تحرك زين متجهاً إلى السوبر ماركت. جلست مريم على الكرسي أمام العمارة. أثناء جلوسها، رأت سيارة تقف أمام العمارة. نظرت نحوها للحظات حتى شاهدت فتاة تغادرها، وكانت تشبهها على ملامحها. توجهت الفتاة الاتجاه الآخر، ونزل السائق كرسياً متحركاً، وبمساعدته أجلس سيدة مسنة كانت معها. ركزت مريم في السيدة المسنة والفتاة، وعيناها اتسعت من المفاجأة وقالت: "ملك.. معقول." تحركت من مكانها اتجاه ملك ووالدتها، وبنبرة سعادة قالت:
"ملووووكه.. أنا مش مصدقة." نظرت إليها ملك للحظات وابتسمت وقالت: "ميما." تبادلا الأحضان. وقالت مريم: "بجد.. إيه المفاجأة الجميلة دي؟ ابتسمت ملك وقالت: "وحشتيني يا ميما. كلكم وحشتوني." نظرت مريم إلى والدة ملك: "عاملة إيه يا طنط؟ أجابتها: "الحمد لله يا حبيبتي.. إنتِ عاملة إيه وماما وبابا ومحمود وسوسن وكريم والواد الشقي زين." أجابتها مريم بابتسامة: "كلهم بخير.. هيفرحوا جدًا إنكم هنا. زين جاي هناك أهو."
زين عائد إلى المنزل يحمل في يده حقيبة الحلويات ويتمتم قائلاً: "كل دي نقنقة. فعلًا فيل صغير عايش معانا." نظر بنظرة اتجاه مدخل البناية لمريم، شاهدها تقف مع أشخاص غير واضح معالمهم من ظهرهم. تقدم بخطوات سريعة، وكلما اقترب اتضح ملامحهم وقال بصوت متفاجئ: "ملك... معقولة." التفتت ملك لصوت زين وابتسمت وقالت: "زيزو.. إزيك؟ "الحمد لله. حمدلله على السلامة." نظر إلى والدتها: "حمدلله على السلامة يا طنط. نورتوا إسكندرية بجد."
أجابت والدة ملك: "منورة بأصحابها يا حبيبي." غادرت السيارة، وحمل زين ومريم الحقائب لداخل البناية، وساعد ملك في تحريك الكرسي المتحرك بوالدتها للداخل. فتحت ملك باب الشقة ببطء. اندفعت رائحة الغبار، فكانت مغلقة لسنوات. الظلام ملأ أركان الشقة، والأثاث مغطى بالملاءات البيضاء، والأرضية كانت مغطاة بطبقة سميكة من التراب. وقفت ملك في وسط الشقة تنظر حولها بشعور من الحنين والرهبة. تحدثت مريم:
"الشقة محتاجة تتنضف أوي.. هتقعدوا إزاي فيها كده." قالت ملك: "هنتصرف.. هنضف أوضة وهبقى أعمل الشقة على مهلي واحدة واحدة." "ولغاية ما تعمليها هتفضلي إنتي وطنط قاعدين فيها؟ ابتسمت ملك: "أكيد يعني.. هروح فين؟ قالت بإصرار: "إنتوا تيجوا عندنا لغاية ما أنا وزيزو هنخلصها بسرعة وتتهوى من التراب." قالت والدة ملك: "يا حبيبتي بلاش إزعاج لكم." تحدث زين:
"لأ.. مفيش إزعاج ولا حاجة. أنا هروح أقول لعم حسن هو ومراته يعملوها معانا، وإنتوا تقعدوا مع بعض. سناء وسوسن هيفرحوا أوي ومنها تفتكروا الذكريات مع بعض." ألح زين ومريم، ورضخت ملك ووالدتها. وبالفعل توجها إلى منزل سناء. رحبت سناء بهم بحرارة. توجهت مريم مباشرة إلى الحمام، وفتحت الخزانة وأخرجت أدوات
التنظيف واحدة تلو الأخرى: دلو، ممسحة، قطع قماش، منظفات معطرة، وأعطتها لزين الذي يقف بجانبها. حملوها بعناية وتوجها إلى منزل ملك، حيث كانت تنتظرهم ومعها زوجة حارس البناية. دخلوا جميعًا المنزل وهم يشمرون عن سواعدهم. بدأت ملك بفتح النوافذ لتهوية، بينما قام زين بكنس الأرض المغطاة بالغبار، وبعده تقوم مريم برش المعطر والمنظفات وتمسح الأرضيات مع زوجة حارس البناية. كانوا يتحركون بنشاط، كل منهم مشغول بمهمة مختلفة، وعلى وجوههم مزيج من الجدية والضحك الخفيف. استمروا في تنظيف المنزل قرابة 6 ساعات متواصلة. تم تحويل المكان من مهجور ومظلم إلى شقة بدأت تدب فيها الحياة من جديد.
بعد ساعات من التنظيف المتواصل، ظهرت عليهم التعب على وجوههم. كانت ملابسهم مبللة ببقع الماء والغبار، وأيديهم مرهقة من العمل. جلسوا في منتصف الشقة على الأرض ينتظرون الطعام من الخارج. عاد زين ويحمل في يديه علب الطعام من الخارج، وتفوح منها رائحة ساخنة لذيذة. فتحوا العلب بشهية، وبدأوا يتناولون الطعام ببطء. ورغم التعب والإرهاق، لم يمنعهم من الحديث وتبادل الضحكات بينهم. تحدثت ملك:
"بجد مش عارفة أقولكم إيه.. شكرًا على تعبكم معايا." تحدثت مريم: "متتقوليش كده يا ملك. إحنا أخوات ولا إيه؟ "أكيد طبعًا." تحدث زين: "بس لو كنتي كلمتينا وعرفتينا إنكم جايين، كنا نظفنا الشقة وكانت هتكون في انتظاركم فلة." تحدثت ملك بنصف ابتسامة: "مكنش فيه تخطيط نرجع هنا بصراحة، لكن ظروف حصلت ملقناش غير هنا نرجع." قالت مريم: "المرة دي بقى تقعدوا كتير. إنتوا بقالكم 5 سنين مجتوش. بقولك أهو مش أسبوع وتطيروا." قالت ملك بتنهيدة:
"لأ.. المرة دي إقامة مش زيارة." "يعني مش هترجعي القاهرة خلاص؟ "لأ.. خلاص. شقتنا هناك بعناها، وصحة ماما الدكاترة نصحونا نغير جو، وأكتر مكان بتحبه الشقة دي لأنها بتفكرها بذكرياتها مع بابا وأول أيام جوازها.. يعني خلاص هبقى في وشكم ليل نهار." قالت بمزاح، ولكن ملامح وجهها كانت تقول شيئًا آخر. تحدثت مريم: "ده أحلى خبر سمعته النهارده بجد.. العمارة هيبقى فيها حس كده." تحدث زين مازحًا:
"الحمد لله يارب.. أخيرًا حد هيشيل عني برشامة مريم شوية." نظرت إليه مريم بغيظ: "تقصد إيه.. ها؟ تقصد إيه؟ "أقصد إن ملك جتلي طوق إنقاذ. الحمد لله يارب." خبطته في كتفه: "على قلبك.. متحاولش." ضحكت ملك: "لسه زي ما إنتوا ناقر ونقير." زين: "زي ما إحنا، وميما زي ما هي أهو.. شايفة الزلومة." خبطته مريم وضحكت ملك: "ميما دي قمر.. متقولش عليها كده."
