على أحدى الطاولات يجلس إيهاب مختار يرتشف قهوته ويقرأ في كتاب. لا يدري بوجودها. عيناها معلقتان عليه تحاول استيعاب وجوده أمامها شخصيًا. اقتربت نحوه بخطوات مترددة ووقفت أمام الطاولة التي يجلس عليها إيهاب وقالت بابتسامة: "صباح الخير." رفع إيهاب عينيه نحوها ببطء وما إن التقت نظراته بعينيها حتى ارتسمت ابتسامة دافئة على وجهه، ظهرت معها غمازته المعهودة وقال بصوت هادئ: "مريم.. صباح الخير." "ممكن أقعد." "طبعًا اتفضلي."
جلست: "أنا ما كنتش مصدقة إنك بجد.. أنت هنا ليه؟ "ممكن عشان وحشتيني." تبدلت ملامح مريم للدهشة: "ها؟ ضحك إيهاب: "أنا آسف.. مش قصدي أخضك كده. الحقيقة أنا كنت عاوز أشرب قهوة في مكان هادي، أغلب الأماكن اللي روحتها زحمة ودوشة وبيشغلوا أغاني بصوت عالي. إزاي كده على الصبح.. فكنت بسأل حد عن مكان هادي وحد من أصدقائي رشح لي المطعم هنا، قالي الفايبز بتاعته هتعجبني. بالفعل جربته امبارح وانبسطت ولذلك جيت النهارده تاني."
"بجد صدفة ولا أفلام؟ المطعم ده بتاعنا." بملامح مفاجئة: "بجد هو ده.. أنا كنت بشبه على الاسم ولما عملت سيرش في جوجل لقيت كذا مكان بنفس الاسم، متوقعتش خالص إنه ده." "بجد صدفة جميلة.. بس على ما أعتقد إنك رجعت إيطاليا." "أنا سافرت ورجعت تاني. تم دعوتي لمعرض بعد 25 يوم وعندي مناسبة كمان أسبوع، قولت فرصة تغيير جو هحضرهم وأرجع." "تمام."
"على فكرة في أمانة ليكي عندي، ويمكن الصدفة دي اتعملت عشان أشوفك وأتواصل معاكي شخصيًا يعني." "أمانة إيه؟ "لوحة.. هديتك مني." "ليا أنا؟ "أيوه، كنت مجهز لوحة ليكي. عمومًا هتوصلك على هنا تمام." "مش لازم بجد." "في حد يرفض الهدية؟ وبعدين إنتي تستحقيها وأنا كنت مجهزها ليكي، فطبيعي تجيلك." ابتسمت مريم وقال إيهاب: "أنا مضطر أمشي، لأن عندي موعد. وحقيقي صدفة جميلة إني شوفتك يا مريم." بادلته الابتسامة وقالت: "فعلاً صدفة جميلة."
قال لها: "على فكرة لما قولت وحشتيني كنت قاصد." ارتبكت مريم واستكمل إيهاب حديثه وهو يبتسم: "إنتي وأصدقائك وحشتوني. الفايبز اللي كنت بعيشها معاكم مفتقدها جدا." "أنا قولتلك ذكرياتك معانا مش هتتنسي." "وفعلاً حصل. في فترة قليلة اتعلقت بيها. يلا همشي أنا، سلام." "سلام." غادر إيهاب المطعم ووقفت مريم مكانها تنظر إليه وعيناها تتابعان خطواته للخارج. اقتربت إليها ملك وقامت بخبطها خبطة خفيفة على كتفها: "مين ده.. تعرفيه؟
قالت وهي تبتسم: "إيهاب مختار.. تخيلي إيهاب مختار بنفسه." نظرت ملك بإندهاش: "اللي كنتي معاه في العربية لوحدك ووصلك." "هو أنتم بتنسوا كل حاجة وفاكرين حاجة واحدة بس.. فنان مشهور ودرس لي في الكلية." "وركبِتِ معاه العربية لوحدك حصل؟ "أيوه حصل، ركبت العربية معاه لوحدي ومش هكررها. خلاص بقى.. ملك إنتي اتحولتي، حاساكي زين أوي." ضحكت ملك: "عفريت زين هيحاوطك في كل مكان." "سترك يا رب."
في منتصف النهار في المطعم، مريم في المطبخ منهمكة في إعداد شيء ما. في الصالة تجلس ملك بهدوء أمام اللابتوب تركز في الشاشة.
فجأة دخل المطعم عامل التوصيل يحمل شيئًا في يديه، تعلوه بطاقة صغيرة كتب عليها اسم مريم. دخلت ملك إلى المطبخ وندت على مريم لاستلام الهدية. خرجت مريم وقابلت عامل التوصيل، مدت يديها واستلمت الهدية بهدوء وعلى وجهها ارتسمت ملامح الدهشة ممزوجة بابتسامة خفيفة. غادر عامل التوصيل وبدأت مريم فتح الهدية، ولكن قبل ذلك قرأت الكارت وكان مدون اسمها فقط.
فتحت مريم الهدية لتكشف عن لوحة فنية بديعة، ألوانها تنبض بالحياة وتفاصيلها تنم عن لمسة فنان متمرس. عيناها اتسعتا بدهشة صامتة ثم لمعتا بإعجاب حين أدركت أن ما أمامها هو أحد أعمال إيهاب مختار بعد قراءة توقيعه أسفل اللوحة. تجمدت للحظة تسترجع كلماته لها صباحًا حين أخبرها عن الهدية. ابتسمت ابتسامة دافئة. رفعت اللوحة لتتأملها عن قرب بسعادة. "هو بعت لكِ لوحة دي." بابتسامة تعلو وجهها: "أيوه.. بصي جميلة إزاي."
"فعلاً جميلة.. هتحطيها فين؟ "عندي أكيد." عادت مريم إلى المنزل، صعدت درجات السلم بهدوء حتى وصلت إلى منزلها. دخلت إلى غرفتها. نظرت حولها تبحث عن مكان تضع فيه اللوحة حتى استقر نظرها على زاوية مضيئة مناسبة. اقتربت بخطوات خفيفة، وضعت اللوحة برفق وكأنها تضع قطعة من روحها. ثم وقفت لتتأملها. وقفت صامتة وعيناها تلمعان بشعور غامر من السعادة. كانت السعادة تفيض من ملامحها لوجود لوحة من أعمال إيهاب مختار بين لوحاتها.
ليلًا، مريم في المرسم، يدها تتحرك بخفة على لوحة أمامها بينما ينساب صوت فيروز في الخلفية يملأ الأجواء دفئًا وشاعرية. كانت مريم سعيدة مستغرقة تمامًا في لحظتها، تنسى العالم من حولها. فجأة قطع الهدوء صوت مألوف: "فنانتنا." التفتت اتجاه الباب حيث وثق زين يبتسم وهو يدخل بخطوات واثقة. كان صوته يحمل مزيجًا من الدهشة والإعجاب. قالت مريم: "حمد الله على السلامة." "الله يسلمك.. روحت المطعم سمعت إنك مشيتي بدري."
"كان الجو هادي وملك مش محتاجاني هناك يعني." زين عيناه تتجولان بفضول بين اللوحات كأنهما تبحثان عن شيء معين. شعرت مريم بشيء غامض من نظرات زين. تحدثت مريم: "نسيت أقولك.." توقف ووقف ونظر إليها: "نسيتي تقوليلي.. إيه يا ترى؟ "جاتلي هدية النهارده ولا كانت على البال ولا على الخاطر." "ماهو أنا سمعت وجيت أتفرج.. فين؟ "لما ننزل هوريهالك." بدهشة: "أنزل.. هي مش هنا؟ "لا عندي تحت.. بصراحة خوفت عليها يحصل حاجة."
نظر إليها بتعجب: "تقصدي إيه خايفة عليها؟ "هدية قيمة.. إنت عارف لوحة لإيهاب مختار بكام." "آها.. وجاتلك إزاي يعني عرف العنوان إزاي؟ تحدثت مريم بتلقائية: "اسكت يا زيزو.. النهاردة اتفاجئت بإيهاب مختار في المطعم تخيل؟ "والله." "آه والله.. مكملش 5 دقايق ومشي، وقبل ما يمشي قالي فيه هدية ليا. بصراحة ما كنتش أتوقع يبعتها بالسرعة دي." رن هاتف زين كان كريم: "طيب أنا رايح مقر الشركة ولما أرجع بالليل أشوفها تمام."
"تمام.. الافتتاح خلاص قرب جدًا." "أيوه.. يلا أنا نازل، سلام." غادر زين تاركًا خلفه صمتًا ثقيلًا. مريم وقفت مكانها تنظر إليه وهو مغادر. كانت تظن أنه سيشاركها فرحتها بالهدية ولكنها لم تشعر إلا بفراغ. عندما رأى زين فرحة مريم باللوحة توقف لحظة دون أن يظهر شيئًا على وجهه. عينيه لمعتا للحظة ولكنه كتم ما شعر به وغادر. عادت مريم إلى رسمتها.
