تحميل رواية «توأم روح» PDF
بقلم يارا سمير
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
مع أول خيوط الفجر، يتردد في أرجاء السكن الجامعي التابع لجامعة الزقازيق أصوات المنبهات المتكررة وضجيج الطلاب وهم يستعدون ليوم دراسي جديد. في الداخل، تبدأ الحركة في الطرقات الطويلة بين الغرف، أبواب تفتح وأبواب تغلق ووجوه نصف نائمة وسط مزيج من اللهجات من مختلف محافظات مصر. في الساحة، البعض في انتظار أصدقائه وآخرون يستعدون للمحاضرة الأولى، وجوه تملأها السرحان أو الاستعجال. في إحدى الغرف، غرفة بسيطة تحمل رقمًا باهتًا على بابها، ولكن بداخلها قصة صداقة عميقة بين محمود وكرم. أحدهما من الصعيد والآخر من ا...
رواية توأم روح الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم يارا سمير
وصلا إلى الباب وطَرقت مريم بخفة. فتح الباب ودخلت هي وبسنت بهدوء.
دون أن يرفع رأسه، تحدث إلى بسنت:
_ حطي الملف هنا، هرجعه حالًا يا بسنت.
لم يلمح ملفات توضع، وساد الصمت. وقفت أمامه مريم صامتة لا تنطق سوى بابتسامة هادئة تعلو وجهها. رفع زين عينيه أمامه:
_ فين الملف؟
في لحظة، توقفت كلماته وتجمدت ملامحه. تسمرت نظرته وساد الصمت. مريم أمامه واقفة بعد غياب.
قالت مريم مازحة:
_ مفيش حمد الله على السلامة ولا أرجع؟
تجمد زين في مكانه، عيناه معلقتان بمريم وكأن الزمن توقف للحظة. كان يحدق فيها بذهول ودهشة وكأن عقله يرفض تصديق وجودها أمامه فعلًا بعد تلك الشهور. حاول فتح فمه لينطق ليقول أي شيء لكنه لم يقدر. الحروف خانته والكلمات لم تجد طريقها. بقى صامتًا، ينظر إليها بعينين يغمرهما خليط من الاشتياق والذهول.
تحدثت مريم:
_ الحقيني يا بسنت، خطيبك فقد النطق.
ضحكت بسنت:
_ زين، زين، أنت كويس؟
انتبه زين:
_ إيه المفاجأة دي؟
تضحك مريم:
_ اللي على وشك ده تأثير صدمة مش مفاجأة.
تدارك زين الموقف سريعًا وتحرك من أمام المكتب وضحك:
_ حمد الله على السلامة.
_ الله يسلمك.
جلسوا.
_ جيتي امتى وإزاي وقاعدة امتى ولا إيه الحكاية؟
_ إيه التحقيق على السريع ده؟ وبعدين ماهو أنت لو بتشوف الرسائل وقت ما ببعتها كنت وفرت على نفسك كل الذهول والأسئلة دي.
فتح زين الرسائل وكانت مريم أرسلت رسالة:
(جهز سندوتشات الكبدة والسجق والبيتزا إكسترا تشيز نتعشى بيهم سوا.)
تحدثت مريم:
_ أنت الوحيد اللي بعتلك وعرفتُك. مفيش حد كان عارف على فكرة، كلهم اتفاجئوا.
_ طول اليوم مبمسكش الموبايل غير لو بتكلم مكالمة، غير كدا مبفتحش أي رسائل غير قبل ما أنام. اسأل بسنت.
_ ما أنا جيت وشوفت بنفسي براءة.
ضحكت بسنت. وقالت مريم:
_ مبروك على خطوبتكم يا بسنت، كان نفسي أكون موجودة بس معرفتش.
تحدثت بسنت والابتسامة تعلو وجهها:
_ هي قراية فاتحة ولبس دبل بس، لكن حفل الخطوبة لسه هنرتب لها، هتكوني موجودة.
_ أكيد، أومال مين اللي هيمسك الصينية اللي فيها الشبكة اخت العريس، لازم أقوم بدور اخت العريس كما قال الكتاب ولا إيه يا زيزو؟
كان زين ينظر إلى مريم ويحرك خاتم الخطوبة في إصبعه مرارًا وتكرارًا وضحك وقال:
_ أنا بقولك أهو، خلي بالك. شايفاها كيوت وطيبة أهي دي اللي حماتك، خلي بالك يا بسنت بقى، ميغركيش طيبتها وضحكتها دي. عليها شوية تسخين من تحت لتحت ولا بيبان عليها. عارفة دي هكرت إيميلاتي وكان ولا باين عليها.
ضحكت مريم:
_ انسى بقى. وبعدين كان زمان يا زيزو، دلوقتي كبرنا خلاص. كح كح كح.
_ أهو دي الساحرة العجوزة الشريرة، عارفاها.
أمسكت مناديل ودفعتها تجاه زين وقالت:
_ ومجنونة ورايحة منها كمان شايفة. أنا بعرفك بس هتتعاملي مع مين.
تحدثت بسنت:
_ متحاولش يا زين، ميما قمر. أطلع أنت منها، إحنا أصحاب مع بعض.
نظرت مريم لإغاظة زين وهو ابتسم وقال:
_ حمد الله على السلامة يا ميما.
غادر الثلاثة الشركة. كانت خطواتهم هادئة لكن يرافقها توتر خفي في الأجواء. اقتربوا من سيارة زين. وعندما فتح الباب، تحركت مريم بشكل تلقائي نحو المقعد الأمامي بجوار زين كما اعتادت دائمًا. لحظة قصيرة مرت قبل أن تنتبه لما فعلته فتراجعت سريعًا وغادرت السيارة ونظرت إلى بسنت التي جلست في المقعد الخلفي:
_ أنا بعتذر يا بسنت بجد، مش قصدة. قومي اقعدي جنب زيزو يلا.
_ لا مش مستاهلة، خليكي أنا هنا مرتاحة.
_ لا والله أبدًا، أنتِ خطيبته دلوقتي تقعدي جنبه. أنا هقعد ورا.
ظل الجدال بين مريم وبسنت وتحدث زين:
_ هتركبوا ونمشي ولا نسيب العربية ونطلب أوبر وهقعد أنا جنبه وأنتم الاتنين ورا.
أمسكت مريم يد بسنت وسحبتها للخارج وأجلستها في المقعد الأمامي بجوار زين، وجلست في المقعد الخلفي وقالت وهي تبتسم:
_ أيوه كده الصح. أنتِ تقعدي جنبه، مفيش حد تاني، سامعة.
نظر إليها زين بتعجب وتحركا بالسيارة إلى المطعم. وطوال الطريق كانت مريم وزين يناكفان بعض ويتذكران ذكرياتهما سويًا. وكانت بسنت تضحك عليهم فقط.
وصلوا المطعم ودخلوا وتوجه زين إلى إيهاب ليرحب به:
_ حمد الله على السلامة يا دكتور، نورت إسكندرية.
_ شكرًا يا زين، منورة بأهلها.
رحبت به بسنت وقال لها إيهاب:
_ مبروك على الخطوبة.
_ هي قراية فاتحة والخطوبة قريب، أكيد هتكون موجودين، ميما أكدت عليا.
وقفت مريم بجوار إيهاب وتشابكت أصابعهم سويًا ورآهم زين وقال إيهاب مبتسمًا:
_ طبعًا لازم نكون موجودين إن شاء الله. عرفونا امتى ونرتبها.
_ إن شاء الله.
مالت مريم هامسة لإيهاب:
_ أنا هدخل المطبخ أشوفهم.
_ تمام.
اجتمعوا حول الطاولة كما لم يحدث منذ زمن، وكانت مريم تجلس وسطهم كأن قطعة ناقصة عادت لتكمل الصورة. الضحكات تعالت والأحاديث تداخلت والدفء في الأجواء كان ملموسًا. زين كان يراقب في الخفاء أغلب الوقت، يبتسم حين يسمع ضحكتها ويشارك حين يعلو الحديث، لكن عينيه لم تبتعدا عن مريم. أما مريم فكانت تحاول أن تعيش اللحظة، تحتفظ بها وتخبئها في قلبها. كانت نظراتها هي وزين تنتقلان بين بعض بحنين وكأنهم أدركوا كم كان الغياب مؤثرًا حتى وإن لم يقل. فقد اشتاقوا لهذا الجمع الذي يشبههم ولهذا الشعور بالأمان الذي لا يشترى.
أنهوا تجمعهم وغادروا جميعهم عائدين للمنزل حتى يستريح إيهاب ومريم بعد اليوم الشاق. تركهم زين لإيصال بسنت إلى منزلها وتوجهوا الباقيين إلى المنزل. كان زين يقود السيارة بصمت وبسنت تتحدث بجانبه:
_ كانت مفاجأة حلوة رجوع مريم؟
_ أيوه فعلًا.
_ لو كانت قالت كنت فضيت نفسي أكون معاها، دي نازلة أيام قليلة أوي.
_ هي كدا لاسعة، لما بطق في دماغها حاجة بتعملها، وبعدين متقلقيش، هتلاقيها طبالك في الشركة مش هتحلك.
_ بجد يا زين، أنا محظوظة إني بقيت فرد منكم. النهارده وأنا قاعدة معاكم وبنتعشى، إحساس إني فرد منكم فرحني أوي.
_ وع أساس قبل كدا كنتي بنت الجيران عابرة سبيل بنعطف عليها، صح؟
_ بطل رخامة. بص، مش هتفهم إحساسي.
أمسك يدها وضحك:
_ خلاص متقلبش وشك. أنا فاهم إحساسك كويس، بس عاوز أقولك إنك من زمان وفرد منا، يعني سواء الدبلة دي في إيدك أو لا، أنتِ واحدة منا يا بسنت. ولكن لقطع الشورت في البسين، لبست الدبلة عشان تكوني منا. فهمي، نظمى، رسمى.
ابتسمت بسنت:
_ أحلى فهمي، نظمي، رسمي.
ظل زين ممسك يد بسنت وهي تتحدث، وهو أفكاره تتخبط في عقله دون أن تلاحظ. في المنزل عادت مريم وهي تحمل سعادة دافئة بين ضلوعها. دخلت غرفتها هي وإيهاب:
_ بجد يا إيهاب، مش عارفة أشكرك إزاي. النهارده أول مرة أحس روحي رجعتلي.
_ مش محتاجة تقولي، باين على وشك. المهم عندي تكوني مبسوطة.
_ جدًا جدًا.
_ أنا هلكان عاوز أنام.
_ اليوم فعلًا كان مرهق.
بدلت ملابسها هي وإيهاب وتمددا على السرير للنوم. من الفرحة لم تستطع مريم النوم، بينما إيهاب استسلم للنوم سريعًا. خرجت مريم بهدوء من الغرفة والجميع نيام، وجلست في غرفة المعيشة كأن اللقاء مع الجميع أعاد لها شيئًا في روحها. كانت الابتسامة تعلو وجهها. أرسلت رسالة إلى زين:
_ صاحي.
_ أيوه.
_ أنا هطلع السطح، تعالى خد هديتك أنت وبسنت.
_ أوكي.
التقطت حقيبة هدايا ووضعت المفتاح في جيب بنطالها وصعدت إلى السطح. حين صعدت مريم إلى السطح استقبلها المكان بهدوء المعتاد وكأنه لم يتغير. كل شيء كان كما تركته، الألوان والمقاعد والزرع الصغير في الزوايا. كان واضحًا أن هناك من يهتم بالمكان جيدًا، ينظفه ويراعيه، لم يكن مهملًا بل نابضًا بروح مألوفة. خطت خطواتها ببطء تلمس الأشياء بعينيها ويديها وابتسامة خفيفة ترسم ملامحها. جلست على الأريكة التي كانت لها وزين ملجأ ليالي الدراسة والمذاكرة ومشاهدة الأفلام والسهرات. استسلمت مريم لتيار الذكريات. ابتسمت تذكرت ضحكاتهما وحديثهما وتفاصيل تلك الأيام. شردت قليلًا في صمت الذكريات حتى قطع سكون اللحظة صوت مألوف جعل قلبها يخفق. صوت زين:
_ والله بعودة يا ميما.
نظرت إليه مبتسمة:
_ زيزو.
تحدث وهو يقترب إليها وجلس:
_ إيه اللي مصحيك للوقت ده، الساعة 3؟
_ أنت إيه اللي مصحيك؟ المفروض إنك بتاكل رز بلبن مع الملائكة من بدري، صح؟ ولا كنت سهران بتحب في الموبايل وكدا؟ قول، قول، متتكسفش.
ضحك زين:
_ أنتِ واقع منك إننا الاتنين شغالين ومطلوب مننا الساعة 8 نكون في الشركة. إحنا عالم مش فاضية.
_ تقصدني أنا اللي فاضية. ماشي يا زيزو، بتخبط فيا من دلوقتي، أومال لما تتجوز هترمييني في الشارع.
ضحكت مريم وضحك زين وقال:
_ عاوز أقولك إن اللي عاوزين نقوله بنقوله في وش بعض، ما إحنا طول اليوم في وش بعض، مش هنستنى المكالمات الليلية يعني.
_ بجد يا زيزو، إيه إحساسك وأنت وبسنت طول اليوم في وش بعض كدا؟
_ حاجة كويسة، أهو فرصة بنعرف بعض أكتر عن قرب. أنا بفكر فيها كدا.
_ اممم.. كويس.
نظر إليها للحظات وقال:
_ تعرفي كل مرة أطلع أحس إني هلاقيكي قاعدة كدا. لدرجة قولت دا جنان يا عم زيزو، فوق، ألا الأحلام طلعت بتتحقق أهو، وأنتِ قدامي أهو بزلومتك.
ضحكت مريم:
_ أنا مش هنا أيوه، لكن سايبالك عفريتي، مش هيسيبك في حالك.
_ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. انصرفي، انصرفي.
تبادلا الضحكات وقالت مريم:
_ بجد كنت واحشني أوي يا زيزو. وحشتني قعدتنا وكلامنا ورغينا ورخمتنا على بعض وزعلنا ومصالحتنا. كل حاجة مفتقداها جدًا.
_ عاوزة تقنعيني كل الأماكن اللي رحتيها وكنتي بتفكري فيا؟
_ الصور تقولك. كل مكان بروحه بقول ياريت زيزو معايا هنا.
_ وإيهاب؟
_ ماله إيهاب؟ موجود.
_ يعني أقصد إيهاب موجود، أنا أجي أعمل إيه؟
_ عادي، تتفسحي معايا زي ما إحنا متعودين.
تنهد زين وقال:
_ هبقى أجلك أنا وبسنت.
_ إن شاء الله. صحيح، أنا مبسوطة إنك مهتم بالسطح، مكبرتش دماغك منه. مكذبش عليك، كنت قلقانة المكان يتحول لخرابة.
_ لا مقدرش، وأنتِ عارفة ده. عمرنا هنا.
_ أنا قولت الشغل أخدك ومبتردش عليا غير آخر اليوم، وخطبت، فخلاص بقى.
_ لا لا مقدرش أكبر دماغي من ملجأنا وأحلى ذكرياتنا هنا.
_ قولي صحيح، مين بيطلع هنا غيرك؟
_ مفيش حد غريب. أوقات كريم، وده لما ملك تقفل في وشه محاولة من محاولاته. وملك لما تحب تهرب من كريم ومن أي حاجة. وأنا، وأوقات بسنت لأنها بصراحة تفهم في الزرع أكتر مني وساعدتني بالاهتمام به زي ما أنتِ شايفة كدا.
_ جميلة بسنت. أخيرًا شوفت في إيدك دبلة خطوبة. لقد وقعت.
نظر إلى الدبلة وابتسم وقال:
_ أنتم السابقون ونحن اللاحقون.
ابتسمت. وقال زين:
_ احكيلي كدا على مغامراتك في إيطاليا.
_ امم، اللي أقدر أقولهولك إني روحت أماكن مكنتش بحلم بيها. كان أقصى حلم مكان أو اتنين. اللي حصل شوفت أكتر بكتير.
_ مالك مش مبسوطة ولا إيه؟
_ لا بالعكس، مين مينبسطش. لكن عارف لما تحس إن فيه حاجة ناقصة.
_ أكيد أنا.
قالها وضحك ونظرت إليه وضحكت:
_ بالظبط كدا، كنت مفتقدة رخمتك وفصلانك.
أمسك يا رخم يا فصيل. قدمت نحوه حقيبتين:
_ واحدة لك وواحدة لبسنت، اديهالها بكرة في الشغل لما تشوفها.
_ جايبالنا إيه؟
_ لبسنت كوزمتك وبرفيوم، وأنت برفيوم هيعجبك.
_ كل ده وبرفيوم؟ هو أنا محروم برفيوم يا بخيلة.
ضحكت مريم:
_ شوف الأول اسم البراند وابقى أتريق بعدين.
خرج زين العبوة وكان اسم ماركة عالمية وقال:
_ يا بنت الغنية يا ميما، ده أنتِ على كدا فلستيني الدكتور؟
_ لا أبدًا، هو مش مضايق، وبعدين أنا عرفت إني جاية امبارح بليل، ملحقتش أجيب حاجة. المرة الجاية أبقى أنزل أعملكم شوبنج.
_ ماشي، ماشي.
صمت زين لثوانٍ وهو ينظر إلى مريم وشعرت بارتباك وقالت:
_ عارفة نفسي في إيه دلوقتي؟
نظر إلى الساعة كانت 3 ونص صباحًا:
_ دلوقتي.. بيتزا دلوقتي؟ وبعدين بعد بيتزا إيطاليا الأصلية بتفكري في التقليد هنا.
_ شفت إزاي بقى؟ فقرية.
_ بجد لو عاوزة أنزل أجيبلك.
_ لا لا بعدين، لأني تعبانة بجد وعاوزة أنام عشان هصحى بدري أروح المطعم، مش هضيع ساعة من 4 أيام الباقيين.