"الله.. هتتحدوا ضدي عشان إنتوا بنات.. ماشي.. ماشي. عمومًا أنا مش لوحدي بقولكم أهو." قالت مريم: "هيكون مين معاك يعني؟ محمود وكريم؟ "لأ.. دول الجيل الذهبي. أنا معايا اللي يقدر يصد لكم.. كيمو الغالي." تبدلت ملامح ملك للحظات، وشعر زين بالتسرع في الحديث، ورمقته مريم بنظرة غضب. قبل أن يتحدث، قالت ملك: "شكرًا على الأكل يا زيزو.. لك عندي أكلة حلوة من إيدي." "أيوه كده.. دلعينييييي." قالت ملك: "مش لوحدك."
أخرجت مريم لسانها لإغاظته: "متحاولش.. مش هعتقك." رغم الإرهاق والتعب، كانت الأجواء دافئة بينهم، يغلفها الشعور بالحنين. بعد ما أنهوا تناول الطعام، صعد مريم وزين أولًا إلى منزلهم معًا بهدوء. وبينما يسيران وابتعدا عن منزل ملك، مدت مريم يدها وضربت ضربة خفيفة على رأس زين. توقف زين فجأة متفاجئاً: "فيه إيه؟ "إنت متخلف.. بتجيب سيرة كريم ليه؟ دي مكملتش يوم على رجوعها؟
"يعني هو أنا كنت أقصد.. سيرته جت في الكلام. وبعدين إنتِ محسساني إنها أسرار حرب. كدا كدا هيتقابلوا. هي رجعت، وأنا متأكد لما يعرف إنها رجعت نهائي هيلبد هنا." "سيبها لظروفها.. بلاش تكون رخيم." "تحبي أنزل أعتذر لها.. أنزل؟ أمسكته من ياقته: "عشان تنيلها أكتر.. يلا قدامي.. يلا."
لحقت بهم ملك إلى منزل مريم ورافقت والدتها لمنزلهم. ساعدها زين ونزلوا معًا، وظل معها حتى تأكد من وصولها لداخل المنزل بأمان. انصرف زين بهدوء. بدأت ملك تعتني بوالدتها، وساعدتها لدخول غرفتها، وأعطتها الدواء، ثم نيمتها على السرير وغطتها جيدًا. كانت والدتها تنظر إليها بعينين مليئتين بالحب وقالت: "شكرًا يا ملك." "تشكريني على إيه يا ست الكل.. المهم إنتي مرتاحة.. محتاجة حاجة؟
"لأ يا حبيبتي.. أنا كويسة.. إنتي روحي ارتاحي. تعبتي معايا وسفر وتنضيف الشقة." "بصراحة.. ملك وزين وصفية ساعدوني.. متعبتش أوي. كتر خيرهم." "ربنا يوقفلك دايماً ولاد الحلال يا حبيبتي." "تسلميلي يا ست الكل.. لو احتاجتي حاجة اندهي.. هكون عندك على طول.. تصبحي على خير." قبل أن تنصرف، قالت والدتها بصوت حزين: "متزعليش من أخوكي يا ملك."
تبدلت ملامح ملك، ووقفت مكانها لثوانٍ في صمت، ثم استدارت. نظرت إلى والدتها التي كانت ملامحها حزينة، واستكملت والدتها الحديث: "صدقيني أشرف مش وحش.. الدنيا لاهياه.. لكن جواه طيب." حاولت تتمالك ملك وقالت: "لو محتاجة حاجة اندهيلي يا ماما." "عاوزاكي متزعليش منه يا ملك.. ده طلبي الوحيد." حاولت أن تستمر ملك في صمتها، ولكن إصرار والدتها جعلها تتحدث بغضب: "إنتي بتبرريله إيه يا ماما؟ إنتي بتتكلمي عن حد تاني أكيد صح؟
بتقولي الدنيا لاهياه ودا سبب تغيره؟ هل في سبب في الدنيا يغير ابن أمّه ولا أخته؟ الدنيا لاهياه وهو عارف إن مفيش ليهم حد في الدنيا بعد ما بابا مات هو.. إزاي تكوني بتعملي عملية وأأكد عليه قبلها يكون معايا، ويومها يسيبني لوحدي؟
عشت خوف وتوتر وقلق كان ممكن يموتني.. إزاي صاحب العمارة اللي كنا فيها يفضل يضايق فينا ويقطع المايه ويعمل تصرفات مقرفة عشان يجبرني أوافق أتجوزه، وابنك اللي هو أخويا يقولي وافقي، والراجل قد أبويا، وأنا كنت فاكرة إن معايا راجل أعتمد عليه.. طلعت في الدنيا أعتمد على ربنا ونفسي، واضطرينا نبيع الشقة، ومسيبش حقه أخده وقال كفاية شقة الإسكندرية.. رغم كل حاجة بيعملها، ولا مرة بتتكلمي معاه يا ماما، ولا مرة.. بيجي ياكل ويشرب ويمشي، لأ بيسألنا عاملين إيه ولا عايشين إزاي.. بتقوليلي أسامحه ومأزعلش.. إزاي؟
قوليلي إزاي؟ "ملك يا حبيبتي.. ربنا مش مخلّينا محتاجين لحد.. ربنا معانا وساترنا." "الحمد لله.. طول الوقت بقول الحمد لله.. لكن يكون عندي أخ زي قلته.. بالعكس حمل علينا.. ده حتى أولاده بتتحايلى عليه يجيبهم تشوفيهم.. ماما أنا بالنسبالي معنديش أخ لأني مش محتاجاه." بكت والدتها وقالت: "متقوليش كده يا ملك.. إنتوا مالكمش غير بعض."