في صباح اليوم التالي، جلست مريم في المطعم. كانت عيناها معلقتين بباب المطعم تترقبه كل شخص يدخل. كل بضع دقائق لمحت دخول زين وبعد الترحاب جلسوا أمام طاولة قريبة من الباب. قال زين: "ليه هنا.. ما تيجي نقعد جوه مكاننا ليه في الوش كده؟ "عشان أشوف الباب." "ليه بتعدي الزباين اللي داخل واللي طالع؟ "يا عسل."
اقتربت ملك وجلسوا يتناولون الإفطار وسط مازحات زين. في كل لحظة تمر كانت مريم ترفع عينيها بهدوء نحو باب الدخول وكأنها تنتظر أحد. بدأ يلاحظ شيئًا، نظراتها المتكررة تجاه باب الدخول. ضرب بيده بقوة أمام مريم وشعرت بالخضة: "إيه يا زيزو." "إيه.. انتِ روّشتيني.. عمالة تبصي ع الباب كتير في إيه؟ تحدثت ملك: "إنتي مستنية حد يا مريم ولا إيه؟ "أنا.. لأ أبداً. آه كنت طالبة أوردر ومستنياه."
"أوردر.. ماشي. أنا رايح الشركة قولت أخلع من كريم وأفطر معاكم." كانت مريم تنظر تجاه الباب: "أنا ماشي." "انتبهت.. طيب. هنتغدى مع بعض ولا إيه النظام؟ "معتقدش كريم هيسبني تاني، الافتتاح قرب وكمان بسنت جايه النهارده فهكون معاها أوديها الشقة اللي هتقعد فيها وهشوف لو عاوزة حاجة وكده يعني." "ماشي.. عمومًا أنا مع ملك طول اليوم هنا، هرجع على بالليل. عرفتِ تخلّي تعالي نروح مع بعض."
نظر لها وضحك: "بتجرجريني عشان واحنا ماشيين أجيب لها آيس كريم وحلويات." "إنت بقيت بخيل ليه كده لما نزلت شغل يا زيزو." "لسه ما اشتغلتش، وبعدين الفلوس الأول كنت باخدها شهريًا ثابتة حتى لو ما عملتش حاجة، لكن دلوقتي القرش هيجي بفرهده وأنتي قاعدة هنا تحت التكييف تصرفيهم." "خسارة فيا يا زيزو." وقف زين وقال: "لأ خسارة ليا بس يهون. هحاول أخلص وأجي نروح مع بعض وأجيب لك الآيس كريم."
فرحت مريم وودعهم زين وغادر. ودخلت ملك المطبخ وظلت مريم مكانها تراقب باب الدخول تنتظر ظهور إيهاب مختار ولكنه لم يظهر. مر يومان وكانت تتوقع مريم ظهور إيهاب، وكانت يوميًا تجلس أمام الطاولة وتنظر إلى الباب بلهفة. كانت لهفتها واضحة، تنظر إلى الساعة وأصابعها تعبث بحافة الكوب أمامها. كانت يوميًا تترقب ظهور إيهاب ولم يظهر إيهاب.
وفي اليوم الثالث تقف مريم تتحدث مع أحد الزبائن وع وجهها ابتسامة دافئة. التفتت ولمحت جلوس إيهاب على إحدى الطاولات. كان ينظر إليها وهو مبتسم. اتسعت عينا مريم بفرحة صادقة لم تستطع إخفاءها. وتوجهت إليه بخطوات مسرعة واقتربت إليه: "صباح الخير." "صباح الخير يا مريم." قالت وهي مبتسمة: "تحب حضرتك تشرب إيه؟ ضحك إيهاب: "ممكن قهوة على الريحة." "حاضر.. 5 دقايق وهتكون عندك."
ذهبت مريم وعادت بالقهوة وطبق حلوى تشيز كيك. نظر إليها بتعجب وقالت مريم بابتسامة تعلو وجهها: "القهوة أنت طلبتها والتشيز كيك ده هدية مننا، ماهو مش أنت لوحدك اللي تهادي، رغم إن هديتنا حاجة بسيطة خالص قصاد هديتك." جلست مريم وقال إيهاب: "يبقى عجبتك اللوحة." "جدًا." "من وقت إعلان المسابقة واللوحة كانت جاهزة باسمك، فكان لازم تكون عندك." "بجد جميلة جدًا وشكرًا على اهتمامك." "دي حاجة بسيطة يا فنانة."
ضحكت مريم: "لسه بدري إني أتقال لي كده. أنا لسه مخلصة كلية حتى النتيجة ما ظهرتش تأكيد تخرج." بادلها الضحك وقال: "أنا متأكد إن التقدير هيكون امتياز وهتنتلقي في حياتك العملية بقوة، وهيبقى صعب نقعد مع بعض القاعدة دي." "ليه؟ "هيبقى بتحديد موعد مسبق." ضحكا وقالت مريم: "لأ، إحنا متواضعين عشان كده هكتب اسمك في أول الكشف." ضحك وقال إيهاب: "قولي لي ناوية على إيه بعد الكلية؟ "والله حاليًا الصبح هنا في المطعم وبليل في المرسم."
"يعني مخططتيش لخطوات تانية.. أكيد كنتِ مخططة." "يعني ممكن تقولي فترة استراحة مؤقتة وهشوف هقدر أعمل إيه أو إيه المتاح اللي قدامي." "زي إيه مثلًا؟ "يعني هعمل بحث عن المعارض والمسابقات اللي ممكن أقدم فيها وهشوف هوصل لإيه. يعني زي ما بيقولوا خطوة من تحت خالص، هبدأ في الخوض في المغامرات." ضحك إيهاب على
طريقتها الكوميدية وقال: "ده أهم خطوة.. إنتي تفكري وتاخدي خطوة وتحاولي وتخوضي مغامرة، حاجة كويسة جدًا. إنجاز يتحسب لكِ أكيد هيكون فيه نتيجة حتى لو منجحتش." "بالظبط كده.. زي مسابقة الكلية اللي طارت مني رغم كنت جاهزة لكن.." (صمتت للحظة وقالت) "الحمد لله على كل شيء." "أنا متفائل خير لأنك مجتهدة وشاطرة." "يكفيني شهادتك فيا." "إنتي تستحقي أكتر." ابتسمت مريم. وجمع إيهاب أغراضه: "إنت هتمشي." "أعتقد كفاية كده، صدعت من رغي."
"لأ أبداً، أنا مبسوطة إننا بنتكلم وكده." "هتتكرر إن شاء الله تاني ومتشتكيش بقى طول ما أنا هنا هصدعك لغاية ما أسافر." ضحكت مريم: "ولا يهمك، أي وقت أنا هنا موجودة." "تمام." "التشيز كيك ما أكلتش منها.. إحنا بنعملها حلوة أوي." "المرة الجاية.. سلام." غادر إيهاب وجلست مريم على الطاولة وملامح السعادة ترتسم على وجهها وعيناها تلمعان بفرحة. اقتربت إليها ملك: "كنتِ تخرجي توصليه أحسن."
"ملك إنتي مش متخيلة أنا حاسة بإيه دلوقتي. حاسة إني مش في الأرض." "ليه كل ده؟ هو قالك إيه؟ "ما قالش حاجة، كنا بنتكلم عادي. بس إني قاعدة مع إيهاب مختار على ترابيزة واحدة وبنتكلم زي اتنين أصحاب.. ما كنتش أحلم بكده. هو ده حقيقي؟ إيهاب مختار كان هنا." مدت ملك يدها وقرصتها وتألمت مريم: "إيه ده." "بحسسك إنك صاحية وقابلتيه فعلاً هنا." "أنا محظوظة، حقيقي محظوظة."
تكررت زيارة إيهاب إلى المطعم مرة أخرى صباحًا. جلس برفقة مريم والحديث بينهما يبدو خفيفًا تتخلله ابتسامات متبادلة ونظرات هادئة.
باب المطعم انفتح بهدوء ودخل زين، عينيه كانت تبحث عن مريم دائمًا. وقعت عيناه على الطاولة التي جمعت إيهاب ومريم وهما يتبادلان الحديث. توقف فجأة يتأمل رؤيتهم بغضب وكأن بينهما ألفة لا تخفى. شيء ما اشتعل في صدر زين غضب مكتوم. حاول أن يربط جأشه وهو يتجه نحوهم. خطواته كانت ثابتة لكنها ثقيلة بما يحمله من توتر وغضب. حاول أن يبدو طبيعيًا وألقى السلام بنبرة متماسكة وهو يبتسم: "صباح الخير."
