عشية ذهاب زين ومريم إلى الجامعة، تجمعتا العائلتان في المطعم لتناول طعام العشاء سويًا، وكان كريم برفقتهم. تناولا الطعام وسط تبادل أطراف الأحاديث بينهما، تارة، وبين مزاحات زين وكريم ومريم، تارة أخرى. كان المشهد مليئًا بالدفء العائلي الجميل. بعد أن تناولا الطعام، غادرت مريم برفقة سوسن وسناء لشراء أغراض متبقية لها. وبقي في المطعم كريم ومحمود، وزين وكريم غادرًا متوجهين إلى المنزل.
وصل زين وكريم أمام العمارة. ترك زين كريم للحظات وذهب إلى السوبر ماركت. تقدم كريم بخطوات بطيئة إلى داخل العمارة وتوقف أمام باب منزل مغلق لا يسكنه أحد. نظر إلى الباب بصمت، وكأن شيئًا من الماضي مر في باله وشرد للحظات. انتبه حينما لمس زين كتفه بلطف. "يلا بينا ولا عاوز تقف شوية قدام باب الذكريات؟ "يلا يا لمض."
صعدا معًا إلى السطح بهدوء. كان الهواء لطيفًا والأنوار الخفيفة تنعكس على المكان. فجلسا سويًا في صمت، كلا منهما شارد في عالمه الخاص. أخرج كريم عبوة السجائر وأعطى زين واحدة، وأشعلا السجائر سويًا. وبعد نفخ أول دخان، تحدث زين: "مش هنولع سجاير تاني هنا. ميما لو شمت الريحة مش هتصدق إن انت اللي شربت لوحدك." "أومال اللي في إيدك دي إيه؟
"يا عم أنا تفاريح معاك كل فين وفين. دي بتفتشني كل ما تشوفني، ولا إني داخل على لجنة ومعايا مخدرات." ضحك كريم: "فظيعة مريم. قولي بصراحة، أنت مبتتخنقش من طريقتها دي معاك؟ ابتسم زين: "هي تخنق، بس أنا بكون مبسوط. وبعدين ما هو الخنقة متبادولة، هو أنا عاتقها؟ أنا كاتم على أنفاسها." "بكرة أول يوم لكم في الجامعة والأمور هتخرج عن السيطرة، خلي بالك." "يعني إيه؟
"يعني هتكون في مكان وهي في مكان، دي حاجة. يعني لزقتكم في بعض طول الوقت دي مش هتحصل، ولا عندك استعداد تريح في الكلية لحد ما هي تخلص؟ "إيه اللي بتقوله ده؟ وبعدين عاوز تقول إيه؟ "الكلية فيها شباب، طلاب، ومعيدين، ودكاترة وكدا. وكدا كدا مريم هتتعامل معاهم، فتوقع أي حاجة بقى. اللي كان ممنوع في الثانوي مباح في الجامعة. مرحلة الجامعة دي مرحلة المفاجآت يا زيزو." تبدلت
ملامح زين للحظات وقال: "لا لا، مفيش حاجة هتحصل. مفيش حاجة اسمها مباح. في حدود. أنا مقولتش متتكلميش مع حد، لكن في نطاق الزمالة جوه الكلية والمحاضرات، وأنا هكون عارفهم وهصاحبهم كمان. فاللي هناك دول زمايل ومدرسين بس، غير كدا مفيش. وعلاقتها معاهم جوه سور الجامعة، برا متعرفش حد. إحنا اتفقنا على كدا وهي وعدتني. وبعدين أنا مش هسيبها. هبقى معاها عشان متحسش بالوحدة يعني."
حدق به كريم بشدة: "يابني سيبالها مساحة حرية. متبقاش رخم. خليها تعرف ناس وتتعرف على ناس. ما أنت هتعرف وهتتعرف، دا الطبيعي." "أنا معاها مش عشان أخنقها. أنا معاها عشان لو حد فكر في حاجة تانية. هي رايحة تتعلم وبس." "وأنت رايح ليه؟ "أتعلم طبعًا وأتعرف. ذاك الشبل لذاك الأسد." أشار إلى كريم ولنفسه وضحك.
وقال زين: "سيبك مني أنا. أنا قصتي معروفة. شوية لبن الطفسة، مريم شربتهم. ربطونا ببعض لآخر العمر. اتعلقت في رقبتي. أنت بقى إيه حكايتك؟ "حكاية إيه؟ "شقة 1، الأرضي." "مالها الشقة؟ "يا كيمو. شقة الذكريات واللي فات." "أنت قولت أهو، ذكريات واللي فات. اللي فات مات." "مات بجد؟ صمت كريم للحظات وهروبًا من حديث زين: "خلص سيجارتك لتقفشك مريم ومش هحوش، بقولك أهو." "تحوش إيه؟ هي تقدر تعمل حاجة." في تلك اللحظة، سمع صوت مريم خلفهم.
"زين! فجأة انتفض من مكانه محاولًا تخبئة السيجارة ووضعها تحت قدمه. وتحركت مريم من الخلف إلى أمامه ووقفت قدامه. "ابعد رجلك." "مش قادر، رجلي وجعاني." "بقولك ابعد رجلك أحسن بالذوق." "في إيه؟ بقولك وجعاني، أحركها إزاي؟ "تمام." بقوة، رفعت قدمها ودعست بقوة قدمه. ومن الألم ابتعد وانحنت مريم على الأرض ورفعت السيجارة المطفية. "هو دا اللي اتفقنا عليه؟ "استني أفهمي الأول، أصل كريم... وقف كريم بنبرة تعجب: "أنت هتلبسني ولا إيه؟
بصراحة يا ميما، أنا عزمت. ها، عزمت وهو أخذ. أنا مضغطتش ولا اتحايلت. أنا نازل سلام." بخطوات سريعة، غادر كريم السطح وتوجه إلى المنزل وهو يضحك. وقف زين خلف المقعد يحتمي به من مريم. "ماشي يا كريم، لك موقف يترد لك فيه." وقفت مريم تنظر إليه بغضب في صمت. وتحدث زين: "هفوة. هفوة كدا ومش هتتكرر، صدقيني. خلاص." "أنت متخلف. أنت مش عارف إن عندك حساسية على صدرك والدخان بيتعبك؟ "أنا كويس، مفيش حاجة."
"واللي تعبك المرة اللي فاتت لما قفشتكم في السطح؟ كنت فاكرني نايمة وقضيتها أنت وكريم مدخنة." "يومها أفورت بصراحة، دخنت كتير بس من بعدها ولا واحدة إلا دي. واحدة ع الماشي متضرش يا ميما." بصوت غضب: "ولا واحدة. مش هنجري بيك في المستشفيات عشان تتحط تحت جهاز الأكسجين." "كريم كان بيحتفل بدخولي الجامعة، حفلة ولادي يعني." "وخلصت ولا لسه؟ "لا خلصت. أنتِ كبستني يعني خلصت خلاص. وبعدين أنتِ جيتي بسرعة ليه كدا؟
أنا قولت هتلفي كتير أنتِ وسوسن وسناء." جلست مريم: "روحت المحل اللي عاوزاه كان مقفول، ومكنش ليا مزاج ألف معاهم. قولت لهم هروح أطلع أرسم شوية." جلس زين: "طبعًا عشان أنا مش معاكي، مش عارفة تلفي." "يا سلام." "مالك؟ في حاجة؟ "هتتريق عليا." "لا مش هتريق، هزر بس. هاهاها." "شوفت! مش هقول. أنا داخلة." أمسك يدها وأجلسها: "خلاص هنتكلم بجد، في إيه؟ "بكرة أول يوم دراسة في الجامعة."
