الفصل 19 | من 25 فصل

رواية توأم روح الفصل التاسع عشر 19 - بقلم يارا سمير

المشاهدات
21
كلمة
8,706
وقت القراءة
44 د
التقدم في الرواية 76%
حجم الخط: 18

ومين العريس إن شاء الله أعرفه؟ شفته؟ صمتت للحظة وقالت: إيهاب.. إيهاب مختار. نزلت الكلمة عليه كضربة غير متوقعة، اتسعت عيناه وتجمدت ملامحه وكأن الزمن توقف. الصدمة ارتسمت على ملامحه عاجزًا عن إيجاد كلمات. قلبه خفق بعنف ومريم بقيت تنظر إليه بهدوء وكأنها تدرك تمامًا ما يدور في داخله. قال بغضب: مش هتتجوزي.. مش هتتجوزيه يا مريم، انسي. بملامح تعجب قالت مريم: نعم.. وده إزاي يعني؟ مش هتتجوزي.. مش هتتجوزي إيهاب مختار يا مريم.

تحدثت بهدوء وقالت: ممكن بهدوء كده نتكلم.. أنا هتجوز، فين المشكلة في إني هتجوز؟ صمت لحظة وقال: المشكلة إنك مقولتيش ليه؟ كنت هقولك.. بعتلك رسالة إنك تيجي هنا بعد شغلك، وقولتلي أوكيه. بعد ما كله عرف عرفتيني. كله ده أهلنا.. ماما وبابا ومحمود وسوسن.. أهلي مش أصحابي ولا جيراني. وبعدين عاوز أفهم، أنت مشخصنها ليه مع إيهاب؟ هو عملك إيه؟ بتقوليلي عمل إيه.. عاوز يتجوزك، أنت فاهم هو عاوز إيه. نظرت إليه باستغراب:

فيه إيه غريب في اللي هيحصل؟ هو حقه يطلب الطلب ده، وحقي أوافق أو أرفض، وأنا موافقة. بملامح صدمة: موافقة.. لوحدك كده فكرتي وقررتي وبتعرفينا بس؟ حياتي يا زين وأنا اللي هعيشها.. المفروض تفرح، خلاص أخيرًا قابلت فارس أحلامي اللي هيريحك مني ومن طلباتي وزني وخناقاتي. مكنتش أتوقع الرد ده بجد.

إحنا اتفقنا اللي يتعرف فينا على شخص والتاني مش مستريحله يبقى مرفوض، وأنتي عارفة أنا مبرتاحش لإيهاب ومش موافق عليه. هتتجوزيه وأنا مش موافق؟ صدقني لما تعرفه هتحبه.. بلاش تحبه.. لما تعرفه عن قرب هتلاقيه غير غير ما أنت فاكره، أنت مش مدي لنفسك فرصة تعرفه. إيه الدفاع المميت ده عنه؟ أنا مشفتش حاجة وحشة، هتكلم عليه وحش ليه. استدار الاتجاه الآخر وعاد الوقوف أمامها وقال: أنتي وافقتي ليه؟ حبتيه؟

لأ، هتجوزه تخليص ديون. ما طبعًا يا زين، فيه إيه. أنتي متأكدة إن ده حب؟ عرفتي إزاي إنه حب؟ هل حبيتي قبل كده عشان تتأكدي؟ ممكن اللي حاسة بيه اتجاهه حب لدرجة إني أوافق أتزوجه.. أومال هأوافق ليه. بتحبيه زي؟ صدمت مريم من كلماته: أنت بتقول إيه.. زين فكر في كلامك.. أنت بتقارن مين بمين؟ أنتم الاتنين مكانتكم مختلفة عندي. مين.. اختاري واحد فينا، أنا ولا إيهاب؟ أنت بتقول إيه.. اعقل كده. مريم اختاري أنا ولا إيهاب مختار.

باين إنه أخد المساحة الأكبر عشان تدفعي بالشكل ده عنه.. مبروك.. مبروك. لم يسمح لمريم بالحديث وغادر زين السطح بخطى سريعة كأن الأرض تضيق تحت قدميه والهواء من حوله صار ثقيلًا والغضب يتصاعد في صدره كدخان كثيف لا يجد مخرجًا. خرج إلى الشارع لا يدري إلى أين يمضي.

ساقتـه خطواته نحو البحر كأنه يبحث عن شيء يهدئ ذلك الصراع المشتعل في أعماقه. وقف هناك أمام الأمواج والهواء يصفع وجهه بلا رحمة. حدث في الأفق البعيد وعيناه تغوصان في سواد البحر وذهنه غارق في دوامة من الأسئلة ومن عدم الفهم. شعر بضيق خانق وتشتت ينهكـه وقلبه معلق بين رفض التصديق وبين واقع لا يملك تغييره. في الصباح الباكر خرج زين من المنزل يحمل ملامح مرهقة وغاضبة. خطواته كانت سريعة. صادف مريم صاعدة على السلم واستوقفته.

زيزو.. صباح الخير. صباح الخير. كان يتعمد إبعاد عينه عنها. قالت مريم: أنت رايح الشغل؟ أيوه.. عن إذنك. استوقفته: هتيجي الغدا النهاردة.. كلنا متجمعين في المطعم عشاني. معرفش ظروفي إيه.. سلام. قال ما قاله ثم تابعه بطريقة سريعة دون أن يلتفت. ترك خلفه صمتًا ثقيلًا ومريم واقفة في مكانها تشعر بمرارة لا تقل عن مرارته.

وصل زين إلى الشركة لكن شيئًا فيه لم يكن كما اعتاده من حوله. وجهه المتعب يشوبه توتر داخلي واضح وملامحه حادة جامدة تخلو من أي ابتسامة وعيناه لا تلتقيان بأحد. جلس على مكتبه دون أن يتحدث. انكب على أوراقه بتركيز مبالغ فيه كأنه يحاول أن يغرق في العمل هربًا من أفكاره. علم كريم بوصوله ومر على مكتبه. فتح الباب ودخل. صباح الخير يا زيزو. صباح الخير. لم يلتفت إلى كريم وظل يحدق في الأوراق وشاشة اللابتوب.

