في المطعم تقابل زين مع كريم. "كيمو، انت جيت امتى؟ "من ساعة كدا.. سألت عليكم قالولي مريم مع أصحابها وانت في مشوار." "لو أعرف إنك رجعت كنت رجعت بدري." "مالك؟ "لا مفيش إرهاق لأني مشيت كتير." "ياااه، مشيت كتير يبقى بتفكر في حاجة. تعالى بره نتكلم بعيد عن محمود وكرم." خرجا إلى الحديقة وجلسا. "إيه مالك؟ إيه شاغل دماغك كدا؟ "لا مفيش بجد." "طيب طمني على أخبارك إيه أنت وعلاقاتك؟ "ماشي الحال."
"قابلت بنت الحلال اللي خطفت قلبك ولا لسه مفيش حد قرب؟ غمز زين. "زين يخطف، ما يتخطفش." "يا زيزو يا جامد.. لا بجد مفيش واحدة خطفت قلبك كدا؟ دا أنا لما كنت في سنك دا ارتبطت واتجوزت وانفصلت وارتبطت.. وأنت ولا مرة؟ "هو مش ارتباط بمعنى الارتباط.. بنتعرف ولما بحس إنه مش نافع بخلع بالطريقة." "مريم مزنقا عليك ولا إيه؟ المفروض إنكم اتفقتوا تفكوا بعض شوية." "بالعكس، مريم مبتدخلش خالص وسايباني على راحتي.. يمكن دا السبب؟
"إنها سايباك على راحتك؟ "أيوه.. يعني لما قبل كده بحس إني هتقفش ولا حاجة بيكون عندي حماس أعرف دي ودي ودي، لكن دلوقتي يعني عادي." ضحك كريم. "دا أنت غريب يا جدع والله، أول مرة أشوف واحد بيحب الخنقة." "أنا مكنتش مخنوق على فكرة ولا متضايق. والشد اللي بيحصل بيني وبين مريم كان بيبقى أحلى لحظات في علاقتنا وأنا شايفها بتحارب إن مفيش حد ياخدني منها.. إحساس جميل."
"غيرتها عليك كانت صعبة يا زين، وأنت كمان. وأخيرها اللي هي عملته، هكرت إيميلاتك يا جدع. يعني متعرفش دماغها هتفكر في إيه.. بص الموضوع يمكن صعب في الأول زي بالظبط طفل لسه بيتعلم المشي.. فهتاخدوا وقتكم وهتتأقلموا على الوضع الجديد، وبالأخص لما ترتبطوا بأشخاص تانيين يدخلوا حياتكم وياخدوا الحيز الكبير من الاهتمام والحب." صمت لحظة وقال: "يعني مريم ممكن تنساني؟
"مش هتنساك بالمعنى الحرفي، لكن هيكون فيه ترتيب أولويات في حياتها يا زين. لو أنت، ومثلاً جوزها، العقل والطبيعة وكل حاجة هتقول إنها هتختار جوزها اللي بتحبه واتجوزته. أنا بقولك كدا عشان أكدلك إن الخطوة اللي عملتوها دي مفيدة جدًا لكم. هتفضلوا في حياة بعض بس من غير ما تضغطوا على بعض وتسببوا ضرر وأذى لبعض. كل واحد له مساحته الخاصة والتاني يساند ويدعمه. هو ده المفروض كنتم تعملوه من زمان. هو حصل متأخر، بس متأخر أحسن من مفيش بصراحة."
"بس في حاجة كدا؟ "إيه؟ "مفيش واحدة قدرت تتغلب على مكانة مريم في قلبي. دايما كل ما أتعرف على بنت أحس إن مريم مش سايبة مساحة لحد يدخل." "طبيعي، لأن مريم بالنسبالك كل حاجة. لكن الحال هيتغير لغاية ما هتقابل اللي مش هتقولك شيل مريم، لا مريم هتفضل موجودة في مكانها لأن مريم في كل الأحوال موجودة. لكن اللي هتدخل هتخلق مكانها. متقلقش، هو بيحصل من غير سعي ولا محاولات منك." "وأنت مقابلتش اللي قدرت تخلق مكان في قلبك غير ملك؟
صمت كريم وتنهد. "علاقتي أنا وملك مختلفة عنكم يا زين." "أنا فاهم، بس أنا بكلمك في المشاعر. مفيش حد قدر." "في حاولوا، ولكن لم ينجح أحد. في شخص واحد بنقابله في حياتنا بيتزرع جوانا وجذوره بتكون ثابتة في الأعماق، صعب تنزعه. وجوده مش مضايقك، لكن بيكون مهمة صعبة لحد تاني يكون جنبه." تنهد تنهيدة عميقة. "صعبة فعلًا."
"بس نصيحة.. لو صادفت واحدة بتحبك وأنت مفيش مشاعر تجاهها، متستغلش ده. أنت مش هيفرق معاك، لكن هتكون سبب في تشويه داخلي لروحها. هتعيش عمرها كله بتتوجع منه." "لا متقلقش، أنا واخد بالي من النقطة دي. لأن مع أي واحدة بقابلها بشوف مريم، واللي مش عاوزاه لمريم ولا تعيشه، مبحاولش أعيشه لغيرها. ببساطة كدا، مش عاوزها تتوجع، لأني هتوجع أنا كمان." "زي اللي متقبلوش على أختك، متقبلوش على بنات الناس." ابتسم زين.
"بالظبط كدا. أي واحدة بتعرف عليها ببقى عارف أنا بعمل إيه، ولو الموضوع فاكس بخلع وبنهي على طول، مبطولش. وأهو ندي فرصة للي بعده." رن هاتف زين وكانت مريم. تحدث كريم وهو يضحك: "يا ريت كنا جبنا سيرة مليون جنيه." وقف زين وقال وهو مبتسم: "ميما بكنوز الدنيا كلها بالنسبالي. يلا أنا هروح آخدها للبيت." "جهز نفسك لماتش بلايستيشن في السهرة." "اتفقنا."
