الفصل 2 | من 37 فصل

رواية تمرد عاشق الجزء الثاني الفصل الثاني 2 - بقلم سيلا وليد

المشاهدات
54
كلمة
7,739
وقت القراءة
39 د
التقدم في الرواية 5%
حجم الخط: 18

كانت تجلس بمكانها المعتاد الذي كلما تأتي إلى هنا ما تجد أجمل من شرفتها تستنشق رائحة الزهور ونظرات الخضرة التي تحاصرها من جميع الاتجاهات لتنعش روحها... ورغم مظاهر الحياة الطبيعية تحيط بها إلا أنها جلست بوجه يكسوه الحزن والوجع تبدو كأنها تريد الصراخ في وجه أحدهما والبوح عما يعتريه صدرها ولكنها خائفة من ردة الفعل التي لا يتحملها قلبها... أمسكت مذكراتها وبدأت تخط بقلمها كعادتها وتدون ما تمر به من أحداث مؤلمة...

هل اليوم ستضيف ألم جارح لروحها أم سيقف القدر معها؟ على الجانب الآخر صعد إلى غرفته بمنزلهم الذي يوازي منزل ماجد الحسيني.. أمسك هاتفه وقام بالاتصال مع بعض الضباط الذي يعملون معه على قضية من أهم قضاياه وهي التجارة في السموم بدأ يقوم بجمع المعلومات وزرع بعض المخبرين وسط المجرمين للوصول إلى معلومات تفيدهم بمساعدتهم في القضية. بعد فترة خرج إلى الشرفة وهو يشعل سيجارته..

وقف واستند على سور الشرفة ينظر للخارج فالظلام يعم المكان إلا من بعض مصابيح الفيلتين... اتجه بانظاره إلى التي تجلس بشعرها وتواليه ظهرها.. وجدها تجلس بهدوء وكأنها تكتب شيئا ما... اعتقد أنها ترسم... ظل واقفا ينظر إليها ولكنه ابتسم بسخرية عندما تذكر كلمات جاسر. قال يجوزوها... دول هبل ولا إيه، دي عيلة. نظر إليها بشرود وتذكر عندما كان في سن الثالثة عشر. فلاش باك. وضعها أمجد بين يديه واردف حزينا:

_خدها يا جواد عند والدتك تهتم بيها لما أشوفلها مربية.. أمسكها بين يديه ونظر إليها بعمق فكانت كالملاك عيونا واسعة بلونها الرمادي. نظر إلى أمجد وسأله: _دي عندها كام يا عمو شكلها صغنون أوي. سكت لبرهة وهو ينظر إليها ثم قام بمسح عبرة غادرة احترقت جدار جفنيه. _دي لسة عندها شهر... كانت في الحضانة بعد وفاة طنط حنان يا حبيبي. أخفض رأسه ثم قبلها فوق جبينها. _نورتينا يا جميلة بس ما قولتلش يا عمو أنت سميتها إيه...

_لسة يا جواد ما سمتهاش بكرة هننزل نسجلها وأخدها البلد عند جدها وجدتها. خطى بها للداخل عند والدته وهو مازال ينظر لها ويقبلها فكأنه وجد لعبة ليتسلى بها... قابلته والدته واردفت متسائلة عندما وجدته يهمس لها ويقبلها بحنان ويشتم رائحتها بطفولية أغمض عينيه منتشيا رائحتها التي خطفته: _مين دي اللي بتغازل فيها يا جواد. رفع حاجبه وأجاب والدته بغزل: _حلو دي يا نجة. ثم وقف برهة وحملق عينيه فجأة ثم أعطاها لوالدته وخرج سريعا:

_عمو أمجد استنى عايز أقولك حاجة. وأسرع إليه... وقف أمجد عندما وجده بهذه الحالة... نظر إليه ثم تحدث مردفا: _سميها غزل يا عمو. ضيق عينيه ولا يعلم ماذا يقصد. أمسك يديه: _بقولك سمي النونة غزل لأنها تستاهل الاسم دا. دنى ماجد منه ثم قبله على وجنتيه: _حاضر يا قلب عمو إنت تؤمر... بس هتحميها بعد كدا وتكون درع أمان لها. ابتسم في وجهه وتحدث قائلا: _ومش هخلي الهوى حتى يأذيها ودا وعد من جواد الألفي لعمو ماجد الحسيني. نظر إليه

بفخر وقبله أعلى جبينه: _ربنا يحميك يا بني... ومن ذلك الوقت وهو اعتبرها جزءا من حياته. دخل لوالدته: _ماما عايز أشيلها لو سمحتي. نظرت نجاة مبتسمة له: _لسة صغيرة أوي حبيبي إنك تشيلها. _هاتي بس يا نجة وعرفيني بتتشال إزاي. وضعتها بين يديه وفمهته كيف يحملها. _خليك معها هروح أعملها رضعتها.. ولكنها تذكرت شيئا: _هو أمجد راح فين روح عنده ولا مشي؟ كان ينظر للطفلة ويتحدث: _عمو أمجد مشي وقالي هيشوفلها مربية...

ثم رفع نظره لوالدته: _ما تاخديها إنتِ يا ماما أهي تتربى مع الولاد سيف القرد دا. تنهدت بحزن عليها وعلى جاسر الذي مازال لم يتم العاشرة. _هاخدها حبيبي مش هخلي مربية تربيها وهبعت أجيب جاسر كمان لسة صغير حبيبي. _هي طنط حنان ماتت إزاي يا ماما وبعدين ليه لسة عمو جايبها دلوقتي وإيه الحضانة دي؟

_طنط حنان كانت تعبانة وهي حامل فيها وماتت بعد ولادتها على طول.. أما ليه في الحضانة عشان كانت لسة عايزة تكون في حضن مامتها كمان شوية فهمت كدا يا غلباوي ولا لسة عندك أسئلة؟ استيقظت الطفلة وصارت تبكي. نظرت نجاة إليها وأخرجت متعلقاتها التي أحضرها ماجد قبل الحضور بها فصديقه هو الذي اقترح عليه جلبها لزوجته. حملها جواد وبدأ يهمهم لها بعض الكلمات ولكنها مازالت تبكي. أتت نجاة برضعتها: _هاتها حبيبي عشان أكلها. بسط يديه إليها:

_لا أنا اللي هاكلها حبيبتي قومي شوفي مليكة وسيف بيعملوا إيه شكلهم عاملين مصيبة. علمته كيف يقدم لها رضعتها: _خلي بالك منها حبيبي وبراحة عليها أوعى تشرق منك. ضيق عيناه: _تشرق! _ودي هتشرق إزاي!! ضحكت عليه والدته رفعت رأسها واردفت بتنبيه: _جواد أوعى تنزل براسها عشان ممكن لا قدر الله تموت منك. _هو أنتِ بتكلمي عيل ما خلاص يا ماما عرفت.. هتفضلي تغنيها. تركته ومازالت تبتسم على كلماته: _لا يا حبيبي أنت راجل وسيد الرجالة.