إيه النشاط ده.. أول مرة أشوفك على طول تبدأ شغل، دائمًا بتقضيها مراجيح في الأول. خبط بيده على المكتب والأوراق: يعني أعمل كده مش عاجب، كده مش عاجب.. امشي طيب ولا إيه؟ جلس كريم متعجبًا من طريقته اللاذعة: فيه إيه مالك.. فيه إيه غيرك كده؟ مفيش حاجة.. أصلًا مفيش حاجة تقدر تغيرني ولا تضايقني مهما كانت. لاحظ كريم تلميحاته ولكن كان يجهل من المقصود. استكمل حديثه: لأ فيه.. هتخبي عليا أنا كيمو صاحبك؟ عاد للنظر إلى الأوراق هربًا:

مفيش يا كريم. طيب صحيح عرفت الخبر ده.. ميما هتتجوز. تنفس نفسًا عميقًا وأغمض عينيه ونظر إلى كريم: أيوه عرفت.. مبروك. يبقى ده السبب.. انتوا قفشتوا ع بعض ولا إيه؟ المفروض تفرح ليها. قال باندفاع: أفرح ليها لما أكون عارف من الأول.. لكن هي وافقت وعرفتني لمعرفة بس.. خبت عليا حاجة زي دي وأنا مبخبيش عنها حاجة. أنت متعصب ليه يا زين؟ طبيعي يبقى ليا حياة خاصة وأسرار تخصها. يعني أنت شايف عادي اللي حصل؟ كلكم شايفين اللي حصل عادي.

لأنه عادي.. عريس اتقدم ومناسب وهي موافقة يبقى نفرح لها.. نفرح لأختنا يا زين.. لأختنا. كان كريم يؤكد على كلمة (أختنا) بكثرة ونظر إليه زين: مبروك لأختنا.. حلو كده. جمع أوراقه أمامه ويستعد لمغادرة: رايح فين؟ في ميتنج برا هروحه.. أنت عاوز حاجة؟ بس لسه بدري. هروح مكان أشرب حاجة مع نفسي. طيب هتيجي الغدا. نظر إليه: لأ.. روحوا أنتم واحتفلوا بجواز أختنا.. أختنا يا كريم صح؟ أيوه.

غادر زين المكتب ورغم محاولاته ليصبح أهدأ ولكنه غادر مقر الشركة وهو مشتاق غضبًا. في المطعم دخلت مريم. المكان كان مزدحمًا بضجيج الأحاديث وملك كانت مشغولة واتجهت مريم إلى المطبخ وبدأت تساعد ملك. وفي وقت الراحة جلسا يتحدثان. وسابك ومشي؟ أيوه قفش جامد ومشي. هو ممكن يكون زعلان وخد موقف لأنه عرف متأخر معرفش الأول. متأخر إيه يا ملك.. اللي عرفوه دول أهلي وأهله وكنت هقوله.. هو اللي عدى ع شقتهم الأول.

بصي.. فكرة إنك تختفي فجأة من حياة زين هو مفكرش في الاحتمال ده. مين هيختفي.. أنا هتجوز وهو هيتجوز.. كل واحد فينا له حياة.. مش ده الطبيعي. أيوه.. بس كنتي توصليها له بالتدريج.. حطي نفسك مكانه.. فجأة قالك هتجوز.. هتعملي إيه؟ تغيرت ملامحها لمجرد التخيل وقالت ملك:

شوفتي.. اتكلمي معاه وراضيه يا مريم.. اللي بينكم مش حاجة بسيطة ولا سهلة.. أنتم بينكم عمر وعارفين كل حاجة عن بعض.. وإنه يتفاجئ بجوازك عنده حق ياخد موقف.. راضيه.. هو جاي ع الغدا؟ معرفش.. سألته مقاليش. هيجي زين مش لدرجة دي يندل يعني...

كان وقت الغداء قد حل واجتمع الجميع في المطعم تتناثر أحاديثهم بين ضحكات خفيفة والدفء العائلي ينساب بين الأطباق المصفوفة بعناية على الطاولة. في زاوية الطاولة جلست مريم تشاركهم الأحاديث وعيناها تنظر إلى الباب تنتظر ظهور زين. تأخر زين وقلقها يتمدد في قلبها بصمت لا يراه أحد. تحدث كريم: فينك يا ميما.. العروسة مش معانا ولا إيه؟ ها.. لأ معاكم.

فتح باب المطعم ودخل زين ترافقه بسنت. مالت ملامح مريم بين الدهشة والانقباض. اقتربا إلى الطاولة وجلس زين بجوار بسنت وانضم إليهم وتعلو وجهه ابتسامة مرحة وهو يمازح من حوله: سوري يا جماعة على التأخير.. بس التأخير مش من عندي.. بوسنت مكنتش راضية تيجي. تحدثت سوسن: ليه يا بسنت يا حبيبتي؟ لأ طنط مفيش حاجة. قال زين: بتقولي يا سوسن ده تجمع عائلي.. أكون موجودة ليه وأنا قولت لها مش هتحرك غير لما تكون معانا. تحدثت سناء:

أنتي واحدة منا يا بسنت.. متقوليش كده. تحدث زين وقال: أم العروسة نفسها قالت أهو.. ولا إيه يا ميما؟ نظر إليها وأكدت مريم على كلماته: أيوه أكيد.. أنتِ مش محتاجة عزومة.. أنتِ تيجي على طول. قال لها زين: جهزي فستانك بقى يا بوسنت عشان الفرح. تحدث كريم: بجد إحساس جميل إننا متجمعين نحتفل بمريم وإنها خلاص هتتجوز. تحدثت مريم: ده فرحة واحد فرحان إني همشي.. ماشي يا كيمو. لأ خالص.. بس ده ميمنعش.. أيوه. ضحكوا جميعًا وتحدث محمود:

هنشوف العريس امتى يا ميما؟ هو في القاهرة مشغول في حاجة.. هيخلصها وييجي بعد يومين. ييجي بالسلامة. إن شاء الله. كان تركيز زين بالكامل على بسنت يصغي لها ويضحك على ما تقوله. في حين بدت مريم وكأنها تنسحب بهدوء داخل نفسها تراقب بصمت المشهد. بعد الغداء غادر زين بصحبة بسنت بهدوء. ملك لاحظت تجاهل زين لمريم على غير العادة. لم تظهر رد فعل فوري.

عند انتهاء اليوم عادت مريم مع ملك إلى المنزل في صمت ثقيل. لم تنبس كلمة طوال الطريق. وصلوا أمام منزل ملك. تصبحين على خير يا ملوكة. ميما.. هتنامي ولا هتعملي إيه؟ هطلع المرسم مش جايلي نوم. طيب هغير وألبس حاجة مريحة وأحصلك أقعد معاكي شوية في الهوا. أوكيه. جلست مريم في المرسم في صمت. يدها لا تتحركان. تنظر إلى اللوحة أمامها في شرود. لاحظت ملك ذلك وعلمت ما سبب ضيقها. أمسكت مريم هاتفها وأرسلت رسالة نصية إلى زين