ذهب زين إلى المقهى الذي تجتمع فيه مريم مع أصدقائها. أرسل لها رسالة نصية بوصوله. وفور قراءتها الرسالة، خرجت من المقهى بعد أن استأذنت من أصدقائها. وبمجرد أن رأت زين واقفًا على الرصيف المقابل، ابتسمت. خطت خطواتها بسرعة خفيفة نحوه، واستقبلها زين بابتسامة هادئة. "زيزو." "براحة، بتجري ليه كدا؟ "لو مجرتش عشانك هجري لمين؟ "للعيش." خبطته في ذراعه. "يا غلس." "تحبي نركب ولا نتمشى؟ "نتمشى." "أنا قولت كدا، يلا بينا."
بدأوا يتمشون على طريق البحر بخطوات بطيئة، وقالت مريم: "مدخلتش ليه؟ "يعني محبتش أكون رخيم." "بالعكس والله، دول سألوا عليك." "عيني في عينك كدا." ضحكت مريم. "بصراحة اتنين بس سألوا عليك، ماجدة وبسمة. وقال إيه كانوا مستنينك." ابتسم زين حينما رأى ملامح مريم وهي تتحدث. "شوفتي بقى مجتش ليه؟ لأنهم لازقة وعليهم إفيهات بايخة." "ما أنت يا حبيبي بتضحك معاهم على إفيهاتهم دي." "عشانك والله.. أصحابك وكدا." "طيب كنت جيت عشاني."
"شوية مساحة.. دي كانت مساحتك اللي غير مسموح لي أبرطش فيها." "ده في مقابلاتي مع أصحابي، لكن ده كان عيد ميلاد، وعلى فكرة أنت كنت معزوم على عيد الميلاد ده وخلتني أكذب إنك مشغول." "عيد ميلاد مع أصحابك يعني مساحتك برضه. وبعدين لا مكدبتيش، كنت مشغول فعلًا، كان عندي مشوار." "مشوار ولا ديت؟ "ديت مشوار. عاجبك كدا؟ "هيُعجبني لو أنت مبسوط من المشوار." "عارفة، هتبسطي أكتر لو سكتي. افصلي شوية." "أفصل وأتكلم مع مين؟
ما أنا عايزة أحكيلك اللي حصل." "احكي يلا، سامعاك." "على الناشف كدا." "قولي بقى.. عايزة إيه؟ بابتسامة: "آيس كريم." "بس كدا، أنا كنت قلقان تطلبي بيتزا ولا حاجة أكبر." "لا آيس كريم بس، وعايزاه في علبة و4 بولات." نظر إليها بتعجب. "نفسك مفتوحة ما شاء الله." "عشان أنت اللي هتجيبهولي.. يلا." ذهبوا إلى محل الآيس كريم وقام بشراء طلبها. تمشوا جنبًا إلى جنب، ومريم تتلذذ بالآيس كريم. وقال زين: "ها، احكيلي عيد الميلاد كان حلو؟
أوعي تكوني اتهفيتي ورقصتي؟ "لالا، ده كان على الضيق كدا، قعدة ورغي وتورتة وبس." "كويس.. انبسطتي؟ "بصراحة." "أيوه." "مش أوي.. حاسة لو أنت معايا كنت هنبسط أكتر." "بصي، أنتِ بتعملي إيه؟ أنا سايبلك مساحة وتكوني حرة. بصي بتعملي إيه؟ "ما هو الموضوع مش سهل على فكرة.. أنت بتعرف تنبسط من غيري؟ قول يلا؟ "بصراحة." "أكيد لأ." "آه، انبسط عادي." "بتتكلم بجد ولا بتهزر؟ ضحك زين.
"بهزر.. بهزر، متتحوليش عليا، ده أنا لسه دافع دم قلبي في طشت الآيس كريم ده." "من الترم الأول للحظة دي، أي حاجة ببقى عايزة أروح، أنت أول حد بيجي في بالي، وبعدين أفتكر شوية خصوصية.. شوية مساحة." ضحك زين وهي تقلد نبرة صوته. "أنا بتكلم كدا؟ "أيوه.. أنا اللي بسمعك." "هنتعود يا ميما شوية شوية. وبعدين إحنا أهو مع بعض، يعني مجتش على لحظات قليلة استراحة من مناكفة بعض." "أهو عشان أوحشك أكتر." قالتها مازحة. نظر إليها زين وقال:
"يعني أنا بوحشك؟ "جدا جدا جدا.. بس زي ما قولت، شوية خصوصية.. شوية مساحة." تنهد زين وقال: "قوليلي جاهزة للامتحانات؟ مفيش نزول ولا أي حاجة الفترة الجاية، لعلمك يعني الامتحانات قربت، أقل من شهر." "أكيد طبعًا.. ياترى وأنت كمان ولا مش فارق معاك؟ "لا، في الامتحانات إحنا على العهد مع بعض. الامتحانات أولًا." "شاطر يا زيزو، الامتحانات أولًا." "ها، احكيلي حصل إيه في عيد الميلاد والتورتة كان فيها شمع كتير ولا شمعة واحدة؟
بدأت مريم تتحدث بحماس لزين عن تفاصيل عيد الميلاد.. الزينة والهدايا.. كان صوتها ملئ بالحيوية. زين كان يسير إلى جانبها بهدوء، يلتفت إليها بين الحين والآخر بابتسامة خفيفة، ينصت لها باهتمام حقيقي. كان يعلق على بعض ما تقول، ويضحك حين تروي موقفًا طريفًا، ويسألها عن تفاصيل أكثر. ظلت مريم تتحدث حتى اقتربا إلى المنزل، وظل زين يشاركها اللحظة حتى النهاية. كانت الألفة بينهما واضحة، والهدوء الذي يحيط بهما من المستحيل تشويهه.