التفتت مريم وتفاجأت برؤية زين، حدقت به بقوة حتى لا يتخطى حديثه مع إيهاب ولكنه كان يتحدث بسلاسة. أجاب إيهاب: "صباح الخير يا زين.. فرصة سعيدة إني شوفتك أخيرًا." "ممكن أقعد." "اتفضل طبعًا." جلس زين وقال بنبرة مازحًا: "أخيرًا شوفتني.. هل كنت واحشك ولا إيه؟ نظرت مريم إليه بحده وأجاب إيهاب: "طبعًا يسعدني أشوفك.. لكن الكام مرة اللي جيت مصادفتش أقابلك."
تحدثت مريم: "زين دلوقتي بقى صاحب شركة.. شركة محاسبة مالية قريب من هنا هو وعمه، فمشغول فيها وكده." "بجد.. بالتوفيق إن شاء الله." "إن شاء الله.. كنت عاوز أقولك ونحتاج حاجة خاصة بالحسابات.. شركتنا موجودة في أي وقت، لكن للأسف حياتك كلها مش هنا. إن شاء الله لما نوصل لأنترناشونال الشركة وخدماتها تحت أمرك." لاحظت مريم طريقة زين في الحديث وابتسم إيهاب: "شكرًا على عرضك، وأكيد لو احتجت حاجة أو استشارة هجيلك."
أخرج زين بطاقة العمل: "دي أرقامي تقدر تتواصل معايا في أي وقت." التقط إيهاب البطاقة من على الطاولة مبتسمًا: "شكرًا." نظر إلى مريم: "ميما ممكن دقيقة لوحدنا." "تمام.. عن إذنك." قال إيهاب مبتسمًا: "اتفضلوا طبعًا." استأذنوا وغادروا المكان وخرجا من المطعم ووقفا جانبًا وكانت ملامح زين مشتعلة. نظر إليها مباشرة وعيناه مليئتان بالغضب: "ممكن أفهم في إيه بالظبط؟
كانت مريم تنظر إليه بهدوء لكن القلق بدأ يتسلل إلى ملامحها. لا خوفًا بل من إدراك أن هناك شيئًا أكبر مما يبدو. "اللي هو إيه؟ "مريم.. مبحبش الغباء، إنتي فاهمة؟ بيعمل إيه هنا وإيه حكايته؟ نظرت إليه بدهشة: "ممكن تبص على المكان.. تبص تشوف إحنا واقفين فين وقدام إيه بالظبط.. قدام مطعم يعني مكان عام فيه ناس كتير بتدخل وبتخرج وبتقعد تطلب وتحاسب وتمشي.. مش قاعد في صالة بيته."
"يعني من قلة الأماكن.. ما طريق البحر فيه مليون مكان ليه هنا؟ "ابقى اسأل زباين الدائمين ليه ما بيروحوش أي مكان غير هنا." "إنتي بتقولي إيه؟ "بقولك اهدى كده وفكر في كلامك.. هو جه أول مرة صدفة، ولو مش صدفة ده مطعم بيجي يطلب حاجة يشربها، ياكلها، بيحاسب ويمشي وخلصت الحكاية." "بس ما شفتش أوبشن إنك بتقعدي مع الزباين كمان، ده مش أوبشن نازل في المطعم." "زين.."
"أول مرة وقال صدفة، تاني مرة وقلنا بنشكره على اللوحة.. موجود دلوقتي ليه؟ "ادخل اسأله.. ادخل." وقف زين ثابتًا في مكانه وتحدثت مريم بملامح هادئة: "المفروض يا زين فيه شوية خصوصية في حياتنا وعلاقتنا صح؟ وده اتفقنا عليه من زمان، كل واحد حر يعرف مين ويتكلم مع مين ويقعد يتكلم مع مين من غير التاني ما يضايق.. كل مرة بيجي بشوفك بالليل بحكيلك وبقولك حتى اتكلمنا في إيه ما بخبيش ليه؟
لأني ما بعملش حاجة غلط وما بخبيش عليك حاجة. زي ما إنت مشغول في الشركة ومع بسنت اللي ظهرت فجأة عشان ما تبقاش لوحدها، إنت أغلب وقتك معاها في الشركة وعارفه قبل ما تتكلم، إنها هنا للشغل حتى لو مش شغل إنت حر يا زين، زي ما أنا حرة.. شوية خصوصية، شوية مساحة حرة." ثبت مكانه واستدار. تنفس نفسًا عميقًا وعاد نظر إليها: "أنا مش مستريح له.. إحنا اتفقنا لما ما بستريحش لحد التاني بيبعد عنه." "مشي بسنت."
"مش أنا اللي وظفتها، ده كريم وبعدين ما عملتش حاجة بسنت." "ولا إيهاب عمل حاجة.. الراجل قاعد باحترامه ووقاره، بنتكلم كإتنين أصحاب في المطعم، مكان عام حوالينا ناس كتير، وملك قاعدة شايفانا وكرم وسناء ومحمود وسوسن شايفين وعارفين.. ما تعداش حدوده معايا يا زين." "ماشي يا مريم.. اللي إنتي شايفاه، شوية خصوصية، شوية مساحة، تمام تمام." تحدثت
مريم بنبرة هادئة وقالت: "مهما مين دخل حياتي وعرفته استحالة ياخد مكان زيزو. الشق اللي حواليا دول عابرون، إنت الأساس." نظر إليها وكانت تبتسم واستطاعت بابتسامتها وكلماتها البسيطة امتصاص غضبه وابتسم وقال: "اضحكي عليا، اضحكي." "مقدرش.. ده كله إلا زيزو." ابتسم زين وقالت: "تعالى بقى أجيب لك تارت التفاح الشيف عمله تحفة، تعالى دوّقه."
"لأ هرجع الشركة عشان اتأخرت. أنا كنت في مشوار وقولت أعدي عليكي وكمان بسنت لوحدها هناك ومينفعش أسيبها لوحدها." "ماشي.. عمومًا أنا مع ملك طول اليوم هنا، هرجع على بالليل. عرفتِ تخلّي تعالي نروح مع بعض." نظر لها وضحك: "بتجرجريني عشان واحنا ماشيين أجيب لها آيس كريم وحلويات." "إنت بقيت بخيل ليه كده لما نزلت شغل يا زيزو."
"لسه ما اشتغلتش، وبعدين الفلوس الأول كنت باخدها شهريًا ثابتة حتى لو ما عملتش حاجة، لكن دلوقتي القرش هيجي بفرهده وأنتي قاعدة هنا تحت التكييف تصرفيهم." "خسارة فيا يا زيزو." وقف زين وقال: "لأ خسارة ليا بس يهون. هحاول أخلص وأجي نروح مع بعض وأجيب لك الآيس كريم." فرحت مريم وودعهم زين وغادر. ودخلت ملك المطبخ وظلت مريم مكانها تراقب باب الدخول تنتظر ظهور إيهاب مختار ولكنه لم يظهر.
مر يومان وكانت تتوقع مريم ظهور إيهاب، وكانت يوميًا تجلس أمام الطاولة وتنظر إلى الباب بلهفة. كانت لهفتها واضحة، تنظر إلى الساعة وأصابعها تعبث بحافة الكوب أمامها. كانت يوميًا تترقب ظهور إيهاب ولم يظهر إيهاب. وفي اليوم الثالث تقف مريم تتحدث مع أحد الزبائن وع وجهها ابتسامة دافئة. التفتت ولمحت جلوس إيهاب على إحدى الطاولات. كان ينظر إليها وهو مبتسم. اتسعت عينا مريم بفرحة صادقة لم تستطع إخفاءها. وتوجهت إليه
بخطوات مسرعة واقتربت إليه: "صباح الخير." "صباح الخير يا مريم." قالت وهي مبتسمة: "تحب حضرتك تشرب إيه؟ ضحك إيهاب: "ممكن قهوة على الريحة." "حاضر.. 5 دقايق وهتكون عندك." ذهبت مريم وعادت بالقهوة وطبق حلوى تشيز كيك. نظر إليها بتعجب وقالت مريم بابتسامة تعلو وجهها: "القهوة أنت طلبتها والتشيز كيك ده هدية مننا، ماهو مش أنت لوحدك اللي تهادي، رغم إن هديتنا حاجة بسيطة خالص قصاد هديتك." جلست مريم وقال إيهاب: "يبقى عجبتك اللوحة."
"جدًا." "من وقت إعلان المسابقة واللوحة كانت جاهزة باسمك، فكان لازم تكون عندك." "بجد جميلة جدًا وشكرًا على اهتمامك." "دي حاجة بسيطة يا فنانة." ضحكت مريم: "لسه بدري إني أتقال لي كده. أنا لسه مخلصة كلية حتى النتيجة ما ظهرتش تأكيد تخرج." بادلها الضحك وقال: "أنا متأكد إن التقدير هيكون امتياز وهتنتلقي في حياتك العملية بقوة، وهيبقى صعب نقعد مع بعض القاعدة دي." "ليه؟ "هيبقى بتحديد موعد مسبق."
