كان زين مترقبًا وصول كريم. علم بموعد وصوله، وصادف أن في ذلك التوقيت سيكون هو ومريم يحضران دروسهما في السنتر، مما يعني أنه سيفوت لقاءه. يوم الخميس، مريم وزين يجلسان في السنتر يحضران الدرس الأول معًا كعادتهما. الجميع مشغول بالشرح، ولكن زين مشغول بالنظر في الساعة ومتابعة خط سير كريم من القاهرة إلى الإسكندرية، غير محادثة الواتساب. في الاستراحة، وقف برفقة مريم، وقالت وهي تنظر إلى الملازمة في يدها:
"مستر محمود هيسأل في الجزء ده صح؟ لم يستمع زين جيدًا، وكان يتحدث مع كريم عبر المحادثة. ألقت مريم نظرتها سريعًا: "انت بتكلم مين؟ كريم؟ "إيه دخل المحققين دي؟ أيوه كريم، هيكون مين يعني؟ "يعني افتكرت تكون كريمة ولا حليمة ولا فوزية." "فوزية دي تبقى ستك أم أبوكي." "يا عسل، كنت مركز مع كريم كده ليه؟ في حاجة؟ "أصله جاي." "إيه ده؟ هو جاي النهارده بجد؟ نظر إليها متعجبًا: "إيه السعادة دي من وصول كريم؟ خير؟
"طبعًا هفرح، يعني معنى كده هنسهر النهاردة للصبح ومحدش في البيت هيعترض." "محرومة إنتي من السهر، ده أغلب حياتك بنسهر مع بعض، ولا أنا شفاف؟ "إيه جابك لكريم؟ أنا وأنتِ آخرنا السطح اللي في البيت، أو في بيوت بعض. ولو خرجنا بره البيت بيبقى في وقت محدد نرجع فيه، وأنت اللي بتقفش نرجع ونقول نكمل على السطح. لكن لما بنخرج مع كريم بننطلق براحتنا للصبح بره البيت، مفيش حد بيتكلم." "إيه يا بنتي نبرة الحرمان دي؟
في غيرك مبيخرجش من أوضته، مش للسطح. بطلي تمرد، بجد حاجة عجيبة." حدقت به، تعجبت من حديثه: "مالك؟ في إيه؟ "في إيه إزاي يعني؟ "يعني عمال تعارضني في كل حاجة، رغم إننا كنا متفقين فيها. على فكرة كريم ده عمك، وإحنا متربيين إحنا التلاتة مع بعض من صغرنا." "عارف إنه عمي وعمك، صح؟ "عمي؟ (ضحكت) "إيه النكتة البايخة دي؟ إزاي عمي يعني؟ "أومال إنتِ شايفاه إزاي؟ "شايفاه كريم، كيمو." "كيمو؟ اقتربت إحدى صديقات مريم:
"يلا يا ميما، الدرس هيبدأ." "هحصلك أنا وزين." (نظرت إليه) "ممكن توقف ألشّك الرخم ده، ويلا بينا ندخل الدرس." "لأ، ادخلي إنتِ وأنا هحصلك." "أوكيه، متتأخرش."
توجهت مريم إلى الداخل، وتأكد زين من دخولها لقاعة الدرس، وتحرك للخارج مغادرًا السنتر مسرعًا. قطع الطريق إلى المطعم بخطى ثابتة، كأنه يحمل في قلبه مهمة واحدة هامة، وهي مقابلة كريم قبل أن يقابل والده. وصل إلى المطعم، وما أن فتح باب المطعم حتى تفاجأ كلاهما، محمود وسوسن، بوجوده المبكر. نظرت إليه سوسن بدهشة غريبة، قالت: "في حاجة ولا إيه؟ "لأ، مفيش." "بتنهج ليه كده؟ ألقت بنظرها عند الباب: "إنت جيت لوحدك، فين مريم؟
"في الدرس، بتحضر الدرس التاني." "وإنت جيت ليه؟ مبتحضرش ليه؟ نظر إليها في حالة صمت للحظات، وفجأة وضع يده على رأسه: "صداع ابن لذينة استلمني يا ماما. كنت قاعد مش مركز، وقولت أجاي تديني حاجة." قلقت سوسن من رؤيته يتألم: "من القهوة اللي شربتها الصبح، قولتلك بلاش وافطر الأول." "ماهو كان لازم أفوق." "طيب استنى هعملك حاجة خفيفة تاكلها، وبعدين أديك حبوب للصداع." "آه يا ماما، بسرعة. الصداع هيفتت دماغي."
"سلامتك يا حبيبي، حاضر ثواني." تحدث محمود: "لو تعبان أوي، تعالي نروح نكشف." "ها؟ لأ، هاخد المسكن وهبقى كويس. ولو طول هروح أكشف." "متأكد؟ "أيوه بجد. مش وقت تعب وراحة يا حودا. عندنا امتحانات ثانوية عامة مهمة، مش عاوزين تشتيت ولا مواضيع تضيع تركيزنا." "هو إنك تكشف عشان تعبان ده هيشتت تركيزك؟ "طبعًا. مش هروح وأقعد أستنى دوري ودكتور هيتكلم، وأنا هحاول أشرح له. كل ده مجهود محسوب عليا، المذاكرة أولى به، ولا إيه؟
حدق به محمود متعجبًا من حديثه، وصمت. واستكمل زين: "متقلقش، هاخد المسكن وهبقى كويس. أنا متأكد." "طيب. أنا هدخل المكتب أعمل تليفون عقبال ما كريم يجي." "إيه ده؟ هو جاي النهارده؟ تعجب محمود من رد فعل زين المفاجئ: "ما أنت عارف، ليه متفاجئ؟ "بجد؟ نسيت. المذاكرة والثانوية مش مخليين أي حاجة تانية تثبت في دماغي." "ربنا يستر عليك تخلص الامتحانات، تنسى اسمك." ضحك زين: "ربنا يستر. روح اعمل تليفونك، ولو جه كريم هعرفك." عادت سوسن
بطبق طعام ووضعته أمام زين: "يلا كل الساندوتش ده، وبعده خد المسكن ده." لمح إشعار رسالة على هاتفه من كريم: "10 دقائق وهكون في المطعم." أمسك الطبق: "أنا هاكل برا في الهوا، هيساعدني أكتر."