(زين.. الحقني مريم تعبت مرة واحدة وهي في المرسم) . كانت كلمات قصيرة ولكنها مقصودة. بعد 10 دقائق وصل زين إلى المرسم بخطوات سريعة وملامحه مضطربة. القلق ظاهر في عينيه. نفسه متسارع كأنه ركض كل الطريق. نظراته كانت تتنقل بسرعة يبحث عن مريم. وحين وقعت عيناه عليها جالسة بهدوء بخير تمامًا دون أثر لتعب أو أزمة. تجمد مكانه. ومريم نظرت إليه بهدوء وتفاجأت بوجوده. زين.. مالك؟

ملك كانت تقف على الجانب وابتسامة خفيفة ترتسم على وجهها لنجاح خطتها. نظر زين إليها بغضب: ملك.. أنا آسفة بجد على الرسالة.. بس ده الحل اللي كان قدامي عشان تتصالحوا.. أنا هسيبكم تتكلموا مع بعض وتتصافوا.. الموضوع أبسط من كل اللي حصل ومينفعش أنتم الاتنين تتخاصموا. بالفعل تركتهم ملك وجلست زين في صمت وملامحها منزعجة. جلس أمامها زين وملامحه أيضًا منزعجة. كلاهما يتردد في أن يبدأ الحديث. قالت مريم: زين.. أيوه. أنت حمار وغبي.

نظر إليها بتعجب: أنا.. أيوه أنت أغبى إنسان شوفته في حياتي.. مريم.. بلا مريم بلا بتاع.. إنك تقولي السؤال الغبي ده تبقى غبي.. يعني إيه تقولي أنا يا إيهاب؟ أنت غبي بجد. متغلطيش بقولك. يعني ده سؤال حد عاقل.. رد عليا؟ بتهته: كنت متعصب من المفاجأة ومفكرتش بقول إيه؟ وفكرت بعد ما مشيت ولا فكرت تبعتلي رسالة صح.

أنتِ بتقلبي الترابيزة.. أنتِ خبيتي عليا.. خبيتي عليا حاجة متتخباش.. فجأة هتجوز.. لاء بجد.. كنت متوقعة إيه أقولك مبروك.. مبروك.. أنا فعلاً كنت هقولك الأول.. لكن أنت عرفت منهم.. ويمكن غلطت لما قررت أقولكم كلكم في يوم واحد.. ده غلطتي بعتذر عنها.. لكن غلطتك لأ.. أنا مش مسامحاك على آخر كلامك.. تقولي اختاري.. إحنا وصلنا لكده؟ مريم.. إيهاب مينفعش ليكي. ليه..

مش شخصيتك.. أنتِ عاوزة حد فاهمك وعارفك كويس.. عارف تفاصيلك الصغيرة قبل الكبيرة.. حد لاسع دماغه تستوعب جنانك وتطنطيطك ويبقى عارف كويس إيه يفرحك وإيه اللي بيزعلك.. يكون عارف إزاي يصالحك ويراضيكي.. مش كلام رومانسي وسهلوكة. أنت كده بتقولي دوري على حد شبهك صح؟ أيوه. ومتتجوزيش غيره؟ أيوه. للأسف معرفش غير شخص واحد. مين ده؟ اسمه زين محمود.. تتجوزيني؟ ارتبك زين للحظة وقال:

أنتي اللي غبية صح.. و10 لتر اللبن اللي شربتيه ده.. لو مكنتيش أطفست كنت لبستك وأمرى لله. يا راجل.. بص يا زيزو.. إيهاب شخص محترم وكويس وبيحبني وأنا كمان بحبه.. ومدام اتنين بيحبوا بعض خلاص.. ولو ع المعرفة هنعرف بعض لما نكون مع بعض. فيه فرق بين اتنين بيحبوا بعض واتجوزوا.. واتنين فاهمين بعض واتجوزوا.

لو العقلية كبيرة هنقدر نوصل لنقطة تفاهم نكمل بيها علاقتنا.. أنا لو كنت شاكة أو قلقانة كنت موافقتش.. وبعدين أنا معايا السند والضهر اللي بسند عليه واللي حياتي ملهاش معنى من غيره.. زيزو الشق.. ينفع في خطوة مهمة كده متبقاش معايا.. ينفع. تنهد وقال: خلاص يا مريم.. اللي أنتِ عاوزاه. أنا لسه متصالحتش على فكرة.. على كلامك الغبي اللي قولته. حقك عليا.. متزعليش. لأ مش قابلة الاعتذار الناشف ده. نظر إليها.. كانت تبتسم

نصف ابتسامة وابتسم لها: ماشي.. هطلب بيتزا. بسعادة: أيوه كده. نظر إليها زين بنظرة حزينة رغم ابتسامته التي ملأت وجهه: هفتقدك يا ميما.. هفتقد الفيل الصغنن وزلومتك دي. بادلته مريم نفس النظرة والابتسامة: وأنا كمان جدًا.. بس هكون موجودة لك دايماً في أي وقت.. اعرف دايماً ميما موجودة لزيزو. وزيزو موجود لميما.

تحدد يوم زيارة إيهاب لمنزل مريم. امتلأ المنزل بأجواء استعداد مختلفة.. خفيفة لكنها مشحونة بتوتر خفي. حضر إيهاب أنيقًا ومتحفظًا يحمل في حقيبته ملامح رجل جاء ليضع خطوة رسمية نحو حياة جديدة. استقبله كرم وسناء ومهما محمود وسوسن. قاموا بالترحيب دافئ له. جلس الجميع في غرفة المعيشة حيث الأجواء محملة بنظرات متبادلة وضحكات خفيفة وتحضيرات لمناسبة منتظرة.

بعد دقائق دخل كريم يرافقه زين. كان زين هادئًا ع وجهه ابتسامة رسمها على وجهه كأنها درع. جلس إلى جوارهم يشارك الحديث ويعلق بلطف ويبدو كأنه حاضر بالكامل لكن عينيه بين لحظة وأخرى كانت تسرح في الفراغ كأن ذهنه يحاول التماسك وسط زحام داخلي.

دخلت مريم الغرفة بخطوات خفيفة ووجهها يعلوه خجل واضح. نظراتها هادئة لكنها مضطربة بعض الشيء. كانت كل الأعين تتجه نحوها فازدادت حركتها تحفظًا وهي تجلس بهدوء بجانب إيهاب. مد إيهاب يده نحوها بباقة ورود ناعمة كانت تحمل ألوان الفرح والدفء. التقطتها مريم بابتسامة عريضة ولمع في عينيها ضوء حقيقي كأن شيئًا جميلًا لامس قلبها. تلك اللحظة البسيطة بدت كعلامة بداية جديدة وكان الحضور من حولهم يتبادلون النظرات الراضية.

