ماجتش النهارده." أجابتها العاملة بابتسامتها. "اتصلت من شوية أطمنت عليكي وسألت إن مليكة هانم مشيت ولالا." "تمام روحي إنتِ." بعد قليل تحركت للمرحاض بعد ما العاملة خرجت. بعد فترة تجلس أمام المرآة تحاول أن تجفف شعرها، ولكن جسدها متعب للغاية. اتجهت للخزانة أخرجت تي شيرت يخصه مريح لأعصابها وجسدها. ارتدت إسدالها، جلست تؤدي فرضها من صلاة العشاء ثم اتجهت لفراشها. تمددت وأمسكت هاتفها مع تناولها بعض الفواكه.

كانت تشاهد لبعض عمليات استئصال الأورام. شعرت بحركة داخل أحشائها. "مالكم ياحبايبي النهاردة." ابتسمت وهي تملس على بطنها. "شكلكم فرحانين بالشور زي مامي، ولا تكونوا بترحبوا بريحة بابي في تي شيرته." نظرت للبعيد ثم وضعت يديها على بطنها. "شفتوا بابي عمل فينا إيه. طيب أنا مشتقاله ونفسي أشوفه حالا أعمل إيه." سمعت طرقات على باب الغرفة. "قطبت جبينها وتساءلت." "معقولة نهلة لسة صاحية؟ "أدخل." قالتها بصوت متعب.

"دلف بحركات بطيئة ليرى ردة فعلها، في نفس الوقت سمعت رنين هاتفها فكان المتصل نهى." أمسكت هاتفها تجيب نهى، ولكن سقط الهاتف من يديها عندما تسربت رائحته لأنفها. رفعت عينيها، تنظر لذلك الذي يقف أمامها كطفل منتظر العقاب. اتسعت حدقتاها شيئًا فشيئًا، وصدمة قوية زلزلت كيانها. شعرت برجفة شديدة بجسدها عندما اقترب منها. ورغم ما شعرت به إلا أنها وقفت سريعا. أسرع إليها عندما وجدها تريد الاعتدال.

جثى على ركبتيه أمامها، ممسكًا بوجهها حتى يتمالك من نفسه لقوة اشتياقه لها. سكنت لثوانٍ تتأمل قسمات وجهه الجميل. رفعت أناملها تتحسس وجهه. "حبيبي إنت قدامي صح أنا مبحلمش." ضمته بقوة وظلت تبكي بشهقات مرتفعة شقت قلبه لنصفين. ظلت تبكي وتبكي إلى أن اختفى صوت بكائها، وبدأت تتمسح به كقطة أليفة ولا تنطق سوى "أحمدك وأشكر فضلك يارب." آهة وآهة من فراق حبيب ظن البعض إنه دُفن ولم يعود.

ولكن كيف لقلب العاشق يصدق ما يقال وما زالت نبضاته تنبض بالحياة. وضعت يديها على فمها لتمنع شهقات بكائها، فقط تريد أن تستمتع بأحـضانه. فقط تريد أن تصدق إنه واقعي وليس بأحلامها الوردية. اقترب يطبع قبلة عميقة فوق جبينها المغطى بخصلاتها الناعمة التي تنسدل بعشوائية على وجهها. لامست وجهه، واغمضت عينيها تستمتع بشفتيه على جبينها. حركت يديها على وجهه بالكامل. "كنت متأكدة إنك عايش. فكروني مجنونة." "هو أنا فعلاً مجنونة."

"مجنونة بحبك." اقترب مقبلاً شفتيها بقبلة عميقة، ليبرد نار اشتياقه لها. ظل يقبلها لوقت طويل، طوقت عنقه، وبادلته جنونها القاسي في عشقها له. بدأت تعاقبه بشراسة بقبلتها له، ثم دفعته بعيدًا عنها عندما استعادت وعيها من اشتياقها. شهقات خافتة انفلتت منها عندما وجدت نفسها ابتعدت عنه. جلس بجوارها ضامًا إياها لجسده. وضع ذقنه على رأسها. كان ما يؤرق روحه أكثر مواجهتها بعد غيابه.

رغم اشتياقه الجارف لها ولكن قلبه يأن احتراقًا لرؤيته لها بهذا الحال. "حبيبي وحشتيني فوق احتمال قوة البشر، عارف إنك زعلانة مني." تنهد بحزن. "ليكي حق ياقلبي، ولو عايزة تضربيني وتطرديني مش هقولك لأ." رفع ذقنها ناظرًا لترانيمها المقدسة لقلبه. "صدقيني غصب عني، كان لازم أعمل كدا." مـطت شفتيها بحزن ونظرت للأسفل وتحدثت بصوت حزين.