تحرك مغادرًا للخارج، وجلس في الحديقة الخارجية للمطعم، حيث الهواء والهدوء، ومراقبة الطريق إلى المطعم. لكن رغم هدوء المكان، كان بداخله مشحونًا بالانتظار والترقب. جلس على المقعد الخشبي، وراح يحدق في الطريق أمامه. عيناه لا تكف عن البحث، كأنهما تفتشان عن ظل يعرفه جيدًا. مرت الدقائق، وكل لحظة تمر تزيد من توتره. التفت نحو الطريق مرارًا، وفي كل مرة يعود بنظرة خاليًا من الأمل، حتى لحظة بعينها، رأه من بعيد وهو يقترب بخطوات هادئة، يتحدث في الهاتف. نهض زين فورًا من مكانه، ثم أسرع بخطوات حاسمة نحو الاتجاه المقابل حيث يقترب كريم. اقترب أكثر،
ثم وقف أمامه مباشرة: "لحقتك أخيرًا." بوجه باسم: "إنت كنت بتجري ولا إيه؟ "لو في ماراثون مش هجري، كداب." بملامح مضطربة، قال كريم: "ليه؟ في حاجة ولا إيه؟ محمود كويس؟ "متقلقش، كلهم بخير." "في إيه طيب؟ "تعالي نقعد واعزمني على حاجة، يلا." جلسوا في مقهى قريب من المطعم: "ها؟ شربت وأكلت، ناوي ع إيه؟ أعشيك كمان؟ "وماله يا عم كيمو. مش أنا ابن أخوك الوحيد؟ ولا عندك حد غيري أهم؟
"إنت بتستغل حبي لك استغلال سيء. أنا منمتش من امبارح وجاي من سفر، آخرك معايا حاجة ساقعة والوافل اللي قدامك ده. العشاء ده مع ميما عشان متزعلش." ترك من يده طبق الوافل وقال: "ميما؟ هي ميما دي؟ "مالها ميما؟ "كنت عاوز أسألك سؤال وتجاوبني بصراحة، منتهى. بدون إحراج ولا كسوف ولا خجل. بص كأنك واقف قصاد المرايا بتكلم نفسك." "إيه كل الرغي ده؟ في إيه؟ حدق به للحظات، وكان مترددًا من طرح السؤال، ليتفاجأ هو بالإجابة. تحدث كريم؟
"انطق يابني، في إيه؟ استجمع شجاعته وقال: "إنت.. إنت كريم يعني.. مريم بالنسبالك إيه؟ ضحك كريم: "إيه السؤال الغبي ده؟ "يا عم خدني ع قد غبائي ورد عليا. مريم بالنسبالك إيه؟ "إنت رد عليا.. إنت بالنسبالي إيه؟ "أنا ابن أخوك." "هي كمان... خلاص." "لأ مش خلاص. أنا مش هينفع تتجوزني، بس ممكن تتجوزها هي." حينما سمع كريم تلك الكلمات، أطلق ضحكة بصوت مرتفع وقال: "إنت بتقول إيه؟ إنت سامع كلامك كويس؟
"مش أنا.. أخوك هو ومراته اللي قالوا. وكنت زيك كده لما سمعت. وعلى فكرة هما مستنينك في المطعم عشان يتكلموا معاك بعيد عن كرم وسناء ومريم." تفاجئ كريم: "بتتكلم بجد ولا بتهزر؟ "إنت شايف بعد الأكشن ده إنّي أسيب مريم لوحدها في الدرس ومحضرش؟ وده وقت مراجعات قبل الامتحانات اللي قربت عشان أقعد القعدة دي أتكلم معاك قبلهم؟ ده يبقى هزار؟ اعتدل كريم في جلسته، واختفت الابتسامة من وجهه، وحل مكانها ملامح جادة:
"لأ، فهميني واحدة واحدة." سرد له ما سمعه من حوار سوسن ومحمود، وما دار بينهما. وضحك كريم ضحكة سخرية: "هو لسه فيه حد أهله بيختاروا له يتجوز مين؟ "أيوه.. أخوك ومراته." "وإنت إيه رأيك؟ "أنا مش موافق طبعًا." "ياااه، طبعًا." "أيوه.. لأسباب كتير، أهمهم إنكم الاتنين مختلفين جدًا رغم قربكم لبعض. لأ هي هتعرف تتأقلم مع دماغك، ولا أنت هتفهم دماغها. وبعدين مفيش مشاعر بينكم غير اللي بينا إحنا التلاتة، صح؟ فإزاي يعني تتجوزوا."
"ياااه، ده إنت فكرت في الموضوع بتعمق وطلعت أسباب كمان لعدم توافقنا." "ده جواز ومش جواز أي حد.. مريم." "وهي رأيها إيه؟ "لأ لأ لأ.. هي متعرفش حاجة خالص. الكلام كان إنهم ياخدوا موافقتك الأول، وبناء عليه بعد الامتحانات يفتحوا الموضوع مع كرم وسناء ومريم." "لكن أنا.." قاطعه: "مش موافق أكيد. أنا قولت كريم مش هيوافق، ولا في دماغه كلامهم ده." نظر إليه بخبث: "مش يمكن محتاج أفكر." نظر إليه متفاجئًا: "تفكر في إيه؟ في مريم؟
"هو فيه عروسة تانية؟ وبصراحة عندهم حق، مريم كبرت، مبقتش الطفلة الصغيرة، وبقت آنسة جميلة داخلة الجامعة." "ده بالنسبالكم، لكن مريم لسه طفلة صغيرة، مكبرتش، حتى لما تتخرج مش هتكبر." "وهو فيه أحلى من كده إني أرتبط بواحدة مبتكبرش، ولا هتكبرني؟ دي نعمة." "ده استهبال." تفاجئ من طريقته في الحديث، واستكمل زين حديثه: "بصراحة كده، من الآخر، إنت متنفعش لمريم. مش عشان عمي هطبلك وألبس البنت في حيطة." "نعم؟ ودا ليه إن شاء الله؟
"لأنك غير مناسب ليها، زي ما قولتلك. مش هتقدر وجودها معاك، هتتعامل معاها أمر مسلم به. مريم تستحق حد أحسن منك." "زيك كده." "مفيش زي؟ "ما إنت موجود أهو." "هنهرج بقى في المواضيع اللي مينفعش نهزر فيها دي." ضحك كريم وقال: "عارف يا زين، لو مكنتش أعرف حوار الرضاعة اللي حصلت، كنت قولت إنك بتحبها."