"لو إنتي راضية بمكالمة التليفون اللي مبتعداش دقيقتين مرة في الأسبوع، إنتي حرة.. لكن دوره في حياتي كرجل وأخ أعتمد عليه مش موجود.. ومن حقي أحدد مين يكون موجود ومين لأ في حياتي.. أنا بقوم بدور الراجل في حياتنا يا ماما." صمتت والدتها. واستكملت ملك حديثها:
"عارفة يا ماما.. إنتي ربيتي أشرف كويس، لكن مربتوش صح.. وفي فرق كبير بين الاتنين.. كنتي زي أي أم اهتمت بالأكل والشرب والتعليم وبس.. لكن معلمتوش الفرق بين الصح والغلط.. إنه يكون قد المسؤولية.. يكون راجل قوام بمعنى الكلمة.. يحافظ على أهل بيته ويحتويهم ويحافظ عليهم.. ميحسسش أهل بيته بالجوع للاهتمام.. إنتي طلعتيه أناني.. مبيفكرش غير في نفسه وبس.. وبس يا ماما."
انهمرت دموع ملك أيضًا وهي تتحدث عن مدى الوجع والألم الذي تشعر به تجاه أخيها. أزالت دموعها وقالت: "أنا آسفة لو كلامي ضايقك، بس مفيش مجال ولا فرصة أسامح أشرف يا ماما بعد اللي عيشته، وهو كان قادر ميعيشنيش لحظة منه بعد بابا.. عاوز يجيلك أهلاً وسهلاً، واجبه هياخده.. لكن قرارات في حياتي.. في حياتنا مش هسمح."
ذهبت إلى والدتها، طبعت قبلة أعلى رأسها، وودعتها وذهبت إلى غرفتها. دخلت ملك إلى غرفتها بخطوات بطيئة، وكأنها تحمل ثقل العالم على كتفيها. جلست على طرف السرير، وعيناها مليئتان بالحزن، ونظرت إلى المرآة أمامها. انعكس وجهها المتعب وعيناها اللامعتان بالدموع. فلم تستطع حبس دموعها أكثر، فانهمرت بصمت. رفعت يدها إلى صدرها، شعرت بوخز داخلي مؤلم، كأن الحزن قد سكن قلبها. ظلت هكذا للحظات، ثم وقفت بهدوء، بدلت ملابسها، وأغلقت النور، وتمددت على السرير، وأغمضت عينيها. ولكن الدموع لا تزال تنساب على خدها، تسقط بصمت على الوسادة، وكأن الحزن كان رفيقها في نومها أيضًا.
عاد زين إلى منزله، وكان محمود ينتظره مع سوسن: "إنتوا لسه منمتوش؟ العصافير اللي زيكم زمانهم نايمين من بدري." ضحكت سوسن. وقال محمود مازحًا: "ننام إزاي والزغلول الصغير صاحي." "الزغلول هيدخل يرمي نفسه في السرير.. مش هقوم غير بعد أسبوع." تحدثت سوسن: "أكيد من هدت الحيل في شقة ملك.. يا ريتها كلمتنا كنا نظفناها من بدري." "قولتلها كده.. قالت مكنتش مرتبة.. حصل بسرعة." "إيه اللي حصل بسرعة؟ قالتها سوسن بفضول. وقال زين:
"هي مقالتش غير كده.. واعتقد مدام مقالتش على طول يبقى مش عايزة تقول.. فمتنحتش بصراحة." تحدث محمود: "صح كده.. لو عايزة تتكلم هتتكلم." تحدثت سوسن: "إنتوا عارفين أكتر حاجة شاغلة دماغي أول ما شفتها وعرفت من أمها إنهم خلاص هيستقروا هنا.. كريم." تحدث محمود: "ماله كريم؟ "يعني هي هنا.. وكريم.. يعني اللي كان زمان بينهم وكده." تحدث محمود بحزم:
"مفيش مجال اللي حصل زمان يتكرر يا سوسن.. ملك زي مريم بالنسبالنا، وكريم هيحترم حدوده معاها.. لأني أنا اللي هقفله لو فكر يضايقها." تحدث زين: "معتقدش إن كريم هيضايقها يا بابا.. بالعكس.. ممكن وجودها يفرح كريم لأنه منسهاش.. وكلنا عارفين." تحدث محمود بحزم: "لكن ممكن هي تكون نسيته.. وحقها بعد اللي عمله معاها.. مقالتش حاجة يا زين؟ "يا ماما.. هو أنا أول ما أشوفها هقررها؟ اللي عايزة تعرفهولنا هتعرفهولنا لوحدها." تحدث محمود:
"بالظبط كده.. عمومًا مش هنسبق الأحداث.. وإحنا معاها هي ومامتها.. وإحنا ولاد النهاردة.. سامعاني يا سوسن." "حاضر يا محمود." كانت ملك تقضي أغلب وقتها بجوار والدتها، ولا تتركها إلا نادرًا. تحاول دائمًا أن تحمل عنها بعضًا من الألم بالعناية والحب. في إحدى المرات، جاءت مريم لزيارتها كعادتها، وجلست معها وتحدثتا طويلًا. ثم نظرت مريم إليها بلطف وقالت: "ملوكة.. بقولك إيه؟ "ها.."
"تعالي نطلع السطح شوية.. طنط أخدت العلاج ونايمة.. ومش هأخرك." ترددت ملك قليلًا، لكنها وافقت في النهاية بعد إصرار وإلحاح مريم. صعدت السلم بهدوء. وعندما فتح باب السطح، عيناها اتسعت بدهشة. كان السطح قد تحول إلى مساحة جميلة. الزرع الأخضر يزين الزوايا، والطاولة في المنتصف، والأنوار الخافتة منحت المكان دفئًا وراحة. نسمة هواء لطيفة لامست وجهها، فابتسمت لا إراديًا. قالت مريم: "تعالي نقعد.. تعالي."