بعد كلمات مختصرة تمت قراءة الفاتحة وسط جو من التوافق والارتياح. كانت ملامح الجميع تنطق بالقبول والفرح وتقرر إقامة الخطوبة الرسمية في المطعم بعد أسبوع فامتلأت المكان بالابتسامات والمباركات. في الزاوية جلس زين بهدوء يشارك الابتسامة مع الباقين ولكن في داخله كانت روحه تمشي في طريق موازٍ لطريق فيه وجع لم يعترف به ووداع لم يقال بصوت. كان جسده حاضرًا بين الأهل لكن قلبه في مكان آخر يصغي لصمت لا يراه أحد.

جلس إيهاب مع مريم يتبادلان أطراف الحديث ويضحكان. انسحب زين بهدوء دون أن يلفت الأنظار. خرج من المنزل بخطى متثاقلة كأن كل شيء حوله أصبح ثقيلًا على صدره. الهواء في الخارج لم يكن كافيًا والليل بدا ضيقًا رغم سكونه. قاد سيارته دون وجهة محددة حتى وجد نفسه أمام البحر. جلس على الرمل وكانت عيناه تراقبان الأفق بصمت والضيق يملأ صدره. كل شيء حوله كان ساكنًا إلا روحه كانت تضج بوجع مكتوم لا مفر منه.

رن هاتفه لم يلتفت إليه من البداية لكن سمع رنين مرة أخرى ورأى اسم بسنت وأجاب: بسنت. سوري يا زيزو بكلمك بزن كده بس كنت عاوزة آخد التأكيد منك على الاجتماع عشان أبعتلهم الإيميل، أوكيه ولا لسه محتاج تراجع حاجة. لأ خلاص ابعتيلهم على موعدنا بكرة. تمام. لاحظت نبرة صوته متغيره: هو أنت كويس؟ هبقى كويس. أنت فين مش في البيت؟ لأ نزلت.. اتمشيت وقاعد قصاد البحر شوية.

علمت بالمكان وأغلقا الهاتف. بعد ربع ساعة بينما هو غارق في أفكاره سمع صوت مألوف يقترب. رفع رأسه فوجد بسنت تقف أمامه والابتسامة تعلو وجهها: كنت قلقانة تكون مشيت.. الحمد لله إنك موجود. جلست بجانبه على الرمل ونظر إليها زين بتعجب: إيه نزلك في وقت متأخر كده؟ حسيت إنك مش كويس.. قولت بما إننا أصحاب أجى أطمن عليك ولو محتاج مساعدة أقدر عليها. ضحك زين: الحالة مش حرجة لدرجة المساعدة الخارجية.

اللي شايفك هو اللي بيحدد مش أنت. إيه مالك بقى؟ كان النهاردة قراية فاتحة مريم.. سبتهم ونزلت ليه؟ تنهد وهو ينظر إلى البحر: أيوه اتقرت الفاتحة وعاوزين الحاجة الساقعة وزغرطوا وفرحوا وحددوا الخطوبة الرسمية كمان. سبتهم ونزلت ليه؟ حد زعلك؟ لأ.. بس زي ما بيقولوا العروسة للعريس والجري للمتاعيس. ضحك وابتسمت بسنت: حاسة بيك على فكرة. نظر إليها: يعني إيه حاسة بيا؟

حاسة بالخنقة اللي حاسسها.. إنك معترض على حاجة بتحصل مينفعش تعترض عليها.. حاجة طبيعية بتحصل طبيعي.. لكن اعتراضك ورفضك ليها هو اللي مش طبيعي. صمت زين واستكملت بسنت: مريم في شخص في حياتها هيبقى له الأولوية.. إحساسك إنك رجعت درجتين لورا وبقى فيه حد تاني مكانك.. إحساس يضايق.. بس اطمنك هياخد وقت وهيعدي وعن تجربة. إزاي؟

كان فيه جار اتربيت معاه من صغري.. لما كبرنا مكنتش مستوعبة إن ممكن حد ياخده مني.. لما فكر يرتبط كنت بضايق أوي وبعمل مكايد وكنت سبب علاقات كتير تدمرت مع بنات.. لغاية ما اكتشفت إني كده مش بحبه وبحافظ عليه.. لأ بخسره وبسبب في حزن له إنه مش عارف يستقر في حياته العاطفية.. وبالفعل بسببي بعد عن أكتر إنسانة حبها.. علاقتنا زي ما هي.. لكن هو لا كان حزين وبائس.. مكنتش عارفة أعوض غيابها.. لكن هو محبش يزعلني.. فبصراحة حسيت إني أنانية أوي وبخسره مش بكسبه.

وعملتي إيه؟

صالحتهم على بعض وبعدت أنا من الصورة.. موجودة لكن فيه حد له الأولوية في الاهتمام والحب والاحتواء حتى الكلام.. أنا مكنتش متقبلة أكون رقم 2 بعد ما كنت رقم 1 في حياته.. وده غلطتنا لأننا عمرنا مفكرنا في بعدين عشان كده اتصدمنا.. زيك أنت ومريم.. علاقتكم قوية أوي مفكرتوش إن فيه أشخاص ليهم الحق إنهم يكونوا رقم واحد في حياتكم.. وده ميقللش من وجودكم في حياة بعض بالعكس.. أنتم هترجعوا درجة لكن أساسكم قوي.. هتكونوا سند وضهر لبعض.. الدنيا لو مالت هتعدلوها لبعض.. زي نظرية توأم الروح.. عارفها؟

ده الحبيب وكده.

لأ لأ.. توأم الروح مش شرط يكون نتاج علاقة عاطفية.. هو بيكون نتاج علاقة ملهاش مسمى بين شخصين فاهمين بعض.. محتويين بعض.. مقدرين بعض.. أثركم في حياة بعض عميق لدرجة مستحيل مسح الأثر ده.. موجودين في حياة بعض حتى لو مش شايفين بعض.. اتغير ترتيبك لكن مكانك ثابت مبيتغيرش.. علاقة عميقة كده محدش سهل يفهمها.. وأنت ومريم كده مهما بعدتوا هترجعوا لبعض.. مهما ارتبطتوا مش هتستغنوا عن بعض.. زي ما قولتلك كده المطلوب منكم تتقبلوا إن ترتيبكم اختلف وبس.

واسأل أهل الخبرة. ضحكت بسنت: أيوه.. فالموضوع مش هقولك سهل لأنه جديد عليك.. أنت بس محتاج وقت تستوعب الجديد اللي حصل لعلاقتكم.. وبس كده.. متقلقش أنا معاك.. من خبرتي هنلم الدنيا. صمت زين وتحدثت بسنت: اتعشيت.. أنا لسه متعشيتش وكنت نازلة أشوف مكان آكل فيه. لأ مأكلتش. طيب إيه رأيك أنا عازماك. ليه التكلفة. لأ أبدًا.. مفيش تكلفة.. مش إحنا أصحاب. موافق.. لكن نتعشى مع بعض وعلى حسابي.. أنتِ بكرة عليكي الفطار.