"ماهو أنا بحبها وهي بتحبني. ده مش محتاجين نتأكد منه ولا نسأل بعض، لأننا أخوات، ملناش غير بعض من صغرنا. مع بعض للحظة دي، وفي المستقبل مع بعض. فمن واجبي عليها وحقها عليا إني موافقش إنها ترتبط بأي حد وخلاص، لمجرد إنها كبرت. لأ، مريم هتكون مع اللي يستحقها ويقدرها كويس. مش ترتبط بواحد مقضي حياته علاقات وغير مستقر." "تقصدني أنا؟ ماشي، ماشي. لما هيتكلم معايا محمود، هوافق. إيه رأيك؟
"لأ لأ لأ، استنى عليا يا كيمو. إنت قفشت ليه كده يا صاحبي؟ "دلوقتي صاحبك." "ما ده اللي بيحصل. أومال قاعد في الجامعة لدلوقتي ليه؟ بتحضر دكتوراه؟ وبعدين فكر فيها كده، إنت عمي وهي أختي، ومن صغري إنتوا في وشي، فهتتجوزوا وتجيبوا عيال شبهكم، يعني نسخ مكررة مملة. هيبقى زي اللي دخل متاهة وفتح باب لقي نفسه عند الباب اللي دخل منه، ولفي بينا يا دنيا. فين الجديد؟
التخيل نفسه فصلني. لو حصل هتبقى معاناة لينا كلنا. العيلة محتاجة تغيير، كل واحد فينا يساعد العيلة تخرج من الدايرة اللي اتحشرنا فيها من صغرنا دي ونجيب نسخ جديدة غير مكررة على الفرازة." "لأ، عندك وجهة نظر تحترم. أنا موافق ع كلامك." ابتسم زين واعتدل في جلسته واسترخى وقال: "أيوه كده. فإنت لما محمود يكلمك، قوله إنك مرتبط، أو مريم أختك ومش شايفها غير كده. أي كلام يحرمها عليك." ضحك كريم: "حاضر يا زيزو. أي طلبات تانية؟
"لأ، مفيش." "طيب، يلا نرجع المطعم." ألقى بنظره إلى الساعة: "لأ، يا دوب أرجع السنتر. ألحق مريم. يلا سلام، وشكرًا ع العزومة. تتردلك مع أول مرتب أقبضه بعد التخرج." ضحك كريم ع كلماته، وأسرع زين في خطواته وتوجه إلى السنتر. وبالفعل، كان الدرس انتهى، وقابل مريم عند الباب. نظرت إليه بغضب وبنبرة حادة، قالت: "كنت فين؟ ومبتردش ع رسائل الواتساب ليه؟ "كريم كان محتاج حاجة، روحت أجيبها له وقعدنا نرغي ونسيت." "نسيت الدرس؟
"كانت مراجعة يا ميما، مفيش شرح. وبعدين إنتي هتقوليلي الملخص." "آه.. ماشي. هتجيبلي إيه؟ "مفيش حاجة لله كده." "مجهود ولا مش مجهود اللي هعمله؟ "لأ مجهود. إيه رأيك نروح نضرب بيتزا على السريع قبل ما نروح المطعم؟ ابتسمت: "أيوه كده، ده الكلام. يلا بينا." في المطعم، يجلس كريم برفقة محمود وسوسن، يحاولان أن يتحدثا معه في موضوع مريم. ظلا يتبادلا النظرات، ولاحظ كريم: "هو في حاجة عاوزين تقولواها ليا." تحدث محمود بنبرة جادة:
"احم.. بص يا كريم.. إنت عارف أنا مش معتبرك أخويا، إنت ابني البكر، صح؟ "أيوه صح.. في إيه بقى؟ "يعني زي ما أنا مهتم بمستقبل زين، فمستقبلك ميقلش اهتمام عنه." "إنتوا هتخرجوني من المطعم ولا إيه؟ "لأ لأ، نسبتك موجودة زي ما هي، متقلقش." "في إيه يا حودا بالظبط؟ قلقتني." "اصل.. اصل.." نظر إلى سوسن، وتحدثت بتلقائية:
"بص يا كريم.. إحنا عاوزين نفرح بيك بقى، ومتقولش لما ألاقي بنت الحلال، لأنها موجودة ومش هتعرف تلقى زيها، وإنت عارفها كويس." "مين دي؟ "مريم.. مريم بنت كرم وسناء. إيه رأيك؟ "إنتوا بتتكلموا بجد؟ ميما؟ "أيوه ميما. مش هتلقى زيها، إحنا عارفينها ومربيينها، يعني مننا وفينا." ابتسم كريم ونظر إليهم. كانت أعينهم معلقة به، تترقب ما سيقوله. أطلق تنهيدة صغيرة وقال: "للأسف مش هينفع." "ليه بس؟
"لأسباب كتير، وأهمهم إن مريم أختي. من واحنا صغيرين وإنتوا فضلتوا تقولوا لنا إحنا التلاتة إننا أخوات، نكون مع بعض ونسند بعض ومنسيبش بعض أبدا، لأننا ملناش غير بعض. أنا كبرت وشايف مريم أختي الصغيرة، وزين أخويا الصغير أكتر من إنه ابن أخويا. مريم أختي ومش هعرف أشوفها حاجة تانية." تحدثت سوسن: "إحنا قولنا كده عشان تفضلوا مع بعض، بس مريم مش أختك يا كريم، يعني فكر."