_ هتنتقمي.
_ بالظبط، دول كنز بالنسبالي. صحيح، بكرة آخر اليوم إيه رأيك نعمل سهرة لطيفة هنا، إحنا الـ 6، أنا وإيهاب وكريم وملك وبسنت وأنت.
_ مفيش مشاكل. اتفقنا.
_ خلاص، أنا هعرف ملك وإيهاب، وأنت عليك الباقيين في الشغل تعرفهم.
_ تمام.
_ يلا تصبح على خير.
قامت مريم تحركت من مكانها مغادرة. أوقفها زين قائلًا:
_ ميما.
التفتت وقالت:
_ أيوه.
_ كنت وحشاني جدًا.
ابتسمت وقالت:
_ وأنت جدًا.
تركته وعادت إلى منزلها ودخلت غرفتها بهدوء وتمددت بجانب إيهاب الذي شعر بعودتها وضَمَّها لحضنه وأغلقت عيناها ونامت.
صباحًا استيقظ إيهاب ببطء في هدوء الصباح. مد يده بجانبه فلم يجد مريم. فتح عينيه بتمعن ونظر حوله. وقع نظره عليها جالسة أمام المرآة تضع لمساتها الأخيرة في صمت وهدوء. بدا عليه التعجب فهي لم تعتد الاستيقاظ باكرًا بتلك النشاط. قال:
_ مريم، صباح الخير.
التفتت وهي تنظر إليه مبتسمة:
_ صباح الفل. آسفة لو أزعجتك.
_ لا خالص، أنا محسيتش بيكي. أنا بتقلب ملقتكيش جنبي. هي الساعة كام؟
_ الساعة 7.
_ 7 الصبح. ده أنتِ كدا صاحية من بدري؟
_ سمعت الفجر، قومت صليته وقعدت مع كرم شوية نرغي وحضرتله الشاي وبيجهز عشان ينزل المطعم، ودخلت أجهز عشان أنزل معاه.
_ بدري كدا؟
_ وأنت كمان هتقوم وتجهز وهفطرك أحلى فطار في المطعم.
تحرك من على السرير ووقف خلفها وضمها وطبع قبلة على خدها وقال:
_ عارف أنا الفطار ده أحلى فطار أكلته في حياتي.
_ قولتلك فطار مميز وقتها.
ظل محتضنها وقال لها هامسًا:
_ عارفة إيه المميز فيه؟
_ لأنه عندنا وبس.
_ لا.. لأنه هفطر معاكي وبس.
ابتسمت مريم وطبع قبلة أخرى وقالت له:
_ يلا أجهز عشان ننزل مع كرم.
_ تمام، هاخد شاور سريع وأجهز.
ذهبت مريم وإيهاب وكرم وسناء إلى المطعم، ثم لحق بهم محمود وسوسن. في المطعم كان الجو مليئًا بالأحاديث والضحكات الدافئة بين العائلة. لحظة دخول كريم من الباب، توقفت نظرات مريم للحظات قبل أن تنتقل بعفوية إلى ملك التي كانت تجلس بهدوء تتحدث مع محمود. مالت إليها قليلًا مريم وقالت لها:
_ كريم جه.
نظرت إليه يقترب منهم وقالت:
_ ما يجي. أقوم أعمله تشريفة يعني.
اندهشت مريم من ردها وكأن دخول كريم لم يحدث أي فرق. بدت متزنة، لا انفعال في ملامحها ولا تغير في نبرة صوتها. اقترب كريم وألقى التحية وجلس في طاولة مجاورة لهم. وجلست بالقرب منه مريم وقالت هامسة:
_ هو إيه الحكاية؟
_ حكاية إيه؟
_ أنت وملك.. مش كنتم كويسين مع بعض؟
_ أيوه كويسين. هي قالتلك حاجة؟
_ لا.. بس بقولها كريم جه، لاقيتها بترد لامبالاة كدا. هو أنت مزعلها في حاجة؟
بملامح ياس:
_ لا، هي دي طريقتها عادي.
_ عادي كدا؟
_ أيوه كدا. عاوزاها تقوم تعملي تشريفة لما أجي.
نظرت إليه بتعجب:
_ دي هي كمان قالتلي كدا...
نظر إليها بدهشة:
_ يا شيخة..
_ أه والله. وبعدين إيه العلاقة دي مش مفهومة.
_ لا مفهومة لينا. إحنا أصحاب وبس حاليًا.
_ حاليًا؟
_ أيوه لغاية ما تلين. هي وافقت إننا نكون أصدقاء، وده نعمة أحسن من مفيش. كفاية عندي أجي 10 دقائق تقعدهم معايا نتكلم في أي حاجة وأمشي.
_ وبس كدا؟
_ لا، لو احتاجت حاجة بتكلمني لأن زين مطريها على الآخر.
_ وأنت مرتاح كدا.
_ نص العمى ولا العمى كله. وبعدين أنا موريش غيرها قاعدلها.
ابتسمت مريم:
_ يا سلام على الإصرار والإرادة.
_ فرصة جتلي من المستحيل مش هضيعها. المهم طمنيني عليكي، أخبارك إيه وفين الهدايا؟ مش أنتِ راجعة من السفر.
_ في البيت، لما أرجع هديهالك، متقلقش.
_ أيوه كدا. عندنا حد بيسافر.
ضحكت مريم وقال كريم:
_ أنتِ عاملة إيه وأخبارك وإيهاب عامل إيه؟
نظرت مريم إلى إيهاب:
_ في حاجة غريبة كدا بمر بيها يا كريم.
_ إزاي يعني؟
_ أوقات كتير بقول إيهاب كان يستحق واحدة أحسن مني.
_ ليه كدا؟
نظرت إلى كريم:
_ مش عارفه يا كريم. إيهاب مفيش حاجة مبيعملهاش ليا. مبيفوتش فرصة واتفاجئ بحاجة عاملها ليا. إنسان محترم وذوق ولطيف أوي معايا. أوقات بيبقى ليا تصرفات غريبة، التقلبات المزاجية اللي أنتم عارفينها. وبتتجنبوني رغم إنه مش فاهم السبب ممكن يكون إيه، لكن بيحاول يخرجني من الحالة دي بكل الطرق، وبضايق من نفسي أوي. عارف سفرنا ده هو عمله لمجرد إني حسيت إنكم وحشتوني ومكنتش كويسة. رغم إن عنده معرض بعد رجوعنا بيوم والمفروض يكون بيجهز له. خطف 5 أيام عشاني.
_ أنتِ هبلة ولا إيه؟ ده المفروض يفرحك مش يزعلك زي ما أنا شايف.
_ حاسة إنه بيديني أكتر ما أنا بديه، وده مضايقني.
_ طيب ما بسيطة، اديه أكتر.
_ جبت التايهة أنت. اسكت اسكت، قال إيه وبتكلم معاك.
اقتربت إليهم ملك وجلست:
_ أنتم بوزكوا في بوز بعض وعمالين ترغوا. بتنموا على مين عليا؟ أوعوا تكونوا عليا. كريم.
رمقت كريم نظرة غضب وقالت:
_ ابدأ، ولا نقدر. هنتكلم عليكي في ضهرك ولا تحصل ولا إيه يا ميما؟ انجزي.
_ لا لا الكلام مش عليكي، الكلام عليا أنا.
_ عليكي إزاي؟
تحدث كريم:
_ كانت بتقول إن إيهاب بيديها أكتر ما هي بتديله، وده مضايقها، وأنا قولت الحل.
_ إيه الحل اللي قولتهولها؟
_ إنها تديه أكتر، وبس كدا.
_ لا شابوه بجد. حل كان تايه وانت اللي قفشتوا.
ضحكت مريم على سخرية ملك من حل كريم وقالت:
_ ميما، مفيش شخص بيدي شخص تاني أي حاجة، أي حاجة مهما كانت، حب أو اهتمام أو احتواء أو رغبة، غير لما يكون عاوز يديه. إحساسه هو اللي بيحركه. لكن إنه يقرر من نفسه يديله لمجرد سد دين، مبتحصلش لأنها بتكون مزيفة ومرهقة. زي كريم كدا. سافر عشان يدرس، فجأة قرر يتجوز واتجوز لأنه عاوز يتجوز، لأنه عاوز يتجوز.
قاطعته ملك:
_ ما أنا وضحت وقولت، كنت عاوز جنسية. وقتها تفكيري الغبي هو اللي سيطر عليا في حوار الجنسية.
تجاهلته ملك ونظرت إلى مريم:
_ سيبك منه. عاوزة أقولك إن المشاعر الطبيعية بتكون أخف على الروح. فلو عاوزة تدي حد حاجة، هتديه اللي حاسة به، المشاعر الحقيقية. لكن تجبري نفسك، هتبقى تقيلة وسخيفة أوي ومهما عملتي هتحسي إنها قليلة. عارفة ليه؟
_ ليه؟
_ لأنها مش بالكم يا مريم، بالكيف. إزاي تهتمي وتحبي وتحتوي الشخص اللي معاكي في أبسط التفاصيل، مش أضخمها. مثلًا تبتسمي في وشه، ده بالنسباله جائزة كبرى. تفطري معاه، تتكلمي معاه. تقضوا لحظات لطيفة بتتفرجوا على فيلم سوا. تضحكوا سوا. تسمعوا بعض. تصنعوا لحظات وذكريات يا ميما تعيش معاكم سنين قدام. لكن أعمل كذا وكذا وكذا بخطط وحوارات عشان أتأمل وأحس إنه النتيجة ولا حاجة. لا بتشيلي نفسك حمل وخلاص. العلاقات بسيطة، وبساطتها في خفة التعامل اللي هو التعامل المتبادل بينا يكون زي الريشة على قلوبنا وروحنا بخفة.
صمتت مريم واستكملت ملك:
_ شوفي الشخص اللي معاكي يستحق إيه، وأنتِ عاوزة تديله إيه برضا تام وعفوية، اللي حاسة به مش تخطيط. وصدقيني أبسط حاجة هتكون بالنسباله زي ما قولتلك جائزة كبرى.
نظرت مريم إلى إيهاب الذي كان يتحدث مع كرم ومحمود، ولمحها تنظر إليه وابتسم لها وبادلته الابتسامة. التفتت إليهم وقالت:
_ صحيح، اعملوا حسابكم هنسهر مع بعض على السطح. أنا وإيهاب وأنتم وزين وبسنت وبس. هنرغي ونلعب وكدا يعني. هنعمل ذكريات. بصوا أنا مش عاوزة ساعة من إجازتي تضيع من غير كل اللي بحبهم معايا. ممكن، فمفيش أعذار. سامعة يا ملوكة، مفيش أعذار.
_ خلاص مفيش أعذار. وهجيب معايا حاجات حلوة، وأنت يا كريم هتجيب حاجات، هبعتلك على الواتس تجيبها.
_ تمام يا فندم. ممكن أفطر بقى عشان أروح شغلي اللي باخد منه فلوس أجبلكم به حاجات ومحتاجات.
ضحكت ملك ومريم وقامت ملك لطلب الفطار لكريم وجلست مريم تستكمل حديثها مع كريم.
تجمعوا على سطح المنزل تحت السماء الصافية والنسيم العليل يلف المكان بروح خفيفة تبعث على الراحة. كانت الأضواء هادئة معلقة حولهم تمنح المشهد لمسة دافئة وضحكاتهم تتعالى في الجو تتخللها نبرات حديث خفيف وذكريات قديمة. جلسة الذكريات دي تحولت دون أن يشعروا إلى رحلة خاصة بين زين ومريم كأنهما يسافران معًا في ممرات الوقت بمفردهما. يسترجعان مواقف صغيرة تركت أثرًا عميقًا. تبادلا القصص من لحظات الطفولة إلى مغامرات الدراسة ومرورًا بمواقفهم الطريفة في السطح والمرسم. كانت أعينهما تلمع بالحنين وابتسامتهم تمتد كلما تذكرا موقفًا قديمًا وكأن العالم من حولهم يتلاشى للحظات. الباقون كانوا يضحكون معهم ويشاركونهم الذكريات. كانت ضحكات بسنت وإيهاب خفيفة تخرج على استحياء أشبه برد فعل على أجواء مفعمة بالذكريات لا تخصهم. جلسا وكان الصمت رفيقهم وكأن كلا منهما يراقب من بعيد. تابعا مريم وزين وهما يرويان المواقف ويضحكان ويهامسان عن الأسرار أحيانًا ويتشاجران بأسلوب مألوف فيه عفوية ودفء لا يولد بين يوم وليلة. كانت ابتسامتهم مختلفة نابعة من أعماق خزان من الذكريات والمواقف الصغيرة التي تشكل رابطًا خاصًا لا يفسر بالكلمات ولا يختصر بزمن. في لحظة تبدلت ملامح بسنت وإيهاب وهما يشاهدان زين ومريم ونظرا إليهما بنظرة صامتة تحمل شيئًا من التعجب وربما الغصة. فقد بدا أن ما بين مريم وزين أعمق مما يعتقدان، أنها علاقة متجذرة في عمق الماضي، صعبة الوصول وأصعب من ذلك أن تنسى. وكأن تلك الذكريات خزنت فقط بين قلبين لم يفترقا يومًا حتى وإن تفرقت الطرق بينهم.
اقترحت بسنت فكرة لعبة. كان الحماس واضحًا في عيون الجميع. قامت لهم بشرح اللعبة وهي أن ينقسموا إلى ثنائيات وسيتم طرح على كل ثنائي 10 أشياء عليهم أن يختاروا نفس الاختيار، وهذه اللعبة لمعرفة إلى أي مدى متوافقين. تم التقسيم: مريم وإيهاب، وزين وبسنت، وكريم وملك. بدأت اللعبة مع ملك وكريم وكانت المفاجأة أن أغلب اختيارات كريم كانت متوافقة مع اختيارات ملك مما أثار دهشتها وابتسامتها الخفيفة. نظراتها تعبر عن استغراب لطيف وكأنها لم تتوقع هذا الانسجام بينهما، فزاد جو المرح والتشويق. كان الثنائي التالي زين وبسنت وكانت بسنت متحمسة جدًا. أمسكت يد زين وبدأت مريم في طرح الاختيارات:
_ كبدة ولا سجق؟
أجابا الاثنان: كبدة.
أضافت بسنت: مولعة.
_ برتقال ولا يوسفي؟
أجابا الاثنين: يوسفي.
تفاجأت مريم على مدى انسجامهم. استكملت:
_ أخضر ولا أحمر؟
أجاب زين أخضر وأجابت بسنت أحمر.
_ الزرافة ولا القرد؟
أجاب زين القرد وأجابت بسنت الزرافة.
استمرت مريم توجيه الاختيارات لهم وظلا الاثنان يختاروا عكس بعض. كانت النتيجة توافقهم في 2 فقط. جاء دور مريم وإيهاب وتحمست مريم. وكان زين من يقول السؤال لهم:
_ غروب ولا شروق؟
أجاب إيهاب الشروق وأجابت مريم الغروب.
_ الأخضر ولا الأصفر؟
أجاب إيهاب الأصفر وأجابت مريم الأخضر.
_ الإسكندرية ولا إيطاليا؟
أجاب إيهاب بتأكيد إيطاليا وأجابت مريم الإسكندرية مما فؤجئ ب إجابتها وقال لها:
_ أنا قولت إيطاليا لأن كان حلمك تروحي هناك.
أجابته:
_ أيوه بحبها، لكن بحب الإسكندرية أكتر.
كان زين يقول إجابة مريم بصوت خافت سمعته بسنت وتعجبت من التوافق. استمر زين بطرح الأسئلة وكانت إجابتهم مختلفة. تحدث كريم:
_ مريم وزين يلعبوها، أهي دي اللي بجد هتقول عارفين بعض صح ولا هو مجرد تعود بينكم.
وافق الجميع وجلسوا بجانب بعض وبدأ كريم في طرح الأسئلة وسط ترقب الجميع:
_ جاهزين؟
تبادلا النظرات والابتسامة وقالا:
_ جاهزين.
_ أزرق ولا أصفر؟
الاثنين في نفس اللحظة.. أزرق.
_ هامبرجر ولا كبدة؟
الاثنين في نفس اللحظة.. كبدة.
واستكملوا إجابتهم وهم ينظرون لبعض: كبدة مشطشطة. وضحكوا على تصادفهم لقول نفس الكلمة.
_ الأسد ولا الفيل؟
ضحكت مريم وقالا سويًا.. الفيل الصغنن.
_ بيتزا جمبري ولا بيتزا تشيكن؟
قالا سويًا: ميكس جبن إكسترا.
استمرت الأسئلة وكانت إجابتهم متطابقة في نفس اللحظة دون تفكير ولا حاجة إلى وقت للتفكير. رغم أن زين ومريم دخلا اللعبة بخفة ومزاح كانت إجاباتهم متطابقة بشكل دقيق فاجأ الجميع خاصة إيهاب وبسنت. اتضح لهم أن بينهما تواصل خاص لا يفسر بسهولة مما أضفى على الجو روحًا من التعجب والإعجاب بين الحاضرين.
انتهت السهرة وعلى الجميع المغادرة. رافق زين بسنت ليصلها إلى المنزل.
في الطريق تحدثت بسنت:
_ السهرة كانت جميلة أوي.
_ مبسوط إنك مبسوطة.
_ التجميعه كانت حلوة وروحهم جميلة. وأنت ومريم بطني وجعتني من الضحك بسببكم. دا أنتم كنتم بتعملوا كوارث في بعض ومع بعض بجد فظاع.
ضحك زين:
_ دا إحنا حكينا جزء في حاجات فضايح أكتر.
_ جميلة علاقتكم ببعض أوي. رغم إن عندي أخ ولد لكن علاقتنا مش بالشكل ده خالص. علاقتكم مميزة جدًا.