"أنا كنت بموت كل يوم، وحضرتك عايش ومش قادر تطمن روحي. كل يوم أصبّر نفسي وأقول هييجي النهاردة، وأستناك." رفعت عينيها وتلاقت بعينيه. "كنت قاسي أوي يا جواد، كنت قاسي كعادتك معايا." انسدلت عبراتها تحرق وجنتيها. "عندك حق تعمل أكتر من كدا، ما أنت سبتني قبل كدا أكتر من أربع سنين، إيه يعني لما أعملها تاني كام شهر وأوجع قلبها تاني."

انتفض قلبه وجعًا وألمًا من كلماتها وبدأت دقاته تتفاني عندما حكمت عليه، ورغم ما شعرت به إلا أن دموعها تكوي قلبه. "غزل." خرج اسمها من بين شفتيه بنبرة مثيرة مستمتعًا بنطقها. رفع وجهها بين راحتيه ينظر لعيناها مقبلاً خديها، مقتربًا من شفتيها. "أنا كنت بتعذب أكتر منك حبيبي، كنت بتمنى أسمع اسمي بس منهم." قالها وهو يلمس شفتها. اقترب أكثر. "وحشتيني لدرجة خايف عليكي مني."

قالها مغمضًا عينيه وهو يدفن أنفاسه بعنقها مقبلاً بهدوء طاغي لروحها. كانت ترتجف بين أحـضانه، حبست أنفاسها وارتفعت دقات قلبها التي كادت تشق صدرها، أغمضت عينيها تحمد ربها على وجوده بجانبها أولًا، تستمتع بلمساته وهمساته بعشقه لها، ورغم اشـتياقها الجارف له وتمنيها سحق نفسها بداخل أحـضانه إلا أنها استدارت ووضعت رأسها على الوسادة أخيرًا وهي تبكي من السعادة وتبتسم من وجوده وأقسمت لتعاقبه عقابها الشديد.

ضمها لأحـضانه يهمس بجانب أذنيها. "؛ انسـي ياروحي اللي بتفكري فيه، مستحيل تبعدي ولا لحظة عني." أقشعر جسدها من أنفاسه الحارة التي ضربت بشرة عنقها عندما رفع خصلاتها دافنًا وجهه يرويها بوابل بقـبلاته العـاشقة. التـفتت له عندما جذبها لوجهه، نظرت بعينان تقطر دموعًا ووجعًا من غيابه. زفرة خافتة خرجت من جوفه.

"بعد ما سبتك اتحصرنا في الوقت اللي بنحاول نقبض عليهم هم حاصرونا، كان فيه منهم قدام حضانة حمزة ابن باسم، خطفوه ليومين وفي الآخر رجعوه لأبوه مقتول." وضعت يديها على فمها من الصدمة. "باسم اتصل قبل مانروح للدكتورة، وعرفت إن حمزة مات والناس دي ميتلعبش معاها. عارف إننا جهاز كبير بس إنتِ متعرفيش بتحاربي مين بالضبط." استنشق بعض الهواء يملأ رئتيه. "شكل الولد وهو غرقان بدمه وجعني أوي ذنبه إيه، لو تشوفي حالة باسم وقتها."

انسدلت دموعه على وجنتيه. "لما اتحاصرنا وإنت بين إيدي مفكرتش في غير حاجة واحدة أكيد إنهم هيروحوا لأهلي، ويموتوكي." جذبها يضمها بقوة كأنها أصابها شيء. أخرجها من أحـضانه. "وبالفعل كان فيه عربية عند الفيلا، وحصل هجوم بين الفريقين والشرطة اتدخلت والحمد لله عرفوا يسيطروا، وخليت سيف ياخد بابا وماما ومليكة ونهى للفيوم، مفيش قدامي غير صهيب وحازم اللي بقالي فترة بعلمهم إزاي يأمنوا نفسهم كويس ويتدربوا، غير الحراسة."