"لو كان فيه مجال للتفكير، صدقوني كنت هقولكم هفكر. بس حقيقي مفيش أي إحساس مختلف تجاهها غير إنها أختي الصغيرة اللي أنا وزين هنفضل معاها وجنبها طول عمرها." تحدث محمود: "يعني ده آخر كلام؟ مش محتاج فرصة تفكر؟ "أيوه. وبعدين متستعجلوش. في يوم هتلاقوني جاي أقولكم أنا عاوز أتجوز فلانة، وتفرحوا وأفرح، وكلنا هنفرح. وعلى رأي زين، اهو نخرج برا الدايرة المقفولة علينا ونستقطب من الخارج." ضحك محمود وقال: "هو زين اتكلم معاك؟
"هو قالي وأنا مصدقتش بصراحة." "لأ يكون هو اللي لعب في دماغك وخلاك ترفض." "يا حودا، أنا لو فيه مشاعر ولو بسيطة عكس اللي حاسه تجاه مريم، مفيش حد هيقدر يغير رأيي ويبعدني. بس بجد مفيش. مريم أختي، زي ما هي أخت زين بالظبط." تنهدت سوسن: "يا خسارة، كنا هنفرح كلنا." تحدث إليها كريم: "هتفرحوا، متستعجلوش." "طيب، أنا قايمة أشوف المطبخ." تحركت سوسن وابتعدت خطوات. نظر محمود إلى كريم وقال: "أسألك سؤال وتجاوبني بصراحة؟
"أكيد يا حودا، من امتى أنا هخبي عليك؟ "إنت منستش لسه، وبسبب كده رافض ترتبط." صمت كريم للحظات، ثم ابتسم: "ياااه يا محمود، الموضوع عدى عليه سنين، أكيد نسيت. إنت إزاي فاكر؟ لأ، اطمن، أنا مش فاكر حاجة ولا بفكر في حاجة. أنا في إنياردة وبكرة. وع الارتباط صدقني، أول ما هقابل بنت الحلال، همسكها من إيديها وأجيلك أقولك: هي دي يا حودا." تنهد محمود وقال:
"وأنا مستني يا كريم اللحظة دي. إنت وزين ومريم أهم 3 أشخاص في حياتنا، وإحنا كلنا يهمنا نشوفكم مرتاحين سعداء." وضع كريم يده على يد محمود وقال: "طول ما إنتوا محاوطين علينا بكل الحب والدفء ده، اتأكدوا إننا أسعد ناس في الدنيا." تحرك كريم من مكانه، وتوجه وارتمى بجسده بين ذراعي محمود وضمه وقال: "محمود، إنت بالنسبالي أبويا مش أخويا. ربنا يخليك لينا." "ويخليكوا ليا."
في نهاية اليوم، يدخل زين إلى المنزل وهو منتشي بالسعادة ويدندن. استوقفته سوسن: "إيه الروقان ده كله يا زيزو؟ "مساء السوسن يا أحلى سوسن." "إنت جاي منين كده؟ "من السطح، كنت بذاكر أنا وميما. الامتحانات قربت يا سوسن، ولازم نطحن نفسنا." "ربنا يكرمكم ويوفقكم ع خير يا حبيبي." "يلا، أنا هدخل أنام بقى. تصبح ع خير." "تصبح ع خير." وقف مكانه والتفت إليها: "مقولتليش إيه حصل؟ كلمتوا كريم؟ "أيوه.. مش حاطط الموضوع في دماغه،
وقالنا بالنص: مريم أختي، زي ما هي أخت زين." "جدع كيمو، ده بيفهم والله." "يا سلام.. على فكرة مريم مش هنحنطها، كدا كدا هتتجوز على فكرة، مش هتقعد جنبك." "عارف، لكن لسه بدري ع الكلام ده. لما ييجي وقتها، نحطهم قدامنا كده ونختار براحتنا، وإحنا حاطين رجل ع رجل نختار." "وإنت هتسيبنا نختار؟
"مش أي حد يقول عاوزها، نقوله اتفضل. فيه اختبارات وامتحانات. لو فضل عايش، هيبقى هو الكسبان. ولو فطس مننا، هو الخسران، والرجاء المحاولة في مكان تاني." "والبنت إيه ذنبها تبقى زي الشوكة كده في طريقها؟ "بنتنا، طول ما هي معانا، هي الكسبانة. حتى لو متجوزتش. يلا، أنا داخل أنام." توجه إلى غرفته، وأثناء طريقه كان يدندن مرة أخرى. عادت سوسن إلى غرفتها وهي تتحدث مع نفسها. تحدث محمود: "في إيه؟ بتتكلمي مع نفسك ليه؟
"زين أمره غريب يا محمود." "ليه؟ ماله؟ جلست بجانبه: "مش عاوز دبانة تقرب من مريم، واقف بالمرصاد كده قدامها." ضحك محمود: "ودا مضايقك ولا إيه؟ أوعى تكوني غيرانة؟ دي مريم." "لأ طبعًا مش هغير. بس ابنك هيكون سبب في مشاكل كتير في حياة مريم، خصوصًا لو ظهر حد في حياتها. ده لو زين سمح إنه يظهر أصلًا." "على فكرة مريم كمان بتعمل مع زين كده بالظبط، يعني متبادل، وده من هما صغيرين."
"وهما صغيرين أطفال، ولوحدهم، فكان عادي تعلقهم ببعض. لكن كبروا، وده هيسبب مشاكل." "لاحظي إن مفيش غيرهم وكريم، وده اللي إحنا كنا عاوزينه يحصل، إنهم يكونوا قريبين لبعض بالشكل ده. والحمد لله، وإحنا بعاد عنهم، مطمنين طول ما هما مع بعض. متكبريش المواضيع إنتِ بس، ويلا طفي النور واستعيذي من الشيطان ونامي."
حلت أيام الامتحانات النهائية، كانت الأجواء تمتلئ بالتوتر والقلق. وفي الليلة التي تسبق أول امتحان، جلست مريم مع زين في منزلها كعادتهما، يراجعان سويًا. كانت الكتب مفتوحة، والأوراق متناثرة حولهما، وكل منهما يحاول التركيز ويطمئن الآخر، لكن القلق كان حاضرًا بقوة. مرت دقائق من الصمت، وفجأة قالت مريم: "أنا رايحة الحمام."
بعد لحظات من خروج مريم، ذهب زين إلى الحمام هو الآخر. ظلا بعض الوقت يتناوبان على دخول الحمام. دخل زين الحمام وطال به. وقفت مريم خلف باب الحمام تنقر ع الباب: "انجزي يا زين، عاوزة الحمام." خرج زين ودخلت مريم مسرعة، وأطالت هي الأخرى. سمعت نقرًا على باب الحمام: "انجزي يا ميما، بدل ما أزروطلكم الشقة. انجزي." ظلا يترددان على الحمام، وكانا يشاهدهما سوسن وسناء. تحدثت سناء: "هما أكلوا إيه؟ مالهم؟ ضحكت سوسن:
"ليلة الامتحان يا سناء. إنتي ناسيه هما بيكونوا عاملين إزاي ليلة أول امتحان. يعدي بكرة، وبعد كده هيبقوا كويسين." "بس المرة دي حاسة الموضوع زايد شوية." "ثانوية عامة.. خوف وقلق وتوتر. الله يكون في عونهم." نظرت إليهم سناء نظرة حزينة على حالهم، واقتربت إليهم وقالت: "متضغطوش على نفسكم يا ولاد. اعملوا اللي تقدروا عليه وخلاص." تحدثت مريم: "يا ماما، لأ لازم نضغط ع نفسنا. دي سنة تحديد المصير، ولا إيه يا زيزو؟
"والله أنا موافق بمعهد خدمة." أمسكت كتابًا بجانبها وخبطته في رأسه: "بطل هبل. إحنا حددنا كلية فنون جميلة إن شاء الله." "خلاص يا بيكاسو، عارفين." تحدثت سناء: "ميما يا حبيبتي، المهم إنتوا، مش مهم أي حاجة تانية." تحدث زين: "أنا بقول كده بجد، حد يفهمها." قالت مريم: "لأ يا ماما، أنا ع أُخري، وهو مهيصدق وهيريح. سيبنا نكمل مراجعة." "حاضر يا حبيبتي."