ابتسم زين واستكملت بسنت حديثها:
_ زين.. لو مريم مش أختك كان ممكن تحبها وتفكر ترتبط بيها؟
السؤال صدم زين للحظات ثم ضحك سريعًا:
_ إيه السؤال العجيب ده.
_ التناغم بينكم فظيع يا زين. لوهلة حسيت إنكم اتنين بتحبوا بعض لدرجة حافظين تفاصيل صغيرة في بعض. بتفهموا بعض بالنظرة. أعتقد إن العائق الوحيد إنكم أخوات. فكرت قولت لو مش أخوات هل كنتم ارتبطتوا.
_ أنا دلوقتي مرتبط بمين؟ ومين دبلتها في إيدي؟
_ أنا.
_ بس خلصت، ولا إيه.
ابتسمت بسنت وقام زين بتشغيل الأغاني بصوت مرتفع ودندن معاها طوال الطريق.
في السطح كان إيهاب يساعد مريم في ترتيب السطح وجاءته مكالمة تخص المعرض وغادر السطح. لتحدث جلست مريم برفقة كريم وملك على السطح يعملون معًا على ترتيب المكان وإعادته كما كان وتنظيمه في هدوء على نغمات فيروز المحببة لهم.
أنهوا الترتيب وغادر ملك وكريم وبقيت مريم وحيدة على السطح. جلست تتأمل اللحظات الماضية والذكريات التي مرت بها ثم مدت على الأرض ونظرت إلى السماء المليئة بالنجوم المتلألئة. شردت بأفكارها بين بريقها وهدوء الليل. بعد مدة قصيرة عاد زين ليلقي نظرة على السطح قبل أن ينام. تفاجأ برؤية مريم ممدة على الأرض. بهدوء جلس بجانبها ومدد جسده أيضًا. نظر الاثنان إلى السماء المرصعة بالنجوم في صمت هادئ للحظات ثم قالت مريم:
_ زيزو.
_ ها.
_ بجد أنت ليه مبتكلمنيش؟ هما اخترعوا الإنترنت عشان نتواصل مع اللي بنحبهم مش ننفضلهم بالشكل الفظيع ده. تفتح الرسائل آخر اليوم ويادوب رأيك وتبعت استيكر. بتتعب.
ضحك زين:
_ بصي أنا اكتشفت إن الإنترنت ده من أسوأ الاختراعات اللي اخترع البشر في التواصل.
_ يا راجل. أنت بقيت عدو التكنولوجيا؟
_ مش كلها، لكن الاتصال فيديو ومكالمات بحس ملوش لازمة.
_ نعم.. إزاي؟
_ إنك تتكلمي مع حد بتحبيه وبيوحشك بشوية كلمات ومكالمة فيديو ممكن في لحظة الصورة تقطع وتفصل. إحساس بيبقى مليان خوف التليفون يفصل، النت يفصل. ليه؟ لكن لو قدامك ومعاكي شايفاه وحاسة بنفسه معاكي.. إحساسك بيكون مختلف، بيكون حقيقي. لحظة حقيقية. ذكري اللي بتحصل بينكم بتثبت حتى لو قاعدين ساكتين. ممكن يكون اللي محتاجة من الشخص اللي بتكلميه دا إنه يكون موجود وبس. هل وجوده جنبك زي ما إحنا كدا زي ما أكون في فيديو كول أو مكالمة؟
صمتت للحظة:
_ لا، في فرق كبير.
_ يعني لو اتكلمنا فيديو كول ومكالمات، هل هتكون زي قاعدتنا مع بعض؟
_ لا خالص، دا حاجة ودا حاجة تانية خالص.
_ أهو دا اللي بتكلم عليه. عشان كدا مبحبش مكالمات الفيديو.
_ وجهة نظر تحترم بصراحة، لكن فرضًا أنا عايشة في مكان بعيد وعاوزة أتكلم معاك مثلًا، أحكيلك، أففضفضلك. الإنترنت اتعمل عشان كدا.
_ وسائل الاتصال أساسًا اتعملت عشان تكون وسيلة فرعية في التواصل. وسيلة مؤقتة مش أساسية بين أي اتنين بين البشر عمومًا. يعني زي ما أنتِ بتعملي بتبعتيلي صور وأنا برد عليكي رد مختصر سريع، لكن نعيش على الرسائل، لا مش حياة. لأن في لحظة الرسائل دي هتتمسح بأي سبب وهتروح معاه وقت كبير كنا فيه. القعدة الحقيقية أحسن كتير حتى لو على فترات لأسباب الحياة المختلفة.
_ صح.
صمتا لبعض اللحظات وظلا يحدقان في السماء والنجوم وقالت مريم:
_ زيزو.
_ ها.
_ مش السما واحدة في كل مكان؟
_ أيوه.. أكيد يعني.
_ أومال ليه لما ببص على السما هناك بحسها غريبة؟ مش زي السما هنا بتكون مريحة والنجوم شكلهم حلو أوي وهما بينوروا في السما؟
قال زين مازحًا:
_ هو أنتِ قررتي تغيري مجالك لدراسة الفلك والنجوم ولا إيه؟
خبطته:
_ دايما رخيم وفصيل.
ضحك وقال لها:
أصل أسئلتك غريبة بصراحة. السما واحدة، ربنا خلقها واحدة. الفكرة هنا اللي باصص ليها هو اللي بيحدد شايفها إزاي؟
_ إزاي يا بروفيسور؟
_ النفسية والراحة. أنتِ اللي بتحددي راحتك فين. لو مرتاحة هتشوفي كل حاجة حواليكي مريحة حتى السما، لكن لو العكس هتحسي إنها غريبة ومش مريحة ومخنوقة. الحاجات حوالينا مبتتغيرش من وقت ما ربنا خلقها وهي هي بجمالها، لكن الإنسان نظرته للحاجات هي اللي بتتغير. المكان اللي بتستريحي فيه بتشوفي كل حاجة جميلة.
_ ممكن يكون كلامك صح.
_ زيزو دايما صح، أنتِ ناسيه ولا إيه؟
_ لا مش ناسيه. ممكن تسكت بقى ثواني وبص على جمال ربنا في السما.
نظر إلى السماء سويًا وبعد لحظات قال زين:
_ بقولك يا ميما.
لم تجب عليه. نظر إليها فوجد عينيها مغمضتين وقد غلبها النوم. بقى ثابتًا في مكانه دون أن يتحرك. عيناها تغمرهما السكينة وهو يحدق فيها بتأمل عميق، شاردًا بين تفاصيل ملامحها التي تملأ قلبه بمزيج من الحنين والاشتياق والألم الصامت. كانت تلك اللحظة تحمل كل ما لم يستطع قوله، وصمتها كان أبلغ من أي كلام. رغم ما شعر به لوجودها بجانبه بتلك القرب تشعره بسعادة غامرة تغمر قلبه رغم كل التعقيدات. كانت تلك اللحظة البسيطة برقتها وسكينتها كافية لتملأ روحه بالدفء والراحة التي طالما افتقدها. ظل زين يراقبها بهدوء حتى تقطع صمت اللحظة رنين هاتفها وكان الاسم الظاهر إيهاب. ذلك الاسم الذي عاد زين إلى الواقع. فاقترب إليها وحاول إيقاظها بلطف وفجأة نادى عليها:
_ ميما.
انتفضت من منامها ونظرت إليه:
_ يا رخيم. في حد يصحي حد كدا؟
_ وهو في حد ينام كدا زيك.
اعتدلت في جلستها وقالت:
_ محسيتش بنفسي خالص.
_ بقولك هو إيهاب اشتكى منك؟ من نومك يعني؟
نظرت إليه باستغراب:
_ لا.. ليه؟
_ شكلك كدا محتاجة تعملي اللحمية. حسيت إن قطر الساعة 12 بليل مريح جنبي.
_ يا سلام؟
_ مش عاوزة تصدقييني براحتك، بس أنا قلقان على شكلك قدام زوجك. الدكتور شكل كيوت وأنتِ نايمة قطر داخل المحطة.
_ يا رخيم.
_ موبايلك رن صحيح. يلا انزلي ونامي تحت.
_ تمام. وأنت كمان انزل نام. أنت إيه اللي رجعك صحيح هنا؟
_ كنت بطمن عليكم وع شغلكم تمام ولا قلبتوا السطح.
_ أنا موجودة يبقى في قلب، انسى.
_ شق الغالي. يلا تصبح على خير.
_ وأنت من أهله. إيه مش نازل ولا إيه؟
_ هحصلك. اسبقيني أنتِ بس يلا عشان إيهاب مستعجلك.
_ اوكي.
غادرت مريم السطح بخطوات هادئة تاركة ورائها صمتًا ثقيلًا يملأ المكان. تمدد زين على الأرض يتأمل السماء الواسعة التي تمتد بلا حدود فوقه باحثًا عن إجابات لتساؤلات قلبه المتحير. عيونه تائهة بين النجوم وكأنها تبحث عن بصيص أمل يخفف ثقل الحيرة التي تكبل روحه. في كل نفس يأخذه يشعر يثقل الألم يتغلغل أعمق في صدره. يتستجد بالسماء ليخفف عنه وطأة الحنين والألم، ينشد بصمت أن يرشده القدر إلى طريق الخلاص من دوامة المشاعر المتضاربة التي تكسر توازنه. في هذه اللحظة كان وحده مع ألمه، مع تلك السماء الشاسعة التي تحكي قصص العشاق الضائعين صامتًا لكنه مملوء بالألم والصراع الداخلي.
في الشركة في اليوم التالي كريم وزين يجلسان يراجعان بعض الأوراق ورن هاتف زين باشعار رسالة من مريم:
_ مريم.
_ أيوه.. بتأكد عليا الغدا في المطعم.
_ أنت لسه مقلتلهاش يا زين؟
_ أقولها إيه؟
نظر كريم بتعجب:
_ نعم.. تقولها اللي أنت عرفته، إنكم مش أخوات في الرضاعة زي ما كنتم فاكرين.
وضع الأوراق على المكتب ونظر إلى كريم:
_ مش عارف أقول.. مش عارف يا كريم.
_ من حقها تعرف زي ما أنت عرفت.
_ عارف.. بس مش عارف أقولها إزاي.
صمت كريم للحظات:
_ خلاص أقولها أنا أو ملك أو سناء وكرم.
_ سناء وكرم أفضل. على الأقل هما هيقدروا يردوا على أسئلتها.
_ تمام، أنا هقولهم. لازم تعرف قبل ما تسافر. قدامها يومين.
_ ممكن نرجع لشغلنا.
_ نرجع يلا.
ليلًا مريم تجلس مع سناء وكرم وإيهاب في المنزل. كان الجو مختلفًا هذه المرة، كانت ملامحهم متغيرة. مشاعر مختلطة بين القلق والخوف تكسو وجوههم وكأن هناك كلمات معلقة على شفاههم تخاف من أن تخرج. نظراتهم تتبادل الحذر والتردد. الصمت كان ثقيلًا يملأ الغرفة فيما القلوب تخفق بين الخوف من رد فعلها والرغبة في إيصال ما بداخلهم. سناء وكرم كل منهما يحاول إيجاد الكلمات المناسبة. قالت مريم:
_ في إيه يا جماعة؟ قولتولي عاوزينك، وبقالنا ربع ساعة بتبصوا لبعض في صمت كدا. في إيه بالظبط.
أمسك إيهاب يدها:
_ بصي، هما عاوزين يعرفوكي حاجة لازم تعرفيها، من حقك تعرفيها.
تبدلت ملامحها لقلق وخوف:
_ في إيه.. هو إيه اللي لازم أعرفه؟
نظرت إلى سناء وكرم:
_ أنتم كويسين؟ بابا أنت تعبان ولا حاجة؟
أجاب كرم:
_ لا لا يا حبيبتي، أنا بخير.
_ طيب في إيه يا جماعة؟ قولوا، هتموتوني من القلق.
تحدثت سناء:
_ عاوزاكي بس تعرفي، أنا مكنتش أعرف.
_ متعرفيش إيه؟
صمتت لحظات سناء وبتردد قالت:
_ أنتِ وزين..
_ مالنا؟
_ أنتِ عارفه وكلنا كنا عارفين إنك رضعتي من سوسن وبقيتي إنتِ وزين..
_ أخوات بالرضاعة. في إيه بقى؟
تحدث إيهاب:
_ في إنكم مش أخوات يا مريم. أنتم وزين مش أخوات بالرضاعة.
_ أنت بتقول إيه؟
نظرت إلى والدتها وهي تضحك:
_ ده مقلب صح؟ أنتم بتهزروا؟
تحدث إيهاب:
_ ممكن تسمعي بهدوء.
تحدث كرم:
_ إحنا كنا فاكرين كدا، لكن سوسن طلعت مرضعتكيش غير مرة واحدة ورضعة غير كاملة، ومن خوفها على سناء قالت إنها رضعتك عشان متتعبش أكتر ما كانت تعبانة.
_ نعم.. وإيه اللي خلاه تقول دلوقتي؟
_ بالصدفة.
ارتسمت على وجه مريم ملامح الدهشة الصامتة، عيناها اتسعتا في ذهول وكأنها تحاول أن تستوعب ما سمعته جيدًا. ما عاشته لسنوات يتفكك أمامها في لحظة. تجمدت ملامحها للحظات تبحث عن خيط منطق واحد تتشبث به في هذا الكم من الصدمة. شردت للحظات، أمسك إيهاب كف يدها وربت عليها بلطف:
_ مريم.
لم تجب. وأعاد عليها مرة أخرى:
_ مريم.
انتبهت له:
_ ها.
_ أنتِ كويسة.
_ تمام، متقلقش تمام. بس المفاجأة يعني.
كانت كلماتها متقطعة وتحدث إيهاب:
_ عارفين إن أثر المفاجأة صادمة عليكي، عشان كدا حبينا تعرفي هنا قبل ما تسافري.
صمتت لحظة وقالت:
_ زين.. زين عرف؟
قالت سناء:
_ أيوه زين عرف.
كانت الصدمة الثانية لها وهو معرفته زين بالحقيقة. وقال كرم استكمالًا لحديث سناء:
_ يوم فرحك.. سمع سناء وسوسن بيتكلموا.
وقالت سناء:
_ اليوم اللي عرفت فيه، هو عرف، كلنا عرفنا، محدش كان متعمد إنه يخبي.
_ بس زين مقاليش ليه؟
تبادلا النظرات في صمت لجهلهما الإجابة. وتحدث إيهاب:
_ أعتقد إنه فكر إن الأفضل إن مامتك وباباكي اللي يعرفوكي، وأنا شايف إن ده الصح.
_ أه.. أه.
_ أنتِ كويسة.
رغم الغصة العالقة في حلقها تماسكت مريم سريعًا. ملامحها تحمل بعض الهدوء المصطنع. رفعت رأسها قليلًا وعدلت في جلستها ثم رسمت على وجهها ابتسامة خفيفة، ولكنها كانت كافية لتطمئن من حولها. قالت:
_ كويسة، بس المفاجأة زي ما قولت يعني. عمومًا يا جماعة مفرقتش حاجة.
كانت تتحدث بهدوء، كلماتها عادية كأن شيئًا لم يحدث. ورغم محاولاتها لتماسك ظل إيهاب يراقبها بتوجس خفي. كانت الليلة ساكنة. مريم خرجت من الغرفة بعد محاولاتها الفاشلة للنوم بخطوات بطيئة تحمل في داخلها ضجيجًا لا يتمل. صعدت إلى السطح وكأنها تبحث عن براح وتتنفس. تمددت على الأرض ورفعت عينيها نحو السماء. النجوم تلمع في صمت، لكن داخلها كان عكس ذلك تمامًا. الشرود كان عميقًا. نظرتها معلقة في السماء كأنها تبحث عن إجابة عما تشعر به. تحرك صدرها بأنفاس ثقيلة وكأنها تحاول أن تفرغ كل ما بداخلها مع كل شهيق وزفير. عينيها لم تغمض بل كانت تغوص في الفراغ. تتذكر وتحلل وتحاول أن تفهم مشاعرها. وأكثر سؤال كان يردد في ذهنها: لماذا أخفى عنها زين؟ كانت تحاول أن تجد معنى للسكوت وللعشرة الطويلة بينهم وبين النجوم ووجه زين الذي لا يفارق ذهنها. ظلت مريم على حالها صامتة شاردة مثقلة بالسؤال.
حاول زين في غرفته أن ينام، ولكن بعدما علم بمعرفة مريم الحقيقية لم يستطع النوم هو أيضًا. غادر غرفته وتوجه إلى السطح. وقف عند المدخل وهدوء الليل من حوله لم يكن كافيًا لإخفاء التوتر الذي ارتسم على ملامحه. فؤجئ لرؤيته مريم ممدة على الأرض تحدق في السماء دون حراك. لحظة صمت طالت كأنها فصل من الحيرة لم يكتب له نهاية. يعلم زين جيدًا سبب تواجد مريم هكذا. نادى عليها:
_ ميما.
لم تتحرك ولا تلتف وكأن صوته لم يصلها أو كأنها اختارت أن تتجاهله. اقترب بخطوات بطيئة وكأن بينه وبينها مسافة نفسية أثقل من المسافات كلها. جلس بجوارها على الأرض وناداها مجددًا:
_ ميما.
التفتت نحوه أخيرًا لكن دون كلمة. نظراتها كانت كافية، حادة وصامتة ومليئة بالغضب. وفي تلك النظرة فهم زين كل شيء:
_ أنا حقيقي بعتذرلك إني مقولتلكيش لما عرفت.
ظلت تنظر إليه في صمت وقال:
_ هتفضلي باصالي كتير؟
اعتدلت وجلست وقالت:
_ مستنياك تقول خبيت عليا ليه؟ ليه لما عرفت معرفتنيش؟
_ لأنه مش هيفرق حاجة يا مريم. سواء عرفتي أو لا. سواء عرفت أو لا.. لولا الصدفة، الحكِمناش هنعرف.