ضحكا وقالت مريم: "لأ، إحنا متواضعين عشان كده هكتب اسمك في أول الكشف." ضحك وقال إيهاب: "قولي لي ناوية على إيه بعد الكلية؟ "والله حاليًا الصبح هنا في المطعم وبليل في المرسم." "يعني مخططتيش لخطوات تانية.. أكيد كنتِ مخططة." "يعني ممكن تقولي فترة استراحة مؤقتة وهشوف هقدر أعمل إيه أو إيه المتاح اللي قدامي." "زي إيه مثلًا؟
"يعني هعمل بحث عن المعارض والمسابقات اللي ممكن أقدم فيها وهشوف هوصل لإيه. يعني زي ما بيقولوا خطوة من تحت خالص، هبدأ في الخوض في المغامرات." ضحك إيهاب على طريقتها الكوميدية وقال: "ده أهم خطوة.. إنتي تفكري وتاخدي خطوة وتحاولي وتخوضي مغامرة، حاجة كويسة جدًا. إنجاز يتحسب لكِ أكيد هيكون فيه نتيجة حتى لو منجحتش." "بالظبط كده.. زي مسابقة الكلية اللي طارت مني رغم كنت جاهزة لكن.." (صمتت للحظة وقالت) "الحمد لله على كل شيء."
"أنا متفائل خير لأنك مجتهدة وشاطرة." "يكفيني شهادتك فيا." "إنتي تستحقي أكتر." ابتسمت مريم. وجمع إيهاب أغراضه: "إنت هتمشي." "أعتقد كفاية كده، صدعت من رغي." "لأ أبداً، أنا مبسوطة إننا بنتكلم وكده." "هتتكرر إن شاء الله تاني ومتشتكيش بقى طول ما أنا هنا هصدعك لغاية ما أسافر." ضحكت مريم: "ولا يهمك، أي وقت أنا هنا موجودة." "تمام." "التشيز كيك ما أكلتش منها.. إحنا بنعملها حلوة أوي." "المرة الجاية.. سلام."
غادر إيهاب وجلست مريم على الطاولة وملامح السعادة ترتسم على وجهها وعيناها تلمعان بفرحة. اقتربت إليها ملك: "كنتِ تخرجي توصليه أحسن." "ملك إنتي مش متخيلة أنا حاسة بإيه دلوقتي. حاسة إني مش في الأرض." "ليه كل ده؟ هو قالك إيه؟ "ما قالش حاجة، كنا بنتكلم عادي. بس إني قاعدة مع إيهاب مختار على ترابيزة واحدة وبنتكلم زي اتنين أصحاب.. ما كنتش أحلم بكده. هو ده حقيقي؟ إيهاب مختار كان هنا." مدت ملك يدها وقرصتها وتألمت مريم:
"إيه ده." "بحسسك إنك صاحية وقابلتيه فعلاً هنا." "أنا محظوظة، حقيقي محظوظة." تكررت زيارة إيهاب إلى المطعم مرة أخرى صباحًا. جلس برفقة مريم والحديث بينهما يبدو خفيفًا تتخلله ابتسامات متبادلة ونظرات هادئة.
باب المطعم انفتح بهدوء ودخل زين، عينيه كانت تبحث عن مريم دائمًا. وقعت عيناه على الطاولة التي جمعت إيهاب ومريم وهما يتبادلان الحديث. توقف فجأة يتأمل رؤيتهم بغضب وكأن بينهما ألفة لا تخفى. شيء ما اشتعل في صدر زين غضب مكتوم. حاول أن يربط جأشه وهو يتجه نحوهم. خطواته كانت ثابتة لكنها ثقيلة بما يحمله من توتر وغضب. حاول أن يبدو طبيعيًا وألقى السلام بنبرة متماسكة وهو يبتسم: "صباح الخير."
التفتت مريم وتفاجأت برؤية زين، حدقت به بقوة حتى لا يتخطى حديثه مع إيهاب ولكنه كان يتحدث بسلاسة. أجاب إيهاب: "صباح الخير يا زين.. فرصة سعيدة إني شوفتك أخيرًا." "ممكن أقعد." "اتفضل طبعًا." جلس زين وقال بنبرة مازحًا: "أخيرًا شوفتني.. هل كنت واحشك ولا إيه؟ نظرت مريم إليه بحده وأجاب إيهاب: "طبعًا يسعدني أشوفك.. لكن الكام مرة اللي جيت مصادفتش أقابلك."
تحدثت مريم: "زين دلوقتي بقى صاحب شركة.. شركة محاسبة مالية قريب من هنا هو وعمه، فمشغول فيها وكده." "بجد.. بالتوفيق إن شاء الله." "إن شاء الله.. كنت عاوز أقولك ونحتاج حاجة خاصة بالحسابات.. شركتنا موجودة في أي وقت، لكن للأسف حياتك كلها مش هنا. إن شاء الله لما نوصل لأنترناشونال الشركة وخدماتها تحت أمرك." لاحظت مريم طريقة زين في الحديث وابتسم إيهاب: "شكرًا على عرضك، وأكيد لو احتجت حاجة أو استشارة هجيلك."
أخرج زين بطاقة العمل: "دي أرقامي تقدر تتواصل معايا في أي وقت." التقط إيهاب البطاقة من على الطاولة مبتسمًا: "شكرًا." نظر إلى مريم: "ميما ممكن دقيقة لوحدنا." "تمام.. عن إذنك." قال إيهاب مبتسمًا: "اتفضلوا طبعًا." استأذنوا وغادروا المكان وخرجا من المطعم ووقفا جانبًا وكانت ملامح زين مشتعلة. نظر إليها مباشرة وعيناه مليئتان بالغضب: "ممكن أفهم في إيه بالظبط؟
كانت مريم تنظر إليه بهدوء لكن القلق بدأ يتسلل إلى ملامحها. لا خوفًا بل من إدراك أن هناك شيئًا أكبر مما يبدو. "اللي هو إيه؟ "مريم.. مبحبش الغباء، إنتي فاهمة؟ بيعمل إيه هنا وإيه حكايته؟ نظرت إليه بدهشة: "ممكن تبص على المكان.. تبص تشوف إحنا واقفين فين وقدام إيه بالظبط.. قدام مطعم يعني مكان عام فيه ناس كتير بتدخل وبتخرج وبتقعد تطلب وتحاسب وتمشي.. مش قاعد في صالة بيته."
"يعني من قلة الأماكن.. ما طريق البحر فيه مليون مكان ليه هنا؟ "ابقى اسأل زباين الدائمين ليه ما بيروحوش أي مكان غير هنا." "إنتي بتقولي إيه؟ "بقولك اهدى كده وفكر في كلامك.. هو جه أول مرة صدفة، ولو مش صدفة ده مطعم بيجي يطلب حاجة يشربها، ياكلها، بيحاسب ويمشي وخلصت الحكاية." "بس ما شفتش أوبشن إنك بتقعدي مع الزباين كمان، ده مش أوبشن نازل في المطعم." "زين.."
"أول مرة وقال صدفة، تاني مرة وقلنا بنشكره على اللوحة.. موجود دلوقتي ليه؟ "ادخل اسأله.. ادخل." وقف زين ثابتًا في مكانه وتحدثت مريم بملامح هادئة: "المفروض يا زين فيه شوية خصوصية في حياتنا وعلاقتنا صح؟ وده اتفقنا عليه من زمان، كل واحد حر يعرف مين ويتكلم مع مين ويقعد يتكلم مع مين من غير التاني ما يضايق.. كل مرة بيجي بشوفك بالليل بحكيلك وبقولك حتى اتكلمنا في إيه ما بخبيش ليه؟
لأني ما بعملش حاجة غلط وما بخبيش عليك حاجة. زي ما إنت مشغول في الشركة ومع بسنت اللي ظهرت فجأة عشان ما تبقاش لوحدها، إنت أغلب وقتك معاها في الشركة وعارفه قبل ما تتكلم، إنها هنا للشغل حتى لو مش شغل إنت حر يا زين، زي ما أنا حرة.. شوية خصوصية، شوية مساحة حرة." ثبت مكانه واستدار. تنفس نفسًا عميقًا وعاد نظر إليها: "أنا مش مستريح له.. إحنا اتفقنا لما ما بستريحش لحد التاني بيبعد عنه." "مشي بسنت."