"عمك قطع شره ونقلوه للمستشفى وهرب من هناك، خارج عشان ينتقم وياخد حقه." لمس وجنتيها وتحدث. "عمك كان شغال مع مهربين آثار وتجار أسلحة وغسيل أموال، ساعدوه وعرف يهرب واللي كنت خايف منه حصل، راقبنا وعرف مكانا وبعت اللي يقدر يحاصرنا. اتصلت بريان مكنش قدامي حد بعيد عن عمك مايعرفوش، وإحنا حاولنا نخرج من الحرب اللي كانت بين المافيا وبين الشرطة."

"باسم قالي اركب العربية وادخل من طريق النيل، وكانت دي خطة أنهم يضربوا عربيتي أو يفجروها في الوقت اللي قبل طريق النيل في الإشارة، لقيت عربيتي اتفتحت وواحد من ضباط المخابرات خرجني وركب واحد تاني وخرجنا في إشارة مرور، دا ما أخدش غير دقيقة بالضبط، كان فيه أكتر من تلات عربيات محاصريني، يعني كنا مخططين لكل حاجة، وفعلاً ضربوا العربية واتفجرت ووقعت في النيل." "والباقي إنتِ تعرفيه." "ليه ما اتصلتش يا جواد بيا؟

آخر ست شهور ولا مرة قدرت، ولا بابا حسين مصعبش عليك." مسك وجهها بين يديه. "مكنش ينفع تليفونكوا مكناش نعرف مترقبة ولا لا، أخدنا احتياطياتنا. بعد شهر من الحادثة، فعلاً خرجوا وبدأ يشتغلوا تاني." "مسكنا كتير منهم بس لسة اتنين وعمك، دول قربنا نوصلهم يعني خلاص." "المخابرات مش ساكتة وإحنا كمان." "وإشاعة موتك فادتهم بإيه." ابتسم يمسح على شعرها.

"رجعت سينا ياقلبي عشان دا مكان الخطر كله، فكان لازم أصطادهم واحد واحد وهم مفكريني إني مت وبدأ يشتغلوا براحتهم." "بس مكنش بيعدي يوم واحد من غير ما أشوفك وأسمع صوتك." اقترب وقبلها بقبلاته العـاشقة. "لسة زعلانة يا أم عيالي." فجأة ضحكت بصوت مرتفع مفزعة من مكانها. أمسكت يديه ووضعتها على بطنها. "شوف العيال دول بيعملوا إيه، من ساعة ما رجعت من عند الدكتور ماسكتوش." ابتسم عندما شعر بحركاتهما تحت يديه.

"عاملين إيه حبايب بابي، مين فيكم الوحش الضعيف اللي مبيأكلش كويس." برقت عيناها من كلماته. "كنت هناك." رفع تي شيرته الخاص الذي ترتديه وقبّل بطنها. "كل كشف بكون هناك، وأنا اللي بحجزلك." رفعت أناملها أخيرًا على وجهه واقتربت تقبله برقة. تولى قبلتها وهو يلتـهب بنيران اشـتياقه الجارف لها. ليأخذها مرحبًا بجنان الخلد الخاصة بهما وحدهما. بعد فترة كانت تجلس بأحـضانه يطعمها الفواكه وهو يضمها بقوة لأحـضانه.

"إيه موضوعك إنتِ وصهيب دا." توقفت عن الطعام. "ولا حاجة... صهيب وإنت عارف هزاره التقيل، بس وربي لأعلمه الأدب، دا مفكرني اتجننت." ولكنها توقفت فجأة. "هو كان يعرف إنك عايش؟ "دا عامل كبير عيلة." وضع الموز بفمها. "لسة حازم قايل لي النهاردة، متزعليش منه، هو كان خايف عليكي لتكوني اتجننتي فعلاً ياحبي." نظر إليها ودقات قلبه بالارتفاع. "بحبك بجنون وحبيتك أكتر لما عرفت اللي عملتيه في صهيب." وضع جبينه فوق جبينها.

"لدرجة دي ثقتك إني عايش." لامست وجهه وقبلت خديه. "العشق بينبض القلوب ياحبيبي، وطول ما قلبي بينبض باسمك إنت عايش ومحاوطني بأمانك." "إيه الجمال دا، التيشيرت مخليكي قمر." ضحكت عليه بأصوات مرتفعة. "لأ والله يعني هو حلو وأنا لأ." اعتدلت على ركبتيها الذي يصل آخر لبسها فأظهرت سيقانها، أمامه واضعة يديها بخصرها. "هو فعلا اللي حلو عشان بتاعك وفيه ريحتك اللي بتريح أعصابي."