جلسا. وقالت مريم، وملك تحوم بعينيها في المكان وعلى وجهها ابتسامة: "قولتلك كذا مرة تعالي نطلع السطح.. هتتفاجئي وتبسطي من المكان، وإنتي مبترضيش." "مش بعرف أسيب ماما لوحدها خالص.. وإنتي شايفة وضعها." "ربنا يشفيها ويعينك بجد." "بس بجد.. مكنتش أتخيل إنه بقى بالجمال ده بجد.. برافو عليكي." "لأ.. هو برافو علينا.. أنا وزين.. حطينا عينا على المكان وفضلنا وراه لغاية ما أخدناه وضع يد." ضحكت ملك. واستكملت مريم:
"أجرنا الأوضة دي زي ما قولتي.. مرسم ليا، واستأذنا صاحب العمارة إننا نوضب السطح كده.. ووافق." "بس السكان بيطلعوا هنا؟ "أول ما عملناه كان مولد.. لكن زين قفش عليهم وحط قوانين.. اللي هيقعد يقعد باحترام وأدب.. غير كده ممنوع.. فبقى مش الكل بيطلع.. الأحسن بيخرجوا.. لكن إحنا لبدين هنا طول الوقت." "بجد جميل.. ماشاء الله عليكم." "ماما قالت زمان كنتي عايزة تعملي كده في السطح.. إنه مكان للسكان يقعدوا فيه بروقان وكده."
"أيوه فعلًا.. حماس الشباب بقى." قالتها وضحكت. وتحدثت مريم: "ليه بتقوليها؟ محسساني إنك جدّه." "مش هنهرب من الحقيقة.. أنا كبرت." "إنتي لسه شباب يا ملوكة وزي القمر." "إنتي اللي زي القمر يا ميما.. وحقيقي أنا مبسوطة عشانك أوي.. حددتي عايزة إيه، وسعيتي واجتهدتي، وماشية كويس أوي.. ماشاء الله."
"بصراحة.. مكنتش هقدر أعمل نص اللي عملته من غير زين معايا.. دعمه ليا في كل خطوة.. ومهما أعمل هو في ضهري.. يمكن أكتر حاجة قوتني وخلتني أقدر أكمل.. إحساس حلو لما تحسي إن عندك ضهر في أي لحظة هيسندك.. ودايماً بيطمنك." "أيوه فعلًا.. قوليلي.. لسه زي ما إنتوا خانقين بعض في علاقاتكم؟ ضحكت مريم: "لأ.. غيرنا اتفاقنا وسمحنا لكل واحد فينا بمساحة شخصية بعيد عن الثاني.. بدل ما نقعد في أربيز بعض." ضحكت مريم:
"يعني بقى مسموح زين يعرف بنات.. وإنتي كمان؟ "أيوه.. وزين ما صدق تقولي.. كنت حبساه.. مبيسيبش بنت تصادفه غير ما يرتبط بيها.. وياريت بيكمل.. بينفصل وبيشوف غيرها.. اللي بعده." "مش معقول زين بجد." "جداً." "وإنتي إيه؟ مفيش حد كده ولا كده.. زميل.. معجب؟ "أكلمك بصراحة." "ها.. قولي." "رغم لهفتي أعيش قصة حب وأتحب، لكن مفيش ولا مرة حد قدر يستهويني وأقول هو دا." "خالص."
"أنا حاسة مش محتاجة حد في حياتي.. يعني شخص في حياتي هيعمل لي إيه؟ حب واهتمام واحتواء وحنية.. أنا غرقانة فيهم.. سواء من بابا ومحمود وزين.. زين مش مديني فرصة أبص بره زي ما بيقولوا.. ف أنا ميستهونيش الكلام الجميل واللطيف.. وأغلب اللي صادفوني بيدخلوا من هنا.. وللأسف لم ينجح أحد.. فمش عارفة هل كده عندي مشكلة." ابتسمت ملك وقالت:
"مريم.. بصي.. العلاقات 3 أنواع.. الجعان والشبعان.. الجعان حب واهتمام وحنية.. سهل أوي يكون فريسة لأي كلمة جميلة واهتمام بسيط يخليه يدخل في علاقات كتير بسهولة.. وللأسف النتيجة مش بتكون في صالحه.. بيأذي نفسه.. أذى بيعيش معاه.. النوع التاني الشبعان.. دا شخص شبعان حب واحتواء وحنية واهتمام.. كل حاجة عنده موجودة.. مش محتاج يدور عليها بره.. فاللي عايز يرتبط بالشخص ده مش بسهولة.. لأنه مطلوب منه يقدم حاجة أكبر تخليه يلفت الانتباه.. ودا مش سهل خالص."
"والنوع التالت إيه؟ "الهربان.. مشاعر بتمتلكه بقوة وبتحاوطه، وهو بيهرب منها طول الوقت.. يا مش فاهمها، يا خايف إنها تضعفه.. وفي الحالتين بيهرب.. ف إنتي معندكيش مشكلة.. اللي هيفكر يرتبط بيكي.. هو عنده مشكلة إنه يفتكرك زي غيرك.. ولو عايزك فعلاً محتاج يلفت انتباهك.. يبهرك مثلاً وتحسيه مميز زيك.. ف عدم تسرعك في الارتباط دا شئ جميل جدًا.. بدل ما تدخلي علاقة تستنزف أحلامك ومشاعرك وطاقتك وتطفي أحلى ما فيكي.. إنتي صح."