"مش أنا اللي وظفتها، ده كريم وبعدين ما عملتش حاجة بسنت." "ولا إيهاب عمل حاجة.. الراجل قاعد باحترامه ووقاره، بنتكلم كإتنين أصحاب في المطعم، مكان عام حوالينا ناس كتير، وملك قاعدة شايفانا وكرم وسناء ومحمود وسوسن شايفين وعارفين.. ما تعداش حدوده معايا يا زين." "ماشي يا مريم.. اللي إنتي شايفاه، شوية خصوصية، شوية مساحة، تمام تمام." تحدثت
مريم بنبرة هادئة وقالت: "مهما مين دخل حياتي وعرفته استحالة ياخد مكان زيزو. الشق اللي حواليا دول عابرون، إنت الأساس." نظر إليها وكانت تبتسم واستطاعت بابتسامتها وكلماتها البسيطة امتصاص غضبه وابتسم وقال: "اضحكي عليا، اضحكي." "مقدرش.. ده كله إلا زيزو." ابتسم زين وقالت: "تعالى بقى أجيب لك تارت التفاح الشيف عمله تحفة، تعالى دوّقه."
"لأ هرجع الشركة عشان اتأخرت. أنا كنت في مشوار وقولت أعدي عليكي وكمان بسنت لوحدها هناك ومينفعش أسيبها لوحدها." "ماشي.. عمومًا أنا مع ملك طول اليوم هنا، هرجع على بالليل. عرفتِ تخلّي تعالي نروح مع بعض." نظر لها وضحك: "بتجرجريني عشان واحنا ماشيين أجيب لها آيس كريم وحلويات." "إنت بقيت بخيل ليه كده لما نزلت شغل يا زيزو."
"لسه ما اشتغلتش، وبعدين الفلوس الأول كنت باخدها شهريًا ثابتة حتى لو ما عملتش حاجة، لكن دلوقتي القرش هيجي بفرهده وأنتي قاعدة هنا تحت التكييف تصرفيهم." "خسارة فيا يا زيزو." وقف زين وقال: "لأ خسارة ليا بس يهون. هحاول أخلص وأجي نروح مع بعض وأجيب لك الآيس كريم." فرحت مريم وودعهم زين وغادر. ودخلت ملك المطبخ وظلت مريم مكانها تراقب باب الدخول تنتظر ظهور إيهاب مختار ولكنه لم يظهر.
مر يومان وكانت تتوقع مريم ظهور إيهاب، وكانت يوميًا تجلس أمام الطاولة وتنظر إلى الباب بلهفة. كانت لهفتها واضحة، تنظر إلى الساعة وأصابعها تعبث بحافة الكوب أمامها. كانت يوميًا تترقب ظهور إيهاب ولم يظهر إيهاب. وفي اليوم الثالث تقف مريم تتحدث مع أحد الزبائن وع وجهها ابتسامة دافئة. التفتت ولمحت جلوس إيهاب على إحدى الطاولات. كان ينظر إليها وهو مبتسم. اتسعت عينا مريم بفرحة صادقة لم تستطع إخفاءها. وتوجهت إليه
بخطوات مسرعة واقتربت إليه: "صباح الخير." "صباح الخير يا مريم." قالت وهي مبتسمة: "تحب حضرتك تشرب إيه؟ ضحك إيهاب: "ممكن قهوة على الريحة." "حاضر.. 5 دقايق وهتكون عندك." ذهبت مريم وعادت بالقهوة وطبق حلوى تشيز كيك. نظر إليها بتعجب وقالت مريم بابتسامة تعلو وجهها: "القهوة أنت طلبتها والتشيز كيك ده هدية مننا، ماهو مش أنت لوحدك اللي تهادي، رغم إن هديتنا حاجة بسيطة خالص قصاد هديتك." جلست مريم وقال إيهاب: "يبقى عجبتك اللوحة."
"جدًا." "من وقت إعلان المسابقة واللوحة كانت جاهزة باسمك، فكان لازم تكون عندك." "بجد جميلة جدًا وشكرًا على اهتمامك." "دي حاجة بسيطة يا فنانة." ضحكت مريم: "لسه بدري إني أتقال لي كده. أنا لسه مخلصة كلية حتى النتيجة ما ظهرتش تأكيد تخرج." بادلها الضحك وقال: "أنا متأكد إن التقدير هيكون امتياز وهتنتلقي في حياتك العملية بقوة، وهيبقى صعب نقعد مع بعض القاعدة دي." "ليه؟ "هيبقى بتحديد موعد مسبق."
ضحكا وقالت مريم: "لأ، إحنا متواضعين عشان كده هكتب اسمك في أول الكشف." ضحك وقال إيهاب: "قولي لي ناوية على إيه بعد الكلية؟ "والله حاليًا الصبح هنا في المطعم وبليل في المرسم." "يعني مخططتيش لخطوات تانية.. أكيد كنتِ مخططة." "يعني ممكن تقولي فترة استراحة مؤقتة وهشوف هقدر أعمل إيه أو إيه المتاح اللي قدامي." "زي إيه مثلًا؟
"يعني هعمل بحث عن المعارض والمسابقات اللي ممكن أقدم فيها وهشوف هوصل لإيه. يعني زي ما بيقولوا خطوة من تحت خالص، هبدأ في الخوض في المغامرات." ضحك إيهاب على طريقتها الكوميدية وقال: "ده أهم خطوة.. إنتي تفكري وتاخدي خطوة وتحاولي وتخوضي مغامرة، حاجة كويسة جدًا. إنجاز يتحسب لكِ أكيد هيكون فيه نتيجة حتى لو منجحتش." "بالظبط كده.. زي مسابقة الكلية اللي طارت مني رغم كنت جاهزة لكن.." (صمتت للحظة وقالت) "الحمد لله على كل شيء."
"أنا متفائل خير لأنك مجتهدة وشاطرة." "يكفيني شهادتك فيا." "إنتي تستحقي أكتر." ابتسمت مريم. وجمع إيهاب أغراضه: "إنت هتمشي." "أعتقد كفاية كده، صدعت من رغي." "لأ أبداً، أنا مبسوطة إننا بنتكلم وكده." "هتتكرر إن شاء الله تاني ومتشتكيش بقى طول ما أنا هنا هصدعك لغاية ما أسافر." ضحكت مريم: "ولا يهمك، أي وقت أنا هنا موجودة." "تمام." "التشيز كيك ما أكلتش منها.. إحنا بنعملها حلوة أوي." "المرة الجاية.. سلام."
غادر إيهاب وجلست مريم على الطاولة وملامح السعادة ترتسم على وجهها وعيناها تلمعان بفرحة. اقتربت إليها ملك: "كنتِ تخرجي توصليه أحسن." "ملك إنتي مش متخيلة أنا حاسة بإيه دلوقتي. حاسة إني مش في الأرض." "ليه كل ده؟ هو قالك إيه؟ "ما قالش حاجة، كنا بنتكلم عادي. بس إني قاعدة مع إيهاب مختار على ترابيزة واحدة وبنتكلم زي اتنين أصحاب.. ما كنتش أحلم بكده. هو ده حقيقي؟ إيهاب مختار كان هنا." مدت ملك يدها وقرصتها وتألمت مريم:
"إيه ده." "بحسسك إنك صاحية وقابلتيه فعلاً هنا." "أنا محظوظة، حقيقي محظوظة." تكررت زيارة إيهاب إلى المطعم مرة أخرى صباحًا. جلس برفقة مريم والحديث بينهما يبدو خفيفًا تتخلله ابتسامات متبادلة ونظرات هادئة.
باب المطعم انفتح بهدوء ودخل زين، عينيه كانت تبحث عن مريم دائمًا. وقعت عيناه على الطاولة التي جمعت إيهاب ومريم وهما يتبادلان الحديث. توقف فجأة يتأمل رؤيتهم بغضب وكأن بينهما ألفة لا تخفى. شيء ما اشتعل في صدر زين غضب مكتوم. حاول أن يربط جأشه وهو يتجه نحوهم. خطواته كانت ثابتة لكنها ثقيلة بما يحمله من توتر وغضب. حاول أن يبدو طبيعيًا وألقى السلام بنبرة متماسكة وهو يبتسم: "صباح الخير."
التفتت مريم وتفاجأت برؤية زين، حدقت به بقوة حتى لا يتخطى حديثه مع إيهاب ولكنه كان يتحدث بسلاسة. أجاب إيهاب: "صباح الخير يا زين.. فرصة سعيدة إني شوفتك أخيرًا." "ممكن أقعد." "اتفضل طبعًا." جلس زين وقال بنبرة مازحًا: "أخيرًا شوفتني.. هل كنت واحشك ولا إيه؟ نظرت مريم إليه بحده وأجاب إيهاب: "طبعًا يسعدني أشوفك.. لكن الكام مرة اللي جيت مصادفتش أقابلك."
تحدثت مريم: "زين دلوقتي بقى صاحب شركة.. شركة محاسبة مالية قريب من هنا هو وعمه، فمشغول فيها وكده." "بجد.. بالتوفيق إن شاء الله." "إن شاء الله.. كنت عاوز أقولك ونحتاج حاجة خاصة بالحسابات.. شركتنا موجودة في أي وقت، لكن للأسف حياتك كلها مش هنا. إن شاء الله لما نوصل لأنترناشونال الشركة وخدماتها تحت أمرك." لاحظت مريم طريقة زين في الحديث وابتسم إيهاب: "شكرًا على عرضك، وأكيد لو احتجت حاجة أو استشارة هجيلك."