_ من حقي أعرف زيك.
_ وأهو عرفنا. في حاجة هتتغير ولا أي حاجة؟ ولا أنتِ ليكي رأي تاني؟
_ أنا مبقتش عارفة ولا قادرة أفكر. ليه سوسن خبت ومقالتش؟ ماشي، خافت على سناء، لكن أكيد مش طول عمري كنت برضع. يعني كانت في مرحلة معينة توضح لينا.
_ وبعد ما توضح لينا؟ إيه اللي هيحصل؟
صمتت للحظة وقالت:
_ نبقى عارفين.
_ أنا شايفك مكبرة الموضوع على فكرة. هو آه مفاجئ جدًا، لكن مش هيغير حاجة في علاقتنا. أنتِ ميما الفيل الصغنن أبو زلومة، وأنا زيزو الرخم الفصيل. أخوات مش أخوات، إحنا مع بعض زي ما كنا من صغرنا وهنفضل مع بعض.
نظرت إليه وملامحها قلقة:
_ كلامك ده من قلبك؟
_ من معاميع كليتي. في إيه يا مريم؟ إيه ممكن يحصل ويبعدنا عن بعض؟ علاقتنا مش مسمى اللي هيربطنا ببعض. إحنا بينا أيام ولحظات وذكريات. عمر وحياة بينا مش سهل أي حاجة تدمر كل ده.
صمتت مريم وقال زين لاطمئنانها أكثر:
_ أنا لما عرفت زيك كدا اتفاجئت، بس لما فكرت لقيت مش فارق. عشان كدا مقولتلكيش. إحنا زي ما إحنا.
_ ده وعد منك.
_ من غير وعد، أنتِ عارفة زيزو ميقدرش يستغنى عن ميما في حياته. ومش معنى إن كل واحد فينا عنده حياة دلوقتي.. شوية خصوصية وشوية مساحة (ابتسمت). ده مش هياثر، بالعكس هنكمل اللي بدأناه من صغرنا لآخر العمر. أنتِ في حياتك وبيتك وزوجك، وأنا في حياتي وبيتي إن شاء الله. يعني مفيش حاجة هتتغير ما بينا. حياتنا اتغيرت، لكن إحنا لأ. مكاننا في حياة بعض.. لا مش هتتغير، إلا كانت اتغيرت ولا إيه.
_ صح.. يعني أبعتلك وتبعتلي وهتيجي إيطاليا؟ كل حاجة زي ماهي.
_ كل حاجة زي ماهي. متوقفيش حاجة. مريم، إحنا ملناش غير بعض. أنا وأنتِ وكريم. إحنا كبرنا مع بعض وهنفضل مع بعض.
كلماته لم تزُل كل ما في قلبها من ثقل، لكنها كانت بمثابة اليد التي امتدت لتطمئن قلبها المرتبك. نظرت إليه لم ترد بكلمات، لكن عينيها بدأت تفقد نظرات القلق والتوتر والغضب التي كانت فيها قبل لحظات، وبدأ وكأنها تستمع لقلبه أكثر مما تسمع لأذنه. ابتسم زين تلك الابتسامة البسيطة التي طالما اعتادت رؤيتها ثم قال:
_ هتسافري بكرة؟
_ أيوه، على العصر كدا الطيارة.
_ تسافروا بالسلامة. سافري وارجعي لحياتك ومتفكريش في أي حاجة تانية، ماشي؟ وأنا موجود في أي لحظة، قولي زيزو هتلاقيني.
_ دا كدا كدا غصب عنك على فكرة.
ضحك زين:
_ أيوه كدا ارجع يا شق.
ضحكت مريم وقال زين:
_ وعشان نختم اليوم ده بتأكيد إن مفيش حاجة قادرة على تدمير ما بينا. هعزمك على بيتزا والكبيرة كمان. يلا عدي جمايل.
نظرت إليه بتعجب:
_ الساعة 1 بليل.
_ ومن إمتى بيفرق معانا يا شق. وبعدين الفيل الصغنن بتاعنا لازم يكون مبسوط لآخر لحظة في زيارته هنا، ونضيفها لبير الذكريات اللي بينا. مش إحنا اتفقنا هنعيش لحظات وذكريات كتير مع بعض.
_ أيوه.
_ يبقى نديها بيتزا. هنزل أجيبها على طول وأجي، أوكي.
_ أوكي.
فاجأها العرض البسيط لكنه حمل في طياته كل معاني الطمأنينة والعودة. ارتسمت على وجهها ابتسامة خفيفة لكنها صادقة وهزت رأسها بالموافقة. غادر زين وبعد وقت قصير عاد زين حاملًا 3 علب بيتزا حجم كبير وابتسامة واسعة تملأ وجهه كأنه يحمل معها الحل لكل شيء. فتح العلب أمامها وهو يقول مازحًا:
_ وقفت أختار قولت فك كيسك يا واد يا زيزو، حدى حتى سائحة.
خبطته:
_ مين دي السائحة؟
_ أنتِ مش بقيتي من مواطني نابولي الإيطالية.
_ لكن أصلي إسكندراني مصري.
_ أيوووه يا جدعان.
ضحكت مريم وكان ضحكها صادقًا خفيفًا خرج من قلبها وبدت كأنها نسيت للحظة كل ما كان يثقل صدرها. جلسا متقابلين على الأرض يتناولان قطع البيتزا بشهية يتحدثان ويضحكان يتذكران مواقف قديمة كأن الزمن دار بهم إلى الوراء. كل كلمة.. كلمة لقمة كانت تمسح طبقة من التوتر. في تلك اللحظات لم يكن هناك ماضٍ مشوش ولا حاضر مضطرب، فقط دفء اللحظة التي تجمع بين اثنين يملكان من الذكريات ما يكفي ليكونا ملجأ لبعضهما البعض ونسوا كل شيء إلا وجودهم.
يتبع ...
رواية توأم روح الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم يارا سمير
فى اليوم التالي كان اليوم ملئ بالحزن ومشاعر الوداع التى تخيم على الاجواء .. استيقظ زين مبكرًا كعادته وذهب الى العمل ولكن هذه المرة لم يكن بالحماس كعادته كان شارد فى اغلب الوقت .. قضى ساعات العمل وهو حاضر بالجسد فقط ينهى مهامه بصمت .. مع اقترب موعد ذهاب مريم وايهاب الى المطار كان زين عرض عليهم إيصالهم ..
توجه زين الى المطعم فتح الباب بخطوات بطيئة وقعت عيناه على الطاولة البعيدة حيث كانت مريم تجلس ودموعها تنساب تحاول أن تتماسك امام دموع سناء وسوسن لكن الحزن كان أقوى من الجميع .. كان المشهد مولمًا ثلاثتهن يمسكن بأيدي بعضهن وكأنهن يرفضن الانفصال .. صمت زين للحظة وهو ينظر اليهم من بعيد شعر كأن العالم يتقلص كأن شيئًا من روحه على وشك المغادرة .. تمالك مشاعره وتقدم نحوهم وعلى وجهه ملامح رجل يحاول أن يبدو قويًا وقال :
_ يلا يا جماعة .. يادوب نلحق ميعاد رحلتكم ..
تحدثت سناء وهي تبكي :
_ مش عاوزاكي تمشي يا ميما ( نظرت الى ايهاب ) متطولوش علينا يا ايهاب بالله عليك
قال ايهاب :
_ اول فرصة هنكون هنا وغير كدا هنتجمع كلنا فى خطوبة زين ..
تحدث زين :
_ انتم قلبينها دراما ليه .. هتسافر وهتيجي وانتم ممكن تروحوله الدنيا قريبة دلواقتي .
تحدثت مريم:
_ ايهاب قالك اهو يا ماما فى اقرب فرصة هاجي تاني ..
تحركت السيارة نحو المطار والهدوء يملأ الاجواء كأن حتى الهواء قرر أن يلتزم الصمت أحترامًا لثقل الوداع .. كان زين يقود السيارة وبجانبه يجلس ايهاب يتبادلان أطراف الحديث محاوًا التماسك بينما كانت مريم فى المقعد الخلفي تحدق فى النافذة بشرود وداخلها موجة مشاعر متضاربة تحاول بكل قوتها الا تسقط دمعة .. عين زين لم تبتعد عن المرآة الامامية يراقب انعكاس وجهها بصمت وكأن كل نبضة فى قلبه تنادى عليها دون صوت ، كان يقرأ فى عينيها ما تخفيه ويشعر بثقل ما تمر به تمامًا كما يشعر بنفس الثقل داخله ..
وصلوا الى المطار .. كانت خطوات مريم بطيئة كأنها تغادر رغمًا عنها .. تبادلوا الكلمات الرسمية فى الوداع واخر ما رأته على وجهه زين تلك الابتسامة .. تشابكت يدها مع يد ايهاب وتوجهت للداخل ووقف زين مكانه لم يتحرك فقط تابعها بعينيه وهي تبتعد وكل خطوة كانت كأنها تسحب شيئًا من روحه .. كان واقف غارقًا فى صمت ملئ بالحزن ..
رن هاتف زين وسط صمته العميق ، ف اهتز في جيبه كأنما يوقظه من غيبوبة الشعور .. نظر الى الشاشة فوجد أسم بسنت يضئ امامه .. تردد للحظة لم يكن فى مزاج للحديث لكن الواقع فرض نفسه وكأن صوت الهاتف اعادة الى عالمه الحقيقي .. اجاب بنبرة هادئة وادار وجهه عن بوابه المطار :
_ مسافة الطريق هكون هناك ..
استدار بخطى ثابته نحو الخارج ومع كل خطوة كان يشعر كأن شيئًا ينتزع منه لكنه لم يلتفت فقط تابع طريقه الى الخارج ممسكًا بالهاتف وبداخله صدى غياب لا يهدأ ..
فى الطائرة حاولت مريم أن تحافظ على هدوء ظاهر يخفي المشاعر فى داخلها ، كانت يدها فى يد ايهاب الذي طبع قبله فى كف يدها وكانت ابتسامته تحاول أن تكون ملجأ لها فى لحظة الوداع المؤلمة .. بدأت الرحلة ف استندت مريم برأسها على كتف إيهاب واغمضت عينيها محاولة أن تغلق نافذة الواقع المؤلم أمامها .. غابت تدريجيًا فى النوم هاربة من أحساسيس الحزن والفراغ التى تعبث بقلبها ..
حين وصل زين الى الشركة كانت بسنت تنتظره برفقة أحد العملاء الجو فى الغرفة يعج بالحضور والجدية .. جلس زين مع العميل وارتسم على وجهه تركيز عميق وانغماس كامل فى تفاصيل الاجتماع كانت ملامحه تعكس الالتزام والعمل الشاق ..
بعد عودة مريم وايهاب الى نابولي انشغل ايهاب بحدث معرضه ومريم انغمست بالالوان والرسم العشوائي ..كانت تحاول ان تعبر عن مشاعرها الداخلية بطريقة فوضوية وجميلة في الوقت نفسه .. ومع مرور الايام لاحظ ايهاب تغيير فى حالة مريم عادت كما كانت قبل السفر .. بدأت تفقد شغفها فى كل شئ حولها حتى الرسم تضع امامها الالوان واللوح تنظر اليهم فى شرود وتتركهم وتدخل تنام .. ففي محاولة اعادة البهجة الى قلبها قرر ايهاب ان يفاجئها ..
عاد ايهاب من الخارج وتقدم نحوها طبع قلبه على خدها :
_ حبيبي عامل ايه انهاردة
_ الحمدلله ..
_ كنتى جيتي معايا الحفلة دى كنتى هتنبسطي بدل قاعدتك كدا .
_ الصداع استلمني لسه من شويا ابتدأ يقل فكنت مش هبقى لذيذة ..
_ كلهم بيسلموا عليكي ..
_ الله يسلمهم ..
وضع امامها تذاكر طيران .. لمحت مريم التذاكر اعتقدت انها تذاكر الى مصر .. التقتطتها بلهفه تنظر الى الواجهه وجدتها ( فرنسا) قال ايهاب :- حجزت لينا هنسافر بعد بكره .. هنحضر المعرض بتاعي هناك وهنتفسح ايه رايك ؟
_ جميل بجد..
_ بجد
_ ايوه.. اهو تغير جو بدل البيت يعني .
_ انا قولت كدا ..
تحركت من مكانها امسك يدها :
_ رايحة فين ؟
_ هشوف الشنط والهدوم اللى عاوزة تتغسل اوديها للغسل والكوى كدا يعني مكتوب 15 يوم .
_ اوكيه وانا هطلب عشا لينا لانى متعشتش ..
_ ولا انا ..
_ يبقى نتعشى مع بعض
ابتسمت له وبادلها الابتسامة وطبعت قبله على خده وتوجهت الى الغرفة لتحضير الحقائب بالفعل ..
هبطت طائرة مريم وايهاب فى مطار باريس .. وصعدا سيارة للذهاب الى الفندق كانت شوارع المدينة تنبض بالحياة تمتزج فيها ألوان المباني التاريخية مع أضواء المقاهي التى تضئ بشفافية على الارصفة .. وصلا الى الفندق وبدلا ملابسهم وغادروا وكانت اول وجهتهم متحف اللوفر حيث تجولت مريم بإعجاب بين لوحات الرسم القيمة والمنحوتات القديمة .. عيناها تلتقطان كل تفصيلة وكانت تبتقط بعض الصور وترسلها الى زين كالعادة .. كانت ابتسامتها تملأ وجهها وكان ايهاب تركيزة كاملًا عليها يراقبها ب ابتسامة خفيفة كان يشاركها تلك اللحظات ولكن رغم ابتسامتها لكن كان يلاحظ فى عينيها حزن خفى جاهل مصدره ..
فى الايام التالية قضيا وقتا فى التنزه على ضفاف نهر السين حيث جلسا فى مقهى صغير يستمتعان بالقهوة الفرنسية والمخبوزات الشهية وكانت مريم تلتقط صورًا لكل لحظة وترسلها لزين وفي اخر اليوم يرد عليها بردوده القصيرة اللطيفة وبعض الرسوم الرمزية .. مع مرور الايام كان غيهاب يحاول بكل الطرق أن يعيد إليها تلك البهجة .. يخطط للنزهات الصغيرة واللحظات الحميمية والسهرات والمعارض والمتاحف لكنه كان يشعر أان شيئًا ما لا يزال غائبًا وانها تحارب شئ مجهول داخلها فى صمت دون البوح به .
قبل ان يعودا الى نابولي .. رافقها ايهاب الى احدى المطاعم لتناول العشاء .. كانت الاجواء هادئة ودافئة واثناء تناولهم للعشاء فجأة انطلق صوت أغانٍ مبهجة لعيد ميلاد .. ف التفتت مريم متفاجئة ولمحت نادلة تدفع عربة عليها تورتة مزينة بشكل انيق تتلألأ عليها شموع مشتعلة .. ارتسمت على وجه مريم ابتسامة عريضة ومأمتلأت عيناها بالدهشة والفرح معًا .. نظر الى ايهاب الذي كان ينظر اليها مبتسمًا :
_ كل سنة وانتى طيبة يا ميما .
_ وانت طيب .. عيد ميلادى بس دا بكرة لسه مش انهاردة ؟
_ ايوه عارف بما اننا راجعين بكرة نابولي ف حبيت احتفل بعيد ميلادك فى المكان الجميل دا ايه رأيك ؟
كانت هذة المفاجاة لم تكن تتوقعها تبعتها نظرات الحضور الذين بدأوا يصفقون ويشاركون الاحتفال الصغير .. نظرت الى ايهاب :
_ شكرا بجد ..مش عارفه اقولك ايه .
_ مش محتاج اسمع حاجة كل اللى محتاجة ابتسامتك دى اشوفها وان مفاجئتي تعجبك._
_ شكرًا جداًا ..
_ يلا طفي الشمع وللعلم دا الاحتفال لكن الهدية لما نرجع نابولي بكرة .
_ هدية ايه ؟
_هتشوفيها بنفسك .. يلا طفى الشمع واتمنى امنية ..
مدت يدها وامسكت يد ايهاب واغمضت عيناها وتمنت امنية ونفخت بقوة طفت الشمع .. ايهاب ابتسم وهو ينظر اليها وكان سعيد لرؤيتها تبتسم .. جلسا سويًا تحدثا وضحكا ثم استأذنت مريم وتوجهت الى الحمام .. وقفت امام المرآة تنظر الى وجهها الذي تبدلت ملامحه بين فرحة وحيرة .. داخلها مشاعر متضاربة كأن فرحة عيد ميلادها التى اجتاحتها كانت لحظة عابرة سرعان ما تلاشت .. قلبها يشهد صراعًا بين السعادة الظاهرة والفراغ الذي يختفى خلف ابتسامتها .. تنهدت برقة وحاولت ان تستجمع قواها ورسمت على شفتيها ابتسامة هادئة تعكس رغبتها فى الاستمرار ثم خرجت من الحمام لتكمل السهرة والاحتفال مع ايهاب متصدرة ابتسامتها تفاصيل تلك اللحظة رغم كل ما يختبئ في اعماقها ...
فى هدوء الليل بينما ايهاب نائم استيقظت مريم على صوت اشعار هاتفها برسالة ، التقطت الهاتف من جانبها وكانت من زين .. وكان مقطع فيديو . خرجت بهدوء من الغرفة منعًا لحدوث ازعاج لايهاب وهو نائم وخرجت الى غرفة المعيشة فتحت الفيديو كان مفاجئ لها .. في السطح امام الاريكة التى كانا يجلسان عليها على الطاولة بيتزا في المنتصف شمعة وبدأ زين يغني لها أغنية عيد الميلاد:
_ هاذا بازا ميما .. متفتكريش عشان انتى بعيدة هطنش الاحتفال بتاع كل سنة لا خالص ، جيبت البيتزا وههف الشمعة وهاكلهالك ( ضحك) لما اشوفك المرة الجاية هبقى اجبلك غيرها .. سنة سعيدة عليكي احلى من كل سنين اللى فاتت مريم .
