مع أول خيوط الفجر، يتردد في أرجاء السكن الجامعي التابع لجامعة الزقازيق أصوات المنبهات المتكررة وضجيج الطلاب وهم يستعدون ليوم دراسي جديد. في الداخل، تبدأ الحركة في الطرقات الطويلة بين الغرف، أبواب تفتح وأبواب تغلق ووجوه نصف نائمة وسط مزيج من اللهجات من مختلف محافظات مصر. في الساحة، البعض في انتظار أصدقائه وآخرون يستعدون للمحاضرة الأولى، وجوه تملأها السرحان أو الاستعجال.
في إحدى الغرف، غرفة بسيطة تحمل رقمًا باهتًا على بابها، ولكن بداخلها قصة صداقة عميقة بين محمود وكرم. أحدهما من الصعيد والآخر من الدلتا، جمعتهما الأقدار سويًا منذ أول يوم في الجامعة وتقابلا في الغرفة، كل منهما يحمل حقيبته الصغيرة وهمومه الكثيرة وأحلامه الكبيرة في صمت. الآن، وبعد مرور 4 سنوات معًا في نفس الغرفة التي اعتادا السهر فيها، وحولهم الكتب المبعثرة والأكواب المليئة بالشاي والقهوة وأحاديثهم المتناهية.
كرم يتحرك في الغرفة ذهابًا وإيابًا أمام باب الحمام، واضعًا يديه على معدته يتلوي قائلًا: "محمود.. انت بتحضر الدكتوراه جوه؟ في غيرك عاوز يستخدم حقه الإنساني يا جدع." بعد لحظات، فتح باب الحمام ونظر إليه محمود: "إيه الإزعاج ده ع الصبح؟ دفعه كرم جانبًا وتوجه مسرعًا إلى داخل الحمام. بعد وقت قصير، خرج كرم وملامحه مليئة بالراحة: "ياه يا جدعان، إحساس الراحة حلو بشكل." ثم توجه كرم إلى محمود وجلس بجواره ليتناول الإفطار:
"انت اللي هتعمل الشاي، بقولك أهو أنا حضرت الفطار." أجاب محمود: "مكنش طبق فول وحتة جبنة ورغيفين." "فضل ونعمة يا عم." "الحمد لله.. ماشي، هعمل الشاي يدوب نشربه وننزل." "انت لحقت تاكل؟ افطر يا محمود كويس." "شبعت الحمد لله." "شبعت ولا السجاير سدت نفسك؟ "سجاير إيه؟
"ماهو مفيش جريمة كاملة. أيوه، شديت السيفون ع السيجارة اللي قعدت في الحمام المدة الطويلة عشانها، وفتحت الشباك عشان الريحة تروح، لكن ريحة الدخان مناصفة في الحمام مع ريحة الخبث والخبائث." صمت محمود. استكمل كرم حديثه: "مش انت قلت هتخفف السجاير على أساس مضيعة للفلوس وللصحة و... تحدث محمود قاطعًا لحديثه: "خلاص يا كرم، ده ولا كأنك قفشتني بسيجارة ممنوعات."
قال كلماته بنبرة غاضبة وتحرك من مكانه وتوجه أمام البوتجاز ليعد الشاي. بعد لحظات، صب الشاي في كوبايتين، وضع واحدة أمام كرم على الطاولة بدون كلام، وتوجه بالكوب الآخر إلى النافذة التي تطل على ساحة المدينة الجامعية. فتح الشباك وأخرج سيجارة من العلبة التي كان يخفيها معه. بدأ يدخن السيجارة ويطلق الزفير مصاحبًا لتنهيدة مليئة بوجع مخزون وغضب ساكن في قلبه. حمل كرم كوب الشاي وجلس بجواره وتحدث:
"من وقت ما رجعت امبارح من عند أبوك وانت متغير. هو قالك حاجة؟ ابتسم محمود ابتسامة سخرية: "قالي بشارة." "قالك إيه؟ نظر إليه بملامح ممزوجة من الغضب والحزن: "هيتجوز." تفاجأ كرم من إجابة محمود: "يتجوز؟ إزاي؟ ده أمك ممرش على وفاتها غير 5 شهور." "نفس اللي قولته. كان رده إنه حس بالوحدة وأنا مش موجود وعاوز حد ياخد بحسه." "عشان كده كان عاوزك تروح له ضروري."
"أيوه.. لأنه بعد يومين هيتجوز ومش عاوزني أتفاجئ ولا أسمع من الغرب. كتر خيره بجد، خاف عليا من المفاجأة." قام محمود بإشعال سيجارة أخرى. فقام كرم بإمساك يده وأمسك السيجارة ووضعها في كوب الشاي وتحدث بحدة: "وانت بتحرق في نفسك عشان كده." "انت شايف الموضوع بسيط يا كرم؟ قالها بنبرة غضب. تحدث كرم بهدوء محاولًا تهدئته: "أنا عارف انت حاسس بإيه، لكن كده مش حل. انت كده بتحرق نفسك، بتأذي نفسك." تحدث محمود بنبرة حزن:
"أنا كنت فاكر بعد ما طردني من بعد الثانوية لما صممت أكمل تعليمي ورفضت أشتغل معاه في الورشة، إنه بعد وفاة أمي المريضة قلبه حن عليا ويقولي أخلص جامعتي وأرجع أعيش معاه. لكن لأ، هو فكر فيا ولا كان بيفكر فيا ولا في أمي. هيتجوز واحدة في عمري يا كرم، هيتجوز واحدة قد عياله. المفروض يفكر في جوازي أنا واستقراري بعد 4 سنين بعيد عنه، لكن اللي فكر فيه نفسه.. نفسه وبس. وقال إيه، كنت هستغلها فرصة وأفاتحه على موضوعي."