"آه. متتوتريش يا ميما عشان أول يوم جامعة وكدا. اليوم هيعدي جميل وهتتعودي." "لأول مرة أكون في مكان لوحدي من غيرك. كله منك." دفعت بالوسادة التي بجانبها اتجاه زين: "ليه؟ هو أنا اللي سخنت وضيعت علينا الامتحان؟ "أنتِ اللي جبتِ آيس كريم حلو، مقدرتش أقوم. الله." "أنا آسف. المفروض كنت أكشف عليكي وأتأكد إن بطنك مبتوجعكيش. هعرف منين أنا؟
وبعدين أنتِ بتلفي الموضوع وتشيليني المسؤولية. ماشي يا ست، أنا الغلطان. بصي، اعتبريني امتحنت وسقطت، كدا أهون." "وتسقط ليه؟ وأنت هتكون مذاكر؟ "حكمة ربنا. هتعترضي على حكمة ربنا؟ ياما في ناس بتذاكر وعينها بتطلع والنتيجة دور تاني." نظرت نحوه وملامحها حزينة. وقال لها: "بجد اعتبريني امتحنت وسقطت. أنا فاشل." "عارف اللي مضايقني إننا طول عمرنا حلمنا واحد، وأنا السبب إن حلمك ضاع."
"أنتِ دخلتي، فأنا دخلت. صدقيني مش زعلان. متخنقنيش بقى." "لو كنتِ سألتني، كنت هقولك نستنى سنة ونقدم زي ما ماما قالت لي." "إيه الغباء ده؟ وليه تضيعي سنة من عمرك؟ أنا مش فاهم." "أنت عملتها في المدرسة ودخلت معايا." "كنت طفل مش فاهم. أكيد لو كنت فاهم كنت هعمل كدا. أكيد عارف إنّي غبي." ضحكت مريم وقالت: "أنا بتكلم بجد. كنا ريحنا سنة ودخلنا السنة الجاية مع بعض." "ما هو كان ممكن حد فينا يسقط؟ هنفضل نريح لحد ما تظبط؟
سنين وعمر يروحوا مننا عشان ندرس مع بعض. ميما، إحنا كدا كدا مع بعض وأنا مش هسيبك ولا أنتِ هتسبيني. ودراستنا المختلفة دي حاجة حلوة، هيبقى فيه مواضيع أكتر نرغي فيها." صمتت مريم واستكمل زين حديثه: "بصي يا ميما، تخيلي إحنا الاتنين واقفين في الشارع منتظرين الأتوبيس. جه الأتوبيس بيقرب مننا ولبس فينا إحنا الاتنين وسابنا ومشي، ومفيش حد حوالينا. النتيجة إيه؟ "بعد الشر عننا." "تخيلي بقولك، تخيلي؟ "هنِموت يعني."
"بالظبط. هنموت. لكن لو الأتوبيس شحورك أنتِ أو شحورني أنا. الثاني هيقدر يساعد اللي اتشحور ويوديه المستشفى، صح؟ صمتت لحظة وقالت: "صح." "إحنا بنختار طرقنا يا ميما وبنمشي. وبتظهر إشارات لينا يا تأكد لنا إننا ماشيين في طريقنا صح، أو إن طريقنا دا غلط وفي طريق تاني بتاعنا. فـ أنتِ طريقك فنون جميلة وأنا تجارة إنجليش، وإحنا الاتنين ماشيين في طرقنا اللي مكتوبة لينا، ومينفعش نعاند القدر."
"أول ما قولت إشارات، حسيت إن محمود قاعد بيتكلم معانا." ضحك زين وقال: "ذاك الشبل من ذاك الأسد." ابتسمت مريم واستكمل زين حديثه: "فـ أنتِ كملي طريقك وحلمك. اتخرجي واعملي المرسم الخاص بيكي والمعرض الخاص بأعمالك اللي هتلف العالم. وأنا معاكي ومش هسيبك، لأن ببساطة حلمك هو حلمي وبيتحقق وأنا سعيد." "وأنت هتعمل إيه؟ "هكمل. زيزو مبيعطلش، متقلقيش." ابتسمت مريم: "الجامعة وبنات الجامعة هتفضل لهم بقى، صح؟
"فشر، أنتِ الأول وبعدين هما." "والله يعني، فيهم ما شاء الله." "يا ميما، مهما عرفت مفيش حد زي ميما الشق، وأنتِ عارفة كدا، صح؟ ابتسمت: "أيوه عارفة." "الخوف كله منك أنتِ مش مني. أنتِ." "أنا؟ ليه؟ "أنا ببقى عارف أنا بعمل إيه. لكن أنتِ بتتدلقي مع أول أغنية وكلمتين حلوين. أوعي أوعي بقولك أهو. اللي في الجامعة إيه؟ سمعيني؟ "زملاء داخل الجامعة في المحاضرات. بعد كدا معرفهمش." "شاطرة. وعشان كدا أنا هجبلك دونتس كراميل."
ابتسمت مريم ثم نظرت نحوه: "دي رشوة عشان مقولش لمحمود إني قفشتك بالسيجارة، صح؟ "يا بنت اللذينة! بعد كل الرغي دا ناصحة ولقطيها." "ما هو أنت مش هتدفع وتكلف غير عشان تسكتني. لكن محمود لازم يعرف، مش هينفع أداري المرادي." "عارفة الدونتس كراميل ومعاها آيس لاتيه في الجو دا، هيبقى الانتعاش إزاي." ضحكت مريم: "اغريني كمان كمان. خلاص مش هقول لمحمود حاجة المرادي، لكن المرة الجاية مش هسكت."
"ميما الشق يا ناس. هنزل أروح أجيب الدونتس والآتيه. هوا." "وأنا هكون في المرسم برسم. لما تيجي عرفني." أثناء وجود مريم وزين في السطح يتناولان الحلويات ويتحدثان، في منزل محمود يجلس كريم يتصفح الهاتف حتى سمع فتح باب المنزل وكان محمود عائدًا من الخارج. "حمد الله ع سلامتك يا حودة." "الله يسلمك يا كيمو. أنا قولت هتنام." "لا مفيش نوم في سهرة بلايستيشن مع زيزو." "وهو فين؟ "في السطح هو وميما."
"مبيسيبوش بعض خالص فعلًا، تؤام متلاصق." ضحك كريم. دخل محمود بدل ملابسه وأعد كوبين من الشاي بالنعناع وجلسا في الشرفة يحتسيا سويًا. "ها يا كيمو، قولي نويت على إيه؟ "والله يا حودة لسه مكررتش، بس إسكندرية مش أكيد." "بص المكان اللي أنت عاوزه ومرتاح فيه اقعد. رغم إني حابب وجودك جنبي، لكن مش هضغط عليك."