توجهت بنظرها إليه عندما وجدته صامتا رأته يبتسم لطفلة ويتحدث كأنها تفهمه. عودة للحاضر. خرج من ماضيه ونظر إليها وهو مازال يدخن سيجارته وجدها ترفع بأصابعها لترجع خصلات شعرها الهاربة على وجهها وتضعها خلف أذنها... كانت كصورة لملاك في أبدع صورة.. تذكّر حديث جاسر منذ قليل: _عمي عايز يجوّز غزل لعاصم بالقوة. ضيق عينيه مستفهما: _مش فاهم يعني إيه؟ زفر جاسر بضيق: _أهو دا اللي حصل بس ورحمة أمي اللي يجي جنبها لأكله بسناني.

قال عاصم كنت ناقص مش كفاية الست شهيناز وعمايلها... نظر إلى جواد وجده ينظر بشرود في نقطة ما: _إيه يا جواد رحت فين... اتجه بانظاره إليه: _تفتكر عمو ماجد ممكن يعمل إيه قدام عمك... وشهيناز ممكن يكون ردها إيه بعد طلبه دا.. جاسر لازم تاخد بالك إن مش مرتاح لشهيناز دي خالص وكمان أخوها الفاشل سامح دا دايما عينك عليها... أما عمك دا حسابه تاني معايا أنا حذرته قبل كدا بس هو رمى تحذيري في الأرض. نظر إليه وتحدث مستفهما:

_يعني مش فاهم كلامك حذرت عمي إزاي؟ ومن إيه؟ أخذ شهيقا عميقا ثم زفره ببطء: _يوم خطوبتك كان جاي هو وخالك وعمال يقول كلام مش كويس استفزني وخرجني عن شعوري شدينا مع بعض... لقيته بيقولي بتحدي يبقى خلاص غزل هتكون مرات ابني... قولتله يبقى قربلها وشوف هعمل إيه... بس إنه يجي النهاردة وعارف إني هنا يبقى دا بيتحداني أنا ودا مش كويس له. ضحك جاسر عليه: _هو اللي جابه لنفسه خليه يقرب للأسد لما يكون جعان... ضربه جواد

بخفة على مؤخرة رأسه بس: _يالا أنا لازم أروح أعيّد عليه بكرة أول واحد ومش بس كدا ولازم أديله عيدية كمان. ظل يضحكا كلاهما فترة ويتذكروا تحالفهم مع أعدائهم حتى النيل منهما. أخرجه من شروده رنين هاتفه. أجاب المتصل وهو مازال ينظر إليها: _زومي حبيبي وحشتني يالا مش ناوي ترجع بقى. _خلاص بانتظارك حبيبي تيجي بالسلامة. _وانت طيب.. كلنا كويسين... ممكن يكون مسمعهوش بس غزل قدامي أهو في البلكون.

سمعت غزل صوت هاتفه اتجهت بأنظارها إلى شرفته وجدته ينظر إليها وهو يقوم بالرد. هنا أخفضت نظرها في مذكرتها وأحست بوخزة مؤلمة في شقها الأيسر أشعرتها أنها ستؤدي إلى انتهاء حياتها.. انزلقت دمعة من أهدابها الكثيفة ثم رفعت عيناها إلى السماء تنظر إلى النجوم التي تظهر بانتشاء ثم دعت ربها وتضرعت إليه:

"خفف عني يا الله وجع قلبي ربي أكاد أموت فروّحي تكاد تتمزق ربي إنك الرحيم بنا المجيب لدعواتنا.. ربي إني عبدك الضعيف فقوني بك يا أرحم الراحمين." بدأت تكتب ألم من آلامها التي تعد أكثر من سعادتها فعن أي سعادة تكتبها بعد والدتها التي حرمت منها... هي لم تحرم منها بعد، هي لم تعلم معنى كلمة ماما.. هي لم تنطقها حتى بشفتيها فكيف تعرف معناها!!

اليوم هو يوم حزني الأعظم لا أعلم كم كتبت عن آلامي التي لا تنتهي.. ولكن هذا ألم أعظم آلامي. قلبي العاجز المسكين. اليوم فقط نزف قلبي عندما وجدت حبيبي ومالك روحي يمتلك قلبه آخرى.. ماذا أفعل الآن لحتى أخرج من وجع روحي!! ماذا أفعل الآن لكي أنساه وهو لا يُنسى!! ماذا أفعل حتى تستكين روحي وأتخطى وجع قلبي... تُرى أيهما أصعب حبيب تراه أمامك كل يوم ولا يشعر بآلامك ويعاملك كأخ!! أم حبيب لم تراه إلا عاشقا لغيرك!!

وقفت عن الكتابة عندما وجدته يقوم بمنادتها بعدما شعر أنها لم تعره اهتماما.. فهي عندما تجده في شرفته تظل تتحدث معه ويشاكس روحها المرحة. نظر جواد إلى هدوئها الغير الطبيعي وتذكر حديثها القاسي له ورغم ذلك لم يستطع عن مقاطعتها: _غزل بتعملي إيه لدلوقتي كدا وازاي قاعدة كدا... حازم بيتصل محدش بيرد عليه. لم تعره اهتماما وظلت كما هي جالسة وتدون بعض الأشياء بل تدون آلامها:

_أنتِ يا بت مش بكلمك وإيه الكلام الأهبل اللي قولتيه تحت دا.. وقفت أخيرا بمقابلته ونظرت بمقته إليه ثم تحدثت قائلة: _نعم يا آبيه عايز إيه حاضر هدخل أنام وأشرب اللبن كمان وأستغطى كويس في أي أوامر تانية حضرة الضابط. _وحازم كلمني الصبح ونسيت أعرف جاسر. ثم تركته ودلفت إلى غرفتها واسدلت ستارتها حتى لا ترى حتى ظله. تنهدت بقوة وتجمعت عبراتها بعيونها ولكنها مسحتها وبدأت تحدث حالها:

_غزل أنتِ مش ضعيفة حاولي تأقلمي حالك على كدا قبل ما حد ياخد باله كفاية اللي صهيب قاله. على الجانب الآخر عند جواد: _البت دي مالها اتكونش عرفت بموضوع عمها... لا ازاي هي كانت فوق.. ممكن يكون صهيب قالها حاجة تزعلها، أه هو مفيش غيره، لا هو بيحبها وعمره ما يزعلها.. ياترى فيكي إيه يا غزل... وإيه سبب حزن عيونك دي... زفر بضيق هو لا يتحمل حزن عينيها حتى لو سبب تافه. أمسك هاتفه وحاول الاتصال بها ولكنها لم تجب.. زفر بضيق:

_ياترى يا غزل فيكي إيه لدرجة إنك تتعصبي عليا كدا.. طيب أطمن عليكي إزاي أروحلها دي ولا أعمل إيه... هنام إزاي والهبلة دي بتعمل فيا حركات جنونية. ممكن يكون مقلب من مقالبها اللي مبتخلصش. _خليها للصبح أشوف آخرتك إيه يا غزالتي... ثم ابتسم وأردف: _بنتي كبرت وبيجلها عرسان لا ومش بس كدا بقت بتغضب عليا وماله يا غزول أغضبي وأصالحك عادي... كنت عايز أقولها على موضوع ندى بس هي اللي رفضت تديني فرصة بكرة تعملي محكمة لما تعرف...

تمدد على الفراش ووضع يديه تحت رأسه وظل ينظر لسقف الغرفة إلى أن غاب في النوم. في غرفة أمجد وشهيناز. تجلس أمام المرآة وتضع الكريمات وتنظر إلى أمجد الذي يتفحصها بمنامتها العارية.. فهي فتاة تعرف تستخدم أسلحتها الأنثوية لأمجد عندما تريد شيئا.. انتهت من روتينها وتوجهت إليه تتدلى بخطواتها وتثيره أكثر بدلالها... ثم جلست جواره وبدأت تحدثه بغنج: _ماجدي يحيى كان عايز إيه. نظر إليها بعدما حركت غرائزه اتجاهها:

_هقولك حالا بس هيكون سر. ثم جذبها بقوة إليه.. بعد فترة جلس على الفراش يزفر بقوة ويقص عليها ما صار. وقفت كالملدوغة: _إنت بتقول إيه لا طبعا ينسى إنت عارف سامح معجب بغزل ومكلمني من زمان وأنت اللي رافض وتقولي صغيرة... كدا أقوله إيه وهو مستني لما يرجع يخطبها وممكن يتجوزها كمان في الإجازة دي يا ماجد. جذبها ماجد بقوة فارتمت في أحضانه:

_متخافيش غزل هتكون لسامح.. بس أصبري شوية عليها البت لسة يا دوب مكملة سبعتاشر سنة يعني حتى ما يجوزش جوازها... وكمان جاسر لازم أمهدله الموضوع دا... ونسيت أهم شخص جواد دا ممكن يهد الدنيا علينا لو عرف.. أنتِ ناسية غزل دي عنده إيه دا بيقول محدش له حق عليها غيري وهو عنده حق يا شاهي دا كان إجازته كلها معها ويعتبر هو اللي مربيها. نظرت بمقت وغضب:

_أولا جواد دا مالوش حكم عليها أنت وأخوها بس وكمان أخوها كمان ما يقدرش يقاطع كلامك أنت أبوها يعني لو عملت إيه محدش يقدر يقولك حاجة... وبعدين دول فرحهم بعد شهر يعني هيكونوا ملاهين مع عرسانهم. الوقت ده هيكون حلو نعرف نكتب كتابها لو عرفتي لحد ما تم السن القانوني. نظر إلى شفتيها المصبوغة وغره منظرهما وهي تتحدث أمامه بدلالها وغنجها الأنثوي. جذبها وتحدث: _بعدين نشوف الموضوع ده. _أطلقت ضحكة رنانة: _إيه يا مجيد انت ما بتشبعش.

_ثم نظرت إليه ووضعت يديها بدلال: _وأنا كمان ما بشبعش. _قالتها حتى تنفذ مخططها الدنيء. جذبها بقوة إليه واكتمل ليلته معها. بعد فترة من الوقت جلست على الفراش تزفر بضيق وهي تنظر له بضيق، ثم وقفت وارتدت ردائها الشفاف فوق قميصها الذي يكشف أكثر مما يستر. نظرت نظرة أخيرة إليه وهي تخرج من الغرفة ثم تحدثت قائلة: _أنفذ بس اللي أجوزتك عشانه. _ثم خرجت واتجهت إلى الصالون. أثناء دخول جاسر من الخارج... وقفت أمامه وتحدثت بغضب:

_انت لسة راجع من برة؟ ده كله قاعد مع ست الحسن والجمال. _نظر إلى الأرض عندما وجدها بهذا اللبس الفاضح وأردف غاضبا: _امشي من قدامي أصل ورحمة أمي أعملك قضية وأحبسك. جتك القرف في شكلك ست مش محترمة. _رفعت حاجبها بضيق وأردفت بغيظ من معاملته الجافة لها: _أنا ست مش محترمة يا جاسر.. ده ليه؟ عشان بحبك وبحاول أقرب منك وأنت اللي دايما بتصدني.

_بأقوى ما لديه من قوة صفعها، من قوتها صفعته تركت آثار أصابعه على وجهها، ونزفت جانب شفتيها. ثم أمسكها بقوة من شعرها وأردف غاضبا: _أنا صبري بدأ ينفد منك.. أوعي تنسي انتِ شايلة شرف مين يا بت دي حاجة... والحاجة التانية أختي خط أحمر هتقربي منها هنسفك. أوعي عقلك الصغير ده يخيلك إني ما معرفش انتِ بتخططي لإيه.. ثالثا مليكة دي حياتي إياكي تقربي من ضفرها بس.. ابعدي عني عشان ملعبش في عداد عمرك.