صمت كرم حينما سمع كلمات صديقه المليئة بالحزن والألم والغضب. توقع بعد تواصل إحدى المعارف مع محمود قبل يومين وأخبره برغبة والده رؤيته، أنه سيتم الصلح أخيرًا بينهم وسيعود محمود تحت كنف والده. ورأى ذلك في أعين محمود التي امتلأت بالسعادة لرغبة والده رؤيته. كان يعلم كرم كم كان محمود ينتظر مكالمة من والده ليركض إلى أحضانه. وضع كرم يده على كتف محمود: "متزعلش يا صاحبي."
" هزعل لو اللي حصل ده جديد، لكن ده الطبيعي. 4 سنين مفكرش يتواصل معايا، وكنت بزور أمي في الخفى ولما كان بيشوفني كان بيعمل نفسه مش شايفني ويسم بدني بكلام. هكون منتظر إيه؟ الحمد لله إنه عمل كده بعد ما ربنا أخد أمانته، اللي كانت أمي ماتت بالقهر. كفاية كانت عايشة بقهرتها عليا." (تنهد تنهيدة عميقة) "الله يسهله حياته مع مراته الجديدة." كانت ملامح كرم مليئة بالحزن على ما أصاب صديقه محمود. نظر إليه محمود وتحدث متصنعًا
الابتسامة: "إيه يا أبو الكرم؟ مالك قلبتها دراما ليه؟ ما الحال من بعضه. أنا أبويا طردني وأمي كانت بتبعتلي الفلوس في الخفى، وانت أخوك الكبير طردك وأبوك عشان ميزعلوش بيبعتلك الفلوس في السر من وراه." "إحنا ليه أهلنا معانا كده؟ إحنا عملنالهم إيه عشان نعيش كده أيتام رغم وجودهم؟ تنهد محمود تنهيدة عميقة: "لأ، السؤال ده إجابته عندهم هما مش هنا. الله يسهلهم حالهم واحنا خلينا في حالنا." نظر كرم إلى الساعة:
"المحاضرة الأولى في ذمة الله يا حودا." "نلحق التانية يا أبو الكرم، يلا." وصل كلا من محمود وكرم الجامعة، وبالفعل كانا قد تأخرا على المحاضرة الأولى نظرًا لبعضهما. تبادلا الابتسامة والضحك، وكأنهما اعتادا هذا التأخير. قضيا يومهما في المحاضرات بين التركيز والتعب، يدونان الملاحظات ويستمعان إلى المحاضرات جديًا مع بعض الهمسات الجانبية بينهما. انتهى اليوم الدراسي وافترقا عند بوابة الجامعة ليذهب كل منهم إلى عمله.
ذهب كل منهما في طريقه المنفصل، يحمل على كتفيه حقيبته التي تحتوي على كتبه وملابس العمل الخاصة به. يعمل كرم في محطة وقود، وصل في موعده وبدل ملابسه وتوجه ووقف خلف مضخات الوقود، يرحب بالسائقين ويملأ الخزانات بابتسامة.
وفي الجانب الآخر، وصل محمود إلى مقهى، وبدل ملابسه وتوجه إلى الخارج وبدأ ترتيب الطاولات ويستقبل الزبائن ويعد القهوة بكل تركيز والابتسامة تعلو وجهه. رغم التعب وطول اليوم المنقسم بين الجامعة والعمل، كانت عيونهما تقول أن الحلم يستحق، وإن الغد لا يمنح إلا لمن يعمل من أجله.
في المقهى حيث يعمل محمود، ويداعب زملائه بروحه الفكاهية، كانت سوسن تراقبه عن كثب. سوسن ابنة مالك المقهى، فتاة جميلة يتهافت عليها الشباب، ولكن قلبها يملكه محمود. وهي الفتاة الوحيدة التي استقبلها قلبه عن أخريات، فمشاعرهما متبادلة مليئة بالحب. منذ وصول محمود، أدركت بحدوث خطب ما يداريه بضحكاته ودعاباته. اقتربت إليه سوسن وقالت مداعبة: "إيه الروقان ده كله؟ نظر إليها مبتسمًا: "حد يشوف القمر وميبقاش رايق."
اقتربت إليه خطوة وحدقت في عينيه، وارتبك محمود: "إيه يا سوسن؟ بتشبهي عليا ولا إيه؟ "في حاجة صح؟ استدار محمود محاولًا الهروب منها: "سوسن، أنا عندي شغل." تركها وتوجه إلى طاولة بجوارهما يعدل وضع المقاعد، فلحقت به سوسن قائلة: "لأ، انت أكدتلي إن فيه حاجة. في إيه يا محمود؟ صوتك امبارح مكنش طبيعي." "قلتلك من السفر وكنت مطبق." "أنا واثقة إن فيه حاجة حصلت. في إيه؟ وقف أمامها:
"سوسن، أنا عندي شغل ومش ناقص أبوكي يجي ويزعق ويقولي إني ببوظ أي شيفت بمسكه، وهو ما يعرفش إن بنته السبب. روحي لشغلك يلا." "كده يا محمود.. تمام، هسيبك لشغلك، لكن مش هتمشي النهاردة غير لما تحكيلي. هحبسك في الكافيه لو حكمت." ضحك محمود واقترب نحوها هامسًا: "أنا موافق لو هتحبس معايا ولوحدينا والشيطان تالتنا وكده أبوكي هيوافق على جوازنا بسرعة أو هيوديني لأمي أسرع وأبقى شهيد سوسن." ضحكت سوسن:
"بعد الشر.. لينا كلام بعد ما تخلص شغل." ابتسمت سوسن وتركته وتوجهت إلى المكتب، وهو ينظر إليها مبتسمًا ثم عاد إلى عمله. أنهى محمود عمله واستغل انشغال سوسن مع والدها وغادر المقهى عائدًا إلى السكن، وكان كرم ينتظره ليتناولا طعام العشاء سويًا. بدل ملابسه وجلسا يتناولان الطعام وتحدث كرم: "سوسن لسه قافلة معايا." صمت محمود. استكمل كرم: "كانت بتسألني في حاجة حصلت لك وقالت لي إنها كانت مستنياك وأنت سبتها ومشيت."