كانت تبتسم مريم وهى تشاهد الفيديو .. نفخ زين على الشمع وطفى وودعها وانتهى الفيديو وغرقت مريم فى صمت طويل تنساب دموعها ببطء على وجنتيها .. كانت دموعًا تحمل فى طياتها فرحًا نابعًا من قلبها ولكنها فى نفس الوقت نفسه كانت تعكس ألمًا عميقًا من غياب زين وقربه فى آن واحد فكانت فرحة ممزوجة بالحنين والفقد .. لم تستطيع التوقف عن اعادة الفيديو كل مرة تراه كأنها تعانق لحظة تفتقدها وتحاول أن تشبع شوقها فكان قلبها يتراقص على وترين الاول لفرحة الحب والثاني لألم البعد ..
فى الصباح داخل صالة المطار كانت مريم جالسة بجانب ايهاب واثناء حديثهم وذكر اسم زين اخرجت هاتفها :
_ عشان تعرف ان زين لاسع اكتر مني بص بعتلي ايه ؟
فتح الفيديو وشاهده وارتسمت ع وجهه ابتسامة :
_ ع البيتزا .. دا بديل التورته يعني ولا ايه ؟
_ ايوه .. بس بص عمل ايه احتفل بعيد ميلادي ازاى وقال ايه هياكلها بيغيظني .
كانت تنظر الى المقطع الفيديو والابتسامة تعلو وجهها .. تحدث ايهاب :
_ بس لفته حلوة منه انه فاكر رغم انك مش موجودة .
_ مستحيل ينسي ..
_ مستحيل ؟
_ ايوه .. تفاصيلنا مبتتنساش ..
ابتسم ايهاب واستكملت مريم :
_ تعتبر ذكرى هتنضاف الى بير ذكرياتنا .
_ البير دا غويط اوي ..
_ اوي او اوي اوعي تفكر تنط هتغرق
قالتها بضحك وضحك ايهاب :
_ مش محتاج اغوص فى ذكريات فاتت ودي ذكرياتكم انتم لكن انا وانتى هيبقى لينا ذكريات مع بعض نعيشها .. صح ؟
_ صح ودايما بتفاجئني .. عيد ميلادك استنى منى مفاجأة مش هتتوقعها .
_ انا متحمس من دلواقتي ..
عندما وصلا المنزل طلب ايهاب ان تغمض عينيها :
_ ليه ؟
_ اسمعي الكلام .
_ هى مفاجاة ولا مقلب هتخوفني صح ؟
ضحك ايهاب :
_ لا طبعًا مقدرش .. هل انا ضحكت عليكي فى حاجة او عملت مقلب فيكي قبل كدا ؟
_ بصراحة لا .. بس ميضرش تجرب ..
_ يعني هجرب فى بيتنا ما اعمل مقلب برا .
_ طيب عرفني فى حاجة هتفرقع فى وشي وكدا والله بتخض .
ضحك ايهاب بشدة من طريقتها :
_ متقلقيش.. بصي مش هسيب ايدك خالص وعد لغاية ما تفتحي عينك .
_ انت وعدت .
_ وعد يلا ..
ربط رباطًا ملونًا على عينيها واخذها برفق إلى الداخل ووقف امام باب غرفة ثم فتحه ودخل معها .. ثم طلب منها ان تفتح عينيها .. ظلت ممسكة يده بيدها وباليد الاخري ازالت الرباط.. عندما فتحت عينيها كانت المفاجأة الصادمة والجميلة لها فى آن واحد .. أمامها كان المرسم الخاص بها لكنه لم يكن مجرد مرسم عادي بل كان طبق الاصل عن مرسمها القديم على السطح فى الاسكندرية .. كل التفاصيل كانت متطابقة .. الالوان واللوحات والاثاث حتى الزوايا الصغيرة التى كانت تحبها .. نظرت مريم حولها بدهشة وفرح متداخلين :
_ ايه دا ؟
_ ايه رايك زي مرسمك صح ؟
_ جدًا انا لحظة حسيت انا فيه .. بتفاصيله .. حتى اللوحات عملتها ازاى دي ؟
_ حضرتك اللى قدامك ايهاب مختار بيقولوا بعرف ارسم حلو (ضحك) حاولت ارسم زيهم عشان بس احطهم انا اختار كام صورة لانك ماشاء الله مليان المرسم هناك لوحات ف دول مجرد ديكور انتى بقي ترسمي وتمليهم بفنك وابداعك الخاص ...
_ انت عملت كل دا امتى وازاى ؟
_ فى البداية انا كنت مقرر تكون هديتى لعيد ميلادك مرسم، خسارة انك ترسمي عشوائى بدون ما يكون فى مكان ليكي وانتى رفضتي تشاركيني فى المرسم بتاعي قولتيلي دا مكانك الخاص مينفعش حد تاني يدخل فيه واحترمت رغبتك لكن كل مرة بشوفك بترسمي مرة فى كل مكان بنروحه حسيت لا انتى محتاجة مكان خاص ليكي تستقري يعني .. ولما كنا فى الاسكندرية شوفتك اد ايه حابه السطح والمرسم عن اى مكان تاني اكتر من البيت والمطعم .. وكانت نفسيتك احسن بكتير وانتي فيه .. طبعًا مستحيل انقل السطح لاننا عايشين فى شقة لكن اخصص غرفة لمرسم ممكن .. صعبه لكن ممكن .. ف حاولت ع اد ما اقدر انقل التفاصيل كنت عارف ان كدا هتعجبك اكتر من اى تصميم تانى فصورت كل تفصيلة وليا صديق هنا ساعدنى وفترة سافرنا كان بيجهزه ...
_ عشان كدا قعدنا 15 يوم ؟
_ ايوه .. لكن الهدية كدا مخلصتش .
_ فى ايه تاني ؟
اشار لها اتجاه احدى الاركان :
_ فى ظرف هناك شوفيه كدا ..
توجهت الى الظرف والتقطته وفتحته واتسعت عيناها من المفاجاة :
_ ايه دا ..
_ بيقولك انك مشاركة فى مسابقة للمبتدئين انا قدمتلك اونلاين ب اسمك ودفعتلك الرسوم وهى حاجات بسيطة ..
_ انت بتتكلم بجد؟
ضحك ايهاب ك_ كارت الانضمام اهو فى ايدك .. المسابقة هتبدء بعد شهريين يا دوب تلحقي تجهزي.
صمتت مريم وهى تنظر اليه .. اقترب نحوها وامسك يديها وقال :
_ انا حاولت اساعدك تنزلى معايا فى معارضي انتى رفضتي وقولتيلي لا لو هتشاركي فى معارض لازم يكون بمجهودك انتى بدون اى مساعدة على الاقل خليني اساعدك فى الحاجات البسيطة دي ..ممكن ..
عادت النظر فى انحاء المرسم وأحست بأن هذه اللفتة كانت بمثابة استعادة جزء من نفسها ، جزء من ذكرياتها وأحلامها .. ادركت ان ايهاب قد نقل لها هذا المكان ليعيد اليها حيويتها التى فقدتها ويمنحها فرصة لتعود الى شغفها القديم من خلال هذا المرسم الذي يعبر عن روحها .. ابتسمت مريم بهدوء ف امتدت بيدها واحتضنت ايهاب بحرارة وفرحة غامرة وقالت :
_ شكرا يا ايهاب شكرا حقيقي .
ضمها هو الاخر وابتسم لانه اخيرًا رأى ابتسامتها الصافية .. كان حضنها مليئًا بالامتنان والدهشة وكأنه تعبير صادق عن صدق مشاعرها فى تلك اللحظة التى اعادت لها جزءًا من ذاتها وحياتها .
قامت مريم بتصوير المرسم مقطع فيديو وارسلته الى زين لمفاجأته .. فتح زين مقطع بفضول وما إن بدأت اللقطات بالظهور حتى اتسعت عيناه بدهشة ..كان المرسم نسخة طبق الاصل من مرسم السطح بكل تفاصيله .. صوت مريم كان يملأ المقطع حماسًا وسعادة حقيقية .. ضحكتها تشبة ضحكتها قديمًا حين رأت المرسم لاول مرة .. ابتسم زين لا اراديًا لكنه لم يلبث أن شعر بشئ يعتصر قلبه ..سعادة مريم تلك شئ طالما كان يسعى لرؤيتها ولكنه لم يتخيل يومًا أن تكون بيد غيره .. شعر بغصة دفينة ..لم تكن غيرة فقط بل خليط من ألم الفقد والتسأؤل هل ستتراجع مكانته للخلف ؟ ورغم محاولاته لطمأنة نفسه لم يستطيع ان يمنع شعور الغضب الصامت من التسرب إليه ..غضب من نفسه ومن إيهاب والكذبة التى منعتهما عن بعض ومن كل شئ جعله يتفرج من بعيد على من أحبها تتوهج بيد غيره ..
بدأت مريم استخدام المرسم الجديد بحماس يشبه اشتعال الروح بعد سبات طويل ..كانت تتحرك بخفة بين الألوان والفرش وملابسها ملطخة بالالوان وشعرها المربوط عشوائيًا وعيناها اللامعتان وهما تتابعان تفاصيل كل لوحة كأن شيئًا بداخلها استعاد الحياة من جديد .. كانت ترسم لساعات دون كلل وتغني أحيانًا وتضحك وحدها وهي تعبث بقرشاة أو تمسح شيئًا على اللوحة كما لو انها وجدت أخيرًا ملاذها الحقيقي ..
كان ايهاب كل حين واخر يراقب مريم فى صمت وهو يبتسم كلما لمح تلك اللمعة فى عينيها أو رأى نظرة التركيز التى كانت غائبة عنها طويلًا .. أدرك تمامًا أن قراره بأعادة خلق عالمها القديم لم يكن مجرد مفاجأة بل كان طوق نجاة انقذها من الغرق فى خمولها .. هو لم يرد أن يسعدها فقط ولكن اراد أن يعيدها الى نفسها والأن وهو يراها تتوهج بهذا الشكل شعر أنه نجح .
تمت حفلة خطوبة زين وبسنت وسط الزينة والانوار والضحكات المتبادلة .. الحضور يهنئون والاجواء تعج بالموسيقى والصفيق وزين جالس الى جانب بسنت مبتسم بثبات ..لمح مريم تتقدم وهي تتقمص دور اخت العريس تتقدم نحوهم تحمل بين يديها الشبكة ووقفت بجانب زين والابتسامة تعلو وجهها وتمد اليه الشبكة ليضعها فى يد بسنت .. وفى لحظة سريعة التفت زين بعينيه الى مريم التى تقف بجانبه كان وجهها يبتسم ولكن عيناها لم تكن تشاركان الابتسامة .
كانت نظرتها ساكنة تحمل بين اطرافها غصة خفية حاولت مريم ان تخفيها بابتسامة حفيفية ولكنها لم تنجح فى خداع زين .. امسك زين الشبكة وهو يضعها فى يد بسنت أحس بوخز فى قلبه كأن هناك شيئًا ناقصًا فى هذة اللحظة التى يفترض أن تكون سعيدة .. بسنت كانت جميلة كل شئ بدا مثاليًا لكن داخله فى مكان لا يرى كان هناك شعور بالفقد كأن قلبه لم يكن حاضرًا بكامله ولكنه لم يظهر ذلك ونجح فى اخفاء ما يشعر به ب الابتسامة ..
مضت الحفلة وغادرت مريم وايهاب عائدين الى نابولي لاستعداد للمسابقة قريبًا .. في وقت كانت مريم غارقة فى التحضير للمسابقة منعزلة عن العالم وتركيزها منحصر فى اللوحة التى امامها فقط .
كان زين ايضا فى تلك الفترة منشغل بعقد ضخم ومهم يمثل نقلة كبيرة للشركة .. كانا يتابعان اخبار بعض عن طريق الرسائل القصيرة لانشغالهما وكانت مريم مهتمة بمعرفة ما وصل اليه زين فكانت تشجعه وتدعمه وكان زين يتابع مريم لتحضير للمسابقة ويحفزها بكلماته التحفيزية كعادته .. رغم انشغال مريم بتحضيرات المسابقة الا انها لم تفوت يوم اجتماع زين من اجل العقد.. كانت تتابع خطواته لحظة بلحظة عبر رسائل الواتساب حتى وصلها الخبر المنتظر حصول زين على العقد .. قلبها فرح تلقائيًا وكتبت له رسالة بسيطة مليئة بالفخر :
_ كنت عارفه انك قدها زيزو دايما قد اى حاجة بيعملها .
ارسلت الرسالة وعادت الى لوحتها وهي سعيدة .. عاد زين الى الشركة ودخل مكتبه وبعد لحظات دخلت بسنت ب ابتسامة كبيرة وتحمل بين يديها تورتة مزينة ( مبروك) .. وضعتها ع الطاولة وقالت :
_ مبروك يا زينا
ابتسم زين :
_ ايه كل دا ؟
_ دا احتفال بسيط بمناسبة العقد المهم اللى اجتهدت فيه جدًا لغاية ما اخدته .
_ دا ع كدا اشوف عقد غيره عشان نشوف الحاجات الحلوة دي .
_ ومن غير عقود
_ ايه الدلع دا كله.. بسنت هو دا عشان احنا اتخطبنا وفترة الخطوبة ودلع ايام الخطوبة وكدا وبس ولا ممتد المفعول لبعد الجواز .
ضحكت بسنت :
_ لو ممتد ايه هيحصل .
_ هستعجل الجواز طبعًا
ضحكت بسنت :
_ وهنقعد فين فى المكتب ؟
_ لا عندنا مع محمود وسوسن .. اوضتي مؤقتًا ونخلص الشقة براحتنا بقى .
_ لو مستعجل على الجواز خلص الشقة بسرعة .
_ داانا هروح للمهندس اللى مستلمها اديله امر مستعجل .
تبادلا الضحكات بينهم .. سمع طرق على الباب ودخلت السكرتيرة ب ابتسامة رسمية تحمل بين يديها صندوق مغطى بورق بني بسيط .. قالت :
_ مستر زين الاوردر دا جه لحضرتك .
_ من مين ؟
_ الكارت موجود جوه ..
_ طيب شكرًا ..
خرجت السكرتيرة ومظر الى بسنت :
_ ايه مفاجأة تانية ولا ايه ؟
_ لا مش مني بس دا مينفعش فى مفاجأة تانية بس بعد الشغل .
_ اومال مين ؟
فتح زين الكارت الموجود مع الصندوق وكان مكتوب ( من ميما ) بمجرد ان قرأ الاسم اتسعت عيناه بدهشة ممزوجة بفرحة مفاجئة لم يستطيع السيطرة عليها .. سريعًا بلهفة طفل فتح الصندوق وكانت المفاجأة التى كان لم يتوقعها .. داخل الصندوق مجموعة من سندوتشات الكبدة والسجق مرتبة بعناية شديدة مصفوفة على شكل تورتة صغيرة .. نظر زين الى السندوتشات وضحك ضحكة خفيفة من قلبه ..كانت عيونه لامعة وملامحه تحولت فجأة الى فرحة طفولية صافية .. قالت بسنت :
_ شكلها حلو اوي .
قال زين :
_ بجد لاسعه ..
_ افكارها من خارج الصندوق مريم لدرجة تخليك متفاجئ بالشكل دا .
_ رغم انها مش اةل مرة بس مريم عندها القدرة تفاجئني بنفس الحاجة واحس انها اول مرة .
تعجبت بسنت من كلمات ولاحظ زين ذلك وقال :
_ ايام الجامعة احتفلت بعيد ميلادي كدا فاجئتني بالطريقة دي .. احنا احتفالاتنا بعيد الميلاد اكل هي بيتزا وانا كدا ..
_ اها .. بقول افكار خارج الصندوق .
سمع صوت اشعار من هاتفه وكانت رسالة من مريم :
_ احتفالي بنجاحك على الضيق كدا .. شويا كبدة وسجق مشطشطين يحمسوك على العقد اللى بعده .. مبروك يا زيزو دايما فى تفوق ونجاح فى شغلك .
اغلق الهاتف ونظر الى السندوتشات وارتسمت على وجهه ابتسامة شرد معها للحظات حتى انتبه لحديث بسنت :
_ روحت فين ؟
_ معاكي .. يلا ناكل انا جعان اوي .
_ هناكل كل دا ؟
_ هناكل لغاية ما نشبع واوزع الباقي .
جلست بجواره وقالت :
_ مريم حرقت عليا المفاجئة التانية كنت هعزمك على كبدة وسجق .
_ لا حرقت ولا حاجة .. الجايات كتير .
نظرت الى زين :
_ كنت عاوزة اكون اول حد يحتفل معاك بالعقد متخيلتش ان مريم تكون اسرع مني كدا .
لاحظ نبرة حزن قليلًا تتحدث بها بسنت .. امسك يدها وقال :
_ انتى فعلًا اول حد يحتفل معايا من بعد ما خلصت الميتنج انتى اول حد اقابله قالي مبروك .
ابتسمت بسنت على كلمات زين اللطيفة .. كانت مريم ارسلت لزين رسالة راها بعد الاجتماع تبارك له على نجاحه ولكن حتى لا تشعر بسنت بالضيق كذب عليها ..:
_ يلا ناكل بقى هتبرد وهيبقى ملهاش طعم .
بدأ زين يأكل وكان مستمتع وكأنه يتذوق لحظة قديمة ومحببة الى قلبه ، الذكريات والضحك الذي كان بينهم .. رغم ان بسنت كانت جالسة تتحدث معه وكان يرد عليها ردود مختصرة وايماءات خفيفة كان عقله مع مريم ومفاجئتها والابتسامة لم تختفى من وجهه .. كانت هدية مميزة كعلاقتهم ..