في أيام الامتحانات، كان السطح يتحول كل مساء إلى مكان هادئ دافئ. المكان يمتلأ بأوراق المذاكرة والأقلام وأكواب الشاي والقهوة التي يعدها زين أو مريم بالتناوب. رغم اختلاف دراستهم الجامعية، لم يكن ذلك عائقًا، فقد كان الحضور معًا هو الأهم.
زين يجلس بجوار مريم يقرأ بصوت منخفض، بينما مريم تكتب ملخصًا أو تحاول فهم جزء صعب. كان زين بين الحين والآخر، عيناه لا تبتعد عن مريم، كلما يجدها أعصابها متوترة، كان يقاطعها بهدوء ليساعدها في ترتيب أفكارها. وفي المقابل، كانت مريم حين تجد زين مندمجًا في المذاكرة، كانت تذكره بوقت الاستراحات. كل منهما كان يشعر أن وجود الآخر إلى جانبه يخفف من التوتر. يذهبان إلى الامتحان ويتقابلان بعده ليحكيا كيف مر، وليطمئن كلا منهم على الآخر، ويشجعان بعض لامتحان القادم.
في وسط الامتحانات، كعادتهم، يجلسان سويًا في السطح للمذاكرة. كان الليل ساكنًا، والشارع هادئًا تمامًا تحت أضواء خافتة. كانت الساعة تقترب من الرابعة فجرًا. زين ينظر إلى ملامح مريم المنهكة وعينيها مثقلتين وذهنها مشتت من كثرة المذاكرة. شعر أن الضغط بدأ يطغى عليها. فابتسم وقال لها: "ميما." لم تنظر إليه، وكانت تنظر إلى اللابتوب أمامها. "ها." تحرك من مكانه واتجه إليها وجلس. "ها إيه؟ أكلمك تبصيلي؟ إيه معاملة دي؟ نظرت إليه.
"أهو بصيت.. عايز إيه يا زيزو؟ "الساعة 4 الفجر قرب يأذن." "بجد؟ محستش بالوقت. خلاص يأذن ونقوم نتوضى ونصلي." عادت النظر إلى اللاب توب. أغلق زين اللاب توب أمامها. "إيه يا زيزو؟ "يلا ننزل." تفاجئت ونظرت نحوه بتعجب. "ننزل فين؟ البيت؟ "لا الشارع." "نعم.. دلوقتي؟ ننزل ليه؟ "بصراحة محتاج أشَم هوا بمعنى أصح نشم هوا شوية." نظرت مريم حولها والمكان المفتوح. "هوا أكتر من كدا. إيه أنت تنين؟ "يا عسل، إيه الدم الخفيف ده يا ميما؟
"زين.. المادة اللي عندي دي أتقل من اللي فاتوا، ف مش فايقة بجد." كانت ترفع شاشة اللاب توب. أعاد إغلاقها زين مرة أخرى. "ماهو عشان كدا لازم ننزل. تغيري جو ومكان، تفصلي شوية. ضغط ضغط مش هيعملك حاجة غير الانفجار والمعلومات هتطير." "زين.." وقف زين مكانه ومد يده نحوها وأمسك يدها وجذبها. "أنا قولت هننزل يعني هننزل. يلا."
بالفعل نزلوا الشارع. كان الشارع هادئًا تمامًا في ذلك التوقيت المتأخر من الليل. زين كان يسير بجانب مريم ويداه في جيبه وصوته منخفض، لكنه ملئ بالحيوية. سمعا صوت المؤذن وتوجها إلى المسجد لصلاة الفجر. ذهبت مريم إلى مصلى النساء وزين إلى مصلى الرجال. وبعد انتهاء الصلاة، تقابلا في الخارج. كانت الشوارع لا تزال شبه خالية، فقط بعض المارة القلائل وعمال النظافة يباشرون يومهم. وصلا إلى عربية فول وفلافل، قال زين بحماس:
"هنفطر فطار ملوكي." "متنساش الباذنجان بس." "وصايا."
كانت رائحة الطعام الساخن تحوم في الأجواء، فزادت من شعورهما بالجوع. زين طلب الأكل، وكانت مريم تضحك على طريقة زين في الحديث مع مالك العربة وهو يطلب منه التوصية في السندوتشات. حملوا الطعام وقرروا الذهاب إلى البحر، وهناك جلسا على الشاطئ أمامهم مياه البحر الهادئة، الضوء الفجر ينعكس عليها بنعومة. فتحا الفطار وبدأ بتناوله. كان زين يحكي لمريم عن موقف مضحك ويقلد أستاذه بصوت غليظ، وكان يبالغ في الحكي ليرى ضحكة مريم، وفعلًا كانت مريم تضحك من قلبها، ضحكة كانت تخرج معها كل التوتر والإرهاق.
قالت مريم: "بس بقى كفاية، مش عارفة آكل." "لا استنى أحكيلك عمل إيه لما قفش الواد في آخر صف بيسمع أسامة منير." بدأ زين يحكي ومريم تضحك. المشهد كله كان دافئ بينهم وبسيطًا، لكنها امتلأت بالراحة وبالاهتمام، وكأن الوقت توقف ليمنحهما تلك اللحظة الخاصة من الطمأنينة.