_ثم دفعها بقوة وبصق عليها. اتجه إلى غرفته وكأن شياطين الأرض تحاصره وبدأ يركل كل ما يقابله ويتحدث بغضب: _قولتله بلاش الجوازة دي مسمعش مني. يجي يشوف ويسمع الحقيرة بتمرمط شرفه بجذمتها. _ذهبت شهيناز لغرفتها وهي تكاد كالمجنونة، حاولت بكل الطرق فهي لا تكل ولا تتعب من محاولاتها الرخيصة فهي تعشقه بجنون. ماذا تفعل لكي تجذبه إليها؟

فعلت معه المستحيل ولكنه كالعادة دائما لها بالمرصاد. تزوجت من والده لكي تكون بجواره.. فمنذ أن رأته بالشركة حاولت أن تجذبه إليها ولكن باتت محاولاتها بالفشل.. علمت حينها أنه من الشخصيات التي تقف بصلابة. ظلت جالسة تغلي إلى أن أوشك الفجر بالبزوغ. في صباح يوم العيد تستيقظ مليكة بنشاط.. فاليوم لديها العديد من جولاتها مع مالك القلب والعقل. أدت فريضتها.. وجلست تنظر إلى الشروق وهي تستمتع بتكبيرات العيد التي ترفع في جميع المساجد حولها. قامت بالاتصال بغزل ولكن الهاتف مغلق. زفرت بضيق فماذا ستفعل، فاليوم تريد أن تذهب لصلاة العيد ككل عام مع صديقتها الصغيرة كما أطلقت عليها. حاولت عدة مرات ولكن لا يوجد رد. استمعت لصوت جواد وصهيب بالخارج.. خرجت بهدوء إليهما

حتى تعرف أن تصل لغزل: _صباح الورد على فرسان عيلة الألفي.. أنا لازم أبخّركم وأرقيكم. _ضمها جواد من أكتافها: _صباح الورد على أجمل وردة عيلة الألفي. _رفعت حاجبها ونظرت إليه بسخرية: _بكرة تقولها لندى وتنسى ملوكة. _ثم أردفت: _يعني بتردلي الجملة يا جواد ماشي. _ضحك عليها: _أبدا والله انتي ملكة العيلة يا ملوكة قلبي الغالية. _بسطت يديها إليهما: _فين عيدية ملوكة قلبك انت وهو. _صهيب: _جواد اتأخرنا على الصلاة ياله يا بني.

_تصدق عندك حق أنا بقول نجري عشان نلحق. _والله ماشي طيب خليكم فاكرين بس. _نظر جواد إليها وتساءل: _هو سيف صحي ولا لسة!! _نظرت لصهيب بمعنى رد. وجد جواد تبادل النظرات بينهما وأردف مستفهما: _فيه إيه؟ مالكم! سيف عامل إيه المرادي ومخبين. _لسة واصل من شوية ويادوب دخل ينام. _هذا ما أردف به صهيب. احتقن وجهه بغضب ثم تحرك متجها إليه: _يعني إيه أنا محذرتوش قبل كده وبرضو ضرب كلامي في عرض الحيطة.. والله لازم يتعاقب.

_أمسكته مليكة من ردائه: _بلاش النهاردة يا جواد، حبيبي كل سنة وانت طيب. النهاردة عيد مش عايزين زعل. _زفر بضيق ثم توجه بنظره إليها: _عشان خاطرك بس هسامحه المرة دي. _طيب أنا مش عارفة أوصل لغزل معرفش كنا متفقين نروح نصلي مع بعض بس تليفونها مقفول.. _ارتفع جانب وجهه بشبه ابتسامة متهكمة قائلا باستهزاء: _مين غزل هتصحى دلوقتي عشان تصلي.. ده بيشلوها يا قلبي عشان تاكل.. سيبك منها. _هذا ما أردف به صهيب. نظر جواد بهدوء لمليكة:

_اتصلي على جاسر خليه يصحيها عشر دقايق وتكون تحت.. عشان بعد كده تنام بدري ما تفضلش سهرانة طول الليل. _نظر صهيب إليه وأردف باستياء: _غزل مااعدتش البت الصغيرة يا جواد دي دخلت في التمن عشر سنة حبيبي بلاش تخنقها بتحكماتك. _أنا عارف بعمل إيه مالكش دعوة. _سحب صهيب نفسا عميق واتجه بنظاره نحو مليكة وتحدث قائلا: _حبيبتي اجهزي وبلاش تضغطي عليها وهاخدك أنا معايا. _هبط جواد درجات الدرج وكأنه لم يستمع لحديث صهيب.. وقام بالاتصال

على جاسر الذي أجابه سريعا: _خمس دقايق ونازل أهو إيه جهزتم.. _قاطعه جواد: _صحي غزل خليها تجهز أصلي أطلعلها ولا أديلها التليفون أكلمها. _لايعلم لماذا يشعر أن أصابها شيئا... يريد الاطمئنان عليها. وقف جاسر وأردف ثابتا: _غزل مش هتنزل قالتلي إمبارح هي عايزة تنام معرفش مالها. _صحيها يا جاسر إحنا كل سنة بنخرج للصلاة مع بعض واحنا هنستناها. _اتجه جاسر إلى غرفتها وبدأ يطرق على الباب ولكنه تفاجأ بفتحها الباب وكانت جاهزة للهبوط.

نظر إليها بحنان: _صباح الفل على ملاكي. _ثم ضمها لحضنه... تمسكت بأحضانه كأنها تعاني من شيئا ما. أخرجها بهدوء ونظر لداخل عيونها: _مالك يا غزالتي عيونك دبلانة ليه كده؟ إنتِ منمتيش كويس ولا إيه. _وضعت رأسها في حضنه وتحدثت مهمومة: _مجاليش نوم فقولت أصلي وأخد من حبيبي العيدية وأنام وأنا مرتاحة. _أممم. همهم بها جاسر: _العيدية! قولتيلي، بخاف من عيديتك دي يا غزول وياترى إيه طلبات أميرتي!!

_وضعت سبابتها على ذقنها توهمه أنها تفكر. وفجأة تحدثت ببغضة: _عايزة إسبوع لشرم الشيخ وما تخافش هاخد البت ملوكة معايا احنا التلاتة بس إيه رأيك. _جذبها من يديها وهبط بها: _حاضر إنتِ تؤمري يا جميل بس أعمل إجازة وأشوف صهيب وجواد برضو. _وقفت في منتصف الدرج ونظرت إليه بنظرات حزينة وأردفت متمنية: _عايزة الإجازة دي تبقى خاصة بينا لوحدنا بس يا جاسر مينفعش. _ضيق عيناه وأردف متسائلا:

_ودول ما هم معنا على طول نعتبر عيلة واحدة إيه اللي غيرك فجأة كده؟ وبعدين انتِ عارفة جواد مش هيوافق يبعت أخته معنا وكمان إنتِ هيرفض سفرك بدونه. _زفرت بضيق من تحكماته وسارت متجهة للخارج وأردفت حزينة: _أنا معنتش عايزاه يتحكم فيا يا جاسر، انت أخويا مش هو. _سحبها جاسر من يديها وأدار وجهها إليه: _إحنا لازم نتكلم لما نرجع من الصلاة، حالك مش عجبني من إمبارح.