"غزل اسكتي مش هسألك تاني على حاجة، عايز ولادي يجوا بالسلامة." تحركت أناملها بخفة على ملامح وجهه التي تعشقها ثم رفعت وجهه مضيقة عينيها. "مش فاهمة تقصد إيه؟ ظل ينظر إليها بنيران اشـتياقه لها تمركزت عيناه على شفتيها وهي تتحدث تمنى لو يسحقها، تمنى أن يقضي ليلته معها للصباح كما كان يفعل. اقترب ولمس كريزيتها المغرية لقلبه. "قصدي إنك وحشاني لدرجة مخلياني خايف على الولاد."

نامت على كتفه عندما فهمت ما يشير إليه، ماسكة بيديه التي وضعتها على أحشائها. "إنتوا بترحبوا ببابي ياحبايب قلبي." تلاقت عيناه بعينيها وارتجفت شفتيه ونطق. "بابي." رغم إنها من أربعة حروف خفيفة إلا أن واقعها على القلب أشد وأشد. حملها وهو يطلق ضحكاته بصخب من فرحته. "وحياة بابي ياحلوين لأخلي بابي يحميكم إنتوا ومامي." أطلقت ضحكاتها التي أنارت وجهها وتحدثت بدلال.

"دا بابي بيتلكك عشان عايز يعوم مع مامي، بس متخافش البانيو هنا واسع أوي يعني هياخدنا إحنا الأربعة." وقف ونظر لها. "نعم ياختي أربعة مين، هم المفاعيص دول هيدخلوا البانيو معانا، دي وهما جوه عشان بس أدلل مامي حبيبة قلبي." "جودي حبيبي ولادي هيستحموا كل مرة معايا في البانيو واللي عجبه يامرحبتين واللي مش عجبه." رفع حاجبه. "يعمل إيه يامامي." "يعمل عريس زي زمان."

"وحياتك بابي بيندم ونفسه في ليلة من بتوع زمان والقمصان اللي كانت بتنزل في الأرض زي الرز." ضمها لصدره وهو يبتسم بوجهها. "تسلملي روحي وضحكتها اللي نورت وجهها." "بقولك مفيش رقصة من بتوع زمان." طوقت عنقه واقتربت ترفع حاجبها كالأطفال. "كان عندنا وخلص ياحبيبي." "لأ ياحبي طول ما انتِ موجودة عمره مايخلص، اصبري بس لما تجيبي الحلوين حبايب مامي دول، وبعد كدا نشوف غيرهم." ظلت تناظره بحب وترسم ملامح وجهه بقلبها.

هذا الرجل يعني لها أكسيد الحياة. كيف ستعيش إذا أصابه مكر وه. هنا أغمضت عينيها بألم، مجرد تخيلها. أنزلها وما زال محاصر خصرها وهي تطالع ملامحه القريبة لها. كان منشغلًا بوضع سائل الاستحمام وتشغيل المياه. اتجه بنظره وجدها تطالعه. ابتسم وأردف مشاكسًا. "عارف نفسي حلو أوي." وضعت رأسها في صدره وتنهدت تتمنى لا تخرج من أحـضانه. "أوي يا جواد، إنت أحسن راجل شافته عيني حبيبي." خرجت من أحـضانه. "ربنا ما يحرمني منك أبدا."

لامست وجهه بحب. "أنا مش محتاجة من الدنيا دي غير حضنك ليا وأمانك اللي محوطني." انسدلت دمعة من عينيها وطالعته. "اوعدني هتخاف على نفسك عشانى يا جواد، أوعدني قبل ما تعمل حاجة فيها خطر على حياتك." "تفتكر حبيبتك هتقدر تعيش من غيرك." ظل ينظر لها بصمت. ملامحها الحزينة تصـفعه بقوة. اليوم فقط كره عمله الذي يعشقه. اليوم فقط تمنى أنه لم يعمل بهذا المجال. اليوم فقط تمنى أن ينفصل عن كل شيء سواها هي.

ضم وجهها بين راحتيه وأردف بصوت مبحوح بالمشاعر.

"أنا عايش وبتنفس عشانك إنتِ وبس. حياتي كلها قبل مااتـجوزك مكنتش حياة. اعتبري أنا اتولدت من يوم ما اتكتبتي على اسمي، من يوم وجيتي وقولتي إنك بتحبيني. وقتها بس بقيت أعد كل دقيقة في عمري. وقتها وحسيت إن كل دقيقة معاكي تساوي عمر وأنا بعيد عنك. عمري ما عرفت معنى الخوف إلا لما بقي دا بينبض لك. بقيت أخاف إن ساعة واحدة تعدي بعيد عنك. بقيت أحسب اليوم بالثواني قبل الساعات وأندم عن أيام وانتِ بعيدة عني."