أخرج زين بطاقة العمل: "دي أرقامي تقدر تتواصل معايا في أي وقت." التقط إيهاب البطاقة من على الطاولة مبتسمًا: "شكرًا." نظر إلى مريم: "ميما ممكن دقيقة لوحدنا." "تمام.. عن إذنك." قال إيهاب مبتسمًا: "اتفضلوا طبعًا." استأذنوا وغادروا المكان وخرجا من المطعم ووقفا جانبًا وكانت ملامح زين مشتعلة. نظر إليها مباشرة وعيناه مليئتان بالغضب: "ممكن أفهم في إيه بالظبط؟
كانت مريم تنظر إليه بهدوء لكن القلق بدأ يتسلل إلى ملامحها. لا خوفًا بل من إدراك أن هناك شيئًا أكبر مما يبدو. "اللي هو إيه؟ "مريم.. مبحبش الغباء، إنتي فاهمة؟ بيعمل إيه هنا وإيه حكايته؟ نظرت إليه بدهشة: "ممكن تبص على المكان.. تبص تشوف إحنا واقفين فين وقدام إيه بالظبط.. قدام مطعم يعني مكان عام فيه ناس كتير بتدخل وبتخرج وبتقعد تطلب وتحاسب وتمشي.. مش قاعد في صالة بيته."
"يعني من قلة الأماكن.. ما طريق البحر فيه مليون مكان ليه هنا؟ "ابقى اسأل زباين الدائمين ليه ما بيروحوش أي مكان غير هنا." "إنتي بتقولي إيه؟ "بقولك اهدى كده وفكر في كلامك.. هو جه أول مرة صدفة، ولو مش صدفة ده مطعم بيجي يطلب حاجة يشربها، ياكلها، بيحاسب ويمشي وخلصت الحكاية." "بس ما شفتش أوبشن إنك بتقعدي مع الزباين كمان، ده مش أوبشن نازل في المطعم." "زين.."
"أول مرة وقال صدفة، تاني مرة وقلنا بنشكره على اللوحة.. موجود دلوقتي ليه؟ "ادخل اسأله.. ادخل." وقف زين ثابتًا في مكانه وتحدثت مريم بملامح هادئة: "المفروض يا زين فيه شوية خصوصية في حياتنا وعلاقتنا صح؟ وده اتفقنا عليه من زمان، كل واحد حر يعرف مين ويتكلم مع مين ويقعد يتكلم مع مين من غير التاني ما يضايق.. كل مرة بيجي بشوفك بالليل بحكيلك وبقولك حتى اتكلمنا في إيه ما بخبيش ليه؟
لأني ما بعملش حاجة غلط وما بخبيش عليك حاجة. زي ما إنت مشغول في الشركة ومع بسنت اللي ظهرت فجأة عشان ما تبقاش لوحدها، إنت أغلب وقتك معاها في الشركة وعارفه قبل ما تتكلم، إنها هنا للشغل حتى لو مش شغل إنت حر يا زين، زي ما أنا حرة.. شوية خصوصية، شوية مساحة حرة." ثبت مكانه واستدار. تنفس نفسًا عميقًا وعاد نظر إليها: "أنا مش مستريح له.. إحنا اتفقنا لما ما بستريحش لحد التاني بيبعد عنه." "مشي بسنت."
"مش أنا اللي وظفتها، ده كريم وبعدين ما عملتش حاجة بسنت." "ولا إيهاب عمل حاجة.. الراجل قاعد باحترامه ووقاره، بنتكلم كإتنين أصحاب في المطعم، مكان عام حوالينا ناس كتير، وملك قاعدة شايفانا وكرم وسناء ومحمود وسوسن شايفين وعارفين.. ما تعداش حدوده معايا يا زين." "ماشي يا مريم.. اللي إنتي شايفاه، شوية خصوصية، شوية مساحة، تمام تمام." تحدثت
مريم بنبرة هادئة وقالت: "مهما مين دخل حياتي وعرفته استحالة ياخد مكان زيزو. الشق اللي حواليا دول عابرون، إنت الأساس." نظر إليها وكانت تبتسم واستطاعت بابتسامتها وكلماتها البسيطة امتصاص غضبه وابتسم وقال: "اضحكي عليا، اضحكي." "مقدرش.. ده كله إلا زيزو." ابتسم زين وقالت: "تعالى بقى أجيب لك تارت التفاح الشيف عمله تحفة، تعالى دوّقه."
"لأ هرجع الشركة عشان اتأخرت. أنا كنت في مشوار وقولت أعدي عليكي وكمان بسنت لوحدها هناك ومينفعش أسيبها لوحدها." "ماشي.. عمومًا أنا مع ملك طول اليوم هنا، هرجع على بالليل. عرفتِ تخلّي تعالي نروح مع بعض." نظر لها وضحك: "بتجرجريني عشان واحنا ماشيين أجيب لها آيس كريم وحلويات." "إنت بقيت بخيل ليه كده لما نزلت شغل يا زيزو."
"لسه ما اشتغلتش، وبعدين الفلوس الأول كنت باخدها شهريًا ثابتة حتى لو ما عملتش حاجة، لكن دلوقتي القرش هيجي بفرهده وأنتي قاعدة هنا تحت التكييف تصرفيهم." "خسارة فيا يا زيزو." وقف زين وقال: "لأ خسارة ليا بس يهون. هحاول أخلص وأجي نروح مع بعض وأجيب لك الآيس كريم." فرحت مريم وودعهم زين وغادر. ودخلت ملك المطبخ وظلت مريم مكانها تراقب باب الدخول تنتظر ظهور إيهاب مختار ولكنه لم يظهر.
مر يومان وكانت تتوقع مريم ظهور إيهاب، وكانت يوميًا تجلس أمام الطاولة وتنظر إلى الباب بلهفة. كانت لهفتها واضحة، تنظر إلى الساعة وأصابعها تعبث بحافة الكوب أمامها. كانت يوميًا تترقب ظهور إيهاب ولم يظهر إيهاب. وفي اليوم الثالث تقف مريم تتحدث مع أحد الزبائن وع وجهها ابتسامة دافئة. التفتت ولمحت جلوس إيهاب على إحدى الطاولات. كان ينظر إليها وهو مبتسم. اتسعت عينا مريم بفرحة صادقة لم تستطع إخفاءها. وتوجهت إليه
بخطوات مسرعة واقتربت إليه: "صباح الخير." "صباح الخير يا مريم." قالت وهي مبتسمة: "تحب حضرتك تشرب إيه؟ ضحك إيهاب: "ممكن قهوة على الريحة." "حاضر.. 5 دقايق وهتكون عندك." ذهبت مريم وعادت بالقهوة وطبق حلوى تشيز كيك. نظر إليها بتعجب وقالت مريم بابتسامة تعلو وجهها: "القهوة أنت طلبتها والتشيز كيك ده هدية مننا، ماهو مش أنت لوحدك اللي تهادي، رغم إن هديتنا حاجة بسيطة خالص قصاد هديتك." جلست مريم وقال إيهاب: "يبقى عجبتك اللوحة."
"جدًا." "من وقت إعلان المسابقة واللوحة كانت جاهزة باسمك، فكان لازم تكون عندك." "بجد جميلة جدًا وشكرًا على اهتمامك." "دي حاجة بسيطة يا فنانة." ضحكت مريم: "لسه بدري إني أتقال لي كده. أنا لسه مخلصة كلية حتى النتيجة ما ظهرتش تأكيد تخرج." بادلها الضحك وقال: "أنا متأكد إن التقدير هيكون امتياز وهتنتلقي في حياتك العملية بقوة، وهيبقى صعب نقعد مع بعض القاعدة دي." "ليه؟ "هيبقى بتحديد موعد مسبق."
ضحكا وقالت مريم: "لأ، إحنا متواضعين عشان كده هكتب اسمك في أول الكشف." ضحك وقال إيهاب: "قولي لي ناوية على إيه بعد الكلية؟ "والله حاليًا الصبح هنا في المطعم وبليل في المرسم." "يعني مخططتيش لخطوات تانية.. أكيد كنتِ مخططة." "يعني ممكن تقولي فترة استراحة مؤقتة وهشوف هقدر أعمل إيه أو إيه المتاح اللي قدامي." "زي إيه مثلًا؟
"يعني هعمل بحث عن المعارض والمسابقات اللي ممكن أقدم فيها وهشوف هوصل لإيه. يعني زي ما بيقولوا خطوة من تحت خالص، هبدأ في الخوض في المغامرات." ضحك إيهاب على طريقتها الكوميدية وقال: "ده أهم خطوة.. إنتي تفكري وتاخدي خطوة وتحاولي وتخوضي مغامرة، حاجة كويسة جدًا. إنجاز يتحسب لكِ أكيد هيكون فيه نتيجة حتى لو منجحتش." "بالظبط كده.. زي مسابقة الكلية اللي طارت مني رغم كنت جاهزة لكن.." (صمتت للحظة وقالت) "الحمد لله على كل شيء."