تركتهما وابتعدت. وبعد نصف ساعة، سمع زين همهمة مريم. ألقى بنظرة نحوها، كانت ملامحها حزينة ومقبلة على البكاء: "إيه ده؟ في إيه؟ التفتت نحوه وقالت: "أنا حاسة إني ناسيه كل حاجة ذاكرتها يا زين." "نعم..؟ "حاسة إني مش فاكرة حاجة خالص." وبدأت تتساقط دموعها: "لأ لأ، استهدي بالله كده. ده إنتي اللي بتقويني وحسستيني إن الامتحان في جيبي خلاص." بدأت في البكاء، واقترب سوسن وسناء إلى مريم: "في إيه يا ميما؟ اهدى كده، متخافيش."
حاولت سناء وسوسن بكل لطف تهدئة مريم، لكن دموعها لم تتوقف. وجهها ممتلئ بالخوف والقلق من الامتحان، وعيناها تلمعان من شدة التوتر. كل كلمة طمأنة لم تكن كافية، وكأن الخوف غلف قلبها بالكامل. نظر نحوها زين بصمت، بعينين مليئتين بالحزن والعجز لرؤيتها بهذه الحالة. لم يقل شيئًا، فقط وقف، وبعد لحظات غادر المنزل بهدوء. مرت ساعة، وكانت مريم لا تزال في غرفتها تحاول أن تراجع ما تستطيع وتركز. فجأة اهتز هاتفها، كانت
رسالة عبر الواتساب من زين: "تعالي السطح بسرعة، متتأخريش.. حالا.. بسرعة يلا." ترددت لثواني، ثم تنهدت ووقفت ببطء. بدلت ملابسها، ثم صعدت السلالم بخطوات بطيئة، تجر رجلها. كل حركة منها كانت تعكس التعب والضغط، وعندما وصلت إلى السطح، كان في عينيها حزن واضح، كأنها خرجت من عالم مثقل بالقلق.
وصلت مريم إلى السطح بخطوات هادئة، وعيناها لا تزالان تحملان آثار البكاء. رفعت نظرها، فرأته واقفًا في الطرف المقابل ينتظرها. تقدمت نحوه قليلًا ووقفت، وضعت يدها في جيب بنطالها، وقالت بصوت مبحوح يشوبه الإرهاق: "عاوز إيه يا زيزو؟
كانت يداها داخل جيب بنطالها. اقترب منها بهدوء، ومد يده بلطف وأخرج يديها من الجيب، ثم أمسك بيدها وسحبها بخفة نحو الطاولة القريبة. كانت هناك طاولة بسيطة مغطاة بمفرش صغير، وعليها علبة بيتزا الحجم الكبير، وبعض الحلويات، ومشروب صودا المفضل لديهم. نظر إليها وهو يبتسم وقال: "هنتعشى سوا." وقفت مريم تنظر إليه بتعجب: "نتعشى.. دلوقتي؟ "هو العشا له وقت؟ أيوه، هناكل يلا."
نظرت إلى الطاولة، وعيناها ممتلئتان بالامتنان لمحاولاته من تهدئتها. وقفت مكانها دون حراك، فجذبها وأجلسها أمام الطاولة، ثم جلس بجوارها: "لأ، مش وقت فرجة. هتبرد ومش هقدر أنزل أسخن. حلوتها وهي سخنة." "بس أنا مش جعانة." "لأ، إنتِ جعانة بس مش حاسة. اسمعي مني." "ياسلام؟ وإنت هتعرف أكتر مني؟ "أيوه، لأني أنا جعان، وطول ما أنا جعان إنتِ جعانة، والعكس صحيح، ولا إيه؟ "بجد مش قادرة آكل. وبعدين أكل إيه؟ إحنا عندنا امتحان الصبح."
"عارف والله. وبعدين اللي عنده امتحان مياكلش؟ ولا إيه؟ هو ممنوع؟ الوزارة قالت مش هيدخلوا الامتحان اللي هياكل ليلة الامتحان." "والله إنت رايق." "وإنت كمان روقي. إنتِ قولتي أهو، الامتحان الصبح، يعني لسه بدري." ضحكت مريم: "بتتكلم بجد؟ الصبح يعني لسه بدري؟ التفت نحوها وقال: "أيوه. الساعة كام دلوقتي؟ 11 صح؟ والامتحان الساعة 9 صح؟
يعني قدامنا يجي 10 ساعات. في الـ 10 ساعات دول ممكن يحصل فيهم حاجات كتير أوي. في ناس بتموت، وناس بتتولد، وناس بتسافر، وناس هتنام، وناس هتصحى، وناس بتشتغل، وناس عاطلة قاعدة ع القهوة أو في البيت بيقلبوا في الموبيل، أو ناس هتاكل زينا. في حاجات كتير هتحصل، فـ لسه بدري." "أقنعتني." "شفتي بقى؟ غاوية بس تفرّهديني. يلا بينا ناكل دلوقتي ومنفكرش في أي حاجة تانية غير البيتزا الإكسترا تشيز دي."
ألقت مريم بنظرها إلى البيتزا الموضوعة أمامها، كانت تبدو شهية وتفوح منها رائحة مميزة، أبهجتها. أخذ زين قطعة ووضعها بلطف أمامها: "يلا كلي، ولا أأكلك يا نونة؟ ابتسمت مريم: "لأ، مش لدرجة هاكل."