_تنهد بضيق عندما تركته واتجهت للخارج وصلت للبوابة. وجدته يقف بطوله المهيب ويواليها ظهره ويتحدث بالهاتف ويضحك ويصور نفسه ويرسل شيئا.. كأنه يرسل صورته لأحد ما. كان يرتدي لبسه المعتاد للأعياد وهو عبارة عن جلباب ناصع البياض مما أضفى عليه مزيجا من جمال عربي ورجولي زاده بهاء وتعطر بعطره الذي يغرق الثنايا بشذاه الفواح جاذبية وهيبة. ظلت تنظر إليه، وصل جاسر إليها ونظر إلى ما تنظر إليه.. أغمض عينيه بقهر من وجع أخته التي سيرافقها أيامها القادمة.. هو الآن تأكد من حبها له، فحالها منذ أمس عندما علمت بخطوبته يؤلم روحه...

يتمنى أن يكذب إحساسه. ضمها من أكتافها واتجه بها حيث وقوف جواد... أنهى مكالماته واتجه بنظاره إلى قدومهما... نظر إليها بتمعن وترقب.. هو يعلم أن هناك شيئا صار لها ولكن لا يعلم ما هو.. وصل جاسر لعنده وأردف مبتسما: _صباح الخير يا حضرة الضابط وعيد سعيد. _صباح الخير وعليك يا حبيبي. _نظر إليه حيث كان يحتضن غزل.. _مالها غزل.. _جملة تساءل بها وهو ينظر إليهما. أجابته بابتسامة باهتة خالية من مظاهر فرحتها بالعيد

ككل عام ناظرة داخل عيونه: _كويسة يا آبيه بس مرهقة شوية... هي مليكة فين.. _تساءلت بها حتى تهرب من حصاره ونظراته المصوبة نحوها.. ورائحته التي جعلتها كورقة خريف في مهب الريح. سارت بجواره كي تدخل لمليكة.. أمسك يديها ورفع ذقنها وتحدث بنبرة هادية: _مالك يا غزل وما تقوليش عشان منمتيش عيونك الحلوين دول حزينة ليه. _كانت تنظر له بقلب مفطور وعيناها تحكي الكثير.. كيف لك حبيبي أن لا تشعر بي؟

كيف لك أن تذبحني بسكين بارد وتاتي تسألني ماذا بكِ!! ... ولكن كيف له أن يفهم حديث العيون غير العشاق... قطع نظراتهم وصول صهيب ومليكة.. وعندما وجد نظرات غزل لأخيه عرف أنها لم تعد تسيطر على مشاعرها.. جذبها من يديها وأردف مشتت الانتباه: _غزول حبيبة قلبي عاملة إيه يا بت وحشاني.. ينفع تديني عيديتي. _قاطعه جواد: _إيه اللي بتقوله ده يا حيوان إيه وحشتك دي لو حد سمعك يقول إيه. _اتجهت غزل إليه وأردفت مستاءة من جواد:

_صهيبي يقول اللي هو عايزه مش كده يا صهيبي. _استشاط غضبا منهما وأرسل إليهما نظرات نارية ثم أردف موبخا كليهما: _صهيبك في عينك يا أختي إيه؟ أجيبلكم اتنين ليمون اتلمي يا غزل عشان ما قلبش عليكي صبري بدا ينفد، ثم توجه بنظره لصهيب وانت يا أمور العيلة خف يا حبيبي لا أخليهم يزروك في المستشفى النهاردة. امشو قدامي الناس تقول علينا إيه. _على الجانب الآخر عندما وصلت مليكة لجاسر أخذها على جنب وبدأ يتحدث إليها:

_صباح الورد حبيبي.. كل سنة وانتِ طيبة. _توردت خدودها بحمرة الخجل ونظرت للأسفل: _وانت طيب. _نظر إلى جمالها الهادي الذي يخطفه: _حبيبي النهاردة هنخرج بالليل إن شاء الله. غزل مش عجباني ورافضة تخرج فبقول نروح الشلالات إيه رأيك. _ضيقت عيناها وأردفت متسائلة: _مالها غزل.

_أشار لها بالسير بعدما وجد صهيب وغزل تركوا المكان متجهين للمسجد وجواد أشار لهم بالتحرك. بعد فترة انتهوا من صلاة العيد.. خرجت غزل أولا وانتظرت مليكة أمام المسجد وهي تتفحص هاتفها ولكن قاطع وقفتها شخص أقل ما يقال عليه مهوس الغزل. نظر إليها بانبهار من جمالها الطفولي البريء فقد كبرت عاما آخر بعدما رأها آخر مرة. وقف أمامها وبسط يديه ثم تحدث قائلا: _إزيك يا غزل عاملة إيه كل سنة وانتِ طيبة.

_ردت عليه السلام واتت لتسلم عليه.. وضع جواد يديه في يد عاصم وتوهجت عيونه بالغضب: _أهلا يا عاصم عامل إيه كل سنة وانت طيب. ماشاء الله شايفك كبرت وبقيت راجل وبتوقف تسلم كمان. _تحدث بها ونظر داخل عيونه بلهيب يكاد يحرقه. استشاط عاصم من داخله من طريقته وتدخله في ما لا يعنيه كما خُيل له وأردف باستياء: _أنا بسلم على بنت عمي ممكن أعرف حضرة الضابط داخلة إيه.

_هقولك بعدين يا عاصم بس حاليا مش فاضي اه وقول لوالدك أنا هعدي عليه النهاردة ماهو لازم أعيد عليه برضو. _ثم جذب غزل من يديها بغضب واتجه للسير. جذبت يديها بقوة من يديه: _ممكن أعرف إيه اللي عملته ده.. وبعدين ده مش بعيد عليا ومش غريب ده ابن عمي. _ثم خطت خطوة إليه حتى اقتربت منه بشدة ونظرت داخل عيونه وأردفت حديثها الذي صفعه بشدة وآلام روحه: _عاصم اللي انت استصغرته وجرحته بيكون أقرب لي منك.