"أنا متفائل خير لأنك مجتهدة وشاطرة." "يكفيني شهادتك فيا." "إنتي تستحقي أكتر." ابتسمت مريم. وجمع إيهاب أغراضه: "إنت هتمشي." "أعتقد كفاية كده، صدعت من رغي." "لأ أبداً، أنا مبسوطة إننا بنتكلم وكده." "هتتكرر إن شاء الله تاني ومتشتكيش بقى طول ما أنا هنا هصدعك لغاية ما أسافر." ضحكت مريم: "ولا يهمك، أي وقت أنا هنا موجودة." "تمام." "التشيز كيك ما أكلتش منها.. إحنا بنعملها حلوة أوي." "المرة الجاية.. سلام."
غادر إيهاب وجلست مريم على الطاولة وملامح السعادة ترتسم على وجهها وعيناها تلمعان بفرحة. اقتربت إليها ملك: "كنتِ تخرجي توصليه أحسن." "ملك إنتي مش متخيلة أنا حاسة بإيه دلوقتي. حاسة إني مش في الأرض." "ليه كل ده؟ هو قالك إيه؟ "ما قالش حاجة، كنا بنتكلم عادي. بس إني قاعدة مع إيهاب مختار على ترابيزة واحدة وبنتكلم زي اتنين أصحاب.. ما كنتش أحلم بكده. هو ده حقيقي؟ إيهاب مختار كان هنا." مدت ملك يدها وقرصتها وتألمت مريم:
"إيه ده." "بحسسك إنك صاحية وقابلتيه فعلاً هنا." "أنا محظوظة، حقيقي محظوظة." تكررت زيارة إيهاب إلى المطعم مرة أخرى صباحًا. جلس برفقة مريم والحديث بينهما يبدو خفيفًا تتخلله ابتسامات متبادلة ونظرات هادئة.
باب المطعم انفتح بهدوء ودخل زين، عينيه كانت تبحث عن مريم دائمًا. وقعت عيناه على الطاولة التي جمعت إيهاب ومريم وهما يتبادلان الحديث. توقف فجأة يتأمل رؤيتهم بغضب وكأن بينهما ألفة لا تخفى. شيء ما اشتعل في صدر زين غضب مكتوم. حاول أن يربط جأشه وهو يتجه نحوهم. خطواته كانت ثابتة لكنها ثقيلة بما يحمله من توتر وغضب. حاول أن يبدو طبيعيًا وألقى السلام بنبرة متماسكة وهو يبتسم: "صباح الخير."
التفتت مريم وتفاجأت برؤية زين، حدقت به بقوة حتى لا يتخطى حديثه مع إيهاب ولكنه كان يتحدث بسلاسة. أجاب إيهاب: "صباح الخير يا زين.. فرصة سعيدة إني شوفتك أخيرًا." "ممكن أقعد." "اتفضل طبعًا." جلس زين وقال بنبرة مازحًا: "أخيرًا شوفتني.. هل كنت واحشك ولا إيه؟ نظرت مريم إليه بحده وأجاب إيهاب: "طبعًا يسعدني أشوفك.. لكن الكام مرة اللي جيت مصادفتش أقابلك."
تحدثت مريم: "زين دلوقتي بقى صاحب شركة.. شركة محاسبة مالية قريب من هنا هو وعمه، فمشغول فيها وكده." "بجد.. بالتوفيق إن شاء الله." "إن شاء الله.. كنت عاوز أقولك ونحتاج حاجة خاصة بالحسابات.. شركتنا موجودة في أي وقت، لكن للأسف حياتك كلها مش هنا. إن شاء الله لما نوصل لأنترناشونال الشركة وخدماتها تحت أمرك." لاحظت مريم طريقة زين في الحديث وابتسم إيهاب: "شكرًا على عرضك، وأكيد لو احتجت حاجة أو استشارة هجيلك."
أخرج زين بطاقة العمل: "دي أرقامي تقدر تتواصل معايا في أي وقت." التقط إيهاب البطاقة من على الطاولة مبتسمًا: "شكرًا." نظر إلى مريم: "ميما ممكن دقيقة لوحدنا." "تمام.. عن إذنك." قال إيهاب مبتسمًا: "اتفضلوا طبعًا." استأذنوا وغادروا المكان وخرجا من المطعم ووقفا جانبًا وكانت ملامح زين مشتعلة. نظر إليها مباشرة وعيناه مليئتان بالغضب: "ممكن أفهم في إيه بالظبط؟
كانت مريم تنظر إليه بهدوء لكن القلق بدأ يتسلل إلى ملامحها. لا خوفًا بل من إدراك أن هناك شيئًا أكبر مما يبدو. "اللي هو إيه؟ "مريم.. مبحبش الغباء، إنتي فاهمة؟ بيعمل إيه هنا وإيه حكايته؟ نظرت إليه بدهشة: "ممكن تبص على المكان.. تبص تشوف إحنا واقفين فين وقدام إيه بالظبط.. قدام مطعم يعني مكان عام فيه ناس كتير بتدخل وبتخرج وبتقعد تطلب وتحاسب وتمشي.. مش قاعد في صالة بيته."
"يعني من قلة الأماكن.. ما طريق البحر فيه مليون مكان ليه هنا؟ "ابقى اسأل زباين الدائمين ليه ما بيروحوش أي مكان غير هنا." "إنتي بتقولي إيه؟ "بقولك اهدى كده وفكر في كلامك.. هو جه أول مرة صدفة، ولو مش صدفة ده مطعم بيجي يطلب حاجة يشربها، ياكلها، بيحاسب ويمشي وخلصت الحكاية." "بس ما شفتش أوبشن إنك بتقعدي مع الزباين كمان، ده مش أوبشن نازل في المطعم." "زين.."
"أول مرة وقال صدفة، تاني مرة وقلنا بنشكره على اللوحة.. موجود دلوقتي ليه؟ "ادخل اسأله.. ادخل." وقف زين ثابتًا في مكانه وتحدثت مريم بملامح هادئة: "المفروض يا زين فيه شوية خصوصية في حياتنا وعلاقتنا صح؟ وده اتفقنا عليه من زمان، كل واحد حر يعرف مين ويتكلم مع مين ويقعد يتكلم مع مين من غير التاني ما يضايق.. كل مرة بيجي بشوفك بالليل بحكيلك وبقولك حتى اتكلمنا في إيه ما بخبيش ليه؟
لأني ما بعملش حاجة غلط وما بخبيش عليك حاجة. زي ما إنت مشغول في الشركة ومع بسنت اللي ظهرت فجأة عشان ما تبقاش لوحدها، إنت أغلب وقتك معاها في الشركة وعارفه قبل ما تتكلم، إنها هنا للشغل حتى لو مش شغل إنت حر يا زين، زي ما أنا حرة.. شوية خصوصية، شوية مساحة حرة." ثبت مكانه واستدار. تنفس نفسًا عميقًا وعاد نظر إليها: "أنا مش مستريح له.. إحنا اتفقنا لما ما بستريحش لحد التاني بيبعد عنه." "مشي بسنت."
"مش أنا اللي وظفتها، ده كريم وبعدين ما عملتش حاجة بسنت." "ولا إيهاب عمل حاجة.. الراجل قاعد باحترامه ووقاره، بنتكلم كإتنين أصحاب في المطعم، مكان عام حوالينا ناس كتير، وملك قاعدة شايفانا وكرم وسناء ومحمود وسوسن شايفين وعارفين.. ما تعداش حدوده معايا يا زين." "ماشي يا مريم.. اللي إنتي شايفاه، شوية خصوصية، شوية مساحة، تمام تمام." تحدثت
مريم بنبرة هادئة وقالت: "مهما مين دخل حياتي وعرفته استحالة ياخد مكان زيزو. الشق اللي حواليا دول عابرون، إنت الأساس." نظر إليها وكانت تبتسم واستطاعت بابتسامتها وكلماتها البسيطة امتصاص غضبه وابتسم وقال: "اضحكي عليا، اضحكي." "مقدرش.. ده كله إلا زيزو." ابتسم زين وقالت: "تعالى بقى أجيب لك تارت التفاح الشيف عمله تحفة، تعالى دوّقه."