"انت قلت لها إيه؟ "مقولتش حاجة.. أعتقد أنت اللي لازم تقول، مش أي حد تاني؟ ترك الطعام وتحدث: "أقول إيه؟ أقولها إني أخطبك رسمي بقت فكرة مستحيلة؟ ممعيش فلوس الدبل؟ أقولها أبويا بدل ما يجوزني ويساعدني راح هو يتجوز وأبوها اللي وعدته ومش هقدر أكون قد كلامي؟ أقولها إيه يا كرم؟
"قولها الحقيقة يا محمود.. عرفها وخليها تقرر وتختار. أنت مكدبتش عليها من بداية تعارفكم على بعض، أنت عرفتها هي وأبوها ظروفك وحياتك، وهي وافقت وكملت معاك." صمت محمود. استكمل كرم حديثه: "لازم تعرفها وتفهمها الوضع يا محمود. هروبك ده مش حل. أنت ملزم بتبرير ليها." نظر إليه محمود في صمت وعاد إلى تناول طعامه وسط تفكير وحيرة واتخاذ قرار.
في اليوم التالي، ذهب محمود إلى عمله بعد الجامعة كعادته. وكانت سوسن برفقة والدها في المقهى. ألقى التحية وبدل ملابسه وتوجه إلى عمله وسط مراقبة من عيني سوسن. ظل محمود يتهرب من سوسن مرارًا. ذات يوم، تقام حفلة عيد ميلاد في المقهى وكان الجميع مشغولًا. انتهز محمود لحظة وخرج للخارج ليدخن سيجارة، فلحقت به سوسن: "هو لازم شغل السسبنس ده ولا إيه يا عم الغامض؟ تفاجأ من وجودها خلفه: "سوسن؟ "لأ عفريتها.. أنت بتعمل إيه هنا؟ رفع يده
التي بها سيجارة مشتعلة: "بدخن سيجارة.. أنتِ بتعملي إيه هنا؟ "جيت للي بيدخن السيجارة.. بتهرب مني؟ هو أنت فاكر بهروبك ده أنا خلاص مش هسألك وهنسي؟ انسي.. أنا مصممة أكتر أعرف مالك في إيه؟ "سوسن، الوقت والمكان غير مناسبين." "تمام، بكرة هتلاقيني مستنياك في الكافيه اللي جنب الجامعة، لأني هرجع البيت مع بابا النهارده. بكرة نتكلم براحتنا بقى وتقولي مالك في إيه؟ مش هسيبك غير لما أعرف.. تمام؟ "تمام."
أنهت سوسن حديثها وعادت للداخل، وعاد محمود يدخن سيجارته وسط تنهيدة حارقة نابعة من داخله من الحيرة. ماذا يفعل؟ وما هو القرار الصحيح؟ هل يستمع إلى قلبه أم عقله؟ في اليوم التالي، خرج محمود من الجامعة، توجه إلى مقهى بجوار الجامعة لمقابلة سوسن. حينما وصل بالفعل، كانت سوسن تنتظره. استقبلته بابتسامة: "آسف على التأخير." "أنا اللي جيت بدري." "مكنش عندك محاضرات النهاردة ولا إيه؟
"كان عندي محاضرتين وبس، وبدل ما أروح البيت جيت هنا أستناك." "لو كنت أعرف كنت ألغيت آخر محاضرتين وجيت لك." "لأ لأ، مش عاوزين كده.. عاوزين تخلص جامعتك وتتخرج وتيجي تخطبني زي ما اتفقنا." كانت سوسن تتحدث بابتسامة وأمل مليء نبرة صوتها، وكان محمود ينظر إليها مبتسمًا في حالة صمت وتردد وصراع يقام بداخله، وهو يراها أمامه وهي تتحدث بأمل. تحدثت سوسن: "مالك ساكت كده ليه؟ "تشربي إيه؟
"أنا طلبت وطلبت لك كمان. قولت لهم لما يجي يجبولك القهوة المظبوط." "كمان؟ "هو أنا عندي كام حودا؟ هو واحد وبس. إن شاء الله لما نكون في بيتنا هعمل لك أنا بنفسي القهوة يوميًا، مش هتفوت يوم. وأي حاجة بتحبها هعملها لك." نظر نحوها للحظات وقال: "أنتِ بتصعبيها عليا يا سوسن." قال كلماته بهمس. وقالت سوسن: "بتقول إيه؟ "ولا حاجة.. إنتِ عاملة إيه؟ "أنا كويسة.. أنت بقى عامل إيه؟ "كويس زي الفل أهو." اقتربت وحدقت في عينيه:
"محمود.. في إيه يا محمود؟ لم يستطع الهروب أكثر من ذلك. وقالت سوسن: "مخبّي عليا إيه يا محمود؟ "سوسن.." "أيوه." صمت لثوانٍ: "مش عارف أقولك إيه ولا إزاي؟ "لأ قول.. أنا سامعاك." "سوسن.. أنا.. أنا." قالها بنبرة مليئة بالتوتر والتردد، وكانت سوسن تستمع إليه بتركيز، تترقب كلماته: "انت إيه؟ "أنتِ عارفة أنا كنت متفق مع والدك أخلص امتحانات والنتيجة تطلع وأجيب أبويا ونتقدملك وأخطبك." "أيوه." "سوسن.. أنا مش هقدر أخطبك."
تفاجأت سوسن ولكنها ابتسمت: "ليه؟ "في عروسة تانية ولا إيه في البلد؟ "مفيش تانية ولا تالتة." "عرفت.. باباك مش موافق. ليه اتكلمت معاه دلوقتي يا محمود؟ إحنا قولنا بعد الامتحانات تتكلم معاه تكون اتخرجت." "لأ دلوقتي ولا آخر السنة.. مبقاش ينفع يا سوسن." "أنا مش فاهمة.. في إيه؟
"في إن كنت متخيل إني إنسان طبيعي لما يفكر يخطب ويتجوز أبوه هيقف في ضهره ويكبره قصاد أهل البنت اللي بيحبها وعاوزها.. لكن للأسف اكتشفت إني مليش حد. اللي كانت ليا ماتت وبقيت يتيم أم وأب." "إيه؟ "أنا بطولي يا سوسن.. مش معايا حد ولا هيكون معايا حد. أبوكي مش هيوافق بواحد بطاله من غير أهله. كان اتفاقه أبويا ييجي وأمي.. وأمي ماتت وأبويا أخد دهبها اللي كانت شايلاه ليا وراح اتجوز بواحدة في عمري." تفاجأت سوسن وظلت صامتة.