"عمرك ما ضغطت عليا يا محمود في أي حاجة. وقت ما خلصت ثانوية وقولت عاوز أسافر، وافقت ومعارضتش. وبعد اللي حصل هناك، كنت في ضهري ورجعت الجامعة هنا. ولما قولت هدخل في القاهرة، وافقت معترضتش. وكنت سايبني على راحتي، غير إن أي فلوس عاوزها باخدها ومش حارمني من حاجة زي زين." "يا كريم، أنت ابني البكر. شوفتك وحضنتك ولعبت معاك. حسيت إني أب معاك قبل ما زين يجي. ومن كرم ربنا رزقني بولدين. نعمة أحمد عليها العمر كله."
"وإحنا محظوظين إنك في حياتنا يا حودا." "حبيبي يا كيمو. بس أنا عاوزك بقى. كفاية لعب وفكر كدا أنت عاوز تعمل إيه عشان تبني مستقبلك وتشوف بنت الحلال ويبقى لك أسرة جميلة وتكبر عيلتنا." ابتسم كريم وتحدث محمود: "فكر كدا في موضوع مريم تاني، صدقني مش هتلاقي زيها." "إحنا قفلنا الموضوع دا يا حودا. مريم أختي زي ماهي أخت زين." "طيب، هي وزين إخوات في الرضاعة. أنت ممكن تتجوزها عادي."
"مش هينفع صدقني. أنا شايفها أختي الصغيرة، مش هعرف أشوفها حاجة تانية. كله بوقته يا حودة." "ربنا يطمنا عليك يا حبيبي." غادرا مريم وزين السطح وتوجها إلى منزلها. "مساء الفل على عصافير الكناريا." ضحك كريم وسناء على كلمات زين. "تعالى يا زيزو، دوق بسبوسة سناء." قبل أن يتحرك، أمسكت مريم يده: "استنى، رايح فين؟ "البسبوسة بتناديني." "لا تعالي صلح الأباجورة الأول."
نظرت إلى والدتها ووالدها: "لو قعدت معاكم الكلام هياخدنا وهيمشي. يشوف الأباجورة اللي مش شغالة دي الأول، وبعدها يجيلكم ويغرق في البسبوسة براحته." تحركا إلى داخل غرفتها: "أهي الأباجورة مش شغالة." حاول زين إصلاحها وإصلاح العطل بها. وبعد محاولة بسيطة، أنارت الأباجورة. "اشتغلت. أنا كنت فاكرها باظت." "باظت إيه؟ مفيش حاجة أجيبها وتبوظ. السلك بس مفكوك."
"أنا برضه قولت زيزو أسبوع بيعمل فيها من تصميم وتركيب، وفي الآخر تعطل كدا." "يا سلام ع اللماظة دي. عاوز حاجة تاني؟ أروح للبسبوسة أنام، ولا عاوزاني آخد لك أوضتك وش نضافة؟ ضحكت مريم: "مش انهاردة. سناء نضفتها لي. شكرًا. روح للبسبوسة ومتسهرش ونام على طول عشان تصحى ومتغلبنيش. هسيبك وأروح لوحدي، بقولك أهو، مش هضيع أول يوم." "خلاص يا ست الطالبة المجتهدة. الله."
وأثناء مغادرته للغرفة، لمح صورة في إطار موضوعة على مكتب مريم. اقترب نحوه ومسكها وبملامح انزعاج قال لها: "بيعمل إيه هنا إيهاب توفيق دا؟ ذهبت نحوه وأمسكت الإطار: "إيهاب مختار. كذا مرة أقولك إيهاب مختار." "بيعمل إيه هنا ابن مختار؟ "عادي." "لا مش عادي. الصورة دي كانت في المرسم فوق، رغم اعتراضي بس قولت مش مهم، لكن هنا في أوضتك ليه؟ خير؟ "أنت عارف إن دا مثلي الأعلى في الرسم، اللي حببني في الرسم وخلاني أدخل فنون جميلة و...
قاطعه زين بنبرة غضب: "أولًا، أنتِ دخلتي كلية الفنون الجميلة لأنك عندك موهبة وعاوزة تنميها بالدراسة وتبقي متخصصة أكتر، مش هواية والسلام. وهو دا اللي حصل. إيهاب توفيق دا شخص نجح في المجال دا لأنه اجتهد لحد ما وصل للي وصله. دا نصيبه، مش هنعمله تمثال ونعلق صورة في أوضتنا." لاحظت مريم نبرته الغاضبة: "أنت مكبر ليه الموضوع؟
"لأن أنا قولتلك مكان الصورة دي فوق في المرسم في السطح، مكانه هناك وسط الألوان واللوحات، مش في أوضة نومك." "ما أنا أوقات برسم هنا وبستمد منه طاقة." "بتستمدي إيه يا حبيبتي؟ "كل ما أحس إنّي مش هقدر أكمل، أبص للصورة وأفتكر قصة نجاحه فـ أتحمس وأكمل." "لا والله. صورة سحرية هي. مينفعش صورته تكون هنا." "ما أنا حاطة صورتك وصورة محمود وكريم وكريم." "إحنا عيلتك...
عيلتك. لكن هو غريب. وبعدين بصي عليه، بصي بصه عينيه مش مريحة، تحسي إن الصورة ملبوسة. هو أنتِ ناقصة؟ "إيه اللي بتقوله ده؟ "خلاصة الكلام، الصورة دي مكانها فوق، متنزلش تاني هنا. ماشي؟ قبل أن تتحدث مريم، أمسك الصورة في يديه وخرج مغادرًا الغرفة مرددًا: "قال بتستمد منه طاقتها. شايفاه كابل كهربا." قالت مريم: "والله لاسع."
صباحًا، استيقظت مريم. فتحت عينيها ببطء، وكانت دقات قلبها سريعة. اليوم هو أول يوم في الجامعة. شعور غريب، احتاج مزيجًا بين الفرح والتوتر والارتباك. جلست على سريرها تنظر حولها وكأنها لا تصدق أن هذه اللحظة قد وصلت أخيرًا. نهضت بخطوات مترددة ثم بدأت تتجهز. وقفت أمام المرآة ترتب ملابسها الجديدة وتعدل في شعرها. وكل لحظة تمر، كانت تشعر أن قلبها يدق أسرع. كانت تبتسم بخجل كلما تخيلت نفسها في الجامعة وسط زملاء جدد ومكان جديد، لكن في نفس الوقت كان داخلها خوف صغير من التجربة الجامعية. ولكن رغم توترها، كان في عينيها لمعة وكأنها مستعدة لمغامرة جديدة.