أحلى فطار بيتي.. هنتعشى إيه؟ أنتِ عاوزة تتعشي إيه؟ بصراحة نفسي رايحة للكبدة والسجق حراقيين كده. يا مزاجك العالي.. يلا بينا على الكبدة والسجق.

في اليوم التالي في المطعم تجلس ملك بهدوء تتابع ما أمامها على اللابتوب بشرود خفيف. محاطة بأجواء صباحية دافئة ورائحة القهوة تملأ المكان. بينما هي مندمجة في لحظة صمتها وجدت فجأة علبة هدية أنيقة توضع أمامها على الطاولة. رفعت عينيها بسرعة بدهشة خفيفة لتقع نظراتها على كريم الواقف أمامها بابتسامة واسعة ونظرة دافئة. كريم. كل سنة وأنتي طيبة. إيه؟ جلس أمامها: إيه إيه.. معقولة ناسية عيد ميلادك النهاردة؟

لأ فاكرة.. بس مجاش في بالي حد يفتكره غيري. أنا فاكره.. على طول كنت فاكرة وبحتفل به كمان. بتحتفل به؟ أيوه.. بحتفل باليوم اللي اتولدت فيه أحسن إنسانة قابلتها في عمري.. اليوم المميز اللي جيتي فيه في الدنيا. كريم. أنتِ سألتي ورديتي.. المهم دي هدية وحبيت أكون أول واحد يهاديكي. شكرًا. أنا كنت بفكر نعمل حفلة عيد ميلاد هنا على قدنا.. بس أنتِ رافضة يتعملك عيد الميلاد. أيوه مش عاوزة.. وعمومًا شكرًا على الهدية.

أنا واثق إنها هتعجبك لأنها حاجة بتحبيها.. أروح الشركة أنا. غادر كريم وكانت تنظر عليه ملك حتى اختفى وعادت النظر إلى الهدية. جلست تحدق بها للحظات بين الحرج والفضول ثم مدت يدها بتردد وفتحت الغطاء ببطء. عيناها اتسعتا بدهشة صامتة حين رأت داخلها مجسمًا بلوريًا شفافًا بداخله فتاة صغيرة تجلس على العشب ترتدي فستانًا رقيقًا تحيط بها الخضرة وخلفها بحر هادئ يمتد في الأفق.

التقطت البطاقة المرافقة معها وقرأتها بصمت وعيناها تتحركان فوق الكلمات القليلة التي كتبها كريم: من زمان وأنتي بتحبي المجسمات البلورية.. باباك اشترى لك أول واحدة كانت شبه دي.. أول ما لقيتها قولت هتحبيها.. أتمنى تكون عجبتك وحبيتيها.. كل سنة وأنتي طيبة.

وضعت البطاقة جانبًا وأدارت المفتاح الصغير أسفل القاعدة. بدأت الموسيقى تعزف بلحن هادئ وانطلقت حركة الفتاة داخل البلورة تدور ببطء كأنها ترقص وسط الطبيعة. في تلك اللحظة لم يكن في المكان سوى صوت الموسيقى وضوء الشمس ينعكس على وجه ملك وابتسامة رقيقة تزين ملامحها ودموع تجمعت في عينيها حين تذكرت والدها في الماضي. أحبت الهدية جدًا.

في منزل مريم كانت تقف أمام المرآة تضع لمسات الأخيرة لتجهيزها للخروج. في الصالة يجلس إيهاب برفقة سناء وكرم يتبادلون حديثًا خفيفًا بينما ينظر من حين لآخر نحو الباب مترقبًا خروج مريم من غرفتها. غادرت مريم أخيرًا غرفتها. سوري على التأخير. لأ ولا يهمك.. جاهزة يلا. يلا.

تحركا مغادرين المنزل واتجها إلى السيارة وقام إيهاب بفتح باب السيارة لمريم أولًا مما أشعرها بالخجل. جلست وطلب منها وضع حزام الأمان. توجه وجلس على مقعد السائق ونظر إليها قائلاً بابتسامته الدافئة: أنتِ جميلة النهاردة. النهاردة بس. كل يوم أنتِ أجمل من اللي قبله. ابتسمت بخجل: شكرًا.

تحركا وتوجها إلى المحلات حيث بدأت جولة طويلة من البحث. دخلا عددًا من المتاجر وتناقلا من واجهة إلى أخرى وعيون مريم تدقق في تفاصيل الأقمشة والقصات والألوان. كل بذلة تمر أمامها تخضع لفحص دقيق ثم تخرج من المحل بحيرة وتدخل محل آخر تكرر نفس القصة. الوقت يمر والخيارات تتعدد لكنها لا ترسو على قرار. من التعب قرر إيهاب التوقف للحظات وجلسا في مقهى صغير على ناصية الطريق وضعا الأكياس جانبًا وطلبا مشروبًا دافئًا. كان ينظر إيهاب إليها مبتسمًا في صمت وشعرت مريم بالاحراج.

بجد أنا آسفة.. أنا قولتلك أنا فظيعة في الشوبينج. بصراحة مكنتش أتخيل بالشكل. لأ أنا بعترف أنا صعبة ومش بسهولة بعرف أشتري حاجة غير مع زين. زين؟ يعني مش ملك ولا مامتك؟ مستغرب إنه ولد بينزل مع بنت بتعمل شوبينج صح.. ملهاش علاقة والله.. الفكرة إن حواليا محدش بيستحملني في اللف والتردد غيره.. ملك أو ماما بيتعبوا وبيزهقوا وواضح إني زهقتك زيهم. لأ خالص مزهقتش بس بستوعب وبعدين نعتبرها استراحة ونرجع نكمل.

ما إحنا لازم نشتري البدلة لك انهاردة.. حفلة الخطوبة كمان يومين. عن نفسي مفيش مشاكل.. أنت اللي هتقرر هنجيب البدلة النهاردة ولا هروح الخطوبة بالبجامة. ضحكت مريم: لأ مش لدرجة.. هنجيب واحدة.. أساسًا فيه واحدة كنت مترددة اتجاهها.. هنرجع ونشوف. أنا معاك.

بعد استراحة قصيرة في المقهى، نهض كلا من إيهاب ومريم ليكمل جولتهم. تنقلا من محل لآخر لكن هذه المرة بخطى أكثر تركيزًا. بدا كأن مريم قررت ألا تترك اليوم ينتهي دون أن تجد ما يناسبها واستقر في إحدى المحلات. قال إيهاب: متأكدة إنها هي دي. أنت إيه رأيك.. عجبتك؟ عجبتني.. لكن المهم تعجبك أنتِ. عجبتني.. لو طولت أكتر من كده ممكن أرجع في كلامي.