استكمل محمود حديثه: "رغم القرار ده صعب عليا ومش سهل أقوله، لكن أنا لو عندي بنت مش هوافق ليها على واحد مش معاه حاجة ولا حد. مفيش أب بيوافق لبنته بكده.. وأبوكي ميستاهلش مني كده. أنا معرفش إيه اللي مستنيني في الأيام الجاية، وأنتِ مش وش بهدلة، وأبوكي مش هيوافق ومعاه حق. فـ.." "فـ إيه يا محمود؟ صمت لثوانٍ وبنبرة حزينة: "إحنا مش هنقدر نكمل يا سوسن." بدموعها المنهمرة من عينيها تحدثت سوسن: "ببساطة كده يا محمود هتسيبني؟
هنت عليك تقولها ببساطة كده؟ "مش بسيطة.. لكن إننا نكمل مع بعض مش بسيط. أنا مش شايف مستقبل، مش شايف طريق أمشي فيه. من العدل مبهدلكيش معايا على أمل نور يظهر وممكن ميظهرش. مش بسيطة.. أنا قلبي بيتقطع وأنا بتكلم، لكن مش هينفع يا سوسن. ده لولا المرتب اللي باخده وكرم اللي بيساعدني بفلوس أبوه اللي بيبعتهاله، مكنتش كملت دراسة وسيبت الجامعة."
"أنا مش عاوزة قصر يا محمود ولا شبكة. هما دبلتين واحنا مع بعض هنكون نور اللي في الطريق. أنا عاوزاك أنت يا محمود مش مهم أي حاجة تانية." "أنا مش مستعد آخدك من بيت أبوكي أمرمطك معايا يا سوسن.. افهميني، مش هينفع." صمتت سوسن ودموعها منهمرة. واستكمل محمود كلماته: "يا آخدك من بيت أبوكي معزة مكرمة، يا تفضلي في بيت أبوكي أكرملك." تحدثت سوسن:
"لو ع الفلوس محمود، أنا بابا كان حاطط مبلغ في البنك ليا.. هسحبه وتجيب الدبلتين ونتخطب وبعدها يحلها ربنا." بنبرة غضب: "إيه اللي بتقوليه ده يا سوسن؟ لأ طبعًا مستحيل.. مستحيل يحصل كده. أنا اللي أجيبلك يا أجيبلك الشبكة وأحلى شبكة يا لاه." وقف محمود. وقالت سوسن بدموعها المنهمرة: "محمود أنا.." قاطع حديثها واستدار: "ده آخر كلام، وأنا هبلغ أبوكي بكده."
تركها محمود وغادر المقهى، وجلست سوسن تبكي بحرقة. بعد لحظات، كان يقف محمود خارج المقهى متواريًا عن الأنظار، ينظر إلى مدخل المقهى ينتظر خروجها. خرجت سوسن واستوقفت سيارة أجرة وغادرت المكان. ووقف محمود ينظر إليها ورحيلها بملامح مليئة بالحزن والألم. عاد إلى المقهى ينظر في الأرجاء يبحث عنها، لم يجدها وعلم باعتذارها عن القدوم لشعورها ببعض التوعك، فتملكه الضيق والخنقة.
شاهد والد سوسن في المكتب بمفرده. استغل الفرصة وذهب وتحدث إليه وأخبره ما استجد في ظروفه، وحدث ما توقعه. صمت والد سوسن وقال محمود: "أنا زي ما جيت واتكلمت معاك يا حج من كام شهر، جيت أتكلم معاك عشان من حقك تكون عارف كل حاجة." "أنا مش عارف أقولك إيه يا محمود.. سوسن بنتي وأنا زي أي أب أكيد عاوز أفرح بيها، لكن.." قاطع محمود حديثه وعلى وجهه ابتسامة:
"أنا اتكلمت مع سوسن يا حج وعرفتها إن أي أب مش هيوافق لبنته البهدلة والشقا، وقفلِت معاها صفحتنا نهائي، وقولت لها هبلغك." "محمود، النصيب ده بتاع ربنا.. لو ليكم نصيب مع بعض ربنا هيجمعكم مع بعض." "ونعم بالله.. اللي ربنا رايده يكون.. عن إذنك." قبل خروج محمود من المكتب، استوقفه والد سوسن قائلًا: "محمود.. أعتقد مش هينفع تكمل هنا.. سوسن بتيجي و.." التفت إليه محمود مبتسمًا: "صح يا حج.. اديني يومين بس وهمشي.. تصبح على خير."
خرج من مكتب والد سوسن. رغم قراره النهائي، ولكن كان يأمل رد فعل مختلف من والدها وهو التشبث. فتيقن أن عاجلًا أم آجلًا سيتم الانفصال. استكمل يومه في شرود. وقبل ذهابه إلى السكن، ذهب إلى منزل سوسن. كان الليل هادئ والشارع شبه خال. وقف محمود في ظل جدار قريب من منزلها يحاول ألا يراه أحد. عيناه معلقتان بنافذة غرفتها المضاءة. لم يتحرك، فقط ينظر بصمت وملامحه حزينة، يشعر بثقل في صدره. ندم يملأ قلبه من قراره. قرار البعد كان أصعب مما كان يتصور في قدرته على التخطي. بين اللحظة والأخرى، كان يتمنى أن يراها ولو من بعيد. ظل واقفًا يتأمل النور المنبعث من غرفتها حتى انطفأ النور. تنهد بهدوء وأدار وجهه وسار عائدًا إلى السكن، يحمل قلبًا مثقلًا بالشوق والندم.