بدأت تتناول أول قطمة ببطء، وبدأت تتذوقها، وبدأ وجهها يسترخي وتبتسم. كان زين يراقبها بصمت وينظر إلى ملامحها وهي تتذوق البيتزا بترقب، كان في حالة من الترقب ليطمئن أنه نجح من إخراجها من الضيق والتوتر الذي شعرت به. ارتسمت ابتسامة على وجهها أخيرًا، وابتسم هو الآخر ابتسامة ارتياح، ثم أمسك بقطعة بيتزا وبدأ يتناولها في هدوء. تحدثت مريم: "والله إحنا مجانين، مش طبيعيين." "ليه؟ عشان بناكل بيتزا؟
"لأ عشان عندنا امتحان الصبح، وأول امتحان اللي المفروض نراجع في الوقت ده." التفت إليها: "ما إحنا من الساعة 2 بعد الظهر، بعد ما رجعنا من المراجعة وإحنا بنراجع، كانت النتيجة إيه؟ زهايمر جالك، المعلومات بخطرت. وبعدين أنا متأكد إنك كنتِ قاعدة بتراجعي، ها؟ إيه النتيجة؟ نفس الحال صح؟ "لأ لأ، متقنعنيش. إحنا لازم نذاكر ونعمل كل حاجة." "هو أنا قولت منعملش حاجة؟
إحنا دلوقتي في استراحة، فصل من الضغط اللي إحنا فيه، وبعدين هتنزلي تراجعي تاني، وصدقيني الوضع هتلاقيه أحسن." "وإنت مش هتراجع؟ "هبص بصة كده. أصل اللي مكتوب لي هيحصلي هيحصلي." كانت مريم تحدق به، ولاحظ ذلك، فضحك وقال: "أكيد يعني هراجع للصبح. ده مستقبلي، لازم أعمل كل حاجة أقدر عليها، طبعًا." "أيوه طبعًا." "مش عارف ليه مش اسمك زينة، ولا أنا اسمي مراد." "ليه؟
"كنا هنبقى مع بعض في نفس اللجنة، نساعد بعض. سؤال عندك وسؤال من عندي، كنا قفلنا الامتحان. أصل امتحان كامل ع واحد مش فير بصراحة." ضحكت مريم: "الأسماء دي أسأل فيها أهلنا. معملوش هما حساب حاجة زي كده ليه؟ "أيوه فعلًا. الله يسامحهم." أخذت مريم قطعة البيتزا من أمام زين وتناولتها وأنهتها: "الحمد لله." نظر زين إلى البيتزا بتعجب وقال: "ألف هنا. لو عاوزة تاكليني، كُليني. وقال إيه مش جعانة، أومال لو جعانة كنت هتعملي إيه؟
"صدقني مش جعانة، بس إنت عارف إن البيتزا مبقدرش أقومها." "أنا قولت حاجة. تحبي أنزل أجيبلك تاني؟ "لأ، كفاية كده. لو عاوزة هقولك أكيد." "واخداني من أول ما جيتي ع الدنيا، استحقاق. ضربتي اللبن بتاعي، ومن وقتها بتضربي أي حاجة، حتى حتة البيتزا اليتيمة اللي سلكتها منك، متهنتش عليها." "إنت قولت من واحنا قد كده إن أي حاجة بتاعتك تكون بتاعتي، صح؟ هترجع في كلامك؟ "لأ خالص، أنا أقدر. وبعدين بعد إيه؟
خلصتي ع اللبن وع فلوسي وع البيتزا، فداكي الدنيا يا شق. المهم الفيل الصغنن يكون راضي ورايق." "يـ رخـم، كمل جملة للآخر عدلة. بس عاوز أقولك، كان معاك حق. أنا حاسة إني أحسن." "زيزو عمره ما يقول كلام غلط. إنتِ اسمعي مني وخليكي معايا، وإنتِ ساكتة." "على أساس لو اتكلمت هتسيبني؟ "لأ، هقنعك." "لأ، وحياة أغلى حاجة عندك، مش قادرة، لفرْهَدة إنت صح." "أيوه كده. يلا بينا ننزل." "يلا."
تحركا من مكانهما وعادا إلى منزليهما. وقبل أن يدخل زين إلى منزله، استوقفته مريم: "زين." "أيوه." "شكرًا.. ع البيتزا والساعة الفصل." "زيزو دايما موجود." ضحكت مريم، وتحدث زين: "بصراحة، مكنتش هعرف أنام وأنا عارف إنك بالحالة دي. وأنا جو التطيب بالكلام ده بحسه مبياكلش عيش، فقولت البيتزا هي اللي هتظبطلك الدنيا، وكمان لما أجيبها أنا، صح؟ ابتسمت مريم: "صح.. بكرة أنا عازماك بعد الامتحان ع كبدة وسجق، يلا."
"بلاش بعد الامتحان، هتكوني متحولة، عارفك." "حتى لو متحولة، هكون محتاجة أفصل، وإنت بتقدر تفصلني. يلا تصبح ع خير، وراجع قبل ما تنام." "وإنتي من أهله. حاضر."
دخل كل منهما إلى منزله. مريم جلست ع مكتبها في غرفتها، وزين فعل نفس الشيء. فتحا دفاتر المراجعة، وهذه المرة كان الجو العام مختلفًا عن الوقت السابق. النفسية أهدأ، والقلق أقل، وكأن الوقت الذي قضياه معًا كان كفيلًا بتهدئة العاصفة التي كانت بداخلهما. بينما مريم كانت تقلب الصفحات، رفعت هاتفها وأرسلت رسالة قصيرة لزين: "صاحي بتراجع ولا نمت؟
رأى زين الرسالة وأبتسم، ثم أمسك هاتفه وقام بالتقاط صورة سريعة له وهو جالس أمام أوراق المراجعة، وأرسلها إليها وكتب تحتها: "صاحي ومسحول أهو." ضحكت مريم عندما رأت الصورة، كان زين مفتعل بوجهه وجه كوميدي لإضحاكها. ردت بصورة مماثلة لها وهي تمسك قلمها: "مسحولين." رأى زين الصورة، وارتسمت على وجهه ابتسامة هادئة، ثم أعاد نظره إلى أوراقه، وعاد كلاهما لمتابعة مذاكرتهما بقلب أخف وعقل أكثر تركيزًا، وروح تحمل دفء المشاركة.