رن جرس الباب، وبعد لحظات سمعت صوت زين من الخارج ينادي بصوته العالي المعتاد. "يلا يا إليزابيث، هنتأخر." تحدثت سناء: "افطر يا زيزو." "لا فطرت. خطفت سندوتش مع محمود وهو بيفطر قبل ما ينزل، وهبقى أنا ومريم نفطر أي حاجة في الجامعة." ابتسمت مريم حين سمعت صوت زين وحملت حقيبتها وخرجت من الغرفة. فتح باب غرفتها وخرجت وهي مرتدية بنطال جينز كاتنج وبلوزة قصيرة ترتديهم بأناقة وبساطة. نظر إليها زين لثوانٍ
بتعجب وقال: "أنتِ رايحة فين؟ "الجامعة." "رايحة الجامعة ولا البلاج؟ إيه البنطلون الكاتنج دا والبلوزة القصيرة دي؟ تحدثت سناء: "مالها دي؟ زي القمر حبيبتي." نظر زين نحو سناء: "بالستر. قمر بالستر يا سناء." (استدار لمريم) "غيري هدومك دي، البسي حاجة من اللي اشتريناهم سوا. يلا يا ميما." "ماله دا يا زيزو؟ ماهو زي لبس باقي البنات."
"ميخصنيش باقي البنات. أنتِ وبس اللي تخصيني ومش هتروحي الكلية كدا. يلا هتتأخري وأنتِ السبب لأني مش هنزلك كدا. وخفي اللوحة اللي في وشك دا، أنتِ أصلًا مش محتاجاهم." دخلت مريم بدلت ملابسها وارتدت بالفعل إحدى الملابس التي قاما بشرائها سويًا وخرجت، وكانت مرتدية بنطال جينز وبلوزة حمراء. نظر إليها زين لم ينطق بكلمة وعيناه لمعت بإعجاب واضح. ثم ارتسمت في وجهه ابتسامة مرحة وقال مازحًا: "ألف سلامة عليكي. مقولتيش ليه؟
اندهشت مريم: "أقول إيه؟ "إن عندك الحصبة، كنت جبتلك مضاد حيوي من الصيدلية." نظرت نحو سناء: "شايفة يا ماما؟ والله هدخل ألبس الطقم الأولاني." أمسك يدها وهو يضحك: "خلاص متقفشيش. أنا بس كنت عاوز أطمن عليكي." "يعني لما أقفلك باللي في إيدي دي دلوقتي." "أيوه كدا يا ميما الشق. أنا اتخميت للحظة إنك أنثى وكدا." "يا رخم." ضحكت سناء: "بطلوا نقار ع الصبح. اعقلوا بقى. أنتم كبرتوا ع كدا، أنتم مش أطفال، أنتم طلاب جامعيين."
"تمام يا فندم، طلباتك أوامر." قالها زين مازحًا وضحكت سناء. أصرت أن تتناول مريم الإفطار وتناولت سندوتش صغير وغادرت برفقة زين إلى الجامعة. كانت متحمسة ومتوترة. قال لها زين أمام باب الجامعة: "متتوتريش ولا تخافي. اللي جوه لا أحسن منك ولا أحلى منك. عارفة ليه؟ تحاول أن تنظم أنفاسها: "ليه؟ "لأن ميما الشق واحدة وبس، اللي هو أنتِ." ابتسمت وتحدث زين: "يلا يا شق، لأرض المعركة. جاهزة للعركة؟ "جاهزة. هتروح كليتك امتى؟
"هطمن عليكي وهروح وهنروح سوا، تمام؟ "تمام." دخلا سويًا بالفعل وتجولا قليلًا وحضرت مريم أول محاضرة وتعرفت على فتاتين واستكملت اليوم وتقابلت مع زين وعادت إلى المنزل. وطوال الطريق تسرد لزين عن يومها وعن الفتيات، وبادلها زين الحديث عن جامعته وأصدقائه هناك.
مر أول يومين طبيعيين وكالعادة يقوم زين بتوصيل مريم إلى جامعتها ثم يذهب إلى جامعته. حضرت مريم محاضرة وأرسل زين رسالة بأنه ينتظرها. توجهت إلى الكافتيريا ووقفا سويًا يحتسيا النسكافيه. كانت مريم تنظر في الأنحاء بمتعة. تحدث زين: "خلاص يا بنتي، المفروض اتعودتي. متبقيش زي الهبلة كدا. خليكي طبيعية عشان متلفتيش النظر. أنتِ ناسيه كلام كريم لينا إن كل الدفعات بيستهزؤوا بدفعة أولى. أنا عاوزك يكون ليكي شخصية، محدش يضحك عليكي."
"هو أنا داخلة خناقة؟ وبعدين ما أنا في المحاضرة اتكلمت مع بنتين زي السكر وعادي." "مش كل البنات، خلي بالك. بصي يمين كدا، شايفة اللي واقف دا؟ نظرت مريم: "ماله؟ "أراهن إنه واقف مع البنت دي بيثبتها بكلمتين إنه معجب وبيحبها وكدا." "وأنت سمعته يعني؟ "لا، باين على وشه. اسألي أهل الخبرة." "يا خبرة! فكك مني وروح لكليتك يلا. وأطمن، مش هقف مع ولاد بنات بس."
"أيوه بنات بس، بلاش أولاد. واحد فيهم يستظرف ويجيب كلام لطيف، وأنتِ تفتكريه خارج من رواية ولا من فيلم هندي، وهو فعلًا بيسرح بيكي." "خلاص خلاص، حفظت. يلا امشي بقى عشان البنات جايين." "طيب، ما تعرفيني أنا أخوكي." خبطته في كتفه ودفعته ليبتعد: "يلا امشي، امشي." "بتقطعي رزقي، ماشي، ماشي." "كفاية عليك اللي في كليتك، امشي." اقتربت إحدى الفتيات: "يلا يا مريم."
ابتسم زين ومد يده: "زين. زين محمود، طالب في كلية تجارة إنجليش جنبكم هنا." "أهلاً وسهلاً." تحدثت مريم: "فطرتوا خلاص؟ "أيوه، يلا." تحدث زين بنبرة حنينة للفتاة: "ممكن تيجي معايا أعزمك على حاجة ساقعة، وأهو نعرف طريق مستقبلنا رايح ع فين، أقصد الكافتيريا." ضحكوا الفتيات وخبطته مريم في كتفه: "امشي يلا، امشي. الحق محاضراتك." ابتسم زين: "ماشي، همشي. لكن راجع تاني. نبقى نكمل بقى كلامنا عن مستقبلنا."
ضحكوا الفتيات ومريم، وتركهم زين. وتحدثت إحدى الفتيات: "دمه خفيف أوي قريبك دا يا مريم." ابتسمت: "أخويا." "بس أنتم مش شبه بعض، وباين إنكم في سن بعض." ابتسمت مريم: "لا، دي قصة كبيرة. هحكيها واحنا رايحين المحاضرة. بصوا، كان فيه اتنين اسمهم محمود وكرم أصحاب... وبدأت مريم تسرد قصة محمود وكرم وصولًا لحمل سناء وسوسن، وصولًا لرضاعة مريم من سوسن."