حينما عاد محمود، كان ينتظره كرم بقلق: "إيه يا محمود؟ كنت فين كل ده؟ أنا اتصلت بالكافيه قالوا لي مشي في ميعاده." كانت ملامح محمود مجهدة، خليط من الحزن والتعب. ارتمى على المقعد في حالة صمت. واقترب إليه كرم: "في إيه.. متقلقنيش عليك يا جدع، في إيه؟ نظر نحوه بحزن: "أنا وسوسن.. موضوعنا انتهى.. نهائي." تفاجأ كرم من كلمات محمود وجلس وأخبره ما حدث. تحدث كرم: "إيه ده.. إحنا اتكلمنا إنك هتتكلم يا محمود مش هتنهي."
"مك كانش هيحصل فرق يا كرم.. كان الكلام هيوصل إننا ننهي." "لأ، في كلام يعني في حلول." "مش هينفع يا كرم، مش هينفع." "مش هينفع إيه؟ "مش هينفع سوسن تضحي بنفسها وبعمرها في سبيل مجهول أنا ذات نفسي معرفش إيه ملامحه. هي اتكلمت وقدمت حلول، واحد غيري كان هيوافق، لكن أنا لأ." "يعني.." "منعت سوسن من تصرفات هتندم عليها بعدين." "مش عارف أقولك إيه بصراحة؟
"متتكلمش حاجة.. ده التصرف الصح رغم صعوبته، لكن صح. ورد فعل أبوها أكد لي إن قراري كان صح. أنا وسوسن مكنش هينفع نكمل مع بعض على أمل مش موجود أصلًا." "أبوها رأيه كان إيه؟ "قال لو في نصيب ربنا هيجمعنا، ومشاني من الكافيه." "مشاك؟ "أيوه.. عنده حق. إزاي هكون موجود وبنته بتيجي؟ الصح إني أختفي." "ربنا مبيعملش حاجة وحشة يا محمود، وبعدين أنت كنت واضح وصريح، وده نادرًا يحصل. حد غيرك كان استغلها واستغل أبوها، لكن أنت رفضت كده."
تنهد محمود وصمت. تحدث كرم: "كله خير إن شاء الله. ربنا هيكرمك بالخير وهيكرمها، ويا عالم الأيام الجاية مخبية إيه لينا." تنهد محمود: "صح.. يا عالم. هقوم آخد دش وأنام، لأن بكرة يوم طويل." "ليه؟ "هدور على شغل تاني، كده مليش مكان هناك." "متقلقش، ربك هيسهلها. بقولك.. تعالي معايا محطة البنزين، كان فيه واحد مشي ومكانه فاضي. لو مجابوش حد تيجي معايا ورزقنا على الله." "على الله."
بعد مرور عدة أيام، وكان محمود بعد انتهاء المحاضرات كان يبحث عن عمل آخر. عاد إلى السكن وكان ينتظره كرم: "انت لسه راجع ولا إيه يا كرم؟ "لأ، أنا مستنياك عشان كده مغيرتش هدومي." "ليه؟ "هتيجي معايا مشوار لمحطة البنزينة. صاحب البنزينة كان مسافر ولما رجع واتكلمت معاه عليك، قالي هاته. فـ يلا دلوقتي يشوفك وتستلم شغلك. يلا يا جدع."
بالفعل توجها إلى محطة الوقود وقابل محمود مالك المحطة واستلم عمله. منذ انفصال محمود وسوسن، ومحمود دائم الشرود وفي حالة غير معتاد. لاحظ كرم ذلك وكان دائمًا يحاول ألا يتركه بمفرده، ومهما حاول إفراجه كان رد فعل محمود مجاملة حتى لا يحزن صديقه، ولكن كرم كان يشعر بـ محمود ومدى ألمه لفراق سوسن لأنه يعلم مدى حبه لها.
استمر الوضع بين الجامعة والعمل في محطة الوقود، حتى نهاية العام وامتحانات آخر العام. وبعد انتهاء الامتحانات، كان من الصعب عودة محمود إلى والده، وكذلك كرم. فقام باستئجار شقة كما كانا يفعلان في الإجازات، ولكن تلك المرة لمدة طويلة. ظهرت النتيجة ونجحا وتخرجا ثنائيًا من كلية التجارة. وقاما بالبحث عن عمل بجانب عمل البنزينة حتى يستطيعا التعامل مع وضعهم الجديد.
كان محمود رغم الوعد الذي قطعه لوالد سوسن ولها بعدم ظهوره أمامها، ولكنه كان يذهب إلى المقهى ومنزلها في الخفاء، ينظر إليها في الخفاء لاشتياقه لها ويعود إلى المنزل ويستسلم للنوم، متمنيًا أن ما يعيشه يكون كابوسًا يستيقظ منه ويجد بجانبه سوسن.
ظلا يبحثان عن العمل وينتقلان من مكان لمكان، وذلك لعدم امتلاكهما الأموال التي تساعدهما على التعيين في الشركات الكبيرة، فكان يعملا في أماكن لوقت قصير وينتقلا لمكان آخر بجانب عملهما في محطة الوقود. كان كرم بين الحين والآخر يذهب لزيارة والده. كان يتغاضى عن معاملة أخيه كمال الحادة وكلماته اللاذعة إكرامًا لوالده. ذهب كرم لزيارة والده بعد أن هاتفه وأخبره برغبته في رؤيته. بالفعل سافر كرم إلى البحيرة. رن جرس الباب وقامت زوجة
أخيه بفتح الباب مرحبة به: "كرم.. حمد الله على السلامة." "الله يسلمك يا إلهام." كان يحمل حقائب في يده وقدمها لها: "حاجات بسيطة للأولاد، هما يستحقوا الأكثر." "تسلم مجايبك يا كرم، كتر خيرك." وقف كرم ينظر في أرجاء المكان وتحدثت إلهام: "كمال لسه في الوكالة.. الحاج في أوضته منتظرك." "تمام، أنا داخل." توجه كرم إلى غرفة والده. حينما دخل، كان والده مستلقيًا على السرير. حينما رأى كرم، ابتهج وجهه مرحبًا به:
"كرم ابني.. إزيك يا كرم؟ "بخير يا بابا." تبادلا الأحضان وقبل كرم يد ورأس والده وجلس بجواره: "عامل إيه يا حج؟ طمني عليك يعليك؟ "بخير يا ابني، بخير." "قلقتني لما قلت لي عاوزني ضروري." "عاوزك في كل خير.. طمني عليك الأول. عامل إيه في شغلك؟ لقيت شغل بشهادتك؟ تنهد كرم: "بصراحة يا حج بحاول والله، إن شاء الله هتيجي. إحنا نسعى والله كريم."