ضحكا وتركها ليبدل ملابسه وينهي إجراءات الشراء. بقيت مريم تتجول بين الرفوف بنظرات متأملة. فجأة وقفت أمام بذلة أنيقة ذات تصميم كلاسيكي بسيط بلون داكن مميز. شيء ما جذب انتباهها بشدة كأنها تهمس لها باسم تعرفه جيدًا. قالت: زين.

مع ابتسامة دافئة ترتسم على وجهها دون تردد استدعت البائعة وطلبت منها إحضار المقاس المناسب مع تغليف أنيق يليق بالهدية. كانت حركاتها هادئة لكنها تحمل شيئًا من الحماس الخفي كأنها تفعل ذلك بعفوية نابعة من عمق قلبها. عاد إيهاب في تلك اللحظة ونظر نحوها ليجدها ممسكة بالبذلة ووجهها مضيء بسعادة خفيفة لم يراها منذ قليل. اقترب إليها: أنتِ عاملة لي مفاجأة ولا إيه؟ ها.. لأ دي لزين.. شفتها حسيتها عليه أوي. بتعجب: اشتريتي بذلة لزين؟

أيوه.. البدلة اللي هيحضر بيها خطوبتنا.. أنا عارفاه هينشغل في الشغل وهيلبس أي بذلة عنده وأنا عاوزاه بيرفكت يوم الخطوبة. ضحك إيهاب: اللي يسمعك يحس إن دي بذلة خطيبك وخطيبك اللي عاوزاه بيرفكت. شعرت بالحرج وقالت: عادة فيا لما بعمل شوبينج وأشوف حاجة لزين بشتريها بدون تردد.. لكن أنا واثقة إنك بيرفكت سواء اخترت لك أو لا. شكرًا على كلامك.. يلا بينا. يلا.

عادت مريم إلى المنزل وهي تحمل البذلة بين يديها ملفوفة بعناية. نظراتها كانت مركزة عليها ومليئة بالحماس. عاودت الاتصال بزين ولم يجيب وأرسل لها رسالة نصية أنه في اجتماع. راسلته برسالة نصية لتعرف موعد عودته وأخبرها من خلال رسالة النصية. جلست لبعض الوقت في غرفتها تراقب هاتفها حتى وصلتها رسالة من زين أخبرها بعودته. نهضت من مكانها دون تردد وامسكت البذلة وخرجت من منزلها بخطوات سريعة لمنزل زين. رنت الجرس وفتحت الباب سوسن وتوجهت إلى غرفة زين. طرقت على الباب طرقًا خفيفًا ثم سمعت صوت زين يسمح لها بالدخول.

فتحت الباب: فيه إيه الحرب قامت؟ ليه أزعجتك ولا إيه؟ قول قول. لأ روشتيني.. حسيت إن فيه حاجة مهمة مينفعش تتأخري عنها.. هتنمي على حد.. مين؟ ضحكت مريم: لأ مفيش جديد في النم.. أنا جايبالك هدية حلوة أوي أوي يا زيزو. هدية إيه؟ قولي الأول جهزت بدلة خطوبتي. الدولاب مليان بدل يا ميما.. هو أنا زيك لازم كل مناسبة بفستان مختلف. أنا قولت كده.. اتفضلي. مدت يدها بالبذلة له نظر إليها بتعجب: إيه ده؟

دي بدلة.. أول ما شفتها قولت زيزو هيلبسها. نظر إلى البذلة ونالت بالفعل إعجابه: اللون جامد. أنا قولته وهو مصدقش. مين ده؟ إيهاب.. أصل إحنا النهاردة كنا بنشتري البدلة بتاعته ولما اخترت بدلتك استغرب إنها غامقة.. قالي مش هتعجبك.. قولتله أنا أعرف زيزو هتعجبه. اشتريتي لي البدلة وإيهاب معاك؟ أيوه. وعادي كده؟ نظرت إليه بتعجب: مش فاهمة.. إيه الغريب في الموضوع؟ أخت بتشتري لأخوها بدلة عادي يعني. أها.. المهم إنه مضايقنيش.

لأ.. لأن قايلاله زيزو ده يعني أنا مقدرش أستغنى عنه وأنك هتكون معايا لاخر يوم في عمري.. صح ولا رجعتي في كلامك. نظر إليها وتذكر كلمات بسنت وابتسم وقال: أنا معاكي يا شق.. لآخر نفس.. الله يعينه هو على الزلومة دي. يا رخم.. يلا هسيبك ترتاح لأني عاوزة أنام جدًا. تحركت مريم اتجاه الباب واستوقفها زين قائلاً: ميما. استدارت: أيوه. أنتِ مبسوطة.. يعني مبسوطة بالخطوبة والخطوة دي. وقفت وابتسمت: أيوه.. يلا باي.

غادرت مريم وعاود النظر إلى البذلة لمعت عيناه بنظرة صامتة تأرجحت بين الفرحة والامتنان وبين شيء أعمق من ذلك. نهض من مكانه بهدوء وتوجه إلى خزانة الملابس وفتح الباب وأخرج بذلة أخرى.. تلك التي اشتراها يومًا مع بسنت.. وقف يتأملها قليلًا ثم أعادها مكانها وسحب بذلة مريم وعلقها بجانب الأخرى ثم أغلق الباب. يوم الخطوبة.

الأضواء متلألئة والضحكات تملأ المكان والوجوه مشرقة بالفرح. الزينة كانت أنيقة والموسيقى تنساب برقة في الخلفية تواكب أجواء الحفل. الجميع كان مجتمعًا حول الطاولات يتبادلون التهاني والابتسامات ومريم جالسة بجانب إيهاب بثوبها الأنيق تتبادل التهاني من المدعوين. رغم الأجواء كانت عينا مريم نظراتها تجوب المكان بين الحين والآخر تبحث بهدوء عن زين. كان مختفيًا منذ لحظة وصولها مما أزعجها اختفاؤه بينما تحاول أن تخفي توترها بابتسامة خفيفة فكانت تنتظر حضوره بصمت لا يشعر به أحد. إلا إيهاب كان يجلس بجوارها يراقبها دون أن تنتبه وعيناه تلتقطان تلك اللمحات العابرة.

اقترب نحوها وهمس: مالك. زين من وقت ما جيت مش شايفاه. تلاقيه هنا أو هنا.. هيكون فين. ماهو ده اللي بقوله.. يوم مهم في حياتي إزاي ميبقاش موجود معايا.. ده ولا مرة سابني لوحدي كده. أمسك إيهاب يدها وضغط عليها بلطف: أنتِ مش لوحدك يا ميما.. أنا موجود ومعاكي. ابتسمت: أكيد. بادلها الابتسامة قائلاً: متقلقيش هتلاقيه داخل في أي لحظة.. افرحي بخطوبتك وابتسمي لأن الكل باصص عليكي. صح.. أنت صح.