بعدما أنهيا فطورهما وجلسا للحظات يتأملان البحر تحت شمس الصباح التي بدأت في الصعود. عم المكان دفء خفيف، والشارع خلفهم بدأ يستعيد نشاطه. قاما من مكانهما وسارا معًا في طريق العودة للمنزل. الحديث صار أخف، وصلا إلى باب منزلهم المقابل. "يلا ادخلي نامي وبكرة اصحي ذاكري عادي." "تمام.. هتكون موجود ولا برا؟ "هروح فين.. أنا مينفعش أسيبك في أيام الامتحانات. هتضيعي من غيري يا بنتي." قالها مازحًا وضحكت مريم. "في دي معاك حق."
"زيزو دايما ع حق." "زيزو دايما على حق." ضحكا وقال زين: "يلا تصبح على خير." "زيزو." التفت إليها. "ها." نظرت إليه نظرة امتنان. "شكرًا.. شكرًا على الطلعة الغير مرتبة دي. أنا راجعة غير ما كنت نازلة فعلًا، كنت محتاجاها." ابتسم زين وقال: "عشان تسمعي الكلام لما أقولك يلا يلا وأنتي ساكتة." ودعوا بعض بنظرة هادئة ودخل كل منهما إلى منزله محملين بلحظة دافئة احتلت قلبهما. أنهوا الامتحانات وبدأت إجازة آخر العام.
في يوم وكرم في المطعم تلقى مكالمة هاتفية من عبد الله ابن أخيه كمال، وأخبره بوفاة أخيه. حزن بشدة كرم وذهب هو ومحمود وسناء وسوسن لحضور الدفنة والعزاء، وتركا المطعم تحت مسؤولية مريم وزين وكريم. سافر كرم وحضر الدفنة ووقف يتلقى واجب العزاء بجانب ابن أخيه، وعلى الجانب الآخر كان يقف محمود كتفًا لكتف. انتهى العزاء وعادوا إلى منزل أخيه محمود وتقابلا مع إلهام. نظرت بعيون مليئة بالدموع إلى كرم وقالت له: "سامحه يا كرم.. سامحه."
الجميع التفت إلى كرم وقال: "أسامحه على إيه يا إلهام؟ "سامحه على كل حاجة عملها معاك من زمان وبعد ما الحج مات.. سامحه على كل حاجة. هو دلوقتي بين إيد ربنا." قال كرم بصوت هادئ حزين: "أنا مكنتش زعلان من كمال يا إلهام عشان أزعل منه. كمال أخويا الكبير ومهما عمل أنا عمري ما أزعل منه. الله يرحمه." تحدث عبد الله: "تعالوا أوديكم غرفكم ترتاحوا." تحرك كرم وسناء ومحمود وسوسن. دخل محمود وسوسن غرفة، وفي الغرفة الأخرى دخل كرم وسناء.
في اليوم الثالث للعزاء، قبل خلود كرم للنوم، طلب عبد الله أن يتحدث مع كرم على انفراد. بالفعل، جلسا في المكتب وقال كرم: "شد حيلك يا عبد الله، أنت دلوقتي مكان أبوك لأمك ولأخواتك." "الله يرحمه." "وأنا موجود، أي وقت تحتاجني أو عايزني كلمني أجلك وبيتي مفتوح لكم في أي وقت، مش محتاج تستأذن." "ربنا يخليك يا عمي." "مريم كلمتني، عزيتني هي وزين." "كانوا عاوزين يجوا بس المطعم كان صعب.. بس في يوم هجيبهم وأجي."
"ينورونا في أي وقت يا عمي، دا بيتكم." "مفتوح بحسكم يا عبد الله." "كان نفسي الود ده يكون وهو عايش." "كل حاجة وليها وقتها." "عمي.. كنت عايز أتكلم معاك في حاجة." "خير." "ميراثك من جدي هتاخده.. أخلص الإجراءات وهطلع نصيبك." "إيه اللي بتقوله ده.. أنا أخدت حقي زمان يا عبد الله." "كلنا عارفين إنك أخدت جزء من ميراثك وحقك. العند والمكابرة هما اللي خلوه يعمل كدا، وعشان يرتاح في قبره لازم الحقوق ترجع."
"أنا سمعت إن فيه ديون عليه." "آخر صفقة دخلها دفع فيها مبلغ كبير وللأسف اتنصب عليه، وده سبب وقعه. مستحملش." "يا الله." استكمل عبد الله: "متقلقش، ده مش هياثر على حقك. هطلع حقك وهبقى أتصرف في الباقي وأسد." صمت للحظات. "أنا مش عايز حاجة يا عبد الله." تفاجئ عبد الله. "ده حقك يا عمي." "حقي اللي عاوزة إنكم تودوني أنا وسناء ومريم.. متقطعوش نفسكم عننا، ممكن؟ "مش هيحصل يا عمي، أي قطع مش هيحصل."
"واللي أنت عايز تديهولي سد بيه ديون أبوك." "إيه يا عمي الكلام ده؟ "أنا مش هاخد جنيه يا عبد الله، اللي كنت محتاجه عيلة تحتويني وأكون جواها.. الفلوس أنا معايا الحمد لله وعايش كويس أنا وبنتي ومراتي.. ربنا رزقني بالفلوس وبمحمود ومراته وابنه.. كنا عيلة لبعض.. أنا مش عايز فلوس يا عبد الله، وسد دين أبوك. ولو عايز تديني حقي، اديني حقي فيكم.. متقطعونيش." "حاضر يا عمي."
"بكرة بعد المغرب هنتحرك نرجع اسكندرية ومش هكررلك تاني. لو محتاج أي حاجة متترددش، بيتي مفتوح لكم في أي وقت." الجميع نيام وكرم جلس أمام المنزل ينظر إلى المنزل من الخارج في شرود. خرج محمود بهدوء ليدخن سيجارته في الخارج وتفاجأ بوجود كرم. "أنت صاحي يا كرم؟ "أنت منمتش يا محمود؟ "قولت أدخن سيجارة وأنام، فقولت أخرج في الهوا.. أنت منمتش ليه وقاعد لوحدك كدا ليه؟ ظل كرم ينظر إلى المنزل وتنهد تنهيدة عميقة.