"ونعم بالله.. حقك عليا يا كرم إني مقدرتش أقف معاك قصاد أخوك كمال لما عارض تكمل تعليمك ومشيك من البيت بطولك." "كمال شايل شغل الوكالة لوحده ومكنش فاهم أنا عاوز أكمل تعليم. وكان فاكر إني هتمرد عليه وهشوف نفسي بالشهادة لأنه مكملش تعليمه.. لكن الحمد لله قدرت أكمل دراستي وخلصتها، والبركة فيك يا حج في المبلغ اللي بتبعت لي، كانوا بيساعدوا برضه." "أنا عارف إنك هتفهمني يا ابني ومش هتشيل مننا."
"لأ طبعًا يا حج، حد يشيل من أهله.. الله يكرم كل واحد ويسهل طريقه.. الحمد لله اطمنت عليك." "رايح فين؟ "يدوب أرجع بقي." "لأ استنى.. هتتغدى معنا، وبعدين أنا مقلت لكش كنت عاوزك في إيه؟ "صحيح، كنت عاوزني في إيه؟ "من أسبوع عمك رضوان زيون من زباين الدائمين في الوكالة.. جه زراني وكنا بنتكلم وعرفت منه إنه فاتح شركة استيراد وتصدير في الإسكندرية.. اتكلمت معاه عليك إنك خريج تجارة وشاطر، وهو رحب إنه يشغلك معاه.. إيه رأيك؟
ابتسم كرم: "بجد يا حج..؟ "أيوه.. في خلال يومين لازم تكون هناك لأنه مسافر آخر الأسبوع. لازم تقابله يعينك قبل سفره لأنه بيقعد شهور. مكنتش عارف أقولك كده في التليفون عشان كمال ميزعلش، فقولت له أنا عاوز أشوفك عشان أديك الورقة دي." (أخرج قطعة ورقة مدون بها رقم وعنوان) "وروح يا ابني ربنا يكرمك." أقبل كرم يد والده: "ربنا يخليك لينا يا حج." "ويخليكوا ليا يا ابني ويقرب قلوبكم لبعض."
أراد كرم مغادرة المنزل، ولكن والده أصر على انضمامه ليتناول الطعام برفقتهم. فمن القليل أن يجتمعا حول مائدة طعام واحدة جميعهم. جلس كرم يتناول الطعام في صمت، وكان كمال أخيه يرمقه بنظرات من الحين والآخر. تحدث كمال: "يا ترى عامل إيه يا كرم في شغلك في البنزينة؟ "الحمد لله." نظر كمال إلى والده:
"أصله اتخانق معايا زمان وعلى صوته عليا عشان كان عاوز ياخد شهادة من الجامعة.. مكنتش أعرف إنه كان عاوزها عشان يشتغل بيها في بنزينة اللي أي حد معاه إعدادية يشتغلها." لاحظ كرم طريقة كمال الاستفزازية في الحديث، فنظر إلى والده الذي كانت ملامحه تترجاه أن يصمت. فتنفس نفسًا عميقًا وقال: "شغلي في البنزينة كويس الحمد لله، متقلقش عليا."
"لأ مش قلقان عليك.. لو عاوز تسيبها أنا ممكن أكلم لك صاحب البنزينة اللي ع الطريق تيجي تشتغل فيها.. هقول له أخويا معاه شهادة الجامعة عاوز يشتغل عندك عامل يحط بنزين للعربيات." نظر إلى والده كرم وتدخلت إلهام ووضعت أمام كرم من صينية البطاطس أمامه: "مقولتليش إيه رأيك يا كرم في صينية البطاطس دي؟ عمايلي، عملتهالك مخصوص لأنك بتحبها أنت والحج." "تسلم إيدك يا إلهام، الأكل كله تحفة." تحدث كامل باستفزاز:
"ربنا يخليك يا حج. البيت مفتوح بحسك، أي حد بيجي هنا بيجي على حسك. ولولاك كرسي السفرة بتاع كرم كان هيبقى فاضي.. بس عاوزك تفرح يا حج، ابنك كرم معاه بكالوريوس تجارة وشغال في بنزينة." توقف كرم عن تناول الطعام وتحدث: "تسلم إيدك يا إلهام، الأكل تحفة." "انت مأكلتش يا كرم؟ "لأ شبعت الحمد لله.. يدوب الحق أرجع القاهرة." "عنده شغل الصبح في البنزينة يا إلهام، سبيه."
شعر كرم بعد الراحة لاستمرار حديث كمال المستفز. تحرك من مكانه وتوجه إلى والده، طبع قبلة على رأس ويد والده وودعهم وتوجه للخارج. في الطريق، كانت ملامح كرم مليئة بالحزن لهيمنة أخيه كمال على المنزل وضعف شخصية والده المريض. تنهد تنهيدة عميقة وتذكر الورقة في جيب بنطاله وأخرجها ونظر إليها، متأملًا أن تكون طوق النجاة التي كان ينتظرها منذ مدة.
عاد إلى المنزل وجد محمود يجلس بجوار النافذة يدخن سيجارته وشارد وهو ممسك في يده ميدالية أعطته له سوسن. لم يخبره ما حدث وتركه. وبدل ملابسه وتوجه إلى السرير ينظر إلى السقف في شرود. كل منهما يشرد في عالمه المجهول. في صباح اليوم التالي، قبل ذهابهم للعمل، أخبر كرم بما أخبره به والده ووضع على الطاولة الورقة المدونة بالأرقام والعنوان الخاص بالشركة. وقال كرم:
"أنا هروح وأشوف إيه الدنيا، ومتقلقش يا صاحبي، إن شاء الله هتكون معايا." أجابه محمود مبتسمًا: "انت أو أنا واحد يا أبو الكرم. المهم أنت دلوقتي متشغلش دماغك بيا." "إن شاء الله هنفضل مع بعض."