بعد مرور فترة على دخول مريم الجامعة، وفي إحدى المرات كانت تجلس مع صديقاتها ينتظران موعد المحاضرة الأخرى. تحدثت إحداهن: "انتوا عارفين إن بابا وعدني إنه هيسفرني فرنسا أكمل دراستي هناك بعد الجامعة هنا." "بجد جميل. وانتِ يا ميما، عاوزة تسافري فين؟ ابتسمت مريم: "إيطاليا." "لسبب ولا عادي؟ "لأسباب كتيرة. منهم... " أخرجت هاتفها وفتحت معرض الصور. "دا من أهم الأسباب." "معرض إيهاب مختار؟
"أيوه. عاوزة أروحه وأقابل إيهاب مختار دا. إحدى أحلامي." "لدرجة دي؟ "جدًا. دا إحدى أسباب حماسي دخول فنون جميلة هنا. لأنه درس هنا قبل ما يروح إيطاليا، فـ أنا عاوزة أمشي ع نفس الطريق وأعرض لوحات ليا في معرضه." تحدثت إحداهن: "أحلامك كبيرة أوي يا ميما." "معرضه مرة واحدة."
"لازم أحلامي تكون كبيرة، لأني أستحق أحلام كبيرة. واحدة من أحلامي أقابل إيهاب مختار. متسألوش إزاي هيحصل، هقولكم معرفش، لكن أنا هكمل لحد ما أوصل لحلمي ولوحاتي تتعرض في معرض إيهاب مختار." اقترب زين نحوها وأمسك هاتفها وهو ينظر إلى صورة إيهاب مختار قائلًا: "يادي إيهاب توفيق اللي مصدعانا بيه." التفتت مريم وصديقاتها وقالت: "إيهاب مختار، وبطل رخامة." جذبت الهاتف من يده. وقال
زين وهو ينظر إلى أصدقائها: "هي مصدعاكم بيه، وإنها هتسافر إيطاليا وهتعرض لوحات ليها هناك في المعرض بتاعه، والكلام الكتير دا." قالت مريم: "وأنت مالك يا غلس." "يا بنتي خليكي واقعية. دا إنسان ربنا فتحها عليه، خارج الحدود واستقر برا خلاص." تحدثت إحداهن: "ما هي بتحلم تخلص وتسافر إيطاليا." تحدث زين بنبرة صوت واثقة: "لما تخلص بقى يحلها ربنا. بس ميما مش هتروح إيطاليا." تعجبت مريم: "ليه؟ "لأنها عارفة لازم تروح فين." تنظر إليه
بتعجب وتتسأل صديقاتها: "فين؟ أجاب زين بهدوء: "الهند. لازم تروح الهند بلزومتها دي." قال كلماته وركض من مكانه، وضحكت صديقاتها ولحقت مريم به تركض خلفه وهي تقول: "أنا بلزومه أهو، أنت أبو زلومة."
كانت صديقاتها يضحكن ع زين وهو يمازح مريم ويفلت منها كلما حاولت الإمساك به، وتخبطه ببعض الأشخاص. بدأ زين يندمج في جامعته وتعرف على أصدقاء جدد وأصبح محبوبًا بينهم. ورغم انشغاله بمحاضراته وأصدقائه، كان يحرص في كثير من الأوقات أن يذهب إلى مريم في جامعتها، يجلس معها ومع أصدقائها بين المحاضرات، يتحدثون ويضحكون سويًا لبعض الوقت، ثم يعود إلى جامعته ويتقابل مع مريم في موعد الرجوع إلى المنزل. فكانت لحظات وجود زين مع مريم يشعرها بالسعادة ويجعل يومها أسهل وأجمل.
عيد ميلاد مريم صادف في أيام دراسة. في صباح يوم عيد ميلادها، استيقظت على رسائل تهنئة من أصدقائها وتهنئة عائلتها. ولكنها كانت تنتظر تهنئة زين لها. مر وقت ولم تصل منه رسالة، ولا في المساء كما اعتاد. تجهزت لتذهب إلى الجامعة، كان زين ينتظرها ليذهبا سويًا. كان يتصرف كأن اليوم عادي لا يحمل أي مناسبة خاصة. "يلا يا ميما، عندي محاضرة لازم أحضرها." "طيب، كنت تروح وأنا كنت هروح عادي لوحدي." "وليه يعني؟ ما طريقنا واحد. يلا."
في الطريق، ظلت مريم تنظر إليه بإستغراب، تنتظر منه أي تلميح كلمة أو نظرة لتذكيره بعيد ميلادها، ولكنه ظل صامتًا يتصفح هاتفه. أرادت أن تذكره، ربما نسي. تحدثت مريم: "زيزو... كان يتصفح هاتفه: "أيون." "هو النهارده إيه؟ "يوم من أيام ربنا. ليه؟ "يعني يوم إيه؟ "الثلاثاء." "كام في الشهر؟ "ميما، كام في الشهر دي نقولها أيام الامتحانات، غير كدا مبركزش، وأنت عارفه." "ها، أوكيه، أوكيه."
عاد ليتصفح هاتفه ونظرت إلى الخارج عبر النافذة بجانبها حتى وصلوا إلى الجامعة. ودعها زين وذهب إلى جامعته. تقابلت مع صديقاتها وحضرت المحاضرات وجلست برفقتهن في الكافتيريا، وكانت تبتسم لهن دون حماس، وكأن شيئًا ناقص. ظلت تنظر إلى الهاتف لعل يرسل لها رسالة تهنئة. جلست في شرود، وفجأة سمعت صوتًا من خلفها. "هاذا باذا تو يو ميما."
استدارت سريعًا ووجدت زين يقف بابتسامته الواسعة يحمل علبة بيتزا مفتوحة وفيها شمعة صغيرة مشتعلة. اقترب نحوها. "يلا بسرعة، هوفي واتمنى قبل ما تنطفي بسرعة." بالفعل طفت الشمعة ونظرت إليه وقال وهو يضحك: "مبروك عليكي المقلب. تحبي نذيع ولا منذعش؟ "أنت رخم بشكل." "وأنتِ هبلة. هل أنا هنسى عيد ميلادك يا عبيطة؟ "أومال إيه اللي عملته دا؟ أول مرة في عمري متنكش أول واحد." "حبيت السنادي أكون مختلف وأعمل مقلب. هاهاهاها. أنا شرير."
"هلبس البيتزا في وشك." ضحك وضحكوا اصدقائها، وقالت إحداهن: "بس عيد ميلاد يعني تورته وكدا، مش بيتزا." تحدث زين: "التورتة والجاتوه دا لناس العادية. لكن ميما مميزة، عيد ميلادها يعني بيتزا إكسترا تشيز." "والله أنت رخم." "هاذا باذا تو يو يا شق." ابتسمت مريم واشتعل قلبها بالفرحة كما كانت الشمعة مشتعلة، وظلت هي وزين يناكفان بعض وسط ضحكات أصدقائها.
مر العام الأول في الدراسة بنجاح مريم وزين وانتقالهم للعام الثاني في الجامعة. وبدء العام الثاني. في أحد أيام الدراسة، خرجت مريم من الجامعة متجهة إلى المطعم. دخلت بهدوء، رأت كرم وسناء يجلسان مع شخص غريب نوعًا ما. أقتربت نحوهم: "مساء الخير." نظرت نحوها سناء: "ميما، أنتِ جيتي امتى؟ سحبت مقعد وجلست: "اتلغى آخر سيكشن وزين عنده محاضرة، قولتله هاجي هنا وهو هيخلص وهيجي." "طيب كويس."