"البيت ده اتطردت منه زمان، ورجعت آخد عزا اللي طردني منه." "طول العمر لك يا كرم." "عارف يا محمود.. رغم إننا كنا بنتكلم في التليفون، لكن كان كلام عادي، المكالمة متكملش 5 دقائق وأنا اللي بتصل.. كمال مرفعش عليا سماعة التليفون يسأل عليا ولا يقولي تعالي.. أنا اللي كنت باجي فجأة، وكان مقابلته مش مقابلة أخ مشتاق لأخوه.. مقابلة باردة وكلام يضايق عن سنين فاتت هو مش ناسيها.. عارف يا محمود.. كان نفسي ياخدني في حضنه."
نظر محمود إلى كرم وهو ينظر إلى المنزل بحزن. وضع السيجارة تحت قدمه واستدار إلى كرم وضمه وقال له: "إحنا أيوه مش إخوات شقة، لكن أنت بالنسبالي أخويا اللي الأيام هدتهولي بيه يا أبو الكرم. أنا ممكن مش زي كمال، ولا حضني زي حضن كمال، لكن أنا حضني موجود لك في أي وقت.. حضن أخوك محمود." ضمه كرم وقال: "ربنا يخليك ليا يا محمود." ابتعد محمود وقال:
"أنت عيلتك كبيرة يا أبو الكرم.. مريم وزين وكريم.. وهما هيكبروا عيلتنا.. عيلتنا هتكبر." ابتسم كرم نص ابتسامة وقال: "أحلى هدية من ربنا، ربنا يخليكوا ليا. محمود ممكن أطلب منك طلب؟ "عمري يا أبو الكرم." "مريم.. تخلي بالك منها، أنا عارف مش محتاج أوصيك، لكن لو حصلي حاجة و.." قاطعه محمود حديثه وقبض على يديه وقال بصوت حازم: "أنت اللي هتجوزها وتفرح بيها وتشيل عيالها وعيال عيالها كمان." "محمود أنا.."
"عارف أنا أنت حاسس بإيه، لكن الغيب الله يعلم به إيه، وولادنا أمانة عندنا. خلينا نستبشر خير في بكرة وندعي ربنا يطمنا عليهم، على حياة عينيا أنا وانت نوصل كل واحد فيهم، مريم وزين وكريم لبيته.. نبقى معاهم يا أبو الكرم لآخر الطريق.. نفكر في كدا. أي تفكير تاني غير مسموح." صمت كرم وقال محمود مازحًا لتغيير الجو العام: "قال يا أبو الكرم، كنت قولتلي أنت كنت معجب ببنت الجيران.. كنت تقصد أنهي بيت؟ لاحسن نسيت." ابتسم كرم.
"أنت عايز سناء تسمع وأحصل كمال." "لا متقلقش يا أبو الكرم، أنا هحوش عنك.. بس احكيلي كدا، كنت بتقف على السطح تصفرلها وإيه تاني؟ الذاكرة مش سامعاني أفتكر." جلسا محمود وكرم على كرسيين أمام المنزل وبدأ كرم يحكي لمحمود ومحمود يستمع بإنصات ويتدخل في التفاصيل. ظلا يتبادلان الحديث حتى سمعا صلاة الفجر، توضأ وذهبوا للمسجد، صلوا الفجر وعادوا للنوم. في الإسكندرية.
صباحًا استيقظت مريم مبكرًا كعادتها وهي تشعر بمسؤولية كبيرة على عاتقها. بدلت ملابسها وذهبت إلى المطعم قبل موعد فتحه بوقت كافٍ. الجو في الشارع كان هادئًا والهواء يحمل نسيمًا خفيفًا. دخلت المطعم وبدأت تتجول بين الطاولات، تتفقد النظافة والترتيب، أعادت تنسيق بعض المقاعد. اتجهت إلى المطبخ وأعطت التعليمات للعمال بالداخل، ثم بدأت بمراجعة الطلبات والمخزون. خرجت للصالة وكانت ترتب المنيو على الطاولات وتضع الورود الصغيرة في أوعيتها الزجاجية. وجهها عليه ملامح التركيز، لكنها لم تخفي لمحة توتر خفيف، فهي كانت اليوم بمفردها المسؤولة لغياب زين وعودة كريم للعمل في القاهرة.
وهي جالسة على إحدى الطاولات عند الساعة الحادية عشر، لمحت دخول زين واقترب نحوها. "صباح الفل." "صباح الفل.. أنت جيت ليه؟ "هو إيه اللي جيت ليه؟ "أقصد أنت عندك موعد مش فاضي صح؟ أنت قولتلنا امبارح كدا أنا وكريم؟ "أيوه كنت مشغول لكن فضيت خلاص." "نعم؟ ودا اسمه إيه؟ "اسمه إني مكنتش أعرف إنك لوحدك. أنا كنت فاكر كريم معاكي، بناء عليه قولتلكم أنا مش جاي غير بليل."