_بدأ يخفف من ضرواة جذبه لها ونظر لها بصدمة.. ثم أغمض عيناه وسحب نفسا عميقا حتى لا يغضب عليها حاول أن يهدأ من ثورانه الداخلي. قطع ثورته وصول جاسر وصهيب إليهما... نظر جاسر إلى أخته وجدها في حالة ترثى لها.. أمسك يديها وجذبها إلى أحضانه عندما وجد نظراتهما المصوبة لبعضهما. حاول أن يخفف من حدة غضبهما فصديقه ليس له ذنب في مشاعر أخته.. وأخته ليس لها ذنب في تحريك مشاعرها اتجاه. رفع ذقنها وابتسم بوجهها:

_كل سنة وانت طيبة يا جميل. _وضعت رأسها على كتفه وأردفت بابتسامة باهتة: _وانت طيب يا حبيبي. _وصلت مليكة إليهما بعدما كانت تقف مع صديقة لها ابتسمت لهم جميعا: _كل سنة وانتم طيبين. _جذبها صهيب من يديها وضمها إلى أحضانه: _وانتِ طيبة يا حبيبتي. _توجهت بأنظارها إلى جواد الذي يقف وينظر في شرود، أمسكت يديه وتحدثت مبتسمة: _وانت يا جود مش هتعيد عليا.. وعايزة بلونة من اللي في إيدك دي، مش كل سنة الأبلة غزل تاخدهم كلهم.

استدار إليها، ثم قبل جبهتها، وأردف بابتسامة باهتة: _كل سنة وأنتِ طيبة يا ملَكي. _وأعطاهم البلونات التي بيديه، ثم نظر لصهيب: _خد مليكة معاك ورايح مشوار. _ثم تركهم وغادر سريعاً. أسرع جاسر إليه عندما علم بشجارهما، وصاح به: _جواد استنى، إنت رايح فين ومالك وإيه اللي حصل قلبك كدا؟ _اتجه بنظاره إلى غزل التي تراقبهم من بعيد: _مفيش حد عزيز عليا هزوره وراجع. _ضيق جاسر عينيه، وأردف متسائلاً: _مين دا اللي أنا معرفوش؟

_ربت جواد على كتفه بهدوء: _بعدين، خلي بالك من غزل، معرفش مالها من أمبارح، وحاسس فيه حاجة مضيقاها، حاول تعرف. _ثم تركه وغادر. أما عند غزل، بدأت تؤنب حالها من كلماتها الجارحة له. ازاي قولتِ اللي قولتيه دا يا غزل؟ اتى جاسر إليها، ونظر إلى صهيب ومليكة: _إيه، هتمشوا ولا إيه؟ _جذبت مليكة إيدي غزل من جاسر، وأردفت مشاكسة: _وسعي يا أختي، خطيبي لسة ما عادش عليا... _ضحك جاسر عليها:

_لا يا حبيبي، عدّيتك مش قدامهم، ماتحترمنيش يا أخويا إنت وهي. _أما الذي تسير بجوارهم، لم تفكر إلا في شيء واحد: تُرى أين ذهب باكرا؟! رأت البلونات بإيد مليكة، زفرت بضيق، وعلمت أنه استاء من كلاماتها. قطع شرودها حديث صهيب: _وأنتِ يا غزالة، مش عايزة عدّيتك؟ _لا!! _أردفت بها سريعاً: _أنا هاخد عدّيتي من جاسر بس، أما إنت وجواد مش عايزة منكم حاجة. _ثم توجهت بنظرها لمليكة:

_ومش عايزة البلونة اللي كل سنة بيضحك عليا بيها، قوليله غزل كبرت، معدتش الطفلة الصغيرة. _ثم اتجهت سريعاً إلى منزلها. ضرب صهيب كفاً فوق الآخر، ثم أردف ساخراً: _والله البت دي مجنونة، مين يصدق إنها غزل؟ _أما جاسر الذي زفر بضيق من أعمال أخته الطائشة، تحدث قائلاً: _هتخرجوا النهاردة ولا إيه؟ إحنا بكرة هنسافر القاهرة، عشان معندناش غير النهاردة بس إجازة، وجواد خطوبته بعد يومين، يعني لازم يستعد.

_أما له صهيب بشرود، بعد حديث غزل علم أن الأيام القادمة ستكون أشد ثقلاً عليهما. ثم اتجهوا جميعاً للمنزل. على صعيد آخر، في منزل يحيى الحسيني. دخل المنزل وهو يستشاط غيظاً من ذاك الجواد. توهجت عينيه بالغضب، وبدأ يثور ويتحدث كلمات لم يستطع السيطرة على نفسه. دخل والده إليه، وجد حالته هذه، صوب أبصاره عليه، وأردف متسائلاً: _مالك فيه إيه، عمال تاكل في طوب الأرض كدا ليه؟ _قبض على يديه بقوة حتى ابيضت، وأردف قائلاً:

_أقسم بالله ما هرحمه، هو مفكر نفسه مين؟ قال إيه، سلّملي على أبوك؟ _بدأ يزفر بلهيب، صاح به يحيى: _أنت يا بني آدم هتفضل تاكل في نفسك كدا، مش ناوي تقولي مالك ومين دا؟ _جواد الزفت قابلني وحرق دمي. _أنت قصدك على جواد الألفي؟ أنت شوفته فين؟ أنت روحت بيت عمك؟ _زفر عاصم بضيق: _لا مروحتش، بس كنت ناوي أروح عشان أشوفها، بس الكلب بن الألفي واقف قدامها زي الأسد...

أنا معرفش هو مصدق نفسه ولا إيه.. وحياة ربي لو مبعدش عنها، لاكون محيّه من وش الأرض. _تنهد يحيى باستياء: _هو قالك إيه؟ _روحت أسلم عليها، منعني، شوف عمل إيه، لا وبيقولي هزوركم النهاردة، عرف أبوك. _كدا أنا عرفت هو عمل كدا ليه. _ضيق عاصم عينيه متسائلاً: _اللي هو إيه يا بابا، أنت عملت حاجة من ورايا؟ _روحت أمبارح وهدّدت عمك وجاسر إنك هتتجوز غزل حتى لو غصب عنهم. _استاء من والده، وأردف غاضباً:

_ليه تعمل كدا، أنا كنت بحاول أقرّب منهم، بس شوف إنت عملت إيه... وطبعاً اللي عامل حامي الحمى استغل الموقف ومش هيسكت، أيوة فعلاً إنت مشفتوش بيصّلي إزاي، كان عايز ياكلني. _توجه بالنظر إلى ابنه: _أنا كنت عارف إنه مش هيسكت، بس لو جه واتكلم لازم أكلمه بالكلام اللي يهدّ حيلَه. _ممكن يا بابا تفهّمني، إنت ناوي على إيه وعايز تقوله إيه؟ _بعدين هتعرف يا عاصم، مش مهم دلوقتي. _في القاهرة.