كان زين يقف بالقرب منهم يستمع إلى حديثهم. وشرد للحظات، ثم انتبه واقترب نحوهم وقال بمزاح: "الدليفري وصل يا ناس يا عسل." التفتت مريم وملك نحوه. اقترب نحوهم ووضع علب الطعام أمامهم. وقالت ملك: "إيه ده؟ قال زين: "ده احتفال بسيط على قدنا كده بزيارتك الأولى لسطحنا العزيز." قالت مريم: "أوعى تكون نسيت حاجة؟ "هو أنا لقيت رجلي في كيس بلح عشان أنزل السلم ده كله وأرجع؟ البضاعة كلها معانا." ضحكت ملك: "لدرجة دي؟ قال زين:
"وأكتر.. أنا بعاني في صمت ومحدش حاسس بيا يا ناس." رمقته مريم بغضب: "نعم.. مين اللي بيعاني؟ "الراجل اللي جبت منه الشيبسي قعدني جنبه يحكيلي معاناته." "الله يكون في عونه." "يارب.. يارب.. يلا يا ملوكة.. البيتزا مبتتاكلش غير سخنة." "بجد يا جماعة ملوش لازمة كل ده." قال زين: "ده أول ما مريم بعتتلي إنكم طالعين، قولت لأ نحتفل جمعاء.. وعارف إنك بتحبي البيتزا جمبري.. مش ناسي." "كمان." قالت مريم: "وهو إحنا عندنا كام ملوكة؟
ابتسمت ملك. وقال زين: "اعملي حسابك بقى.. هتحضري حفلة المطعم بعد بكرة.. مفيش أعذار." "بجد مش عارفة.. مقدرش أوعدكم." تحدثت مريم: "لأ.. مفيش أعذار.. حفلة ذكري افتتاح المطعم.. كل حبايبنا بيكونوا معانا.. ولازم تكوني معانا." "ما إنتي عارفة ماما.. هسيبها لوحدها إزاي؟ تحدث زين: "عربية مخصوص هتكون في انتظاركم.. هتاخدك إنتي وطنط المطعم.. وترجعك في الوقت اللي تحبيه.. معندكيش عذر أهو." "أنا.." قاطعه زين:
"إنتي هتيجي وهتفرحي معانا.. وبالمرة تشوفي مريم وهي بتخدم على الزباين." خبطته في كتفه: "إيه.. بتخدم دي؟ "في مرة كتفي ده هيتخلع وإنتي السبب." "فدايا." "طبعًا.. طبعًا." "عارفة اللي بيتكلم ده.. شوفيه في المطبخ هناك وهو واقف على الحوض." تحدث زين:
"السيديهات ابتدت تطلع والتشريد على النور.. أنا بقول ناكل أحسن.. إيه رأيكم.. يلا يا ملك كلي.. لأن اللي جنبك دي لو خلصت بيتزا قدامها.. ولمحت بيتزا اللي قدامك بزلومتها هتفترسها ومش هتسيبلنا فتفوته." أثناء حديثه، أمسكت مريم كيس الكاتشب وأفرغت البعض منه على وجه زين. وصمت للحظة ونظر إليها، وقالت: "عشان قولتلك خف كلمة زلومة دي." "بصي يا ملك.. أنا كنت ساكت عشانك.. لكن.."
تحرك من مكانه وركضت ملك وهو ركض خلفها وفي يده الكاتشب ليضعه على وجهها، وملك تنظر إليهم وتضحك على تصرفاتهم الطفولية.
في المطعم، كانت الأجواء مفعمة بالحيوية والنشاط. الجميع يعملون بجد استعدادًا لحفل الذكرى. الزينة تعلق على الجدران، والأضواء الملونة توزع بعناية في أركان المكان. الطاولات ترتب، والمفارش تفرد بنظام وأناقة، والزهور توزع في فازات صغيرة تضيف بهجة للمكان. مريم كانت تدقق في التفاصيل، ترتب الطاولات وتنسق الزينة وتتابع ترتيب الأطباق الخاصة بالحفلة. كانت تتحرك بخفة، يعلو وجهها ابتسامة سعادة. أما زين، فكان يتنقل بين إعدادات
الصوت وتنسيق أماكن الجلوس ومساعدة باقي الفريق، وكان لا يكف عن إلقاء تعليقات مرحة تشجع الجميع وتزيد من حماسهم. كانت لحظات تعاون جميلة بين الجميع، واهتمامهم بتفاصيل الحفلة يملؤها الحماس والفرحة، فهم لا يحتفلون فقط بنجاح المطعم، بل بذكرياتهم التي بنيت بين جدرانه.
بالفعل كانت توجد سيارة في انتظار ملك ووالدتها أمام المنزل، ورافقتهما للمطعم. وكانت مريم مجهزة طاولة خاصة لهم في مكان مميز يطل على البحر، لمعرفتها لحب ملك الجلوس بجواره. كان زين قد دعا أصدقائه المقربين، وأيضًا مريم. بدأت الحفلة بأجواء مليئة بالفرح، وضحكات تملأ المكان، والموسيقى في خلفية ضحكاتهم. ولكن وسط الحماس، كان محمود ملامحه غاضبة لتغيب كريم. اقترب زين: "كلمته.. وقال في الطريق." قال محمود بغضب:
"يعني يوم مهم زي ده.. يكون آخر واحد موجود.. ينفع! قال كريم: "متعرفش ظروفه إيه يا محمود.. أكيد شغله أخره." "أنا قايله من بدري ياخده إجازة.. مجاش ع يوم يعني.. الناس بتسأل عليه.. وعايزين نبدأ تقطيع الكيك." لاحظ زين غضب والده: "هكلمه.. أستعجله." "قوله لو في خلال ربع ساعة مجاش هنبدأ من غيره.. وحسابه معايا." بدأ الجميع يلاحظ غياب كريم، وهو من أكثر من يهتم بالحفلات، مما أثار قلقهم واستغرابهم لسؤال الضيوف عنه.
كانت اللحظة المرتقبة هي دخول كيكة الاحتفال، حيث خفضوا الإضاءة، وبدأ الجميع في التصفيق استعدادًا للمفاجأة. وفجأة ظهر كريم من خلف الستار وهو يحمل كيكة بنفسه. كان يبتسم بفخر وسعادة، والكيكة مزينة بشكل مميز وتحمل تصميمًا مرتبطًا بتاريخ المطعم. تفاجأ الجميع وصفقوا بحرارة، وذهب نحوه زين: "إيه الدماغ دي؟ "أي خدمة." اقترب محمود وقبل أن يتحدث، تحدث كريم:
"قبل ما تقول حاجة.. أنا اللي آخرني التورته دي.. طلبتها مخصوص وقعدت لغاية ما خلصت وجبتها.. أنا مقدرش أفوت لحظة ويوم زي ده أكون معاكم يا حودا." تبادلا الأحضان، وأعجب الجميع بالكيكة. كانت عيونهم مليئة بالفرحة لتواجدهم جميعًا سويًا في ذكرى تجمعهم. بعد ما انتهوا من تقطيع الكيكة، وبدأ الجميع يتجمعون في أحاديث جانبية. كان كريم يقف يتحدث مع زين وهو يضحك:
"بس لحقت نفسك.. إنت بتصميم الكيكة.. لأ.. أستاذ.. بتلحق نفسك في اللحظات الأخيرة." "أنا عارف.. محمود قلبه طيب.. بيترضي بسرعة.. وحبيت أفرحه هو وكرم بالتصميم.. إنت عارف إن ده تصميم الأول للمطعم قبل التجديد والتغيير اللي حصل." "أيوه.. نفس اللي في الصور.. وكلنا فرحنا بصراحة." "يلا.. عدوا جمايل." "هو محمود مقالش حاجة لك لما كلمته؟ ولا سوسن؟ "هو في حاجة غير الحفلة؟ "واضح إنه مقالش.. وإنت متعرفش؟ "مقالش إيه؟ ومعرفش إيه؟
"ملك.. رجعت بقالها أسبوع." تفاجأ كريم: "ملك.. رجعت إجازة؟ "لأ.. إقامة دائمة.. وعلى فكرة هي هنا ومامتها." تبدلت ملامح كريم: "فين؟ "هناك.. روح سلم عليهم."