تحدث كرم: "سلمي يا مريم. عبد الله ابن عمك كمال." ابتسمت مريم والقت عليه التحية. واستكمل كرم: "عبد الله استلم شغله هنا في الإسكندرية في شركة مقاولات كبيرة. ماهو مهندس معماري." "بجد؟ جميل، بالتوفيق." تحدث عبد الله: "عمي كرم قال إنك في فنون جميلة؟ "أيوه، في سنة تانية." "شدي حيلك وخلصي وتشتغلي معايا." ابتسمت مريم: "هو أنا حلمي غير كدا. بس ربنا يسهل إن شاء الله." تحدثوا سويًا، ثم استأذن عبد الله وغادر المطعم.
وتحدثت مريم: "غريبة. إيه فكرهم بينا؟ تحدث كرم: "اتنقل شغله هنا وقال يمر يسلم." "وعمي كمال يعرف؟ "أيوه، هو قاله يبقى يمر عليا يسلم يعني." "طيب كويس." تحدثت سناء: "محترم وابن ناس. عبد الله واخد من إلهام كتير. يتحب ع طول." ضحكت مريم: "من أول مقابلة؟ طيب لما تشوفيه تاني؟ "ما هو أنتِ مشوفتيش إلهام مرات عمك. حتة سكرة وحبيبة كدا. لولا بس عمك كمال كان زمانا عندهم وهما عندنا."
تحدثت مريم: "والله بابنا مفتوح، أهلاً بكل الناس. وكرم مش مقصر، كل فترة بيكلم عمي." لمح كرم دخول زين: "زين جه." سحب مقعد وجلس: "بسرعة يا سناء، أي طاجن في الفرن. ديناصورات بطني هتطلع عليكم." ضحكوا، وقالت سناء: "حاضر. قولهم ربع ساعة وهيكون الأكل قدامكم." أمسك زين يد مريم وقام بعضها. وصرخت مريم: "بتعمل إيه يا مجنون؟ "جعان. جعااااان." ضحك كرم وقال: "تعالي جنبي يا ميما. لياكلك." في الجامعة، ومريم تقف مع صديقاتها،
سمعت اسمها: "مريم." التفتت على الصوت وتفاجأت: "عبد الله." بابتسامة: "إيه المفاجأة الجميلة دي. أنا كنت هنا لشخص أعرفه وخارج، مكنتش أتوقع أشوفك." "أكيد هتتوقع، لأنّي بدرس هنا." "آه صح. لكن مش وسط العدد دا." "صدفة سعيدة." "فعلًا صدفة سعيدة. أنتِ عندك محاضرات؟ "لسه قدامي ربع ساعة كدا." "طيب، ينفع تعزمني ع حاجة؟ "أوكيه."
ذهبوا إلى الكافتيريا ووقفا يحتسيا المشروب الساخن وهما يتحدثان. رن مريم هاتفه. كانت صديقتها تستعجلها لموعد المحاضرة. وتركت عبد الله وذهبت إليها، وظل عبد الله ينظر إليها وهي تغادر وعلى وجهه ابتسامة. تكرر ذهاب عبد الله لمريم في الجامعة. وفي إحدى المرات، رآها زين تقف معه بمفردها. واقترب إليهم. "مساء الخير." نظرت نحوه مريم وقالت: "زيزو." "أهلاً يا عبد الله." "إزيك يا زين؟
"الحمد لله. ميما بسأل عليكي. البنات قالولي في الكافتيريا." "عبد الله كان عاوز يشرب قهوة." "وهو أنتِ قهوجية هتعمليها يعني ولا إيه؟ لاحظت ريم نبرة زين الحادة واقتربت إليه وهمست: "في إيه؟ نظر نحوها: "أنتِ اللي في إيه؟ وبتعملي إيه؟ تحدث عبد الله: "فرصة سعيدة يا زين. أنا همشي دلوقتي عشان عندي موعد. سلام يا زين، سلام يا مريم." تحرك عبد الله مغادرًا، وتحدثت مريم: "إيه الطريقة دي؟ "طريقة إيه؟ وبعدين رجله أخدت ع هنا ليه كدا؟
خير؟ "شغله قريب من هنا ويعرف حد في الكلية." "يعرفك أنتِ؟ "زين، في إيه؟ "أنا مش مرتاح لابن عمك دا اللي فجأة ظهر من اللا شيء." "هو عملك إيه؟ "هيَعمل. هيعمل وهتشوفي." ذهب عبد الله لمريم في الجامعة كالعادة، وتحدثت مريم بصراحة: "عبد الله، ممكن أسألك سؤال وتجاوبني بصراحة؟ "اتفضلي طبعًا." "أنت بتيجي الكلية هنا ليه؟ بلاش تقولي بتيجي لحد تعرفه هنا، لأن واضح مفيش حد." "بصراحة كدا يا مريم، أنا باجي عشانك." "عشاني؟
"أيوه. حبيت أعرفك عن قرب بعيد عن عمي ومرات عمي." "ليه؟ "لأني معجب بيكي. وعاوز أتقدم لك." تفاجأت مريم. واستكمل عبد الله حديثه: "أنا فتحت عمي كرم وقال الكلمة الأولى والأخيرة ليكي، وموافقتك أنتِ مهمة. فحبيتك تعرفيني أكتر وتتعاملي معايا أكتر بعيد عن العيلة عشان تقدري تشوفي الصورة صح." "أنا... أنا...
قاطعها عبد الله: "أنا كنت هصارحك، لكن كنت هنتظر الوقت المناسب. لكن أنتِ استعجلتيه. مش عاوز رد دلوقتي، لأنك متفاجئة أكيد. خدي وقتك وفكري، واعتقد في الكام مرة اللي اتكلمنا فيهم مضايقكيش وجودي، وفكري فيا كـ عبد الله مش إني ابن عمك كمال." تركها عبد الله وغادر الجامعة. عادت مريم إلى المطعم وتحدثت مع والدها، وأكد لها ما قاله: "أنا مفتحتكيش في الموضوع لأن عاوزك أنتِ اللي تقرري وتختاري." "عبد الله ابن عمي؟
تحدثت سناء: "ابن حلال وطيب وراجل، وهيعيش هنا في الإسكندرية معانا، يعني مش هتبعدي." "وعمي موافق؟ "عمك موافق مش معترض، مرحب جدًا." تحدثت سناء: "إلهام قالتلي جوازك من عبد الله هيكون السبب في رجوع المايه لمجاريها بينا وبينهم بدل معاملاتنا عن البعد معاهم. وسبحان الله، ممكن تكوني أنتِ اللي هترجعي حق أبوكي من عمك." "إيه اللي بتقوليه دا يا سناء؟ حق إيه؟ "حقك وورثك اللي كمال أخده وأداك فتافيت."