ليلة التى تسبق المسابقة .. مريم فى المرسم غارقه فى صمتها تحاول أن تستجمع قوتها .. جلست امام اللوحة المشاركة بها فى المسابقة اناملها تتشابك فى توتر واضح والفراشاة ساكنة على الطاولة .. كانت عيون مريم تتأمل اللوحة وتفاصيلها بدقة وبقلق كأنها ترى فيها شيئًا ناقصًا لا يدركه أحد سواها .. مرت اللحظات وكل دقيقة كانت تزيد من ارتباكها وقلقها ومن خفقان قلبها .. تحاول أن تهدأ تتحدث مع نفسها قائلة :
_ هتعدي يا مريم .. متخافيش انتى عملتي اللى عليكي .
طرق ايهاب على الباب وانتبهت مريم :
_ انا مستنيكي نتعشى مع بعض .
_ هى الساعة كام ؟
_ الساعة 1 بعد منتصف الليل .
_ يااه ..كل دا ..انا محستش بنفسي خالص .
توجه ايهاب اليها وسحبها من يدها للخارج واجلسها على الكرسي امام الطاولة وجلس بجانبها وبدأ بوضع الطعام لها فى الطبق امامها وقال :
_ انتى قولتي هتبصي بصه وبس ونسيتي نفسك جوه ..كل شويا اقول هتخرج هتخرج .
_ بجد محستش بنفسي .. كل ما افكر اقوم ارجع تاني اقول اشوف اخر مره وهكذا .
امسك يدها وضغط عليها بلطف :
_ مريم.. اللوحة برفيكت وانتى عملتي شغل حلو اوي فيها وانا واثق هيعجب اللجنة اللى هتقيم .
_ بجد حلوة .
قالتها بقلق .. ابتسم ايهاب اليها وقال :
_ بعيون فنان بقولك برفيكت وبعيون محب بقولك مفيش احلى من كدا .
ابتسمت مريم وقال ايهاب :
_ طيب يلا كلي .. انا طلبت الاكل دا انتى حبتيه اخر مره اتعشينا برا .
نظرت الى الطعام ولوهلة اشتهت بيتزا .. فى لحظة وجدت نفسها تخوص فى ذكرياتها .. تذكرت زين حين كانت تمر بتوتر أو قلق ايام الامتحانات أو قبل حدث مهم كان يعرف كيف يقرأ ملامحها من أول نظرة دون أن تطلب او تقول شيئًا .. طريقته كانت بسيطة لكنها فعالة .. يختفى قليلًا ثم يعود ومعه بيتزا ساخنة من نوعها المفضل وبعد ان ينتهوا من تناولها وسط ضحكاتهم واحاديثهم الا منتهية كان يمسك يدها ويغادرا السطح متجهيين للشارع للتمشية وهروبًا من الضغط .. انتبهت حين تحدث ايهاب :
_ ميما ..
_ ايووه يا زيزو ..
تفاجئ ايهاب :
_ ايهاب ..
ارتبكت مريم :
_ اسفة بجد .. اصلي افتكرت زين فى حاجة كدا .
بدأ يتناول الطعام وقال بهدوء :
_ افتكرتيه فى ايه ؟
_ يعني افتكرت ايام الامتحانات لما بكون مضغوطة وكل ما الامتحان يقرب كنت بكون فظيعة مفيش حاجة بتقدر تهديني ولا تفصلني زين كان بيعرف يتصرف فى الحالة دي .
_ كان بيعمل ايه زين ؟
ابتسمت وقالت :
_ كان فجأة يختفى ويرجع بيبتزا نقعد ناكلها يخلص نصها وكان يلغوس وشي بالكاتشب يخليني اجري وراه لغاية ما اتعب او ننزل نتمشى فى الشوارع ونقعد ع البحر ولو فضلنا قاعدين للصبح نفطر سندوتشات فول وفلافل وبيتنجان مولع وبعدين نرجع البيت ننام وفعلًا كنت بنام ع طول وبصحى هادية .
كانت مريم تحكي وع وجهها ابتسامة شاردة هادئة فيها حنين ثم رفعت عينيها الى ايهاب :
_ يعني حاجات طقة كدا .
_ تحبي ننزل نتمشى تغيري جو و..
قاطعت حديثه:
_ لا لا .. الوقت متاخر ولازم ننام بدري عشان اصحى رايقة لليوم .
_ اللى تحبيه .. ممكن تاكلي بقى مش هتنامي غير لما تاكلي .
_ حاضر .. شكرًا على الاكل .
_ يو ويلكم ..
لم تستطيع مريم النوم من القلق غادرت الغرفة بهدوء حتى لا تقلق ايهاب وجلست فى الصالة كانت دقات قلبها متسارعة من التوتر والقلق .. حاولت ان تهدأ بتنظيم التنفس وهدأت قليلًا ولكن مازال القلق والتوتر والخوف يضغط على صدرها .. رفعت هاتفها ببطء نظرت الى الشاشة الواتساب حيث أخر رسالى من زين عبارة عن استيكر بسيط ابتسامة .. اغلقت الهاتف وجلست على الاريكة تضم قدميها الى صدرها كانت تشعر بالوحدة فى تلك اللحظة ..محاولات ايهاب معها كانت مسكن مؤقت واختفى اثره سريعًا ..فتحت برنامج الواتساب واغلقته فعلت تلك الحركة ب استمرار كحالة من التردد لفتح محادثة زين وارسال رسالة والتحدث معه ولكنها تعلم انه نائم فى ذلك التوقيت .. فى تلك اللحظة كان زين يراقب شاشة هاتفه وهو يرى ظهور مريم واختفائها على الواتساب عدة مرات وكل مرة يزداد قلقه قائلًا :
_ كنت عارف .. كنت عارف انك مش هتعرفي تنامي من القلق والخوف يا مريم ..
ارسل لها رسالة تفاجئت بها مريم :
_ صاحية ؟
امسكت هاتفه واعتدلت بلهفة كغريق وجد طوق نجاته :
_ صاحي ؟
_ لا نايم .. منمتيش ليه ؟
_ انت منمتش ليه .. الوقت متاخر الساعة 4 ونص الفجر .
_ قلقت قولت اصلي الفجر وهنام.. وانتى هتصلي الفجر وتنامي ؟
_ ان شاء الله ..
_ ميما .. انتى محتاجة حاجة.. لو فى حاجة عاوزة تقوليها تتكلمي انا معاكي ؟
امسكت الهاتف للحظات فى صمت وتنفست نفس عميق وكتبت :
_ لا مفيش .. هصلي وانام ..
_ طيب تصبحي ع خير .
_ وانت من اهله ..
بعد ثوانٍ:
_ ميما ..
_ ايوه ..
_ مهما كانت النتيجة انا فخور بيكي وبخطواتك اللى بتعمليها ، كسبتي خسرتي بالنسبالي انك حاولتي دا مكسب ومش مهم بالنسبالي رأى اى حد تانى .. دى اول مسابقة ليكي هتكوني خايفة وقلقانة طبيعي لكن انتى هعملتي كل حاجة ..النتييجة متفكريش فيها لانك بالنسبالي فايزة .
ابتسمت مريم لكلماته وتحفيزة لها .. استكمل حديثه وكتب :
_ بصي.. افتكري ليلة اخر امتحان فى الكلية افتكري نزولنا الشارع الفجر وقعدتنا على البحر .. وجرينا ورا بعض زي الاطفال مكنش هاممنا حاجة ولا حد.. يمكن اللحظات دى مش قادرين نكررها لبعد المسافة لكن عندنا لحظات تقدر تساعدنا .. غمضي عينك واستحضري الوقت دا وقولى لنفسك هتقدري وهتعدي ..ميما تقدر تعمل كل حاجة واى حاجة .
_ حاضر ..
_ نامي وانا واثق ان يومك هيكون جميل .
اغلقت المحادثة مع زين وكانت كلماته كنسيم هادئ دخل الى عاصفة داخل مريم وهدأت .. حديثها مع زين زال كل ثقل القلق والتوتر ..جلست واغمضت عيناها وبدأت كما قال لها زين استحضار الذكريات وبالفعل بدأت تتدفق امامها .. لحظات من دفء وحنان واهتمام واحتواء ..مع مرور كل ثانية بدأت الراحة تتسلل الى قلبها وتبدلت نبضات قلبها السريعة بإيقاع منتظم حتى ارتسمت ابتسامة ناعمة على شفتيها تعبيرًا على السلام الداخلي الذي شعرت به .. استسلمت للنوم بهدوء على الاريكة كأنها وجدت ملاذًا أمنًا من توترها وقلقها .. جسدها ارتاح تدريجيًا وتنفسها أصبح منتظمًا وعميقًا وعينيها المغلقتان تعكسان سلًام.. غابت كل الافكار ومشاعر القلق وحل مكانها راحة روحية تنساب معها الى عالم الاحلام .
استيقظ ايهاب فى الصباح لم يجد مريم بجانبه ولا الغرفة كاملًا .. غادر الغرفة وبحث عنها ولمحها نائمة بهدوء على الاريكة .. شعر بالدهشة والقلق .. اقترب منها وايقظها بلطف واستيقظت مريم :
_ صباح الخير ..
_ صباح الخير ..
_ نمتى هنا ليه كدا ؟
_ كنت مش عارفه انام من القلق والتوتر وخرجت هنا قولت بلاش اقلقك مسكت الموبيل اقلب فيه زين كان صاحي يصلي الفجر اتكلمنا شويا وقفل وقلبت فى الموبيل ومحستش بنفسي غير دلواقتي .
_ طيب يلا قومي اجهزي هنفطر وننزل .
_ تمام ..
تركت مريم الهاتف وتوجهت الى الغرفة ، نظر ايهاب الى الهاتف للحظات وداخله رغبة ملحة لفتح محادثة مريم وزين .. التقط الهاتف بين يديه وكانت مريم غير مفعلة كلمة سر وفتح الواتساب وحدق فى محادثة زين واخر رسالة مرسلة منه :
_ تصبحي على خير ومتقلقيش اليوم هيعدى .
وهو ممسك الهاتف ارسل زين رسالة جديدة كتب :
_ ابقى طمنيني ومهما كانت النتيجة متزعليش .
اغلق ايهاب الهاتف ووضعه مكان وغادر .. في قاعة المسابقة وقفت مريم بجوار لوحتها بقلق وتوتر ..كان ايهاب يحاول تهدئتها عن بعد ويطمئنها ويخبرها ان تمارس تمرين التنفس لتهدأ .. رغم ممارستها لتمرين التنفس كان القلق والتوتر مستمرين.. اغمضت عيناها وتذكرت محادثة زين وكلماته التحفيزية لها كانت بالنسبة لها قودة دافئة تواجهه قلقها ، فتحت عيتيها لاستقبال النتيجة مهما كانت ..وفجأة كان اسمها من الفائزين .. لم تصدق فى البداية حتى شعرت بيد ايهاب تمسك يدها ويضمها لحضنه مردد:
_ مبروك يا مريم مبروك .
كانت الدهشة تسبق الفرحة لكنها سرعان ما انفجرت ضاحكة ودموع الفرحة فى عينيها ... في طريق العودة كانت الفرحة لا تسع مريم قال ايهاب :
_ قولتلك اللوحة بريفكت وكان لازم تكسبي .
_ بجد مكنتش متوقعة .. كنت بمهد نفسي لعكس كدا وكنت هتقبلها بس حقيقي احساس الفوز مختلف احلى .. اول مسابقة فى حياتي كسبتها بعد فشلي فى المسابقة الاولي .
ضحك ايهاب وتذكر مسابقة الجامعة :
_ اللى بيروح مننا بيجي احسن منه ..مفيش فرص بتضيع الفرص زي مياة النهر جارية بتيجي ب استمرار مرة تنجح ومره لا ولو لا اللى بعدها هتنجح كدا هي دي الحياة .
_ صح ( امسكت يده وقبضت عليها وقالت ) شكرًا يا ايهاب شكرًا على المرسم والفرصة دي وتشجيعك.. مش عارفه اقولك ايه بالظبط ومهما عملت مش هرد جزء من عمايلك ليا .
امسك يدها وطبع قبلة فى كفها وقال باسمًا :
_ ابتسامتك دى وفرحتك هى كل اللى انا عاوزة مش عاوز حاجة تاني .
ابتسمت مريم .. رن هاتفها باشعار رسالة .. نظرت الى الهاتف كانت رسالة من زين ليطمئن .. سحبت يدها من يد ايهاب وقالت :
_ زين .. هيفرح جدًا ..
كان زين فى مكتبه يتظاهر بالانشغال امام الاوراق لكن عينيه كانت تتردد كل لحظة على شاشة الهاتف .. ينتظر خبرًا ، رسالة ، اى شئ .. وما أن وصلت الرسالة من مريم حتى ظهرت ابتسامة خفيفة على وجهه .. تنهد بارتياح ثم اعاد ترتيب أوراقه وبدأ عمله أخيرًا بتركيز وهدوء وكأن قلبه استعاد ايقاعه الطبيعي ..
فى يوم عاد ايهاب الى المنزل ..فتح الباب بهدوء ودخل لمح وجود مريم نائمة على الاريكة ع غير العادة .. اقترب منها بقلق ولاحظ ملامح وجهها الشاحبة وتعبها الواضح:
_ مريم.. انتى كويسة ؟
لم تجيب سريعًا :
_ مش عارفه يا ايهاب حاسة انى تعبانه اوي .
_ ترجيع برضه .
_ ايوه ومش قادرة اشرب ماية حتى .
_ قولتلك تعالي نروح المستشفى ممكن يكون بردتي .
_ مش عارفه بجد..
_ طيب يلا بينا على المستشفى يلا ..
في غرفة الفحص كان قلبه يدق بقوة وهو يمسك يدها ويدها الاخري معلق المحلول زز يجلسان لانتهاء المحلول ولمعرفة نتيجة الفحص .. بعد دقائق قليلة بدت كأنها ساعات دخل الغرفة طبيب وعلى وجهه ابتسامة خفيفة وقال :
_ مفيش حاجة تقلق هي بس محتاجة راحة شويا الفترة دي .
تحدث ايهاب :
_ يعني مش محتاجة اى فحوصات ولا اى حاجة ؟
ضحك الطبيب وقال :
_ مبروك .. مدام مريم حامل .
نظر ايهاب الى الطبيب بذهول ثم التفت لمريم التى بدأت تستعيد وعيها .. عينيها تبحث عن تفسير ابتسم لها وقال بصوت خافت ودهشة ممزوجة بفرحة :
_ مريم.. هتكوني احلى ماما .
نظرت اليه لتستوعب كلماته :
_ حامل ..انا ..؟
أومأ براسه لتأكيد كلماتها وطبع قبلة اعلى راسها .. دمعة نزلت من عينيها وملامجحها تغيرت ما بين المفاجاة والخوف .. ابتسمت ابتسامة صغيرة ووضعت يدها على بطنها كأن الخبر أعاد لها جزءًا من الحياة .. جزء جديد تمامًا ..
عادا الى المنزل فى هدوء يشوبه مزيج من مشاعر كثيرة ، لحظة دخول مريم المنزل كان يمسك يدها ويحرص على راجتها اكثر من قبل .. احضر لها مشروبًا وجلس بجانبها ينظر اليها بترقب وع وجهه ابتسامة .. مريم كانت مبتسمة عيناها تلمهات كانت فرحتها ناعمة هادئة عميقة تتحسس بطنها بين الحين والاخر كانها تحاول تصديق الامر :
_ انا مش عاوزك تعمل اى حاجة .. وليزا هخليها تكون من بكرا معاكي كتشليش كوباية .
_ مش لدرجة يا ايهاب .
_ لا لدرجة جدًا .. الدكتور مأكد علينا اهم فترة هي 3 شهور الاولي راحة تامة منعًا لحدوث اى حاجة تانية بعد الشر .. راحة .. راحة .. راحة .
تبدلت ملامحها وقالت :
_ كلام الدكتور قلقني ..
تحسس ايهاب بيده على شعرها وقال :
_ متقلقيش هو دا الطبيعي ان اول 3 شهور يكونوا حساسين بعد 3 شهور كله هيكون تمام ان شاء الله .. المهم ال 3 شهور متتحركيش من مكانك انا هحاول افضي نفسي على اد ما اقدر .
قاطعته مريم:
_ لا لا .. متأجلش حاجة ولا تلغي حاجة.. انت الفترة الجاية مهمة عندك فى معارض ومناسبات لازم تكون موجود .. ومتقلقش انا فى البيت وليزا هتكون معايا .
في تلك الفترة كان زين فى احدى جولاته بالخارج متنقلًا بين الاجتماعات واللقاءات الرسمية لتوسع فى العمل .. فلم يعلم بخبر حمل مريم لقلة الاتصالات بينهم فى تلك الفترة لتعب مريم ولانشغالة . لم ترسل مريم له لتخبره بذلك ولم يخبره عائلته اعتقادًا ان مريم ستخبره ولم يحدث .. مريم قررت ان تترك لعائلتها مهمة اخبار الاخرين كما لو أن قلبها لم يكن مستعدًا لسماع رده فعله او ربما كانت تخشى مواجهه حقيقة البعد بينهم .. أجلت اخبار زين بخبر الحمل حتى تكون مستعدة لمواجهه تلك الزاوية القديمة فى روحها التى ما زالت تعرف جيدًا كم يعني زين لها حتى وإن كانت الحياة تمضي فى طريق آخر ..
سافر ايهاب الى هولندا لحضور حدث ما .. قبل مغادرته حرص على الاطمئنان على مريم بكل تفاصيل يومها :
_ متقلقش انا كويسة .
_ انا قولتلك اعتذر وانتى مرضتيش
_ وانا قولتلك مش مستاهلة انا هرتاح وكل حاجة هتبقى بخير ..
_ كلى يا مريم انا مأكد ع ليزا تاكلى ..