أشار زين بهدوء اتجاه طاولة قريبة. لف كريم رأسه، وهناك كانت المفاجأة. ملك جالسة بهدوء بجانب والدتها. ملامحها كما هي معتاد عليها.. نفس النظرة الهادئة، ونفس الوقار، وابتسامتها الجميلة تعلو ملامح وجهها. تزايدت نبضات قلبه، وابتسم لا إراديًا لرؤيتها بتلك القرب، ولكن الابتسامة كانت محملة بذكريات وحنين وألم دفين. وقف يراقبها من بعد. رغم فرحته، ولكنها فيها غصة.. شوق أو ندم.. لا يعلم أيهما يحمل لها. ظل يقف مكانه يحدق نحو
الطاولة التي تجلس عليها ملك مع والدتها. كان كل شيء حوله يتحرك.. الزبائن يضحكون.. والموسيقى تعزف. بعد دقائق من التردد، أخذ كريم نفسًا عميقًا وتوجه نحو الطاولة. خطواته كانت بطيئة، ولكن قلبه يسبقها. ملك لم تنتبه له في البداية، لكنها حين رفعت عينيها ورأته أمامها، اتسعت عيناها بدهشة خفيفة، وملامحها كانت ساكنة.
اقترب نحو والدتها: "إزيك يا طنط." "أهلاً يا كريم يا حبيبي.. عامل إيه؟ "الحمد لله بخير.. إيه المفاجأة الجميلة دي؟ أنا مكنتش مصدق لما زين قالي إنكم هنا في الحفلة." "مريم وزين صمموا.. وقولنا تغيير من قعدة البيت.. وملك أصلًا مبتخرجش.. ففرصة." نظر نحوها: "إزيك يا ملك." أجابته وملامحها ثابتة ونبرة صوت ثابتة: "الحمد لله.. إنت عامل إيه؟ "تمام.. كله تمام." "تمام." تحدثت والدتها:
"إنت أخبارك إيه يا كريم.. مراتك عاملة إيه وعندك ولاد؟ "أنا الحمد لله بخير.. فتحت مكتبة محاسبة أنا وأصحابي في القاهرة وشغال الحمد لله." "ربنا يكرمك يا حبيبي.. ومراتك وعيالك؟ "معنديش أولاد لسه.. ومراتي أعتقد إنها بخير." ضحكت: "تعتقد إزاي؟ فيه حد ميعرفش مراته عاملة إيه؟ "أيوه.. لما متكنش مراته.. إحنا اتطلقنا.. وكل واحد عايش حياته بعيد عن الثاني." "ليه كده؟ "النصيب.. دايماً القرارات المتسرعة دي نتيجتها.."
"ربنا يكرمك ويرزقك ببنت الحلال." "آمين." كانت ملك تنظر اتجاه آخر، متجاهلة حديثهم. عاد للحديث مع والدتها قليلًا، ثم انصرف وابتعد. اقتربت نحوه مريم وزين: "قالتلك إيه؟ نظر نحو مريم: "مين؟ "يعني هيكون مين.. ملك.. قالتلك إيه؟ فرحت لما شافتك وكده؟ تحدث زين: "ناقص تقوليله أخدتك بالحضن ولا لأ." "اسكت إنت يا فاقد المشاعر والإحساس." "ماشي.. هسكت يا ملكة الرومانسية."
"رد عليا يا كيمو.. فكك منه.. قالتلك إيه.. وإيه إحساس أول لحظة؟ نظر إليهم بملامح ثابتة بدون ابتسامة: "مقلتش حاجة.. ومش عارف." تحدث زين: "بص.. لا المكان ولا الوقت مناسب لأي أحاسيس.. فعادي.. ماشي." "إنتوا مقولتوليش ليه لما كنا بنتكلم؟ تحدث زين: "كنت عايز أقولك بس مريم قالتلي لأ." نظر إلى مريم وقالت: "بصراحة.. كنت حابة أفاجئك.. إيه رأيك في المفاجأة؟ صمت للحظة: "مش عارف." تحدث زين:
"أجلوا أي رغي لبعدين.. الكل بيبص علينا.. بعد حفلتنا نبقى نتكلم.. يلا قدامي يا ميما."
تركوا كريم، وتحرك بخطوات بسيطة ووقف في ركن من أركان المطعم ينظر إليها. كانت عيونه تراقبها.. كل نظرة وكل تصرف مع والدتها. رغم ملامحها الساكنة، ولكن كان يشعر إنها ستار مخفي لمشاعر أخرى. استمر ينظر إليها بصمت، حتى تحركت من مكانها برفقة والدتها، ودعت محمود وكرم وسناء وسوسن، مغادرين. وقف أمام باب المطعم ينظر إليها، شعر بشيء يشبه الحنين مختلط بغصة صغيرة في القلب. كانت فرحته برؤيتها واضحة، ولكن لم تكن خالصة.. كان هناك وجع مخفي وقلق.. لا يعرف إن كان سيقترب منها من جديد، أم قد فقد الفرصة للأبد.
في اليوم التالي، في شقة ملك، كانت تجلس ملك برفقة والدتها يشاهدان التلفاز. رن جرس الباب، وفتحت ملك الباب، اعتقادًا أنها مريم أو زين، ولكنها تفاجأت بكريم أمامها: "مساء الخير." "مساء الخير." "أنا كنت طالع.. قولت أمر أطمئن عليكم وع طنط يعني.. لو محتاجة حاجة." قبل أن تجيب ملك، سمعت صوت والدتها: "مين يا ملك؟ دخل كريم: "أنا يا طنط." "كريم.. اتفضل يا حبيبي." جلس كريم، وأحضرت ملك كوب عصير ووضعته أمامه. وقال:
"أنا كنت راجع من برا.. قولت أشوفكم لو محتاجين حاجة من برا ولا أي حاجة." تحدثت والدة ملك: "تسلم يا حبيبي.. بجد تعبينكم معانا إنت وزين ومحمود وكرم.. كل يوم بيمروا يسألوا علينا." "إحنا أكتر من جيران يا طنط.. ودي حاجة بسيطة." "ربنا يخليكوا ويبارك في صحتكم." "صحتك عاملة إيه؟ محتاجة تروحي لدكتور ولا حاجة؟ عرفيني؟ "تسلم يا حبيبي.. ملك مش مقصرة معايا في جزء الدكاترة ده." "عمومًا.. أنا موجود."