"الحمد لله يا سناء، عايشين ولا لأ." "الحمد لله، مقلتش حاجة. لكن دا ميمنعش إن لك حق عند كمال." تحدث كرم: "مريم، حبيبتي متركزيش مع أمك. أنتِ عاملتي عبد الله واتكلمتي معاه؟ شايفه إيه؟ صمتت مريم للحظة وقالت: "مش عارفة يا بابا. هو كويس، مشفتش منه حاجة، لكن مش عارفة." "خدي وقتك، فكري وقرري، وأنا معاكي." تقابلت مع زين على السطح وجلسوا يتناولون الطعام. "زيزو." "ها... بدون مقدمات." "أنا جالي عريس."
كان زين يتناول الطعام وتوقف فجأة وشرق. ناولته المياه ليشرب ونظر نحوها: "جالك إيه؟ "عريس." "إزاي يعني يجيلك؟ "هو إيه اللي إزاي؟ أنا بنت زي باقي البنات، أكيد هيتقدم لي عرسان." "مين دا؟ وعرفك إزاي ومنين؟ نظرت نحوه للحظات في صمت وقالت: "عبد الله ابن عمي." خبط بيده على الطاولة بقوة: "كنت عارف. كنت عارف إن نيته مش سالكة. كل شوية عندك دا مش سالك. مرفوض." "اسمع لآخر."
"مش هسمع حاجة. هو شخص مش سالك، مرفوض. وبعدين دا ابن عمك كمال اللي أساسًا مفيش تعامل غير في المناسبات. فجأة كدا ظهر ودخل في الصورة. لا لا، مرفوض." "أنت مش مديني فرصة أتكلم." نظر إليها بتعجب: "هتتكلمي في إيه؟ هو أنتِ موافقة؟ "لا مش موافقة." "أهو." "أو موافقة. لسه محددتش." نظر نحوها زين باندهاش: "إزاي يعني؟ "بص يا زيزو... عبد الله دا ابن عمي صح؟ "أيوه. ادخلي في الموضوع."
"هو كويس بصراحة. معاملته ليا كانت كويسة، مضايقتنيش." "ها... انجزي. وبعدين... "هو قال لبابا هيعيش هنا في الإسكندرية عشان شغله، يعني مش هبعد." "تصدقي كان فعلاً مشكلة واتحلت. ناقص تقوليلي هيجيبلك شقة 3 أوض وصالة مفروشين." "ممكن تهدأ عصبيتك دي تسمعني للآخر، متقاطعنيش." "قولي، ويا ريت ننجز." "في جزء مهم في الموضوع دا شاغلني بجد." "اللي هو إيه بقى؟ "ميراث بابا." "ميراث أبوكي... من مين؟
"من جدي. عمي أخده وأدى بابا فتافيت. وعبد الله ابن عمي الكبير، وهيبقى سهل أرجع حق بابا و... قاطع حديثها: "وأنتِ هتوافقي عشان ترجعي ميراث أبوكي من عمك." "ليه لا." "مريم... اخرجي من فيلم الأبيض والأسود اللي أنتِ داخلة فيه دا. فوقي ها، فوقي بدل ما أديكي قفا يفوّقك." "في إيه يا زين؟ "في إنك متخلفة وخسارة فيكي التعليم. إيه قصة فيلم عاد لينتقم دي؟ بنت تنتقم لأبوها من عمها فتتجوز ابنه. أنتِ واعية لكلامك؟
"بصراحة كدا، أنا كان نفسي أكون ولد، كنت قدرت رجعت حق بابا من عمي." "أبوكي مش محتاج حاجة من عمك. أبوكي ما شاء الله عنده شغله ومكانه اللي هو صاحبه. وأنتِ عندك كل حاجة. فلوس عمك مش محتاجينها." "أنا... "أنتِ اخرسي خالص ومتفكريش. قال تنتقم قال. دا جواز يا مريم، جواز مينفعش تفكري فيه بالشكل دا. وبعدين جواز إيه اللي تفكري فيه دلوقتي، وأنتِ قدامك لسه الكلية. إحنا اتفقنا مفيش تفكير في أي حاجة غير دراستك، صح؟
"صح. عشان كدا قولت أتخطب وأحاول وأنا مخطوبة كدا أقنع عبد الله يقنع عمي و... "ومفيش حاجة. مفيش حاجة من الهبد دا هيحصل." "أنت متعصب ليه كدا؟ إحنا بنتكلم بهدوء." حاول زين يهدأ: "لا مش متعصب ولا حاجة. أنتِ اللي مستفزة وتفكيرك مستفز. اقفلي الموضوع دا." "طيب، خطوبة وأفرح يومين بدبلة وكدا زي البنات وأجرب؟ "اعقلي كدا، ماشي؟ اعقلي بدل ما هتلقي حالًا قفا نازل عليكي من حيث لا تدري. أعملك استيكر ع الطاولة دي." "تعملها، عارفاك."
"أنا قولت أفضفض معاك، أتكلم بصوت. ماهو مفيش غيرك بفضفضله ودوشة دماغي بيسمعها." "هسمعك في كل حاجة وأي حاجة إلا الموضوع دا، فاهمة؟ قالها وهو غاضب. واستكمل حديثه: "وكرم ليا كلام معاه. دا اللي كان عاوز يلزقلك ابن أخوه. ماشي يا كرم، ماشي." "ع فكرة كرم مبيضغطش عليا أوافق، بالعكس قالي، قالي فكري. فكنت بفكر معاك بصوت. خلاص اقفل الموضوع، ويلا ناكل يلا." "سديتي نفسي." "خلاص، هاكل أنا."
عادت مريم لتتناول الطعام وجلس زين مشتعل غضبًا مما سمعه. وتحدثت مريم وقالت: "بس أقولك حاجة، والله عبد الله لذيذ و... كانت مريم تتحدث بارتياح وهي تتناول المعكرونة أمامها، وهي تذكر اسم عبد الله بابتسامة أمام زين. فجأة من غير مقدمات، مد زين يده ودفع رأسها بخفة نحو طبق المعكرونة أمامها. غاص وجهها في الطبق وتلطخ بالصلصة الحمراء. رفعت وجهها بسرعة وعيناها متسعتان من المفاجأة. من الصدمة، ظلت
صامتة للحظات ثم صاحت بغضب: "زيييييييييييين! تحرك من جانبها زين وركض على السلم وهو يضحك عليها، وتوجهه إلى منزله. ومريم تركض خلفه غاضبة. وصل إلى منزله، فتح الباب وكانت سوسن واقفة. "بتنهج كدا ليه؟ في حد بيجري وراك؟ سمع زين صوت مريم قادمة: "متفتحيش باب الشقة يا ماما." "ليه؟
سمعت سوسن جرس الباب وخبط بقوة على باب المنزل. ركض زين إلى غرفته وأغلق الباب خلفه. وفتحت سوسن الباب وتفاجأت بمريم أمامها ووجهها مغطى بالصلصة وملامحها غاضبة ومحرجة. "إيه دا يا مريم؟ "زين خلاني آكل وحط وشي في طبق المكرونة. شايفة؟ قالتها وهي منزعجة. وحاولت سوسن أن تخفي الابتسامة: "تعالي اغسلي وشك طيب، تعالي." توجهت إلى غرفة زين وخبطت بقوة على الباب: "افتح يا زين، افتح الباب."