استيقظت مريم استعدادًا للذهاب إلى المدرسة للامتحان. تجهزت بهدوء، وملامح جادة، ونفسية لا تزال تحمل شيئًا من التوتر. كانت سناء أعدت لها وجبة الإفطار: "يلا يا ميما افطري." "لأ، مش قادرة يا ماما. أنا وزين هنفطر أي حاجة في الطريق." "كنت عارفة هتقولي كده. أنا عملتلكم سندوتشات، وأنا متأكدة إن سوسن هتعمل، سواء أنا أو هي، لازم تفطروا." "حاضر.. حاضر." ألقت بنظرها على الساعة المعلقة: "هو اتأخر ليه كده؟
أنا رايحة لزين، يلا سلام." "ربنا معاكم، وإن شاء الله هتحلى حلو." "إن شاء الله يا ماما." في الجهة الأخرى، كان زين يقف في وسط منزله، يرتدي ملابسه ببطء، ويحاول أن يخفي توتره عن سوسن، وحتى عن نفسه. قلبه يخفق بسرعة، ويدان تعبثان في أوراق لم يعد لها فائدة: "اهدى يا زين.. اهدى يا حبيبي." "أنا هادي يا ماما، مفيش حاجة. ده امتحان، هحطه في شوال وأجي." ضحكت سوسن، وخرج محمود قائلًا: "يا خوفي ليحطك أنت في شوال." "يا بابا بقى."
حاولت سوسن إخفاء ضحكتها: "بس يا محمود، هو ناقص توتر." قال محمود وهو يرتشف قهوته ويدخن سيجارة: "أهو ده وقت الحقيقة. لعب وسرمحته طول السنة مع البنات هيحاسب عليها أهو." تحدث زين: "إنت فاكرني قلقان؟ لأ، عادي، ده بس هيبة أول امتحان." ضحكوا: "أيوه، أيوه." رن جرس الباب، ونظر إليهم: "دي مريم. حودا حبيبي، بلاش كلامك ده. أنا مصلبها امبارح بالعافية، مش وقت هزار ده. لنرجع لكم إحنا الاتنين في شوال فعلًا."
"لأ، مريم حبيبتي، مش هقولها حاجة. روح افتح." فتح زين الباب، ووجد بالفعل مريم أمامه تحمل حقيبتها. ورغم هدوئها، ولكن كان يظهر على ملامحها التوتر. ابتسم لها: "صباح الفل." "يلا يا زين، هنتأخر." تحدث محمود من الداخل: "صباح الفل يا ميمي." دخلت إلى داخل المنزل: "صباح الخير." "إن شاء الله الامتحان هيبقى جميل، متقلقيش." "إن شاء الله، دعواتكم." اقتربت إليها سوسن بحقيبة صغيرة بها صندوق طعام:
"ده سندوتشات تفطروا بيها في الطريق، لأني واثقة إنكم مفطرتوش." "ماما، ادتني أهو." "الزيادة خير، ابقوا وزعوها ع أصحابكم." "يلا يا زيزو." "يلا."
حاول زين أن يتمالك نفسه، وأخفى توتره خلف ابتسامة صغيرة. نزلا معًا، يسيران إلى المدرسة القريبة من المنزل، وكانا يتحدثان وكأن كلًا منهما يستمد من الآخر بعضًا من القوة. وصلا أمام بوابة المدرسة، وتوقفت مريم فجأة. نظرت إلى الباب، ثم إلى زين، ولم تتحرك. كانت لحظة صامتة، لكنها مليئة بالمشاعر المضطربة، مزيج من القلق والخوف والتوتر. لحظة مواجهة حقيقية بين خوفها والامتحان. وقف زين ينظر إليها: "وقفتي ليه؟ يلا ندخل."
تحرك خطوتين، ونظر بجانبه، يجدها في الخلف مكانها. عاد إليها، رآها تنظر إلى بوابة المدرسة، وكأنها تنظر إلى جبل عال تخاف أن تتسلقه. كان في عينيها تردد وقلق. "في إيه؟ مالك؟ "حاسة إني مش هعرف أحل." تبدلت ملامحه وزاد توتره ضعفًا، ولكنه حاول أن يتماسك أمامها ويشجعها:
"هتحلي، متخافيش. الرهبة الأولى دي، وأول ما هتشوفي ورقة الأسئلة وتمسكي القلم، كل اللي ذاكرتيه هتكتبيه. استعيذي من الشيطان بس كده، ويلا. إنتِ قدها يا ميما، مش امتحان يعمل فيكي كده." التفتت إليه: "أنا بجد خايفة يا زيزو." "بصي، اهدى كده وركزي، ومتهمتيش بأي حد حواليكي ولا المكان. بصي، غمضي عينك لـ 10 ثواني، خدي شهيق وزفير كده، وقولي لنفسك إنك بتمتحني ع جزيرة لوحدك، وتخيلي ده، وابتدى حلي. جربي، ماشي؟ حدقت به، ولاحظت هدوءه:
"إنت مش خايف؟ "أنا هموت من الخوف، بس إحنا لازم ندخل أرض المعركة، هندخل يعني هندخل. يلا استهدي بالله، خلي اليوم يعدي، وهجبلك آيس كريم كمان، إيه رأيك؟ "لو محلتش كويس، ودا أول امتحان؟ وقف أمامها وقال: "مريم، أنا متأكد إنك هتحلي كويس، وأحسن مني بكتير كمان. عارفة ليه؟
لأنك أشطر مني. لأ، إنتِ أشطر بنت أنا شفتها. هتحلي وكل حاجة هتبقى كويسة، وهيبقى أول امتحان بداية حلوة للباقي. ولو حتى محلتيش كويس، مفيهاش حاجة، لأنك عملتي اللي عليكي وتعبتي وذاكرتي. أنا فخور بيكي يا مريم، في كل خطوة بتعمليها وهتعمليها، أنا معاكي، ومع بعض." (مد يده نحوها) "يلا."
نظرت إلى يده للحظة، ثم ابتسمت بخفة، ومدت يدها هي الأخرى، وتقدما سويًا نحو البوابة. قابلت بعض صديقاتها، ووقفت تراجع معهم بعض الأجزاء قبل دخول الامتحان. ودخلت مريم الامتحان وجلست، وتذكرت كلمات زين أن تتخيل أنها بمفردها في جزيرة، وأن تتنفس بهدوء، وبالفعل فعلت ذلك، ووضع أمامها ورق الأسئلة، وبدأت أن تجاوب عليها. بعد الوقت المحدد، كان زين ينتظرها بتوتر وقلق، حتى ظهرت واقتربت نحوه: "ها؟ إيه الأخبار؟ ابتسمت:
"الحمد لله. وإنت طمني؟ "في شوال معايا، متقلقيش." "هو اللي معاك ولا العكس؟ "إنتِ اتكلمتي مع محمود الصبح من ورايا، ولا كنتي بتتصنتي علينا؟ ضحكت مريم: "ولا ده ولا ده، بس تخمينه." "النتيجة هتبين مين اللي أخد التاني. يلا." "أنا جعانة." "يلا ناكل، عاوزة إيه؟ بيتزا؟ قاطعته: "لأ، إحنا اتفقنا هعزمك ع كبدة وسجق، يلا بينا." "بتدخليلي من ثغراتي، مش هرفض طبعًا. أنا ياما بعزمك ومفلساني، فكّي كيسك شوية، يلا."