_ حاضر متشغلش بالك بيا ..
_ بالظبط يومين انهاردة وبكرة هكون هنا مش هتاخر .
_ تيجي بالسلامة .. وبالتوفيق .
ضمها لحضنه وطبع قبله على خدها وغادر ايهاب المنزل .. تمددت مريم على الاريكة لتكسب بعض الراحة فى اليوم التالي وهي مستلقية على الاريكة تحاول ان تسترخى وتقاوم شعور التعب الذي لا يفارقها .. .. اقتربت منها المساعدة :
_ مدام احضرلك الغدا
_ شويا يا ليزا انا مش جعانه .
رن هاتفها نظرت الى الشاشة بكسل كان رقم غريب لا تعرفه.. ترددت قليلًا ثم أجابت بصوت خافت :
_ الو ..
وتفأجئت حين سمعت الصوت :
_ ميما ..
تجمدت ملامحها للحظة واتسعت عيناها بدهشة لم تستطيع اخفائها :
_ زين ؟
_ لا عفريته ..
نظرت الى الرقم وقالت :
_ دا رقم ايطالي .. هو انت ..
_ انتى كنتى قايلالي فى عمود احمر قصاد عمارتك صح .. فى مطعم بيتزا جنبه هكون قاعد مستنيكي فيه .. ويلا عشان انا جعان جدًا .
اغلق الهاتف دون سماع اجابتها ولا ردها .. اغلقت الهاتف في ذهول وهي تحاول ان تستوعب وجود زين فى نابولي .. نهضت من على الاريكة بسرعة وكأن نبض قلبها سبق خطواتها .. ارتبكت لثوانٍ ثم تحركت مسرعة الى غرفتها .. بدلت ملابسها بدون تفكير وخرجت من الغرفة وتجتاحها مزيج من لهفة والشوق وسعادة خفية لا تستطيع كبحها .. غادرت المنزل دون التحدث الى المساعدة معها .. توجهت بخطواتها الى المطعم وعيناهها تجولان فى المكان بتوتر خفيف حتى وقعت عيناها على زين جالسًا فى ركن هادئ كان ينظر الى الباب ينتظرها وحين لمحها ابتسم ابتسامة دافئة وأشار لها بيده لحظتها ارتخت ملامحها وابتسمت تلقائي .. اقتربت منه بخطوات خفيفة وقلبها يخفق .. جلست امامه وهى ما تزال تبتسم غير مستوعبه وجوده امامها :
_ ايه المفاجأة دى .. زيزو هنا فى نابولي ؟
_ قولتلك هبقى اجيلك ..
_ احنا داخلين على سنة ع الوعد دا ..
_ انا محددتش امتى لكن قولتلك هجيلك صح.. اهو جيت
ضحكت مريم:
_ بتقنعنى بالمنطق .. ماشي .. بس بجد انت هنا لايه مش عشانى اكيد ؟
_ انا جيت نابولي عشانك لكن عندي ميتنج فى روما بكره الصبح .
_ مقولتليش ليه ؟
_ حبيت اعمل مفاجأة وبعدين فى دين عاوز ادفعه .
_ دين ايه ؟
_ احتفالنا بالمسابقة .. المسابقة اللى كسبتيها ..
_ يعني انت جاى عشان تحتفل معايا بفوزي فى المسابقة ؟
_ ايوه .. مينفعش افوت اى مناسبة ليكي .. وغير كدا ادوق البيتزا الايطالي من بلدها .
ضحكت مريم:
_ يبقى انت قاعد فى المكان الغلط .
_ ليه مش دا مطعم ايطالي ؟
_ انت ليه بتاكل كبد وسدق من عند عم عوض وبس ؟
_ لانه بالنسبالي احلى واحد يعمل كبدة وسدق
_ انا بقى هوديك لاحلى محل بيعمل بيتزا .. يلا .
_ يلا ..
خرجوا من المطعم الاول واتجهوا سويًا الى محل البيتزا المفضل لها .. كان زين يقود السيارة بخفة ومريم تجلس بجانبه باريحية تتأمل كيف أن مجرد وجوده يعيد إليها نسختها القديمة .. وصلا الى المطعم وجلسا فى ركن هادي من المحل وطلبت مريم البيتزا بنفس الطريقة التى اعتادوا عليها وتختار النكهات التى كان زين دومًا يرفض بعضها ثم يرضخ لها فى النهاية وصلت البيتزا وبدأوا ياكلون ويتشاركون القطع كأن لا شئ يتغير .. قالت مريم :
_ ها .. ايه رأيك ؟
_ متختلفش كتير عن اللى عندنا .
_ يا راجل .. بطل فشر .
_ انتى قوليلي هي ولا اللى عندنا فى اسكندرية وقاعدة السطح .
ابتسمت مريم وقالت :
_ السؤال دا لو سألتهولي من يومين كنت هقولك بيتزا الاسكندرية والسطح.
_ ودلواقتي ؟
_ الاتنين ..
نظر اليها زين لثوانٍ وقال مازحًا :
_ لانى موجود صح متنكريش عشان اجبلك حاجة حلوة .
ضحكت مريم:
_ طبعًا واكيد بالمليون ..
_ بالمليون ..داانتى طماعه اوي .. انا كنت راسم ايس كريم وقهوة وخلاص .. انتى هتمشيني من هنا ماضي وصلات امانه .
ضحكت:
_ متقلقش هضمنك .
_ شكلك مفلسة .. محتاجة سلفه قولي متتكسفيش .
_ لا الحمدلله معايا تحب اسلفك .
_ لا شكرًا خلى فلوس الدكتور لنفسه .. هو فين صحيح فى البيت ؟
_ لا مسافر من امبارح وراجع بليل او بكرة الصبح .
_ طيب كويس مجازفتش وطلعت البيت مكنش ينفع وهو مش موجود .
_ معايا مساعدة فوق مش لوحدى .
_ كمان مساعدة.. دا مدلعك اخر دلع .
_ لو مدلعتش هدلع امتى ..
_ ادلعي براحتك .. المهم انتى كدا معايا انهاردة لغاية موعد القطر .
_ تمام معاك ..
_ يلا هتودينا فين تاني .. انا انهاردة هعمل كل حاجة عاوزاها .. يوم من ايام ميما وزيزو زي زمان .
ابتسمت مريم:
_ يوم من ايام ميما وزيزو بتاع زمان ..
فى ذلك الوقت وسط الدفء والضحك والطعام الذي يحمل ذكرياتهم نسيت مريم تمامًا أن تخبر زين بخبر حملها ..غابت تفاصيل الواقع وبقى فقط شعورها فى تلك اللحظة .. غادرا المطعم وسارا سويًا فى الشارع وبين ضحكات مريم التى لا تهدأ وتعليقات زين الساخرة كانت خطواتهم خفيفة .. ذهبوا الى محل الايس كريم واثناء وقوفهم فى انتظار الايس كريم السماء قررت أن تفاجئهم وبدأ المطر ينهمر بهدوء أولًا ثم أشتد قليلًا .. الناس من حولهم يركضون للاختباء تحت المظلات يتفادون الببل أما زين ومرين فتوقفا ونظرا لبعضهما .. كانت نظرة صامتة مليئة بالطفولة والمغامرة ثم ابتسم كلاهما وكأنهما اتفقا دون كلمات وفجأة مد زين يده لمريم ومدت يدها وبدأ زين يدور بها ، يلفها كراقصة صغيرة وبدات مريم تضحك من قلبها وهى تبلل شعرها وثيابها بالمطر .. راحا يركضان فى دوائر يتقافان قطرات الماء ويقفزان فى البرك الصغيرة كأنهما عادا طفلين .. زين رفع راسه الى السماء مغمضًا ثم فتح عينيه ونظر الى مريم التى شاركها طفلين للعب تحت المطر .. كان زين يحدق بها متمنيًا ان تدوم تلك اللحظة للابد ..
ابتلت ملابسهم كاملًا .. نظر زين حوله كان يوجد محل هداي وملابس دخلوا المحل وهما يضحكون بصوت منخفض مبللين بالكامل من المطر .. بدأ زين يتجول بين الرفوف سريعًا يختار بعناية قطعة تلو الاخرى وهو ينظر الى مريم التى بدأ جسدها يرتعش من الملابس المبللة .. اعطى زين الملابس لمريم والتقط ملابس له ودخلوا بتبديل ملابسهم .. خرجوا وجلسوا يحتسون مشروب دافئ وسط ضحاكتهم وحديثهم حول فعلتهم المجنونة .. قال زين :
_ لو سوسن وسناء كانوا هنا وشافونا .
_ يالهوى كانوا صوتوا فى وشنا وقالولنا هتتعبوا ..
_ احنا نلحق الدنيا ومفيش تعب ان شاء الله .
_ ان شاء الله ..
نظر الى مريم وهى تمسك كوب المشروب بكف يديها الاثنتين والتقط هاتفه والتقط لها صورة :
_ بتاخد عليا سيديهات ..
_ طبعًا لازم أأمن نفسي للمستقبل هتطلعي سيدهاتى هطلع سيدهاتك .
_ ماشي ماشي ..
ضحكت مريم ونظر اليها زين قائلًا :
_ عارفه يا ميما اوقات كتير بحس ان الدنيا بتحاول تراضينا باللحظات اللى بنقضيها مع بعض دي .
_ انا كمان بحس بكدا ..الضحكة اللى بضحكها معاك بتكون صافيه خارجة من قلبي من غير مجهود .. الاكل معاك له طعم مميز رغم روحت مطاعم كتير وبتقدم احلى أكل وأكلت بيتزا في كذا مكان لكن المرادي لأول مرة احس بطعمها كل مرة بحس في حاجة ناقصة ..الوقت معاك مختلف .
تحدث مازحًا
_ عشان تعرفي ملكيش غيري .
_ اكيد هو زيزو واحد بس .. يلا خلصي الحاجة الدافية مش عاوزين نختمها بمرض .
_ حاضر .
_ الفيل الصغنن المطيع .
كانت بجانبها علبه صغيرة دفعتها اتجاه :
_ يا رخم يا فصيل ..
ضحك زين :
_ اهلا بيكي فى عالم زيزو ..
بين المشروب الدافي وملابس جديدة وضحاتهم العابرة كان كل شئ بسيط لكنه كان ملئ بالسعادة الحقيقية ... وفجاءة شعرت مريم بألم طفيف فى بطنها وتبدلت ملامحها ولاحظ زين :
_ ايه مالك ؟ لحقتي تتعبي ولا ايه ؟
اخفت الألم :
_ لا لا مفيش حاجة .. يلا نمشي عشان موبيلي فصل وايهاب أكيد اتصل كتير .
_ تمام يلا ..
_ انتهوا من المشروب وتحركا مغادرين اشارت اليهم أمراة جالسة فى ركن من المكان .. اقتربوا اليها وطلبت منهم الجلوس وعرضت عليهم قراءه بطاقات التاروت .. وافقت مريم من باب التجربة ..كانت المراة مكسيكية ومعها مترجمة .. سألها زين ع حسبب رغبتها لقراءة التاروت ليهم اجابت :
_ حواليكم هالة مميزة .. من النادر رؤية هالة واحدة تجمع شخصان من جنسان مختلفان .
_ ودا معناه ايه ؟
فردت البطائق امامهم وطلبت من مريم وزين سحب 4 بطائق وبالفعل سحبوا وقالت :
_ تؤام روح ..
_ يعني ايه ؟
_ علاقتكم مميزة.. القدر جمعكم مع بعض من لحظة ولادتكم ، فى رباط رباطكم ببعض صعب ينقطع او ينفصل ، مهما حاولتوا تبعدوا مش هتقدروا تكملوا وانتم بعاد عن بعض .. انتم نص بعض بتكتملوا لما بتكونوا مع بعض .. فى البعد بتكونوا اجساد بدون روح ومع بعض بتكون روح داخل جسدين ..
تبادلا مريم وزين النظرات وسحبت بطاقاقتين وتبدلت ملامحها وقالت :
_ ألم ودموع .. القدر هيختبر مدى قوة الرباط اللى بينكم وللاسف حد فيكم هيقطعه .
صدم كلماتها كل من زين ومريم واخرج زين مبلغ من المال ووضعه امام المراة المكسيكية وامسك يد مريم وجذبها للخارج :
_ ليه خرجتنا .. مخلصتش .
_ وانتى بتصدقي كلام الهبل دا .. احنا قولنا نجرب كتسلية لكن انتى كنتى مركزة اوي كان ناقص تقوليلها لو دخلت مسابقة هكسب ولا لا .
_ انت بتتريق .. ماهي قالت كلام صح عن علاقتنا .
_ ميما انتى لسه عبيطة .. طبيعي شايفة شاب وبنت هتقولهم حوار تؤام روح .. دي شغلانتهم .. يلا بينا ..
كان زين يشدها للخارج وهى ما زالت تتساءل عن معني كلامها ..
_ بس انت متخيل .. هي بتقول اننا هنقطع بعض ..
_ هتقطع ايه .. انتى عبيطة .. انتى فاكرة انى ممكن اسيبك ..
_ بس هي قالت ..
_ قالت .. وسمعت .. انتى فاكرة انى ممكن اسيبك ..
_ لا ..
_ يبقي مفيش حاجة اسمها هنقطع بعض .. انتى لوحدك اللي بتسمعي كلام الهبل ده ..
_ بس ..
_ مفيش بس .. يلا بينا ..
كانت ما زالت مترددة .. ولكن قوة زين وكلماته كانت تمنحها بعض الطمأنينة ..
_ يلا ..
_ يلا ..
وبينما هما يتماشيان يداه يداها .. تذكرت مريم شيئًا ..
_ زين ..
_ نعم ..
_ انا .. انا حامل ..
توقف زين عن المشي .. والتفت إليها ببطء ..
_ حامل ؟
_ ايوه ..
نظر إليها زين بفرحة غامرة .. كأن الدنيا كلها ابتسمت له فى تلك اللحظة ..
_ بجد .. مبروك يا ميما ..
ابتسمت مريم .. ولكن سرعان ما عاد القلق إلى عينيها ..
_ بس ..
_ مفيش بس .. إيهاب عارف ؟
_ ايوه ..
_ طمنتي ..
_ بس ..
_ فيه ايه تاني ..
_ أنا .. أنا خايفة ..
_ خايفة من ايه ..؟
_ خايفة .. من كل حاجة .. خايفة من رد فعلك .. خايفة من كل حاجة ..
_ ميما .. أنا بحبك .. بحبك من قبل ما نعرف إننا توأم روح .. وبحبك دلوقتي .. وهفضل أحبك .. ومش هسيبك .. ولا هسيبك انتوا الاتنين ..
ضمها زين إليه بقوة .. وكأنها طفلته ..
_ أنا هنا .. معاكي .. ومش هسيبك ..
وبينما هما يحتضنان بعضهما .. كانت كلمات قارئة التاروت تتردد فى ذهن مريم .. ألم ودموع .. هل حقًا القدر سيختبرهما ..؟
نهاية الفصل الثاني والعشرون
رواية توأم روح الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم يارا سمير
نظر إيهاب إلى مريم ومرر بأصابعه على شعرها ووجهها وقال:
"زين: اطمن، الدكتور طمني وقال إنها هتكون كويسة، بس هي محتاجة الراحة."
"إيهاب: إيه اللي حصل؟"
"زين: أنا جيت في شغل وقولت أمر على مريم أسلم عليها، عرفت إنك مش موجود فقولت لمريم تنزل، وقعدنا في مكان أكلنا واتكلمنا شوية... (تذكر المطر وما حدث) وجينا نروح تعبت فجأة، أنا مكنتش أعرف إنها حامل، الحمد لله هي بخير، بس الجنين للأسف..."
"إيهاب: الحمد لله."
(أغمض عينيه لثوانٍ وتنفس نفسًا عميقًا)
"شكرًا يا زين. الحق شغلك أو اللي أنت جاي عشانه."
"زين: ومريم؟"
نظر إليه إيهاب باندهاش:
"إيهاب: أنا معاها يا زين، أنا جوزها."
"زين: آه... أنا همشي وهبقى أطمن عليها."
"إيهاب: تمام... بكرر شكري."
نظر زين إلى مريم نظرة أخيرة وكأن قلبه يرفض الرحيل، لكن الواقع كان أقوى. إيهاب رغم تهذيبه كان حازمًا في طلبه. لم يكن في كلمات إيهاب نبرة عداء، لكنه كان واضحًا وموقفه لا يقبل الجدل. تردد زين لحظة، عيناه لم تفارق ملامح مريم وكأنه يحاول حفظها في قلبه قبل أن يغادر، ثم أومأ بصمت دون كلمات وبدأ يتحرك نحو الباب بخطوات ثقيلة. قبل أن يخرج، التفت قليلًا، ألقى نظرة خاطفة أخيرة على مريم، ثم مضى وخرج من الغرفة وهو يشعر كأن جزءًا منه بقى هناك.
غادر المشفى وهو يحمل في قلبه شعورًا بالحزن وعجز قاتل.
بعد مغادرة زين بوقت قليل، استيقظت مريم وفتحت عينيها، تنظر حولها. رأت إيهاب يجلس بجانبها وهو ضامم كف يدها بين يديه الاثنتين. لمح استيقاظها.
"مريم: إيهاب..."
تحرك من مكانه وطبع قبلة أعلى رأسها ومرر أصابعه على شعرها:
"إيهاب: حمدلله على سلامتك. الدكتور طمني عليكي، هتبقي أحسن."
كان إيهاب يتحدث بهدوء، تفاجأت به مريم:
"مريم: إيهاب أنا..."
قاطع حديثها وقال:
"إيهاب: ممكن متتكلميش؟ مش مطلوب أي حاجة منك غير إنك ترتاحي دلوقتي، ممكن؟"
هزت رأسها. ابتسم إيهاب لها ابتسامة دافئة:
"إيهاب: هخرج أشوف الممرضة وأرجع على طول."