تجلس فتاة تشاهد حركات الناس وذهابهم إلى المساجد لقضاء صلاة العيد. دخلت والدتها إليها: _نهى حبيبتي، أنتِ صحيتي؟ _توجهت نهى إليها وابتسمت لها: _كل سنة وأنتِ طيبة يا ست الكل. _ملست والدتها بحب: _وأنتِ طيبة يا نور عيني، إيه مش ناوية تنزلي تصلي العيد ولا إيه؟ _رفعت ذقنها لوالدتها: _ماليش نفس والله يا ماما، تعبانة وحاسة عايزة أنام. _ابتسمت والدتها إليها: _خلاص، استني لما بابا يجي وناكل الكحك، وبعدين روحي نامي.

_ضحكت على والدتها: _قولتيلي ناكل الكحك، ماشي يا ست ماما، هناكل الكحك ونديلك العيدية كدا حلو؟ _ضربتها بخفة على ذراعها: _على طول فهماني يا بت. _أنا هستنى شوية كمان عشان أكلم غزل وأعيّد عليها، أصل رنّيت عليها من شوية بس محدش رد، خايفة. _حزنت منيرة عندما تذكرت هذه الفتاة المرحة الجميلة: _هي هنا ولا سافروا زي كل سنة؟ _لا يا ماما، سافروا إنبارح بس.. وحشتني أوي، واه نسيت أقولك، قالت هتكلم قريبها يشغّلني عندهم في الشركة.

_دعت والدتها لها: _ربنا يوفقك يا حبيبتي وتلاقي اللي أنتِ عايزاه. _نهى: _أنا مش عايزة أي شغل وخلاص يا ماما، عايزة حاجة أنا بحبها ومرتاحة لها، وبعدين فيه شركات كتير بيكونوا محتاجين مترجمات... نسيت أقولك، غزل كمان عايزة تدخل ألسن بس جواد مش موافق. _شردت والدتها، وتذكرت عندما أتت غزل لنهى في إحدى المرات. فلاش باك. تجلس غزل مع نهى في الحديقة الخلفية للمنزل.

فهم يسكنون بالقرب من منطقتهم، بعض الشوارق باب منزلهم، خرجت منيرة لترى من الطارق. وجدت شاباً جذاباً يرتدي نظارته الشمسية ويضعها على شعره، نظر بابتسامة بسيطة، وأردف قائلاً: _السلام عليكم، مش دا منزل نهى المحمدي؟ _على الرغم أنه متيقّن إنه منزلها إلا أنه سألها. ابتسمت منيرة بمجاملة له: _أيوة يا بني، هو أنت بتسأل على نهى ليه؟ _حمحم بأسف: _أنا جاي لغزل، هي عندها في زيارة من ساعة كدا. _أيوا أه، أنت أخوها مش كدا؟

_نظر للأرض وأردف بخفوت: _أيوة يا فندم، ممكن تناديها؟ _حمحمت متأسفة: _معلش نسيت أعزم عليك، اتفضل يا بني، هي في الجنينة برة، اقعد لما أناديها. _توجه بنظره للخارج يبحث عنها: _بس هي مش باينة هنا... _لا هي بالجنينة اللي ورا، هنادي عليها بس ادخل لما تيجي. _متشكر لحضرتك يا فندم. _ثم نظر لساعاته: _هي عندها درس بعد ساعتين لازم تروح. _خلاص لحظة هناديلها.

_بعد فترة أتت غزل تسرع إليه، أبيه جاسر ولكنها توقفت للحظات ونظرت بجمود إليه. وقفت منيرة أمامها: _إيه يا غزل، مش دا جاسر أخوكي ولا إيه؟ _بسط يديه إليها وابتسم ابتسامته التي تعشقها: _ياله حبيبي، عندك درس اتأخرتِ. _توجهت بأنظارها إلى منيرة وهمست لها: _لا دا نابليون بونابرت، بس العشق كله يا طنط منيرة. _ضيقت عيناها وسألتها: _يعني إيه يا بت، دا أخوكي ولا لا؟

_قاطعتهم نهى متوجهة إليهم، ثم نظرت إلى جواد الذي وقف بالخارج يتحدث مع أحد ما في هاتفه. نظرت نهى إليها وضحكت: _لا، محدش قدّك يا عم، دا الجود كله، جايلك يراضيكي. _قبلتها غزل على خديها: _أنا ماشية يا قلبي، قبل ما عمو يجي ياكلني. _رفعت نهى حاجبها إليها: _عمو برضو يا بت، طيب نشوفله عروسة ولا نشوفله ليه، ما أنا موجودة... _لكزتها غزل في ذراعها: _إتلمي يا بت. _ثم اقتربت منها وأردفت بابتسامة: _جود خاص بالغزال بس يا ماما.

_قاطعهم جواد: _إيه يا غزل، هتفضلي عندك أسيبك وأمشي ولا إيه؟ _أردف بها غاضباً: _طول عمرك كدا متسرع. _همهمت بها، ثم أسرعت إليه وأمسكت يديه. نظر إليها بحب، وأردف مبتسماً بعدما كان يحدثها بغضب: _عاملة إيه؟ _ثم مسح على شعرها. سحبته من يديه: _تعالى هحكيلك كل حاجة. _قاطعت شرودها نهى: _ماما، مالك يا حبيبتي، روحتِ فين؟ _توجهت بنظرها لبنتها: _هو أنتِ قولتِ جواد هيخطب بعد يومين مش كدا؟ _استغربت نهى حديث والدتها:

_أيوة حبيبتي، بتسألي ليه؟ _جلست والدتها ووضعت يديها تحت خديها: _صعبان عليا جدع زي دا يروح من غزل، معرفش ليه حاسّتهم إنهم بيحبوا بعض، نظراتهم بتقول كدا. _ارتبكت نهى قليلاً أمامها، وبدأت تفرك بيديها: _والله يا ماما، أنتِ مكبّرة الموضوع، جواد بالنسبة لغزل أخ مش أكتر. _تعمّقت منيرة بالنظر لنهى: _بتعرفي تكذبي على أمك يا نهى؟ _مدّت نهى شفتيها كالأطفال، وأردفت:

_عارفةكِ يا ماما لماحة، بس للأسف جواد بيعتبرها أخته لا أقل ولا أكتر، وغير كدا بيخاف عليها بجنون، بس المريب أن غزل بتموت فيه، ودا اللي لسة عرفاه من شوية. _شخصت أبصارها اتجاه ابنتها، وأردفت متيقّنة: _وهو بيحبها أكتر منها. _ضحكت نهى بخفة عليها: _هو أنا قولتلك بيكرَهها؟ بقولك مربّيها وبيحبها بس حب أخوي.