"كريم جاله تليفون عنده مشكلة في المكتب في القاهرة وكان لازم يسافر. وبعدين كرم ومحمود جايين بعد العصر كدا، فمش هكون لوحدي." "أومال أنتِ إيه دلوقتي.. أنتِ معاكي مين؟ "زين.. قوم روح مشوارك ومتقلقش، أنا رتبت كل حاجة وكدا كدا اليوم خفيف مفيش زحمة." "أجلته والله خلاص." "أجلت عيد الميلاد؟ "أيوه.. قولتلها نبقى نحتفل به يوم تاني، لسه الشهر طويل." "قوليلهم يجهزولي فطار عشان أنا صحيت لبست نزلت." "أنت بتستهبل صح؟
"ليه عشان عايز أفطر." "زين.." "في إيه مش فاهم؟ "يعني البنت عيد ميلادها النهارده والمفروض إنكم مرتبطين وهي كانت مجهزة نفسها ورتبت كل حاجة عشان تحتفلوا مع بعض، تقوم أنت خالع ببساطة كدا." "أنتِ ليه مكبرة الموضوع؟ هو الشهر خلص؟ لسه مخلصش يعني أي يوم نحتفل عادي." "النهاردة عيد ميلادها يا أستاذ." "بصراحة مش متأكد يعني، قالت إنها اتولدت في يوم واتكتبت في يوم.. ف النهارده يوم من الاتنين." "مش وقت هزار.. قوم كلمها وروحلها."
"أنتِ بتطرديني؟ نظرت إليه بتعجب. "أنت مستصغر الموضوع ليه؟ مينفعش متبقاش معاها اليوم ده؟ "يا صبر.. حصل ظرف.. رجلي اتكسرت هروح إزاي؟ اعتبري رجلي اتكسرت. قوليلهم عايز فطار، انجزي بقى." "زين.." وقف بنبرة حادة: "مش هسيبك لوحدك في المطعم، خلص الكلام واللي عاوز يزعل عنده البحر يكفي ويفيض. أنا رايح المطبخ أفطر، فرهدتيني وجوعتيني يا شيخة."
بالفعل تحرك من مكانه ودخل المطبخ. جلست مريم تنظر إليه بتعجب على تصرفه الغير منطقي من وجهة نظرها، الذي سيسبب له مشكلة كبيرة. كان زين جالسًا مع مريم يتبادلان الأحاديث الخفيفة والضحكات، والجو من حولهما هادئ، فقط بعض الزبائن متفرقين هنا وهناك، وصوت موسيقى خافت للموسيقى في الخلفية.
مريم كانت سعيدة لوجود زين معها. لم تخبره بذلك، ولكن وجوده كسر التوتر الذي كانت تشعر به، وشعرت بالراحة وكأن حملًا خفيفًا أزيح عن كتفيها. مريم كانت تبتسم وعيناها تلمعان من الضحك من حكاوي زين، فكلما يراها تضحك، يفتعل حكاوي أكثر ضحكًا لإضحاكها. فجأة انفتح باب المطعم ودخلت الفتاة التي يواعدها زين. وقفت عند الباب ولمحتها مريم وتبدلت ملامحها لرؤية ملامح الفتاة. تقدمت الفتاة بخطوات سريعة اتجاههم ونظرات حادة. تحدثت مريم:
"زين." كان يضحك زين ولاحظ ملامح مريم والتفت لاتجاه الذي تنظر إليه وانتفض قليلاً من مكانه، وعلت على وجهه ملامح المفاجأة والتوتر. لم يتوقع حضورها. "منى؟ اقتربت إليهم ووقفت تنظر إلى زين نظرة حادة وانتقلت بنظرها إلى مريم بنظرة غاضبة. مريم شعرت بالارتباك، نظرت إلى الفتاة ثم إلى زين. وقف زين وأمسكها من يدها وسحبها للخارج. "أنتِ بتعملي إيه هنا؟ ربعت يدها حول صدرها وبنبرة حادة:
"جيت أطمن على الحرارة العالية وجسمك المكسر اللي مش قادر تتحرك من السرير." "أنا.." "لما شفت رسالتك وإنك لوحدك عملتلك شوربة جيت أديهالك، وقبل ما أطلع البواب قالي شافك نازل رايح المطعم.. جيت أطمن عليك، مكنتش أعرف إن الحرارة نزلت وتكسير الجسم راح. مفعول دكتورة مريم جبار بصراحة." بنبرة حادة تحدث: "منى.. اظبطي كلامك." أجابته بانفعال:
"أنت اللي اظبط أفعالك.. تسيبني في يوم مهم.. يوم عيد ميلادي بعد ما جهزت كل حاجة عشان تقعد مع مريم." "أنتِ متعصبة مش عارفة بتقولي إيه.. روحي ونتكلم بعدين، روحي يلا." "وكمان بتوزعني عشان معكرش الجو صح." قال بغضب: "منى.. اسمعي الكلام وامشي يلا." وقفت للحظات تنظر إليه وملامحها الحادة وقالت بعناد: "مش همشي غير لما تجاوبني على سؤالي؟ "يا صبر.. اسألي وانجزي." "أنا ولا مريم.. هتختار مين؟ تفاجئ من السؤال وقال:
"أنتِ رايحة منك النهاردة.. ارجعي ع البيت ولا روحي احتفلي بعيد ميلادك وبعدين نتكلم، تكوني هديتي." "مش همشي غير لما تجاوبني.. ولا أقولك.. هدخل أسألها.. هسأل مريم نفسها." بغضب أمسك يدها أوقفها. "أنتِ رايحة فين وهتسألي مين؟ "في غيرها.. اللي سبتني في يوم مهم عشانها." "عايزة إجابة لسؤالك يا منى.. هجاوبك بكل بساطة واريحية.. قولتي أنتِ ولا مريم، مريم أكيد.. مريم قبل أي حد.. وصلت الإجابة." صدمت من إجابته وقالت:
"أنا مش عايزة أعرفك تاني." "اللي أنتِ شايفاه.. اتفضلي." كانت مريم تقف على بعد خطوات، تظاهرت بالانشغال في ترتيب الطاولات القريبة، ولكنها كانت تسمع الحوار الدائر بين زين والفتاة. حين سمعت إجابة زين، صدمت من إجابته وتجمدت ملامحها وثبتت مكانها. التفت زين ليدخل، وجدها واقفة خلفه وملامحها مضطربة تنظر إليه بعينين غارقتين في الدهشة. اقتربت نحوه: "إيه اللي سمعته ده؟ بتوتر أجاب زين: "سمعتي إيه بالظبط."