ضم وجهها مقبلاً خديها مردفًا: "عشان غزالتي مستعد أضحي بعمري عشان أسعدها." أردفت بصوت باكٍ كلما تذكرت أيامها بدونه. "وإزاي غزالتك تعيش وتلاقي السعادة وإنت بعيد عنها. إزاي هتكون غزالتك وإنت بتضحي بعمرك. هيكون فايدتها إيه وإنت واخد روحها معاك." في فيلا المنشاوي. تجلس بأحـضانه وهي تضحك بصوت صاخب على كلماته. "والله ياريان هتفضل منحرف طول عمرك." رفع حاجبه بتهكم. "والانحراف وحش ياروحي." اقترب وهمس أمام شفتيها.

"نسيتي دروسي ياحبي، اللي كنتي بتستيها وبتعدي الوقت عشان تاخديها." دفعته حتى سقط على الفراش. "تصدق والله إنت رخـم، وكنت مدرس فاشل." قهقه عليها بصوته الرجولي. "أيوه عارف ياحبي مدرس فاشل، بدليل الرقص والقمصان المتقطعة." جذبها بشدة من خصرها. "ياقلبي دا إنتِ عندك تلات ولاد والرابع جاي في السكة، لما أنا فاشل الناجح إيه." جلست على ركبتيها أمامه. "عارف إمتى هتكون ناجح ياحبيبي، لما أخلف بنت، غير كدا إنت فاشل."

دفعها على الفراش حتى سقطت على ظهرها وظلت تضحك. نظر لها وعيناه كلها رغبة بها. "بقالي يومين يانغومتي بتباتي بعيد عني ودا مش كويس لصـحتي." قطع حديثه طرقات على باب الغرفة. أعتدل ناظرًا لغزل حتى ترتدي ملابسها. حمحم ثم أردف بصوت متزن. "ادخل." دخل بيجاد وهو ينظر للأرض. "بابا لو سمحت عايز أتكلم معاك في موضوع." أرتدت نغم مأزرها الطويل، واتجهت له. "مالك يابيجو، زعلان ليه؟ "سيبنا لوحدنا يانغم، روحي شوفي حمزة."

ناظرته ثم اتجهت لبيجاد وتحدثت. "بس هو." نظر لها نظرات فهمتها وخرجت متجهة لولدها الآخر. اتجه بيجاد عندما أشار والده بالجلوس. "قول ياحبيبي، سامعك." "أنا النهاردة عملت مشكلة في الكلاس." "ليه يابيجاد؟ أردف بها بهدوء. نظر بأسف في الأرض. "حضرتك يابابا علمتنا، إيه المنافق: إذا حدث كذب، وإذا وعدك أخلف، وإذا اؤتمن خان، وإذا خاصم فجر." رفع نظره لوالده وبدأ يقص عليه.

"النهاردة زميلي عمل حاجة غلط في زميله اللي مخاصمه، وطلب مني أعمل زيه لأنه مبيحبوش." استمع لوالده باهتمام. "كمل حبيبي." "الميس جت وعملت بانش للكلاس كله. أنا وقفت وقولت على اللي حصل، لكن زميلي كذبني وقال أنا كذاب، وبدأ يقول كلام باد عليا يابابي، فأنا اتضايقت وضربته." ضمه ريان بأحـضانه. "أولًا إنت مغلطش إنك قولت الحق، لكن ياحبيبي غلط لما ضربته، هو إحنا بلطجية يابيجو؟ يرضيك يجي التيـتشر بتاعك يقول باباه معرفش يربيه."

نظر للأرض بحزن. "آسف بابي، هو استفزني وكان عايزني أكذب وأخاصم زميلي وأعمل فيه حاجات باد." ضم وجهه بين راحتيه. "إنت قولت للميس اللي هو طلبه." هز رأسه بلا. "مينفعش بابي أقوله حاجة دي نميمة، مامي قالت مينفعش ننقل كلام مش كويس على صحابنا، أنا بس قولت محصلش لما قال للميس إن بيجاد شاف." "برافو عليك حبيبي، وأي حاجة تحصل بعد كدا تيجي وتقولي، وأنا هكلم الميس وأعرف الموضوع." نظر لوالده وتحدث.