_اسمعي مني وبكرة تقولي ماما قالت، حب جواد لغزل مش أقل منها، بس عشان هو كبير وعارف يداري، بس هي لسة صغيرة وطايشة فباين عليها. _ضيقت عيناها وسألتها: _أنتِ بتقولي كدا إزاي؟ _ثم استرسلت مكملة: _بقولك مربّيها، أبوها كان مسافر وأمها ماتت وهي بتولّدها، وأخوها صغير مكنش ينفع يتولّى، فأخدتها أم جواد وربّتها مع ولادها، وطبعاً جواد هو اللي تولّى أمرها... _قطع حديثهما دخول والد نهى. اتجه السيد عادل والد نهى:

_كل سنة وأنتِ طيبة يا أم نهى. _ابتسمت له منيرة: _وأنت حسك في الدنيا يا أبو نهى. _اتجهت نهى إليه وقبّلته، ثم تحدثت: _وبعدين يا سي بابا، نسيت نهنّهى ولا إيه؟ _قبّل أعلى جبهتها: _ازاي، كل سنة وأنتِ طيبة يا حبيبة أبوكِ. _نذهب إلى الفيوم. يسير جاسر مهموماً بجانب مليكة، لا مست مليكة يديه، وأردفت متسائلة: _مالك يا جاسر، شكلك مضايق ليه؟ _نظر خلفه، وجد صهيب وغزل يسيران خلفهما...

صهيب يحاكيها ولكنها شاردة بحزن ولم تستمع لحديثه. زفر بضيق، ثم تنهّد وتوجّه لمليكة وشبك أصابعهما: _عايز منك خدمة يا مليكة، لا مش خدمة... دا طلب مهم ورجاء. _وقفت أمامه ونظرت داخل عيونه: _مالك حبيبي، قلقتني... _جذب يديها وتحرّك: _امشي ماتوقفيش عشان غزل ماتاخدش بالها... _استغربت حديثه، ورغم ذلك تحرّكت بجواره. توجّه بالنظر إليها وتحدّث قائلاً: _قرّبي من غزل الأيام اللي جاية دي على قد ما تقدري، حاولي تجرّيها بالكلام...

أنا عارف إنكم قريبين من بعض. _ثم استرسل حديثه متسائلاً: _هي غزل بتحكي لك أكيد عن حياتها الخاصة... يعني فيه إعجاب بحد وكدا؟ _ضيقت مليكة عينيها وتساءلت: _مش فاهمة قصدك يا جاسر... يعني عايزني أعرف إن غزل معجبة بحد ولا لا؟ هي مكلّمنيش في حاجة زي دي... معظم كلامنا عن الدراسة. _ثم ابتسمت فجأة وضحكت بصوت عالي. نظر إليها جاسر بغضب: _صوتك يا مليكة، احنا ماشين في الشارع، نسيتِ نفسك ولا إيه؟ _وضعت يديها على فمها واعتذرت:

_آسفة حبيبي، غصب عني. _ابتسم بخفة: _طيب قولي، القردة دي عملت إيه يخلّيكِ تنسي نفسك كدا؟ _لا مستحيل، دي خيانة مينفعش أحكيهالك. _ضغط على يديها وتحدّث بصوت مبحوح مليء بالمشاعر: _ولا حتى لحبيبك؟ _تنهّدت بعمق، وأردفت: _جاسر. _أجابها بحب: _عيون وروح جاسر... قولي بقى. _بتحكيلي على مقلباتها مع جواد. _ضيّق عينيه ونظر إليها مستفهماً: _إزاي؟ _هي اللي أخدت المسدس بتاعه وأخدت الرصاص وحطّته في الحمام.

_وهي اللي دلّقت كلور على بدلته بتاعة الشغل... وهي اللي خلّته نايم وقصّت له شعره بعد ما حطّتله منوم. _يا بنت الل... يخربيتك يا غزل، لو عرف هيطيرها.. _لسة مكمّلتش يا حبيبي. _رفع حاجبه مستفزّاً منها: _أنتِ بتنقّطيني يا مليكة، ماتقوليش يا وفيّة. _وضعت يديها في خصرها ووقفت وتحدّثت مستائة منه: _والله دلوقتي بتتريق. _جذبها بشدة، وأردف غاضباً منها: _شكلك اتجننّتِ، نسيتِ إننا في الشارع، حسابي معاكِ بعدين.

_نظرت للجهة الأخرى بحزن: _براحتك يا جاسر، اللي تشوفه اعمله. _وخطّت خطوتين أمامه. جذبها من معصمها ودخل بها لحديقة منزلهم، ووقف خلف شجرة بالحديقة. رفع ذقنها، وجد عيونها محجّرة بالدموع. حزن من نفسه كثيراً، هو يعشقها لحد الجنون: _متزعليش مني حبيبي، زعلتك في يوم زي دا.. _واقترب وهمس أمام شفتيها، وتحدّث بصوت مفعم بحبها بل وعشقها: _آسف يا روح جاسر.. آسف يا أغلى من حياتي. _ثم قبل باطن يديها. ربتّت على يديه ونظرت إليه بحب:

_أنا اللي آسفة، غلط لما وقفت بالطريقة دي وعلّيت صوتي، سامحني... _مسح دموعها بحنان: _ربنا يخلّيكِ ليا، روحي ريّحي دلوقتي عشان هنخرج بعد العصر... _أمّأت برأسها وخرجت. على جانب آخر. تجلس بثينة مع ناجي وتدخن بشراسة، نظرت إليه وأردفت بحقد: _عرفت هتعمل إيه، يا رب تنجح في العملية دي، صدقني هديلك اللي إنت عايزه، شوف بس هتنفّذ إزاي وأنا عينيا ليك. _جذبها إليه وأجلسها على ساقيه وتحدّث:

_يومين بس، لما يرجعوا، أصل الولا محروس بيقولي سافروا يعيّدوا في البلد... سيبك أنتِ من جواد وبنته، وتعالي فوق عشان تاخدي عدّيتك. _ضحكت ضحكة خليعة مثلها، وذهبت معه ليفعلوا ما حرم الله. كيف تفعل يا بن آدم الحرام، ألم تتيقّن أن الله مطّلع وشاهد؟ كيف تعتقد ذلك وهو الذي قال في كتابه: الله لا إله إلا هو الحيّ القيّوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السماوات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه.

يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السموات والأرض ولا يؤده حفظهما وهو العلي العظيم صدق الله العظيم

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...