"لأ هرجع الشركة عشان اتأخرت. أنا كنت في مشوار وقولت أعدي عليكي وكمان بسنت لوحدها هناك ومينفعش أسيبها لوحدها." "ماشي.. عمومًا أنا مع ملك طول اليوم هنا، هرجع على بالليل. عرفتِ تخلّي تعالي نروح مع بعض." نظر لها وضحك: "بتجرجريني عشان واحنا ماشيين أجيب لها آيس كريم وحلويات." "إنت بقيت بخيل ليه كده لما نزلت شغل يا زيزو."
"لسه ما اشتغلتش، وبعدين الفلوس الأول كنت باخدها شهريًا ثابتة حتى لو ما عملتش حاجة، لكن دلوقتي القرش هيجي بفرهده وأنتي قاعدة هنا تحت التكييف تصرفيهم." "خسارة فيا يا زيزو." وقف زين وقال: "لأ خسارة ليا بس يهون. هحاول أخلص وأجي نروح مع بعض وأجيب لك الآيس كريم." فرحت مريم وودعهم زين وغادر. ودخلت ملك المطبخ وظلت مريم مكانها تراقب باب الدخول تنتظر ظهور إيهاب مختار ولكنه لم يظهر.
مر يومان وكانت تتوقع مريم ظهور إيهاب، وكانت يوميًا تجلس أمام الطاولة وتنظر إلى الباب بلهفة. كانت لهفتها واضحة، تنظر إلى الساعة وأصابعها تعبث بحافة الكوب أمامها. كانت يوميًا تترقب ظهور إيهاب ولم يظهر إيهاب. وفي اليوم الثالث تقف مريم تتحدث مع أحد الزبائن وع وجهها ابتسامة دافئة. التفتت ولمحت جلوس إيهاب على إحدى الطاولات. كان ينظر إليها وهو مبتسم. اتسعت عينا مريم بفرحة صادقة لم تستطع إخفاءها. وتوجهت إليه
بخطوات مسرعة واقتربت إليه: "صباح الخير." "صباح الخير يا مريم." قالت وهي مبتسمة: "تحب حضرتك تشرب إيه؟ ضحك إيهاب: "ممكن قهوة على الريحة." "حاضر.. 5 دقايق وهتكون عندك." ذهبت مريم وعادت بالقهوة وطبق حلوى تشيز كيك. نظر إليها بتعجب وقالت مريم بابتسامة تعلو وجهها: "القهوة أنت طلبتها والتشيز كيك ده هدية مننا، ماهو مش أنت لوحدك اللي تهادي، رغم إن هديتنا حاجة بسيطة خالص قصاد هديتك." جلست مريم وقال إيهاب: "يبقى عجبتك اللوحة."
"جدًا." "من وقت إعلان المسابقة واللوحة كانت جاهزة باسمك، فكان لازم تكون عندك." "بجد جميلة جدًا وشكرًا على اهتمامك." "دي حاجة بسيطة يا فنانة." ضحكت مريم: "لسه بدري إني أتقال لي كده. أنا لسه مخلصة كلية حتى النتيجة ما ظهرتش تأكيد تخرج." بادلها الضحك وقال: "أنا متأكد إن التقدير هيكون امتياز وهتنتلقي في حياتك العملية بقوة، وهيبقى صعب نقعد مع بعض القاعدة دي." "ليه؟ "هيبقى بتحديد موعد مسبق."
ضحكا وقالت مريم: "لأ، إحنا متواضعين عشان كده هكتب اسمك في أول الكشف." ضحك وقال إيهاب: "قولي لي ناوية على إيه بعد الكلية؟ "والله حاليًا الصبح هنا في المطعم وبليل في المرسم." "يعني مخططتيش لخطوات تانية.. أكيد كنتِ مخططة." "يعني ممكن تقولي فترة استراحة مؤقتة وهشوف هقدر أعمل إيه أو إيه المتاح اللي قدامي." "زي إيه مثلًا؟
"يعني هعمل بحث عن المعارض والمسابقات اللي ممكن أقدم فيها وهشوف هوصل لإيه. يعني زي ما بيقولوا خطوة من تحت خالص، هبدأ في الخوض في المغامرات." ضحك إيهاب على طريقتها الكوميدية وقال: "ده أهم خطوة.. إنتي تفكري وتاخدي خطوة وتحاولي وتخوضي مغامرة، حاجة كويسة جدًا. إنجاز يتحسب لكِ أكيد هيكون فيه نتيجة حتى لو منجحتش." "بالظبط كده.. زي مسابقة الكلية اللي طارت مني رغم كنت جاهزة لكن.." (صمتت للحظة وقالت) "الحمد لله على كل شيء."
"أنا متفائل خير لأنك مجتهدة وشاطرة." "يكفيني شهادتك فيا." "إنتي تستحقي أكتر." ابتسمت مريم. وجمع إيهاب أغراضه: "إنت هتمشي." "أعتقد كفاية كده، صدعت من رغي." "لأ أبداً، أنا مبسوطة إننا بنتكلم وكده." "هتتكرر إن شاء الله تاني ومتشتكيش بقى طول ما أنا هنا هصدعك لغاية ما أسافر." ضحكت مريم: "ولا يهمك، أي وقت أنا هنا موجودة." "تمام." "التشيز كيك ما أكلتش منها.. إحنا بنعملها حلوة أوي." "المرة الجاية.. سلام."
غادر إيهاب وجلست مريم على الطاولة وملامح السعادة ترتسم على وجهها وعيناها تلمعان بفرحة. اقتربت إليها ملك: "كنتِ تخرجي توصليه أحسن." "ملك إنتي مش متخيلة أنا حاسة بإيه دلوقتي. حاسة إني مش في الأرض." "ليه كل ده؟ هو قالك إيه؟ "ما قالش حاجة، كنا بنتكلم عادي. بس إني قاعدة مع إيهاب مختار على ترابيزة واحدة وبنتكلم زي اتنين أصحاب.. ما كنتش أحلم بكده. هو ده حقيقي؟ إيهاب مختار كان هنا." مدت ملك يدها وقرصتها وتألمت مريم:
"إيه ده." "بحسسك إنك صاحية وقابلتيه فعلاً هنا." "أنا محظوظة، حقيقي محظوظة." تكررت زيارة إيهاب إلى المطعم مرة أخرى صباحًا. جلس برفقة مريم والحديث بينهما يبدو خفيفًا تتخلله ابتسامات متبادلة ونظرات هادئة.
باب المطعم انفتح بهدوء ودخل زين، عينيه كانت تبحث عن مريم دائمًا. وقعت عيناه على الطاولة التي جمعت إيهاب ومريم وهما يتبادلان الحديث. توقف فجأة يتأمل رؤيتهم بغضب وكأن بينهما ألفة لا تخفى. شيء ما اشتعل في صدر زين غضب مكتوم. حاول أن يربط جأشه وهو يتجه نحوهم. خطواته كانت ثابتة لكنها ثقيلة بما يحمله من توتر وغضب. حاول أن يبدو طبيعيًا وألقى السلام بنبرة متماسكة وهو يبتسم: "صباح الخير."
التفتت مريم وتفاجأت برؤية زين، حدقت به بقوة حتى لا يتخطى حديثه مع إيهاب ولكنه كان يتحدث بسلاسة. أجاب إيهاب: "صباح الخير يا زين.. فرصة سعيدة إني شوفتك أخيرًا." "ممكن أقعد." "اتفضل طبعًا." جلس زين وقال بنبرة مازحًا: "أخيرًا شوفتني.. هل كنت واحشك ولا إيه؟ نظرت مريم إليه بحده وأجاب إيهاب: "طبعًا يسعدني أشوفك.. لكن الكام مرة اللي جيت مصادفتش أقابلك."
تحدثت مريم: "زين دلوقتي بقى صاحب شركة.. شركة محاسبة مالية قريب من هنا هو وعمه، فمشغول فيها وكده." "بجد.. بالتوفيق إن شاء الله." "إن شاء الله.. كنت عاوز أقولك ونحتاج حاجة خاصة بالحسابات.. شركتنا موجودة في أي وقت، لكن للأسف حياتك كلها مش هنا. إن شاء الله لما نوصل لأنترناشونال الشركة وخدماتها تحت أمرك." لاحظت مريم طريقة زين في الحديث وابتسم إيهاب: "شكرًا على عرضك، وأكيد لو احتجت حاجة أو استشارة هجيلك."
أخرج زين بطاقة العمل: "دي أرقامي تقدر تتواصل معايا في أي وقت." التقط إيهاب البطاقة من على الطاولة مبتسمًا: "شكرًا." نظر إلى مريم: "ميما ممكن دقيقة لوحدنا." "تمام.. عن إذنك." قال إيهاب مبتسمًا: "اتفضلوا طبعًا." استأذنوا وغادروا المكان وخرجا من المطعم ووقفا جانبًا وكانت ملامح زين مشتعلة. نظر إليها مباشرة وعيناه مليئتان بالغضب: "ممكن أفهم في إيه بالظبط؟ كانت مريم تنظر إليه بهدوء
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!