أخرج بطاقة عمله: "وده الكارت فيه كل أرقامي.. أي وقت كلموني." "تسلم يا حبيبي.. اشرب العصير." "حاضر."
كانت ملك تجلس صامتة، وعيناها لم تلتقيا بعينيه مباشرة، بل كانت تركز على التلفاز، تشعر بنوع من الضيق والارتباك لوجوده أمامها، ولكن لا تعرف كيف تعبر عن هذا الصمت المتراكم داخلها. لم ترغب أن ترد عليه، كانت تفضل أن تبقى هادئة لتجنب التحدث معه. لاحظ كريم تعبيرات وجه ملك الصارمة، رغم محادثته اللطيفة مع والدتها، إلا أنه شعر بشيء غريب في الجو، كما لو أن الكلمات التي ينطق بها لا تجد صدى في مكانه. لم يكن متأكدًا تمامًا، ولكنه شعر أن ملك بعيدة عنه أكثر مما كان يتوقع، كأن هناك حاجز غير مرئي بينهما. الشعور بينهما كان مزيجًا من الحيرة والبعد. كل واحد يحاول أن يتعامل مع اللحظة بطرق مختلفة، وكأن الكلمات أصبحت بعيدة عنهم تمامًا.
في الصباح، مريم في غرفتها تتحرك بسرعة غير معتادة. ترتب أوراقها وتبحث في حقيبتها بقلق ظاهر وحماس مفرط. شعرها نصف مرفوع، وتبدو كأنها على عجل من أمرها. وضعت آخر شيء في حقيبتها وأغلقتها بحركة سريعة. خرجت من الغرفة، كان زين ينتظرها، يجلس برفقة سناء يتناول الفطار ويضحكان ويتحدثان. "يلا يا زيزو.. أنا جاهزة." تحدثت سناء: "افطري الأول طيب.. هتنزلي كده إزاي؟ "مش جعانة يا ماما.. يلا يا زيزو.. ولا أنزل أنا."
استغرب زين من استعجالها، وخاصة أنها لم تكن من النوع الذي يخرج دون تناول الإفطار: "إنتِ مستعجلة كده ليه؟ لا في امتحانات ولا سكشنز بدري.. اهدي براحة." "النهاردة من أهم الأيام في حياتي." "ياااه.. كل ده عشان إيهاب توفيق.. أول محاضرة له النهارده عندكم." "يا ظريف.. اسمه دكتور إيهاب فهمي.. وبعدين مهما اتكلمت مش هتفهمني.. محدش هيفهم مدي إحساسي بالسعادة إن النهاردة يوم مميز في حياتي." تحدثت سناء:
"تعرف إنها منمتش طول الليل.. نور أوضتها منور.. وكل ما أقلق ألاقيها قاعدة يا بتقلب في اللابتوب يا بترسم." "ودا من إيه؟ كنتي بتحضري له؟ ضحكت سناء. وخبطته مريم على كتفه: "يا عسل.. أنا نازلة.. خليك."
توجهت بالفعل بخطواتها اتجاه باب الشقة، وفتحت الباب وغادرت. ولحق بها زين مسرعًا في خطواته ليلحق بها. وصلت مريم إلى الجامعة بخطوات سريعة، وقلبها يخفق بحماس غير معتاد. كانت ابتسامتها واضحة وهي تلتقي بأصدقائها. دخلوا معًا المدرج الكبير حيث سيلتقوا بإيهاب مختار به لأول مرة. الطلاب يتوافدون تباعًا، بينما عينا مريم تتحركان بين الساعة وباب القاعة. جلست على أحد المقاعد الأمامية، لكنها بالكاد كانت تستقر في مكانها. كانت تترقب
الباب كل دقيقة، وكأن قلبها معلق عليه.. في عينيها لهفة ولمعان. تذكرت أحلامها القديمة والخيال الذي كانت ترسمه في رأسها عن تلك اللحظة.. والآن هي على وشك أن تعيشه. فجأة انفتح الباب ودخل إيهاب مختار. توقفت مريم عن الحركة لثوانٍ، وكأن الوقت تجمد.
أمسك الميكروفون: "مساء الخير.. معاكم إيهاب مختار.. أحد أبناء كلية فنون جميلة هنا.. وليا الشرف أكون جزء من هيئة التدريس فيها ولو فترة صغيرة.. هنقضي مع بعض 3 شهور.. أتمنى وجودي يكون خفيف عليكم ونقضي وقت جميل مع بعض."
حدقت مريم فيه وهو يتحدث بذهول وسعادة، كأنها لا تصدق أن الشخصية التي طالما قرأت عنها وسمعت عنها أصبحت الآن أمامها حقيقية، وسوف تدرس لها، وسيكون إليها أقرب. غمرها إحساس بالفخر، كأن شيئًا كانت تحلم به منذ زمن طويل تحقق أخيرًا. كانت تبتسم في صمت.. تتنفس ببطء، محاولة أن تضبط انفعالاتها، ولكنها في داخلها كانت طفلة تقفز من الفرحة.
عادت مريم من الجامعة بمفردها. بدلت ملابسها وتوجهت إلى السطح. كانت تجلس أمام لوحة أمامها ترسم، وبجانبها صورة للوحة مصغرة تنظر إليها بعينين ممتلئتين بالانبهار. ابتسامتها لم تفارق وجهها، تغني وهي تلوح بيدها أحيانًا مع الموسيقى، وكأنها في عرض مسرحي لا جمهور فيه إلا اللوحة وصورة إيهاب مختار.