"لو سمحت يابابا أنا مش صغير عشان تيجي وتشكي للميس، أنا بس حبيت أعرف حضرتك المشكلة وإزاي أنا اتعاملت معها، وعلى العموم أنا اعتذرت لصديقي، بس معنتش هصاحبه تاني لأنه طلع مش كويس." ابتسم لوالده واضعًا يديه بخصـلاته الغزيرة. "يعني كبرت يا أستاذ ومش عايز بابا يساعدك تمام." في غرفة صهيب بالقاهرة. يجلس بالشرفة يتناول قهوته والحزن يخيم على وجهه. أتت وجلست بجواره مربتة على ظهره. "هتفضل لحد إمتى كدا ياصهيب."

تنهد بوجع وحزن بآن واحد متوجهًا لها. "أنا حاسس إني بقيت يتيم يانهى، ضهري اتكسر بدري أوي، الزمن غدر بيا بوجع مش هقدر أشفى منه." جلست على عقبيها أمامه ماسكة بوجهه. "ليه بتقول كدا ياحبيبي، أنا عارفة مصيبتنا كبيرة، بس ربنا مفيش أحن منه." صمت هنيهة وأردفت. "صهيب هو إنتوا دفنتوا جواد فعلاً، يعني شوفته." مسح على وجهه مرجعًا خصلاته للخلف. "محدش رضي نكشف وشه، وكمان." وقف فجأة وبدأ يدور حول نفسه.

"أنا إزاي حاجة زي دي تفوتني، أيوه صح، مستحيل يكون هو." وقف وقام بتغيير ملابسه سريعًا. اتجهت له نهى وتساءلت. "رايح فين ياحبيبي دلوقتي؟ "رايح إسكندرية ضروري، غزل عندها سر اختفاء جواد." قطبت جبينها وتساءلت. "سر اختفاء جواد، صهيب إنت خرفت." "هو جواد." قاطعها. "فيه حاجة غلط ودي لتكون عند غزل يا إما عند باسم اللي محدش يعرف عنه حاجة هو كمان." "يعني هتروح إسكندرية الساعة اتناشر ياصهيب؟

"نهى لازم أمشي، لو اللي بفكر فيه صح، صدقيني عمري ماهسامحه، لو عرفت إنه عايش وسايبني كدا." أمسكت يديه. "حبيبي متنساش خناقتك مع غزل، وكمان عمها اللي محدش يعرف عنه حاجة، اهدى وبلاش تتهور." تحرك مغادرًا. "لازم أروح، وبعدين متخافيش هاخد بالي كويس." أوقفته. "صهيب غزل مش عايزة تشوفك بلاش تسبب في أزمة نفسية وهي حامل." مسح خدها. "حبيبتي متخافيش أنا هعرف أتصرف وأشوفها برضو عاملة إزاي بعد ما بقت بطيخة."

أمام فيلا الألفي ببعض الكيلومترات تقف سيارة موازية لمدخل الفيلا. رآها صهيب ورغم ذلك تحرك مغادرًا إلى المطار. في فيلا حازم. "حازم ليه سبنا غزل في الظروف دي لوحدها." أجابها وهو ينظر لجهازه المحمول. "عندي اجتماع مهم الأسبوع دا ومدام نغم عايزة تاخدها عندها أهو تغير جو، بتقول ولادها بيحبوها وهي ارتبطت بيهم." في غرفة حسين. جلس يقرأ آيات الذكر الحكيم. رن هاتفه برسالة عبر الإنترنت. "بابا حبيبي عامل إيه، بطلك بخير."

ابتسم بإشتياق لولده البكري، دعا له. "ربنا يحميك يابني إنت وكل اللي زيك، وميحرمنيش منك يارب. هو اللي يد فني مش أنا اللي أد فنه، ربي عبدك ضعيف على ابتلاءه فهونه عليه." في شقة غزل. تنام بأحـضانه بعمق، يطوقها بذراعه مائلاً على وجهها وينظر لها ويحتـرق داخليًا كلما تذكر حديث صهيب لها. "ياترى ليه قلت كدا ياصهيب لغزل." حاول التنفس عندما شعر بالاختناق لمجرد الفكرة نفسها. تألمت بنومها، علم إنها لم تستطع النوم بهدوء بسبب حملها.

جلس متكئًا بظهره للتخت جاذبًا إياها لسريره لتنام بعمق على جنبها اليمين مربت

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...