أنهيا حديثهما وتوجها للخارج وغادرا متجهين إلى محطة الوقود. سافر كرم إلى الإسكندرية لمقابلة صديق والده المهندس معوض. تمت المقابلة، ولكن حاول كرم مساعدة صديقه محمود وضمه للعمل برفقته في الشركة، ولكن لم يكن هناك فرصة له والفرصة المتاحة فرصة وحيدة له. رغم سعادته أخيرًا سيعمل بشهادته الجامعية كمحاسب في الشركة، ولكنه كان يشعر بالحزن لعدم وجود محمود برفقته. عاد إلى الزقازيق وذهب إلى المنزل في انتظار عودة محمود من العمل. عاد محمود وتفاجأ بالطاولة معدة بطعام شهي وكرم يجلس في انتظاره. أقبل محمود مبتسمًا
وقال: "كدا نقول مبروك يا أبو الكرم ع الوظيفة الجديدة." ابتسم كرم نصف ابتسامة وأومأ برأسه كتأكيد على كلمات محمود. لاحظ محمود تغير ملامح كرم وتحدث كرم: "يلا غير هدومك لأني جعان." "ثواني وهكون عندك." بدل محمود ملابسه وجلس برفقة كرم ليتناولا الطعام. وما زالت ملامح كرم حزينة فتحدث محمود: "في حد تجيله فرصة شغل كده ويبقى دي وشه؟ "بجد أنا حاولت يا محمود أشوف مكان لك، لكن مكنش فيه دلوقتي خالص."
"يا أبو الكرم، روح أنت الأول وثبت رجلك، وأكيد الفرص هتيجي. أنا مش زعلان، بالعكس أنا فرحان لك جدًا لأني عارف أهمية إنك تشتغل بشهادتك. ده معناه كبير وإنجاز كبير في حياتك. ربنا يكرمك يا صاحبي، وأنا أهو شغال في البنزينة وبدور، والله كريم، مبيضيعش تعب حد، ولا إيه؟ "ونعم بالله.. بس أنا مش هسكت، هدَوّر لك هناك." "عارف. يمكن الحاجة المؤثرة فيا إن هرجع البيت وهكون لوحدي. اتعودت إننا مع بعض في الشغل وفي البيت."
"متفتكرش إن عشان شغلي في الإسكندرية وأنت هنا في الزقازيق يعني خلاص.. لأ، أنت هتيجي لي وأنا هاجي لك، مش هنخلص من بعض." "ده أكيد يا أبو الكرم.. ربنا يوفقك يا صاحبي.. يلا نكمل أكل." بالفعل أنهى كرم عمله في البنزينة وحمل حقائبه وقام بتوديعه محمود في محطة القطار. وصل كرم الإسكندرية وذهب إلى السكن الخاص بالمغتربين في الشركة وبدأ استلام عمله في قسم المحاسبات.
محمود بعد فترة من العمل في البنزينة، أخبره مالك البنزينة برغبته لاستلام العمل كمحاسب في البنزينة. ورحب محمود بالفعل، وكانت خطوة انتقالية لمحمود ماديًا واجتماعيًا لأنه يعمل بشهادته الجامعية أيضًا كمحاسب.
مقر شركة التي يعمل بها كرم في إحدى البنايات التي تحوي على عدد من مكاتب لشركات مختلفة. كان كرم في فترة الغذاء يذهب إلى مطعم مجاور للمكتب. كان مكانه المفضل طاولة قريبة من الشاطئ والنسيم البارد يلف المكان. لف معطفه حول جسده أكثر، بينما كانت أنظاره تتابع الأمواج وهي تتقدم وتتراجع في صمت. بينما كان ينتظر طعامه، لمح فتاة تقف عند حافة الشاطئ والمياه تلامس قدميها برفق. كانت واقفة في ثبات، عيناها معلقتان في الأفق ويديها
متشابكتان أمام صدرها. لفتت انتباهه بقوة، فكانت لم تكن ترتجف رغم أن الجو كان باردًا والرياح لا تتوقف. بدت كأنها منفصلة عن كل ما حولها، لا تشعر بأي شيء، لا بالبرد ولا بالماء ولا حتى بمرور الوقت. ظل كرم يراقبها بصمت حتى وصل الطعام بعد دقائق ووضع أمامه وشكر النادل وعاد مرة أخرى ينظر إلى الشاطئ والفتاة، وفوجئ باختفائها. المكان خالٍ. تسارعت نظراته في الأنحاء يبحث عنها، لعلها ابتعدت قليلًا أو جلست في مكان قريب. نهض من مكانه
وخطى نحو حافة المطعم يبحث عنها، ولم لا أثر لها، كأنها لم تكن هناك سابقًا. عاد كرم وجلس ببطء وعيناه معلقتان بالفراغ،
وتسأل بينه وبين نفسه: "هو أنا شفتها بجد؟ ولا كان خيال ووهم؟ نظر إلى الشاطئ للحظة ثم تنهد وعاد لتناول طعامه ليعود إلى عمله، ولكن هناك شيء حدث لقلبه، ربما مشهد عابر أو لحظة خيالية، ولكن الأكيد أنها تركت فيه أثرًا لا يفسر.
في اليوم التالي، ذهب وجلس أمام طاولته المعتادة وألقى بنظرة ع الشاطئ، ولكن لم يجدها، فتيقن أنها مجرد خيال توهم بوجودها. في يوم ما، ذهب للمطعم ليتناول الطعام، لمح الفتاة تقف كالمرة السابقة أمام البحر. أغمض عينيه وفتحها مرة أخرى وما زالت في مكانها. تحدث مع النادل وعاد بالنظر واختفت. تكرر الأمر كذا يوم، وفجأة لمدة أسبوع لم تظهر. فتيقن أنها مجرد خيالات أو ربما جنية البحر كما في الأساطير.