في المنزل زين وقف في صمت ثقيل أمامه على السرير موضوعتان بذلتان.. الأولى التي قامت مريم بشرائها والثانية التي قام بشرائها مع بسنت. نظر إليهما طويلًا بتأمل وعيناه ثابتتان عليهما بدون حركة وسط تردد يحيط به أيهما سيقوم بارتدائها. وصل زين إلى منزل بسنت كانت تقف تنتظره. رأت السيارة وتوجهت إليها سريعًا وصعدت: إيه كل التأخير ده.. المفروض نكون هناك من بدري. نظرت إلى زين وتجمدت للحظة ثم ابتسمت. عيناها علقتا بالبذلة وقالت:

إيه البدلة الجميلة دي. تحدث زين بحرج: أنا عارف إني تعبتك لف لغاية ما اخترنا بدلة.. بس مريم اشترت لي دي أحضر بيها الخطوبة وأنا محبتش أضايقها يوم الخطوبة بصراحة. ابتسمت بسنت: طبيعي تعمل كده.. لو عملت عكس كده أنا اللي كنت هضايق لأنها أكيد منتظرة تشوفك بيها.. على الأقل هتتريحي من الزعيق على التأخير.. يلا بسرعة ع الخطوبة.

انطلقا إلى الحفل. دخل زين وبسنت إلى المطعم وكانت أضواء الحفل تلمع حولهم وأصوات الضحك تملأ الأجواء. لمحت مريم دخولهم وهما يعبران الباب وارتسمت على وجهها ابتسامة خفيفة حين رأته مرتدياً البذلة. اقتربوا إليها وتقدمت بسنت: ألف مبروك يا ميما. عقبالك يا بسنت. بس إيه القمر ده. حبيبتي أنتِ اللي قمر.. بس إيه التأخير ده. أشارت بسنت إلى زين: أنا جاهزة من بدري.. زين اللي آخرني. اقترب زين:

عقبال ما رجعت من الميتنج وغيرت ولبست وروحت لبسنت.. كل ده أخد وقت مني. ماشي يا زيزو ماشي.. مردودالك يوم خطوبتك. ابتسم لها وبارك لإيهاب وانصرفا. جلس أمام إحدى الطاولات وكانت مريم سعيدة لرؤية زين وتحدث إيهاب: زين ظهر.. خلى ابتسامتك تنور. بجد كنت هضايق لو مش معايا. كانت بين الحين والآخر تنظر إلى زين وكان ينظر إليها زين أغلب الوقت بابتسامة خفيفة.

بعد الخطوبة بيومين إيهاب في زيارة لمريم. طلب منها إيهاب رؤية المرسم الخاص بها على السطح ورحبت مريم بذلك فتوجهوا إلى السطح سويًا حيث الهواء النقي. المنظر من الأعلى كان جميلًا والمرسم أضفى جوًا من الإبداع والراحة وأعجب إيهاب بالمكان كثيرًا. إيه رأيك.. جميل صح؟ جدًا.. أنتِ محظوظة بالمكان ده.

محظوظين.. المكان ده ليا أنا وزيزو.. يعني زي ما بتقول مخبأنا السري.. أول مرة في حياتنا استخبينا هنا واحنا صغيرين بس كان يوم.. من وقتها بنطلع هنا وفضلنا وراه لغاية ما بقى بالشكل ده.. بنذاكر هنا وبنسهر هنا وبنحكي ونتكلم هنا وياما اتخانقنا هنا (ابتسمت وهي تتذكر الذكريات) وياما اتصالحنا هنا.. المكان ده فيه ذكريات عمر ما بينا عشان كده مكان مميز.. لكن دلوقتي زين انشغل فمبقاش يتواجد دايما ف أنا اللي مسئولة عنه.

مرسمك جميل.. لاحظت صورتي جوه. ابتسمت بخجل: يعني كل ما أيأس وأحس إني مش هقدر أوصل كنت أبص لصورتك وأفتكر قصتك وتديني طاقة إيجابية أكمل.. بصراحة مكنتش أتوقع أقابلك هنا.. أنا كانت خطتي أخلص كلية وأسافر إيطاليا أحضر معرض لي. بجد؟ أيوه.. اسأل زين.. مكنش في بالي خالص أشوفك في الكلية وأتخطبلك كمان. قال إيهاب مبتسمًا: ياترى ده حاجة جميلة ولا إيه؟ ضحكت مريم: هو فيه أجمل من كده. قالتها وهي تلمس خاتم الخطوبة وقال إيهاب:

بحبك مريم. ابتسمت بخجل وقالت: وأنا كمان. أمسك يدها بلطف وقال: نسافر إيطاليا وكل حاجة تتمنيها اعتبريها حصلت.. أوعدك بكل حاجة عاوزاها هتحصل. ابتسمت مريم. في تلك اللحظة ظهر زين. وقف لحظة يراقب المشهد الرومانسي أمامه ثم تنحنح والتفتوا إليه. زيزو. تقدم إليهم: سمعت إن دكتور إيهاب هنا.. قولت أسلم عليه. إزيك يا زين. الحمد لله.. وأنت. الحمد لله. تحدث مريم بحماس: إيهاب عجبه السطح والمرسم أوي يا زيزو.. قولته ده مخبأنا السري.

بجد يا دكتور عجبك؟ جدًا.. يا ريت كل البيوت يكون فيها مكان زي ده. كل البيوت مفيهاش زين ومريم. ضحكوا واستأذنت مريم: هنزل أجيب حاجة من تحت وراجعة. غادرت مريم وجلس زين وإيهاب. تحدث إيهاب: هل مسموح لأي حد يكون هنا؟ قرأت لافتة تحذيرية وأنا داخل. كل الناس مرحب بيهم إلا المخربين اللي بيبوظوا مجهودي أنا ومريم في السنين دي بسهولة كده لمجرد إنه عجبهم فحبوا يقعدوا فيه شوية.. إحنا يعتبر عايشين هنا.. ده بيتنا. جميل بجد.

صمتوا للحظات وتحدث زين: هو ينفع أسألك سؤال شخصي وأتمنى تجاوبني بصراحة؟ أكيد هجاوب بصراحة لأن مفيش سبب أكذب عشانه. جميل.. أنت هتتجوز مريم ليه.. إيه السبب اللي خلاك تختارها عن كل اللي صادفتهم اللي متأكد إنهم أحلى وأجمل وأثقف منها بكتير.. ليه مريم؟ ممكن لأنها حبيتها. مفيش أسباب تانية أقدر أقولها غير إني حبيتها. ابتسم زين: بتحبها.. في الفترة القليلة دي؟ الحب ملوش توقيت ولا مدة.