ودعوا أصدقاءهم أمام المدرسة، وخرجًا معًا يسيران في الطريق، يناكفان بعض. وصلا إلى العربة الشهيرة بسندوتشات الكبدة والسجق التي اعتادوا الوقوف أمامها دائمًا. وقفا أمامها يضحكان ويتبادلان الحديث، وتعلو أصوات ضحكاتهم مع كل نكتة يسردها زين، تضحك مريم بقوة. كانت الكبدة والسجق مشطشطين كما يحبهما زين، ورغم عدم حب مريم للطعام الحار مثل زين، ولكنها شاركته بقدر بسيط، حيث كان هو يلتهم السندوتشات بشراهة ومتعة. كانت البهجة في تفاصيل اللحظة، في بساطة المكان ودفء الصحبة.
مرت الأيام التالية على نفس الوتيرة. وواصل زين ومريم تقديم الامتحانات جنبًا إلى جنب، يتشاركان التوتر والمذاكرة، الضحك والأحاديث المطولة والطعام. آخر يوم الامتحانات، مع آخر ورقة، أغلقت. تنفس كل منهما الصعداء. شعر كلاهما وكأن صخرة ضخمة زيحت عن صدريهما. انتهت الامتحانات، وانتهى معها القلق والضغط الذي كان يلازمهما في كل لحظة. ولكن فرحة الإجازة لم تكتمل، إذ سرعان ما عاد كل منهما إلى العمل في المطعم. أيام الإجازة لم تكن للراحة، بل كانت مزدحمة بالعمل والحركة، ويمر النهار سريعًا بين الطاولات والمطبخ وأصوات الزبائن.
في يوم، زين في المطبخ أمام الحوض يغسل الصحون والكوبيات. اقترب نحوه مريم وهي تحمل صينية عليها أطباق متسخة: "خد دول بالمرة." "أنا مبلحقش. إيه ده؟ وع فكرة كده مش عدل خالص." "ليه؟ "ليه؟ أنا 4 أيام في المطبخ قدام الحوض، وإنتِ يومين بس؟ "عشان الذكر بحق أنثتين." "لأ يا شيخة.. أفادكم الله." ضحكت مريم: "مش إنت الراجل؟ وتشيل عني؟ يرضيك إيدي الجميلة دي تبوش؟ يعني بدل ما أرسم، تبوش من الصابون والمياه." "فيه جلافز ع فكرة."
"زيزو الجدع، أخويا الشق اللي مليش غيره." "أيوه أيوه، ثبتيني بالجملتين دول. مش بقولك واخداني بكدج استحقاق." "يلا يلا، هانت. النتيجة تظهر ونهرب منهم." اقترب إليها هامسًا: "ما تيجي نهرب دلوقتي؟ "ينفع؟ "المكان هادي، وبعدين ساعتين وهيقفلوا، مفرقتش كتير." "وهنهرب إزاي؟ إنت ناسي حودا قفشنا، وادانا إنذار هيتخصم من مرتبنا لو كررناها تاني." "بطنك وجعتك وأنا خدتك وروحنا، بسيطة. أكيد مش هيسيبوكي تعبانة يعني هنا."
"بس أنا بطني مش وجعاني وكويسة أهو." "إنتِ الثانوية أخدت كل ذكائك... مثلي.. مثلي زي ما بتمثلي عليا عشان تصعبي عليا." "يا رخم.. ولو اتقفشت، هتعوضني الخصم؟ "مثلي عدل الأول، وأنا هظبطك بيتزايه كده من اللي قلبك بيحبها." "بتغريني... ماشي.. امتى؟ "10 دقائق. اخرجي برا وابدئي." "أوكيه."
بالفعل، بعد 10 دقائق، بدأت مريم بالتمثيلية بوضع يدها على بطنها تتألم من الوجع، مما أصاب الجميع بالذعر. واصطحبها زين للمنزل، ونجحت خطة الهروب. قاموا بشراء الطعام وذهبا إلى السطح سريعًا.
رغم انشغالهما، كان يسرقان لحظات قصيرة من يومهما، ويصعدان إلى غرفتهما السرية على السطح. المكان الوحيد الذي يشعران فيه أن العالم يتوقف قليلًا، حيث لا صخب ولا توتر ولا مسؤوليات، بل فقط ضحك وتناول الطعام، ويستلقيان على الأرض بظهورهما ينظران إلى السماء. هناك تحت السماء المفتوحة، كانا يجدان الراحة الحقيقية بعيدًا عن كل شيء.
جاء يوم إعلان نتيجة الثانوية العامة، وكان التوتر يخيم على الجميع، لكنه كان مضاعفًا لدى مريم. منذ الصباح وهي تتحرك في منزلها بلا هدف، تنتقل بين الأركان، تمسك هاتفها وتعيد النظر فيه كل بضع دقائق، ثم تتركه لتعود إليه من جديد. الخوف كان ظاهرًا على وجهها، وكأنها تخشى أن تواجه مصير تعب شهور طويلة.
اقترح زين عليها أن يتولى هو مهمة معرفة النتيجة ويبلغها بنفسه، ووافقت رغم قلقها، وجلست تنتظر. في منزله، كان زين يحدق في شاشة الهاتف بعد أن ظهرت. نظر إليها مطولًا، وعيناه تتحركان بين الأرقام وأسماء المواد الدراسية، ثم أخذ نفسًا عميقًا وتحرك متجهًا إلى منزل مريم ليخبرها النتيجة. رن الجرس، وقفزت مريم من مكانها نحو الباب وفتحته بسرعة. كان زين واقفًا أمامها ينظر إليها بصمت غير معتاد، ملامحه هادئة، لكنها لا تحمل تلك الابتسامة التي كانت تراها دائمًا وكانت تتوقعها. عيناه
بدأ فيهما شيء من الجدية: "في إيه؟ النتيجة إيه؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!