صعد زين إلى السطح بخطوات هادئة. وما إن فتح الباب حتى باغتته نغمات فيروز تملأ المكان بدفء موسيقى عذب. كان الصوت مرتفعًا، ممزوجًا بصوت مريم التي تغني بانسجام واضح، وكأنها تركت كل ما في الدنيا وجلست هناك في عالمها الخاص. وقف زين يتأملها في صمت ودهشة. لم ير مريم بهذا الشغف من قبل. ملامحها تنطق بسعادة حقيقية. ابتهاج طفولي نابع من الأعماق. كان ينظر إليها وقلبه امتلأ بالحيرة.. ما سبب كل تلك السعادة التي تعيشها؟
ظل يراقبها في صمت حتى التفتت نحوه ورأته. أوقفت الغناء والموسيقى: "إنت هنا من امتى؟ "من وقت.. أنا لحبيبي وحبيبي إلى.." "طيب.. كنت أعمل أي حاجة.. ماخدتش بالي إنك موجود." "أكيد.. إنتي مسافرة لكوكب الزمردة.. واضح إنه مفيش شبكة هناك.. كلمتك فوق الـ 10 مرات مردتيش ولا شوفتي رسالة الواتس." أمسكت الهاتف: "أووبس.. عاملاه سايلنت ومحستش.. سوري." تركها واتجه جلس أمام طاولة. لحقت به مريم وجلست: "متزعلش بقى.. بجد مسمعتش التليفون."
"حصل خير." "بس قولي.. إنت هنا ليه؟ مش كنت قايلالي عندك موعد بعد الكلية؟ "ما أنا رايح.. قولت قبل ما أنزل أشوف أخبارك إيه.. لقيتك عاملة حفلة أوبرا على الضيق.. ممكن تفهميني كل السعادة دي عشان إيه؟ "إنهاردة حصلت حاجة كنت بحلم بيها سنين.. وكنت هحلم سنين قدام عشان تحصل." "كل ده عشان إيهاب توفيق." "تاني.." "إيهاب مختار.. انبسطتي كده؟ "هل أنا بتحشر في حبك للكورة ولاعيبه الكورة؟ لأ.. اعتبره زي لاعب كورة تحلم تقابله."
"ماشي.. بس مش لدرجة دي.. إنتي مش شايفة نفسك." "لما تتحطي في موقفي هتعرف.. بس حقيقي السنة هتختم بحاجة حلوة كده.. أنا متأكدة." "ياترى بقى.. أد إيه إيهاب مختار زي الصورة كده؟ أكيد أكبر.. لأن الصورة دي قديمة.. تلاقيه شعر أبيض ومركب طقم أسنان." فتحت هاتفها وأخرجت صورة التقطتها له أثناء حديث معهم: "أهو." أمسك زين الهاتف وتفاجأ لملامحه الصغيرة ووسامته وملابسه الأنيقة: "هو ده؟ إزاي؟
"شوفت.. تحسه قدنا كده.. مفيش فرق عمر بينا.. وطريقته لطيفة في الكلام.. مهتم بنفسه.. هما الفنانين كده.. بيقدروا كل حاجة جميلة." "تقصدي إيه؟ مش فاهم." "الجيم اللي بطلت تروحه." "ماهو إنتي بطلتي.. وأنا كنت بتشجع بيكي بصراحة." "تروح لوحدك؟ "مش هينفع.. لازم تكوني قدامي." "يا سلام.. ليه؟ "عشان لما أشوفك أتحمس أكتر وأتمرن عشان ميطلعليش زلومة زيك." قامت بركله في قدمه: "يابت اللذينة." "وجعتك.. تستاهل."
عادت النظر إلى الصورة وابتسمت. وتملك زين الغيرة: "بس على فكرة عادي يعني.. ميستهلش كل الفرح اللي عملتيه.. مدرس هيدرسلك وهيرجع مكان ما عايش." "مالك مضايق ليه؟ "لأ.. وهضايق ليه؟ أنا بس بشدك للواقع بدل كوكب الزمردة اللي إنتي روحتيه ده.. ده هيدرسلك وبس.. علاقتك معاه جوه سور الكلية وبس."
"لأ بجد.. شكرًا ع التوضيح.. مكنتش أعرف هو مين.. مش قولتيلي إنت دايماً فصيل بتفصلني.. عندهم حق اللي بيرتبطوا بيك ميعيشوش معاك.. فاقد الإحساس والمشاعر." "سبتهولك إنتي وإيهاب توفيق." "مختار.. مختار.. بص يلا روح موعدك.. متخليهاش تستناك كتير كده." "إنتي ليه شايلة هم أي واحدة بقابلها؟ هما بنات خالتك؟ "لأني بحط نفسي مكانهم يا ظريف."
"كذا مرة أقولك متشبهيش نفسك بولا واحدة أعرفها.. هما حاجة وإنتي حاجة.. إيه إيهاب مختار لغبطلك الأساسيات ولا إيه." ابتسمت مريم: "يلا قومي.. هتتأخري." "بتوزعيني." "قوم يلا.. بطل رخامة." "لا.. وطبعًا.. إيه القلب الجاحد ده." "لو مكنش عندك موعد كنت وافقت.. لكن لأ.. متلغيش مواعيدك عشاني.. يلا قوم." "متأكد عايزاني أنزل." "قوم بقى وبطل رخامة.. خلص موعدك وأنا هكون هنا.. هاتلي حاجة حلوة وابقى احكيلي." "ماشي."
رغم إلحاح مريم لذهاب زين، ولكنها كانت بالفعل تتمنى ألا يغادر ويبقى معها، كما كان هو يتمنى أن يبقى معها لمدة أطول. نهض من مكانه ببطء وبخطوات بطيئة، كأن قدميه تتثاقل في الابتعاد عنها. مريم تابعت حركته بعينين حزينتين، ونظرة طويلة فيها ألف كلمة لم تقال. وقف زين عند باب الخروج، استدار لينظر إليها مرة أخيرة، فوجد عينيها عليه. ابتسمت له بخفة لتشجعه أن يكمل طريقه، رغم الضيق الذي تشعر به لمغادرته ومعرفتها مع من. كانت نظراته
معلقة بها، كأنه يريد أن يحفظ ملامحها لترافقه طريقه. ابتسم لها هو أيضًا، ثم استدار مرة أخرى وتنهد تنهيدة عميقة، كأن قلبه يعترض أن يغادر، ولكنه أكمل طريقه وغادر بالفعل. جلست للحظات في شرود، ثم تنفست نفس عميق، ونظرت حولها، وعادت إلى المرسم. جلست أمام اللوحات، وعادت تشغيل أغاني فيروز بصوت أعلى. كانت الألحان تملأ السطح، كانت محاولة منها لإسكات صوت أفكارها وضجيج داخلها. أرادت بشدة أن تشتت أفكارها في تلك اللحظة.
يتبع...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!