"أنت كذبت عليها إنك مريض عشان تيجي تكون معايا هنا." لم يستطع زين الإنكار: "أيوه." رمقته بنظرة غضب ودخلت إلى الداخل وجلست على إحدى الطاولات وملامحها حادة. جلس زين بجوارها. "عايز أفهم، أنتِ متحولة ليه كدا؟ هي بنت خالتك؟ "أنت بتستعبط يا زين.. بص قوم روح لها، صالحها، راضيها، اعمل أي حاجة، بس متسبهاش زعلانة كدا." "مش رايح في مكان، أنا قاعد هنا.. أنا مقولتلهاش تيجي أصلًا." نظرت إليه لثوانٍ:
"فين المكان اللي كانت هتعمل عيد ميلادها فيه؟ "ليه؟ "هروح لها أنا أصلح العك اللي عملته ده وأفهمها اللي حصل وأقولها مش مستاهلة الغيرة مني أنا أختك." "أهدي كدا واقعدي." "زين مينفعش." "اللي حصل حصل خلاص، مش عارف أنا إيه اللي ضايقك كدا؟ "لأني أنا السبب.. ليه تقولها مريم؟ قولها أنتِ." "وأكذب ليه؟ نظرت إليه بتعجب: "أنتم مش مرتبطين.. طبيعي تختارها هي مش أنا؟
"الطبيعي إنها متحطكيش في مقارنة معاها، لأنها هتخسر وهي عارفة كدا كويس." "زين." "مريم اسمعيني.. أنتِ متحطيش في مقارنة مع حد.. متحطيش في مقارنة أصلًا.. واللي يفكر يحطك هو الخسران وهي خسرت." صمت لثوانٍ. "زين.. روح صالحها، مش هقدر أقعد وأنا عارفة إن أنا السبب." "غبائها السبب.. أول ما ارتبطت معاها وعرفتكم على عيلتي وقولتلها علاقتنا ببعض أنا وأنتِ أخوات، وهي مش قادرة تستوعبها وأنا مبحبش الأغبياء." "يعني إيه؟
"يعني هي طلبت طلب وخلاص ريحتني بصراحة، كنت مش عارف أخلع إزاي." تفاجئت مريم: "زين.. أنت بتقول إيه؟ "بقول إني رجعت زين السينجل. لو حد من أصحابك سأل عليا قوليلها تلحق قبل الحجز." قال كلماته وتحرك من مكانه مغادرًا. "رايح فين؟ مخلصناش كلامنا." التفت إليها وقال: "أنا خلصت ومفيش كلام تاني.. أنا رايح أشوف الغدا، جوعتيني من الفرهدة، اعملي حساب معايا.. هعمل، لأني عارفك بزلومتك دي هتتطفصي كالعادة."
تحرك اتجاه المطبخ بخطوات هادئة وهو يدندن ويلقي المزحات على العاملين. جلست مريم تنظر إليه بتعجب. مرت سنة ثالثة بهدوء، وتقدم زين ومريم بخطوات ثابتة نحو التخرج ليصلوا أخيرًا إلى السنة النهائية في الجامعة. مريم كانت جالسة في المرسم على السطح منهمكة في رسم تفاصيل لوحتها، والألوان تتناثر حولها. فجأة سمعت صوت زين من الخارج. "ميما.. أنا جيت." تفاجئت بوجوده وخرجت من المرسم، وجدته جالسًا أمام الطاولة وأمامه علبة بيتزا.
"حسيت إني جعان فقلت نأكل مع بعض." "أنت مش كان عندك ميعاد والمفروض هتتغدوا مع بعض؟ "روحت وخلصت الميعاد وجيت." "إيه الإنجاز ده؟ أنا قولت هترجع متأخر." "لا عادي، روحنا قعدنا في مطعم، أكلنا، قالت الكلمتين وأنا قولت الكلمتين، دفعت الحساب ووصلتها ورجعت." "وأيه جعان ده؟ أنت مأكلتش؟ "نقنقت، مكنتش جعان وقتها. في إيه بتحققي معايا؟ أنا غلطان إني جيت يعني؟ أخد البيتزا وأنزل البيت." أمسكت يده وعِلبة البيتزا.
"مالك اتزرّزت كدا ليه؟ أنا بسأل عادي." "مفيش أسئلة.. الوقت ده وقت الأكل.. يلا ولا مش ناوية؟ مش هسيبلك حاجة، بقولك أهو." "لا طبعًا يلا." جلست مريم وهي تنظر إلى العلبة بسعادة. كانت نظرات زين مليئة بالمرح والاهتمام وهو يشاهدها تتناول البيتزا بسعادة. بدأ هو أيضًا ليأكل. وقالت مريم: "هتفضل كدا لأمتى؟ "على البيتزا.. لآخر يوم في عمري، أنا وعدتك من واحنا صغيرين هفضل أجيبلك البيتزا."
"لا البيتزا ده أمر مفروغ منه.. لو مجبتش أنا مش هسيبك في حالك." "عشان كدا بقول لآخر العمر." ضحكت مريم وقالت: "لا بجد يا زيزو، لأمتى هتقضيها كدا تعارف ومقابلات ومفيش واحدة بتعمر معاك لمدة.. يعني أنا بعيدة عنك ومع ذلك مبتعمرش.. يعني المشكلة طلعت من عندك أنا مكنش ليا ذنب." نظر إليها بنصف عين. "عيني في عينك كدا.. أومال مين اللي هكر الإيميلات؟ أنا." "خلاص بقى أنت مبتنساش." "لا مبنساش.. إجابة لسؤالك يا شق هي إجابة واحدة."