بعد مرور 8 أشهر.. ذهب محمود في إجازته الأسبوعية إلى الإسكندرية لقضائها برفقة محمود. تقابلا في إحدى المطاعم لتناول الطعام، ثم توجها للجلوس أمام البحر ليحتسيا الشاي الساخن: "يا بختك يا عم كرم بالمنظر ده." ضحك كرم وقال: "بقالي 8 شهور هنا وكل مرة تجيلي تقولي كده، مبتزهقش يا حودا؟ "وهو في حد يزهق من الجمال ده؟ ده القاعدة كده علاج نفسي من هموم الدنيا، تشيل مهما تشيل وتيجي ترميه في البحر، الموج ياخده بعيد."
"أنا مش ساكت وبدور لك ع شغل كويس هنا معايا عشان متفوتش المنظر ده." "متتعبش نفسك، أنا مرتاح في البنزينة، شغال محاسب ومرتبي كويس والدنيا تمام معايا، متشغلش نفسك. المهم طمني عليك، أنت كويس؟ "الحمد لله." "يارب دايما يا صاحبي.. قولي صحيح، إيه أخبار جنية البحر؟ مظهرتش تاني؟ "بتتريق." ضحك محمود: "أنت نفسك قولت لي إنها جنية البحر بتظهر ثواني وتختفي." "لأ، مظهرتش.. هو ممكن تكون جنية البحر بجد يا محمود؟ قال ضاحكًا:
"أنت اللي شفتها يا صاحبي.. وبعدين قولت لك كذا مرة أول ما تشوفها تروح تتكلم معاها، كنت تتأكد هي بشر ولا جنية، لكن أنت التزمت الصمت والمشاهدة عن بعد." "مبلحقش يا محمود.. أنا أيام أروح بدري مبتجيش اليوم ده أصلًا، وأيام أروح ع ميعاد أتغدى أشوفها بالصدفة، أتكلم مع الجرسون أبص عليها تختفي." "مش لازم تتكلم معاه، قوله استنى وكنت روحلها بدل ما هي شاغلة دماغك كده." "مش عارف.. المهم أنت طمني عليك، مش ناوي بقى تفرحني بيك؟
ملكش حجة قاعد في الشقة لوحدك، هي صغيرة بس اسمها شقة ووظيفة محترمة ومرتب ثابت." تنهد محمود: "عاوز إيه يا كرم؟ أمسك كرم الميدالية من يد محمود: "مشوفتش سوسن تاني؟ "آخر مرة شوفتها فيها حاولت أتكلم معاها، لكن هي قفلت في وشي أي محاولة." "هي اتخطبت؟ "لأ، مكنش في إيديها حاجة، ومسمعتش إنها اتخطبت." "طيب ما تجرب كده." "لأ لأ، مش هجرب، دي كلمتني بطريقة صعبة قوي."
"العرق الصعيدي نطر وكرامتك نقحت عليك واستسلمت. ده طبيعي. اللي حصل ده عاوزها أول ما تشوفك تترمي في حضنك.. خد خطوة جريئة كده، ولا أنت عاجبك جو المراقبة عن بعد ده؟ "ا.. يعني أنت شايف كده؟ "أنت بتحبها؟ "انت مستني أجوبك؟ أنا محبتش في حياتي غيرها، ده أنا رسمت مستقبل وعيال معاها." "طيب إيه.. جرب تاني، ولو صدتك جرب للمليون. أنا عندي فكرة." "إيه؟ "انت جربت تتكلم معاها وكانت بتصدك صح؟ "وبتكلمني بطريقة صعبة أوي."
"وضعك دلوقتي بقى أحسن، والتوقيت مناسب جدًا إنك تروح تتقدم وتخطبها، وش كده." "أخطبها؟ "أيوه، هو أنت لسه هتتعرف عليها؟ اللي حصل كان وضعك وقتها غير مسامح، لكن دلوقتي أحسن. وأنا هاجي معاك نروح لها ونتكلم مع أبوها ونقول له ابننا أي بنت تتمناه، لكن هو مبيتمناش غير بنتكم وبس." ابتسم محمود: "تسلم لي يا صاحبي." "ويلا شد حيلك بقى عشان لو اتجوزت قبلك هسمي مريم وزين." "لأ لأ، متفقناش على كده، سيب لي اسم اخترناه سوا."
"انت ونصيبك.. عاوز تلحق، اسبقني." ضحكوا وتحدث محمود: "ربنا يكتب لك الخير من جنية البحر." "أنت الأول يا حودا." بعد أسبوع في إجازة كرم الأسبوعية، اتفق مع محمود على مقابلته في الزقازيق والذهاب سويًا لمقابلة والد سوسن في المقهي. بالفعل ذهبا إلى المقهي، كان مغلقًا، فتوجها إلى المنزل. لمح محمود وكرم إنارة معلقة على المنزل وتجمع أشخاص أمام المنزل وصوت الموسيقى المرتفع. اقترب كرم لإحدى الفتيان أمام المنزل:
"بقولك يا صاحبي.. هو دا إيه؟ "دي خطوبة بنت الحج فرج." "بنت مين؟ "بنت الوحيدة.. سوسن."
تلقى كرم الكلمات وصعق من صدمتها. ونظر إلى محمود التي اعتلت وجهه ملامح صدمة. حاول كرم إبعاده عن المكان، ولكن محمود صمم الدخول للداخل لرؤية سوسن ليتأكد من الخبر. كان يسير بخطوات مترددة وقلبه ينبض بقوة لا تشبه أي شعور سابق. وصل أمام منزل سوسن ويسمع أصوات الزغاريط والموسيقى عن قرب. دخل بخطواته هادئة للداخل، ووقعت عيناه عليها، كانت تجلس بجانب شاب يضع في يدها أسورة من ذهب ويبتسم لها وهي تبادله الابتسامة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!