زين من خلف باب الغرفة: "زين مش هنا. أنتِ جاية مكان غلط." "وحضرتك مين؟ عفريته. افتح بقولك." "مش هفتح طبعًا. روحي اغسلي وشك." "يعني حلو اللي عملته دا ها؟ كانت غاضبة وهي تتحدث. وقال زين: "إيه يا ميما، بهزر معاكي، بهزر. متوقعتش إن راسك خفيفة كدا هتغطس في الطبق." "يا سلام. افتح يا زين." "مش هفتح بقولك. وبعدين ماهو أنتِ دلقتي عليا العصير من شهر. قولتلك حاجة؟ "يعني أنت سكت، خليتني قاعدة، ودلقت على راسي مايه ساقعة."
"مايه مش عصير. خلاص يا ميما بقى، روحي نامي، روحي." "ماشي، ماشي. مش هفوتهالك، ماشي." خرجت مريم منزعجة وتوجهت إلى منزلها. وخرج زين يبحث عنها. وقالت سوسن: "إيه يا زين، دا مينفعش كدا؟ "مكنتش حاسس بنفسي والله." "ليه؟ إيه حصل؟ "كانت بتتكلم وفجأة لقيت نفسي بعمل كدا. مستوعبتش إلا بعد ما لبست الطبق." "متسبهاش كدا بقى. صالحها بدل ما تلاقيها ردتهالك أنيل."
حاول أن يتواصل معها، لم تجب عليه. لم يستطع النوم وذهب إلى السطح وجلس على المقعد وأسند رأسه للخلف ونظر إلى السماء في شرود. ظل هكذا لبعض الساعات حتى سمع صوت كريم يقترب نحوه. "أنت نمت هنا ولا إيه؟ التفت إليه: "أنت منمتش؟ "مكنش جايلي نوم. قولت نلعب ماتش بلايستيشن. دخلت أوضتك ملقتكش، قولت أشوفك هنا." نظر كريم في المكان: "أنت لوحدك. فين مريم؟ تنهد زين: "في شقتهم." "غريبة. من القليل أوي تكون هنا لوحدك. أنتوا اتخانقتوا؟ أومأ
برأسه زين وجلس كريم وقال: "مين الغلطان فيكم؟ "بصراحة أنا. بس هي اللي استفزتني أعمل كدا." "عملت إيه؟ "كانت بتاكل مكرونة، قالت جملة استفزتني، رحت حطيت وشها في الطبق وبقى كله صلصة." بملامح اندهاش: "أووبس. وأكيد هي مسكتش." "لو كانت لحقتني كانت روقتني، بس أنا جريت ع البيت وققفلت عليا باب أوضتي، وهي قفشت وراحت بيتها، وكلمتها بتقفل في وشي." "أنت زودتها يا زين. تضايق الحركة."
"عارف. هصالحها. أينعم هتدفعني دم قلبي، بس مش مهم." "علاقتكم قطة وفار غريبة بجد. ربنا يهديكم." "يارب. ويهديك." "يهدينا كلنا خلاص يا عم زين." أخرج كريم سيجارة من علبة السجائر بحوزته وعرض واحدة لزين: "ها؟ "لالا مش عاوز." "متخافش، مش هتقفشك وأنا مش هقولها." ابتسم: "لا لا، مش عاوز بجد." أشعل كريم سيجارته وأطلق
الدخان في الهواء وقال: "عارف يا زين، تظبيطك السطح أنت ومريم كان أحلى حاجة عملتوها في حياتكم. القاعدة هنا ترد الروح فعلًا." "أهو مكان نفصل فيه عن قفلة الأبواب." "فكرة جميلة. على فكرة، سبقناكم إحنا بالفكرة دي، بس محصلش نصيب ونفذنا." "أنت ومين؟ صمت كريم: "أنا و... " لم يساعده لسانه على نطق الاسم. فقال زين: "ملك. أنت وملك، صح؟ أومأ برأسه وأخذ نفسًا من السيجارة: "زمان بقى."
نظر إليه زين للحظات في صمت وكريم ينظر أمامه في شرود وعلى وجهه ابتسامة صغيرة. قال زين: "بتتعامل إزاي مع المشاعر دي يا كريم؟ "تقصد إيه؟ "يعني أقصد أنت اتجوزت أه مطولتش، بس تتحسب اتجوزت. وبعدها عرفت بنات كتير. فـ أكيد بتحس أوقات بمشاعر كدا خارجة عن سيطرتك، مش مفهومة. مينفعش تحسها. بتتعامل إزاي معاها؟ "اتلهيت. شغلت نفسي في حوارات عشان لو سبت نفسي للفراغ والتفكير أنا هتأذى." "يعني علاقاتك دي كلها عشان تشتت نفسك؟
"أيوه. لما يكون فيه موضوع مش عارف أتعامل معاه بهدوء وملغبطني، بلهي نفسي بأي حوار تاني يشتتني. التشتيت أفضل وسيلة إنقاذ سريع عن تجربة. وأهو قدامك زي الفل." صمت زين للحظات وبدأ يفكر في كلمات كريم، مرددًا بصوت خافت: "تشتيت... تشتيت." في الصباح، حاول زين أكثر من مرة الاتصال بمريم، لكن كل مكالمة كانت تقوم برفضها مريم. ذهب إلى منزلها، فتحت سوسن الباب. "مريم فين؟ "نايمة." "هي مش هتروح الجامعة؟
"لا، قالت مفيش حاجة مهمة ونايمة." ذهب زين إلى جامعته. وبعد انتهاء محاضراته، ذهب إلى المطعم، توقع أن يجدها هناك كما يحدث في العادة. ولكنه علم بتواجدها في المنزل بمفردها. في منزلها، كانت مريم تجلس تنتقل بين قنوات التلفاز. رن جرس الباب، فتحت وجدت أمامها عامل التوصيل يحمل علبة بيتزا. أخذتها منه وأغلقت الباب وجلست على الطاولة وفتحت العلبة وتفاجأت بورقة بجملة داخلها مكتوب: "أنا آسف يا ميما، بجد آسف."
نظرت إلى البيتزا للحظات بغضب، ثم ابتسمت وجلست تناولتها بسعادة. واتصل بها زين وأجابت وهي تتناول البيتزا، فعلم بأن المصالحة تمت. "بس دي مش مصالحة كدا." "لا، دا فتح سكة. اجهزي كمان ساعة هعدي عليكي نروح سينما." "وهتجيبلي آيس كريم ودونتس؟ "كل حاجة عاوزاها، شاوري هتلاقيها قدامك." "أوكيه."
لاحظت مريم في الفترة الأخيرة أن زيارات زين لها في الجامعة قلت كثيرًا. لم يعد يأتي بين المحاضرات مثلما اعتاد، ولم يعد يجلس معها ومع صديقاتها كما كان يفعل دائمًا. كل مرة تسأله، كان يعتذر بلطف ويبرر غيابه بأنشغاله في محاضراته. ورغم مبرراته المنطقية، ولكن قلب مريم لم يقتنع. شعرت أن هناك سبب آخر، فقررت في أحد الأيام أن تفاجئه وتذهب إلى جامعته دون أن تخبره.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!