"وهي؟ "حتى أقابل اللي عليها العين وتخطفني خطف." ضحكت مريم على طريقة وصف زين. "أنت بتتكلم عن فتاة أحلامك عايزها تخطفك." "أيوه.. هو أنا قليل ولا إيه؟ مش أنتم عايزين الفارس يخطفكم؟ إحنا بني آدم عايزين حورية البحر تخطفنا خطف.. زي ما سناء خطفت كرم وسوسن خطفت محمود." "يعني عايز تنخطف؟ "أيوه.. وأنتي إيه الجديد؟ مفيش حد ظهر عرف يخطفك كدا؟ "كان فيه تلميحات بس أنا قفلت بصراحة."
"ما شاء الله ولا قولتي.. هو أنا لازم أسألك ولا إيه؟ "أنا بقولك تلميحات، هو أنا أقول التلميحات؟ لو في حاجة فعلًا هقول. وبعدين أنا في آخر سنة، أخلص رابعة الأول وبعدها نشوف." "ماشي.. ماشي." بدأت الدراسة وذهبوا مريم وزين إلى الجامعة كالمعتاد. مر النصف الأول بهدوء وعادوا من إجازة نصف العام لاستكمال النصف الآخر. مريم تجلس في السكشن برفقة أصدقائها. دخلت صديقتها شيماء تركض اتجاهها. "في إيه يا بنتي؟ حد بيجري وراكي؟
"ميما.. فيه خبر بمليون جنيه." "خليلك الخبر وهاتي المليون جنيه." قالتها مازحة وضحكت هي وأصدقائها. قالت شيماء صديقتها: "إيهاب مختار في الكلية." تجمدت مريم للحظات وقالت: "بتقولي إيه؟ مين؟ فين؟ هنا؟ "كنت عند الدكتور فؤاد وسمعته بيتكلم مع دكتور ماجد إن إيهاب مختار هيدرس لنا الترم ده." لم تستوعب مريم حديث صديقتها. "أنتِ سمعتي غلط صح؟
"والله زي ما بقولكم، حتى أنا سألت دكتور فؤاد قالي إيهاب مختار الكلية بعتتله دعوة يحضر معرض اللي الكلية هتعمله وطلبت منه يدرس لنا وهو وافق، وبعد أسبوع هيكون هنا. عاوزين تتأكدوا روحوا لدكتور فؤاد أو شوفوا المنشور في موقع الكلية." بالفعل فتحت مريم الهاتف ودخلت على موقع الجامعة وبالفعل شاهدت الخبر. سعدت وفرحت بشدة، سيتحقق الحلم أخيرًا لمقابلة إيهاب مختار شخصيًا.
كان زين ينتظر خروج مريم ليعودا سويًا إلى المنزل. خرجت مريم وركضت اتجاهه وهي سعيدة. "مش لدرجة دي هنتفهم غلط." "زيزو مش هتصدق اللي هقولهولك." "إيه حصل؟ نظرت إليه لثوانٍ. "إيهاب مختار يا زيزو.. إيهاب مختار." بلامبالاة: "يا أدي إيهاب توفيق اللي كنا مرتاحين من سيرته.. خير، اترقى؟ عمل معرض؟ ماله؟ "هيدرس لنا الترم ده." تفاجئ زين. "هيدرسلكم.. إزاي يعني؟
أخبرته بالأمر وملامح السعادة تملأ وجهها، فكانت عيناها تلمعان بحماس وابتسامتها لا تفارق وجهها. قال زين: "لدرجة دي الخبر ده فرحك كدا؟ "ده كان حلم أشوفه يا زين.. تخيل هيدرسلي.. الأحلام بتتحقق بجد." "طيب إيه هنمشي ولا هتكملي أحلامك مكانك؟ مستنينا في المطعم." "يلا يلا."
ظلت طوال الطريق تتحدث مع زين عن إيهاب مختار وعمله وفنه وحلمها بالتواصل معه مباشرة. ورغم تكرار كلماتها وحديثها، ولكن زين كان ينصت لها بتركيز ويتفاعل معها لمشاركتها اللحظة. في يوم وهما عائدان من المطعم ووصلا أمام البناية، وقفت فجأة. "وقفتي ليه؟ "نسيت." "نسيتي إيه يا زهايمر.. المفتاح عندنا نسخة.. موبايلك؟ "لا أجيب الطلبات اللي طلبتها من السوبر ماركت بالتليفون لما كنت في المطعم."
"يا شيخة وقعتي قلبي، افتكرت هترجعي المطعم تاني. السوبر ماركت على آخر الشارع، روحي يلا وهستناكي هنا." نظرت إليه بتعجب. "عايزني أنا أروح لآخررر الشارع وأنت تستناني هنا؟ "مش حاجات أنتِ طلبتيها." بصوت منخفض: "مش قادرة يا زيزو.. رجلي وجعتني، وقفت كتير النهارده، يرضيك يعني؟ نظر إليها: "بس بس، إيه نظام التسول ده؟ خليكي هروح." "متتأخرش بقى، أنا هقعد هنا أستناك."
بالفعل تحرك زين متجهًا إلى السوبر ماركت وجلست مريم على الكرسي أمام العمارة. وأثناء جلوسها رأت سيارة تقف أمام العمارة. نظرت نحوها للحظات حتى شاهدت فتاة تغادرها وكانت تشبه على ملامحها. توجهت الفتاة الاتجاه الآخر ونزل السائق كرسي متحرك وبمساعدته أجلس سيدة مسنة كانت معها. ركزت مريم في السيدة المسنة والفتاة وعيناها فتحا من المفاجأة وقالت: "ملك.. معقول." يتبع ...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!