صح.. لكن هل في اعتقادك إن الحب كفاية إنه سبب يخليك تقرر الارتباط بيها.. الارتباط الأبدي اللي هو الزواج؟ مش فاهم تقصد إيه.

أقصد إن الإنسان لما يفكر يختار شخص يكمل معاه الباقي من عمره.. الحب وحده غير كافي.. تكون بتحبها لكن مش فاهمها.. هنا في اختلاف شاسع يا دكتور.. الحب وحده كفيل يأكد لك إنك اخترت الشخص الصح وإنك هتعيش معاه سعيد لأن الحب مشاعر لحظية بتعلى وبتقل مش ماشية على رتم واحد.. اللي بيخليها تمشي على رتم واحد مش الرومانسيات والكلام الجميل.. التفاهم.. أكون فاهم الشخص اللي معايا وهو فاهمني.. الحب والرومانسيات مهم لكن مبيفتحش بيوت تعيش لأنه بعد الزواج بيحصل تصادم بالحقائق والواقع.. وإحنا كبشر لما بندخل علاقة بندور على درع يحمينا من قسوة الواقع أنا وشريكي والدرع ده اسمه الاحتواء والتفاهم.

يعني أنت بتقول لي أنا اتسرعت في حكمي على مشاعري لمجرد إني معرفش مريم كويس كده.. ده كده معناه إنك أنت الأحق بيها عني وعن أي حد. تفاجأ زين وقال: نعم. أنت أكتر شخص عارف مين وهي عارفاك.. ومعتقدش هتصادفوا ناس تعرفكم بالشكل ده. واضح إنك ناسي أنا ومريم. قاطعه:

إخوات.. وعشان أنتم إخوات عارفين كل تفاصيل حياتكم لأنكم عايشين مع بعض كل يوم بتفاصيله.. أنا طلبت مريم للزواج لأني عاوز أعرفها.. نعرف بعض وإحنا عايشين مع بعض.. مش هنوصل لمستوى علاقتكم ده مستحيل.. لكن على الأقل هنقدر نختار مستوى نقدر نعيش به حياتنا.. الحب بيكون بداية الطريق يا زين. صمت زين أمام كلمات إيهاب. واستكمل إيهاب حديثه:

وعشان كده أنا ومريم هنكتب الكتاب بعد 10 أيام وهنسافر.. هنبدأ حياتنا مغامرة إحنا الاتنين هنجهل فيها إيه هيحصل.. لكن طول ما إحنا بنحب بعض أكيد هنكمل الطريق. حددوا بالسرعة دي. أنا ليا حياة في إيطاليا ومحتاج مريم معايا هناك.. مش محتاج أقولك البيت بيتك.. بيت أخواتك. ها.. أيوه.. أيوه.. ربنا يتمم لكم على خير.

في يوم كتب الكتاب تجمع الجميع وسط أجواء من الترقب والفرح. الوجوه مبتسمة والكلمات تتبادل بخفة. كانت مريم جالسة بينهم فستانها بسيط وأنيق لكن في عينيها هناك شيء مختلف رغم ابتسامتها الظاهرة كانت تشعر بانقباض خفي في صدرها. تملكها إحساس غامض لا تعرف له اسمًا. مالت لها ملك: مالك يا مريم فيه حاجة؟ حاسة إن قلبي مقبوض وفي وجع في صدري وإيدي بترتعش. أمسكت يدها وربتت عليهم بلطف:

اهدئي.. متوتريش نفسك.. طبيعي ده تحسيه وقت كتب الكتاب.. حياتك بتتغير وبتتحول.. اهدئي.

زين كان حاضرًا ولكنه حاضرًا بجسده فقط. يحاول أن يتصرف طبيعيًا بطبيعته ويشارك أن يبدو كأي فرد من الحضور. لكن عينيه حين تقعان على مريم كانت تحكي قصة صامتة فكان يبتسم لها حتى يخف من توترها وليطمئنها عليه. كان يتوارى خلف مزحة أو كلمة عابرة فقط حتى لا يلفت الانتباه. كان كتب الكتاب مليئًا بأصوات المباركات والفرحة والدموع والتهاني لكن في قلب مريم وزين كان هناك صمت مختلف لا يسمعه أحد.

انتهى كتب الكتاب وسط التهاني والدموع المختلطة بالمباركات. تحرك إيهاب ومريم مباشرة إلى المطار للسفر. كانت لحظة وداع ثقيلة رغم الكلمات التي قيلت بخفة.

في المطار وقف الجميع يودعون مريم.. أحضان وابتسامات مجروحة وأمنيات بالسعادة. أما هي فكانت تحاول أن تتماسك لكن حين التقت عيناها بعيني زين لم تعد قادرة على إخفاء شيء. نظرت إليه مطولًا والدموع تنساب بصمت على وجنتيها. أما زين فوقف عاجزًا وعيناه تملؤهما الدموع يحبس أنفاسه بصعوبة. بدا وكأن قلبه يتمزق أمامه وكل لحظة تمر كانت تمزق داخله أكثر. لم يتحدثا ولكن نظراتهما كان وداعًا من نوع آخر. استدارت مريم ومشيت نحو بوابة السفر وهي تمسك يد إيهاب.

عادوا الجميع إلى المنزل وكانت سناء تبكي بحرارة لفراق مريم. دخل زين غرفته وشعر بالاختناق وقرر أن يخرج من المنزل. أثناء مغادرته غرفته كانت سناء وسوسن جالستان في الصالة تحاول سوسن تهدئة سناء. اهدي يا سناء.. يعني هي فين.. ماهي مع جوزها. بس بعيد عني يا سوسن.. أول مرة مريم تبعد عني كده.. مش عارفة هدخل البيت إزاي وهي مش موجودة. ده بدل ما تدعيلها ربنا يسعدها ويرزقها بالذرية الصالحة. نظرت إليها سناء معاتبة:

لو مكنتيش رضعتيها كان ممكن تفضل موجودة معانا. إزاي يعني؟ زين.. كنا جوزنا مريم لزين والاتنين فضلوا قصاد عينينا في حضننا. لو كنت أعرف إنك كنتي عاوزة كده كنت قولتلك من وقتها. قولتي إيه؟ مريم مرضعتش مني غير مرة واحدة بس ورضعة غير كاملة كمان. نعم.. إزاي وأنا كنت بسيبهالك.. أرجع ألاقيها نايمة شبعانة. كنت بشربها حاجات دافية لأنها رفضتني.. ومردتش أقولك عشان متخافيش وإنها طبيعية. في تلك اللحظة سمعهم زين وكانت صدمة مدوية.

اقترب إليهم وبصدمة قال: يعني أنا ومريم مش أخوات؟ أجابت سوسن: أيوه.. مش أخوات في الرضاعة.. لكن اتربيتوا مع بعض زي الأخوات. يتبع...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...