خرج إيهاب من الغرفة وأغلق الباب خلفه بهدوء، وترك مريم في سكون الغرفة وحدها مع مشاعرها الثقيلة. تبدلت ملامحها فجأة، لم تعد تملك التماسك أكثر. مدت يدها المرتجفة إلى بطنها وانفجرت دموعها. كانت تبكي بصمت، بكاء لا يسمعه أحد، لكنه يحرق أعماقها. لم يكن الألم في جسدها فقط، بل في قلبها وروحها، وعلى الذنب الذي حاصرها وأنها خذلت حياة كانت بين يديها. كل ما تشعر به في تلك اللحظة هو فقد ووحدة ومسؤولية ما حدث.
عادت مريم إلى المنزل محمولة بين صمت الحزن ورعاية إيهاب الذي لم يتركها لحظة. كان إيهاب حنونًا، يحاول أن يكون السند لها في تعبها. كان يجهز لها طعامها ويطمئن على أدويتها ويقول لها كلمات دافئة دائمًا، يحاول أن يعيد إليها ولو جزءًا من طمأنينة افتقدتها. كانت مريم جسديًا تتعافى، ولكنها نفسيًا تتآكل. رغم اهتمام إيهاب، لم يكن بوسعه تسكين ألمها. كانت تبكي كثيرًا كلما تكون بمفردها، وأحيانًا تنهار في لحظة. كانت نظراتها دائمًا شاردة، وكأنها تحاول أن تتوارى عن العالم. شعورها أنها خذلت طفلها ولم تستطع حمايته كان يعذبها.
كان زين يشعر بالعجز والقلق يزداد يومًا بعد يوم. يحاول أن يتواصل معها بأي وسيلة، لكن مريم لم تجب على اتصالاته، وكانت تجيب على رسائله بردود مختصرة، باردة، خالية من روح مريم المعتادة. كانت كلماتها قصيرة، لكن وقعها على قلب زين كان كبيرًا. كان يقرأ بين السطور ألمًا تحاول إخفاءه وجدارًا تبنيه لتبعده. أول مرة تبتعد مريم عنه هكذا، ولم يكن في استطاعته التواجد معها لتخفيف عنها.
بعد مرور شهران. تم تحديد موعد كتب كتاب زين وبسنت. في الإسكندرية، في منزل مريم. رن جرس الباب وفتحت سناء لتتفاجأ بمريم تقف أمامها. كانت ملامح مريم مرهقة، لكن على شفتيها ارتسمت ابتسامة صغيرة. احتضنتها سناء فورًا. كانت مريم في أمس الحاجة لهذا الحضن، أغمضت عينيها فيه كأنها تحاول أن تحبس دموعها أو تذيب كل ما يؤلمها فيه. دخلت مريم وهي تحمل حقيبتين سفر. دخلت بخطوات بطيئة، جلست في الصالة مع سناء.
"سناء: حبيبتي يا مريم، طمنيني عليكي، عاملة إيه؟"
"مريم: الحمد لله يا ماما."
"سناء: متعرفيش كنا هنموت من القلق عليكي."
"مريم: أنا قدامك أهو بخير، اطمني."
أمسكت يدها، ربتت عليها بلطف:
"سناء: أنا عارفة إن الموقف صعب ومؤلم. ماهو الأمومة مش بالساهل. وده رزق من ربنا، وزي ما رزقك مرة هيرزقك تاني وتالت ورابع. تمام؟"
"مريم: متقلقيش يا سناء، أنا كويسة وراضية بنصيبي."
"سناء: نصيبك خير يا حبيبتي. ربنا رزقك بزوج طيب وحنين وابن ناس، إن شاء الله هيراضيكم."
تنهدت تنهيدة قوية:
"سناء: أبو الكرم فين؟"
"مريم: في المطعم، هيكون فين؟ دا هيفرح إنك جيتي. أنا قلت له فرح زين هيجمعنا كلنا."
ابتسمت نصف ابتسامة:
"مريم: طيب، أنا هدخل أرتاح، السفر كان متعب ومنمتش كويس."
"سناء: ادخلي يا حبيبتي ارتاحي."
وقفت مريم وقالت سناء:
"سناء: إيهاب جاي إمتى؟"
نظرت إليها لثوانٍ:
"مريم: هيظبط دنيته ويجي."
"سناء: بصراحة توقعت إنكم نازلين مع بعض."
صمتت مريم:
"مريم: سيبيني أصحى لوحدي، ممكن يا ماما."
"سناء: حاضر يا حبيبتي، وعقبال ما تقومي هعملك عشا، أكلة بتحبيها."
دخلت مريم الغرفة، وقفت في المنتصف تحوم بنظرها في الأنحاء، ثم توجهت إلى السرير دون أن تبدل ملابسها. تمددت عليه ونظراتها ثابتة نحو السقف شاردة.
***
(فلاش باك من 3 أيام)
كانت مريم جالسة بصمت شاحب على الأريكة حين دخل إيهاب حاملًا كوب عصير. جلس بجوارها ووضع كوب العصير أمامها وقال والابتسامة على وجهه:
"إيهاب: هتخلصي الكوباية دي."
"مريم: قولت لك مش قادرة، حقيقي مش قادرة."
صمت للحظة:
"إيهاب: ليه بتعملي كده يا مريم؟"
"مريم: بجد مش قادرة."
نظر إليها بنظرات عتاب:
"إيهاب: ليه بتعملي في نفسك كده؟ إيه يستاهل في الحياة إنك تجبري نفسك على حاجة رافضاها وتعيشي في عذاب بالشكل ده؟"
صمتت مريم واستكمل إيهاب حديثه:
"إيهاب: إنتِ تستاهلي تعيشي سعيدة يا مريم، تستاهلي إن ضحكتك متختفيش، من حقك تختاري وتقرري هتعيشي إزاي وفين ومع مين؟"
"مريم: إيهاب أنا..."
"إيهاب: ممكن تسمعيني للآخر."
صمتت وتحدث إيهاب:
"إيهاب: مينفعش يا مريم الإنسان يجبر نفسه على الحياة مع شخص وقلبه وروحه مع شخص تاني."
صدمت مريم واستكمل إيهاب حديثه:
"إيهاب: الأول كنت بقول مستحيل، لكن مع الوقت، كل لحظة وكل موقف بيأكد لي إن زين في قلبك ومفيش مكان لأي حد تاني. مقاومتك وكدبك على نفسك وهربك هو اللي وصلك للحالة اللي إنتِ فيها دي. زين لما بيكون موجود مبتفتكريش غيره، ولما بيكون مش موجود مبتفكريش غير فيه. لدرجة رغم إنك عارفة الحركة غلط ليكي ممكن تأذيكي. نسيتي أول ما سمعتي صوته كان اللي عاوزاه تشوفيه وحصل اللي حصل."
انسابت دموعها وقالت:
"مريم: أنا آسفة يا إيهاب، أنا بتعذب بسبب كده، أنا اللي أذيت ابني بنفسي."
أمسك إيهاب يدها بين كفيه وضمها بدفء. رغم الألم الذي بداخله، كانت يده دافئة صادقة:
"إيهاب: اهدى، ممكن؟ ده عمر وأقدار، فكري فيه إنه كده. عمر وأقدار. أنا بحبك يا مريم، بحبك جدًا، ومحبتش في حياتي واحدة زيك، لكن مش ده سبب يخليكي تكملي حياتك معايا، تكملي حياة عبارة عن رد جميل وبس. عشان كده فكرت وبصعوبة أخدت قرار إننا هنطلق."
صدمت مريم وقال إيهاب:
"إيهاب: اسألي قلبك، هل هيقدر يكمل حياته معايا؟"
لم تنطق مريم سوى دموعها المنهمرة بدون توقف. ابتسم إيهاب ابتسامة خفيفة وقال:
"إيهاب: مش هيقدر، وأنا مش هقدر أغصبه يكون معايا. مريم، أي راجل لما يعرف إن مراته بتفكر في شخص تاني بيعمل جريمة أو بيخونها، وأنا لا هعمل كده ولا كده، لأني بحبك ولأني واثق إنه غصب عنك. ظروف علاقتك إنتِ وزين السبب. يمكن لو اتعرف من بدري إنكم مش إخوات، كنتِ هتكوني معاه، وأنا كنت هكون مجرد دكتور درست لكِ في الكلية واتشرفت بمعرفتك، مكنش كل الحاجات دي حصلت. لكن ده القدر واختباره، وإحنا بنختار. لو كملنا يا مريم، هكرهك، وأنا مش عاوز أكرهك، مش عاوز أشوه مشاعري اللي حسيتها تجاهك. فتخفيفًا عنك، أنا أخدت القرار الصح ليا وليكي، وإحنا كويسين جدًا."
صمتت مريم واستكمل إيهاب حديثه:
"إيهاب: القرار الانفصال لآني عاوزك تعيشي حياة سعيدة بجد فيها يا مريم، مش تمثلي السعادة. مهما عملت مقدرتش أحقق لكِ السعادة اللي محتاجاها، لأن ببساطة سعادتك في مكان تاني مع شخص تاني، للأسف مش معايا."
(تنهد تنهيدة عميقة)
"أنا حجزت لكِ تذكرة طيران ذهاب بس، وبكرة هنروح أنا وإنتِ نخلص إجراءات الطلاق."
"مريم: إيهاب أنا آسفة."
"إيهاب: لا لا، متتأسفيش. أنا اللي آسف إني كذبت إحساسي وكملت على وهم ممكن يكون حقيقة. إحنا أيوه هننفصل، لكن أنا موجود لكِ دايما، في أي وقت، هفضل في ضهرك كصديق. العلاقة الصح اللي كانت مفروض تستمر بينا هي الصداقة بس، لكن قلوبنا أوقات بيبقى ليها قرارات تانية. أنا موجود عشانك يا مريم، انفصالنا انفصال كزوجين، لكن كأصدقاء مستمرين."
لحظتها تكسرت أشياء كثيرة داخلها، واليوم وهي وحدها في غرفتها تستعيد تلك الكلمات، انسابت دموعها بغزارة، ليس فقط على ما فقدته، بل على ما لم تستطع الشعور به يومًا في زواجها.
***
في الشركة. كان زين يجلس في المكتب مع كريم يراجعان بعض الأوراق المهمة للعمل، وزين يحاول التركيز وإنهاء المهام المتراكمة عليه قبل زواجه.
"زين: هسلمك العقد ده، ومتطلبش مني حاجة لـ 3 شهور قدام."
"كريم: ليه 3 شهور؟"
"زين: عريس وهتجوز."
"كريم: كتب الكتاب بعد أسبوعين، وبعده بأسبوع الفرح، وهتسافر أسبوع عسل، وهترجع يعني كله شهر واسبوع. أسبوعين. مش 3 شهور إجازة جواز، مش إجازة وضع."
"زين: يا عم براحتي. آخد إجازة براحتي، من وقت ما اشتغلت هنا وماخدتش إجازات. اعتبرها مكافأة على اجتهادي في الشغل."
"كريم: إنت وبسنت هنكافئ موظفين بـ 3 شهور إجازة."
"زين: كريم صحصح كده، أنا شريك معاك. صحصح بدل ما أروح أشكي لحودا، وإنت عارف هيعمل إيه، هيقفل لك الشركة، ده فرحة ابنه الزغلول."
ضحك كريم وقال:
"كريم: ماشي يا عريس يا زغلول، ربنا يتمم لك على خير يا زيزو."
"زين: حبيبي يا كيمو، عقبالك ما تحصلني. ابقى قرصني يوم فرحي."
"كريم: لا، أنا موضوعي مختلف، مش هيتفك بالقرص."
"زين: أومال هيتفك بإيه؟"
"كريم: عمل سفلي. آخر ما زهق هاخد أي حاجة من ملك وأعملها عمل، أخليها هي اللي تطلب مني اتجوزها وأتنك عليها زي ما هي مطلعة عيني كده."
ضحك زين:
"زين: بصراحة، الله يكون في عونك. هتلين هتلين."
"كريم: اهو وراها لما أشوف آخرتها."
"زين: إن شاء الله تحصلنا أنا وميما وتدخل نادي المتزوجين."
تحدث باللامبالاة:
"كريم: مريم صحيح. دي شكلها قتلت جوزها وجت لوحدها."
"زين: مين دي اللي جت؟"
نظر إليه بتعجب:
"زين: مريم. هو أنت متعرفش إن مريم جت النهارده؟ جت لوحدها؟"
"كريم: جت؟ لا معرفش."
"زين: هو إنتوا مبتتكلموش؟"
"كريم: آخر فترة كان بينا رسائل، ولما كلمت إيهاب وعزمتهم على كتب الكتاب قال هيرتب ظروفه وهييجوا. قولت هييجوا قبل كتب الكتاب بيومين، مش بإسبوعين. وجت لوحدها. غريبة؟"
"زين: لا غريبة ولا حاجة، ممكن يكون مشغول جوزها وبعتها تغير جو بعد اللي حصل."
شرد زين للحظات وأغلق الملفات سريعًا:
"زين: أنا خارج..."
"كريم: رايح فين؟ مخلصناش."
"زين: راجع تاني."
غادر الشركة مسرعًا وكأن قلبه يسبقه. كل ما يشغله الآن هو الاطمئنان على مريم. رؤيتها بعينيه والتأكد أنها بخير بعد كل ما مرت به. وصل زين إلى باب المنزل. رن جرس الباب بلهفة. فتحت سناء الباب:
"سناء: زيزو."
"زين: مريم فين؟"
"سناء: فوق في السطح."
بدأ يصعد الدرجات بخطوات متسارعة، قلبه يدق بقوة، يكتاحه مزيج من الشوق والقلق عليها. فتح باب السطح بهدوء يتلفت بعينيه يبحث عنها، حتى لمح باب المرسم مفتوحًا وأدرك أنها بالداخل. تقدم ببطء، وجدها واقفة تنظر للمكان بشرود وكأنها غارقة في ذكريات لا تنتهي. لا تتحرك، فقط عيناها تتجولان في تفاصيل المكان.
"زين: ميما..."
انتبهت مريم لصوت زين. لم تلتفت فورًا، بل رفعت يدها تمسح دموعها، ثم التفتت إليه ببطء وابتسمت تلك الابتسامة التي تخفي خلفها ألمها.
"مريم: زيزو..."
دخل زين المرسم وكانت رائحة الغبار والتراب تملأ المكان. سعل بصوت خفيف لاستنشاقه الغبار الذي ملأ الأجواء:
"زين: إنتِ واقفة وسط التراب ده إزاي؟ تعالي اخرجي بره هتتعبي."
بعد لحظات، خرجا من المرسم وأغلقت مريم الباب، وجلسا على الأريكة ونظر إليها:
"زين: مالها عينك؟ معيطة؟"
"مريم: لا أبدًا، باين التراب دخل في عيني."
"زين: شوفتي. قومي اغسلي وشك، ولا أنزل أجيب لك قطرة للعين."
"مريم: لا مش لدرجة دلوقتي، عيني هتهدأ."
"زين: تمام."
(ابتسم)
"حمدلله على السلامة كده، متقوليش ولا حتى تبعتي رسالة."
"مريم: الترتيب جه فجأة."
"زين: إنتِ عاملة إيه؟ طمنيني عليكي. ردودك المختصرة مكنتش بتطمني على فكرة."
"مريم: الحمد لله كويسة."
"زين: مريم، إنتِ مقولتليش ليه إنك حامل؟"
صمتت مريم للحظة وكأن سؤاله خنجر طعن في صدرها:
"مريم: زين، ممكن منتكلمش عن الموضوع ده."
"زين: هو فيه حاجة حصلت؟"
"مريم: لا مفيش."
"زين: مريم... فيه حاجة، صح؟"
استمرت في الإنكار:
"مريم: لا مفيش."
"زين: طيب، دكتور إيهاب سابك تسافري لوحدك إزاي؟"
نظرت إليه لثوانٍ وسريعًا أجابت:
"مريم: مشغول، عنده معرض وسافر، هيخلصه وييجي. المهم، إيه أخبارك وإيه أخبار التجهيزات؟"
نظر إليها باندهاش، كان يشعر بوجود شيء تخفيه عنه، شيء يثقل صدرها، ولكنه لم يضغط عليها واكتفى بمراقبتها بهدوء وسايرها في الحديث رغم أنه بدأ عليه القلق:
"زين: تمام، كله تمام. إنتِ عارفة العريس آخره مشوار اتنين، لكن العروسة بيتهد حيلها. فبسنت الله يعينها بقى."
"مريم: وإنت سايبها لوحدها ليه؟ ليه مش معاها؟ هي هتتجوز لوحدها؟"
ضحك زين:
"زين: والله بعودة يا ميما. إحساسك إن كل البنات بنات خالتك وبتدافعي عنهم. لا يا ستي مش هتتجوز لوحدها، لكن فيه حاجات خاصة بالبنات مش هتحشر فيها، بيوتي سنتر وحاجتكم الغريبة. وبعدين مينفعش إحنا الاتنين نمشي من الشركة. على الأقل أنا أسد عني وعنها."
"مريم: آها. المهم متسبهاش لوحدها."
"زين: متقلقيش يا سيادة المحامي العام، مش هسيبها لوحدها."
ابتسمت نصف ابتسامة، وألقى زين نظرة على يدها، لم يجد خاتم الزواج:
"زين: فيه دبلتك؟"
تجمدت مريم لحظة، ارتفعت دقات قلبها بسرعة وبدت ملامح وجهها متوترة ومرتبكة. حاولت السيطرة على نفسها، وضعت يدها على اليد الأخرى لإخفاء مكان الخاتم وقالت:
"مريم: تحت. بعد ما خسيت بقى يقع كتير، فخفت يقع مني ويضيع، فشلته في الشنطة تحت."
"زين: إيهاب مش هيزعل كده؟"
نظرت إليه:
"مريم: أنا قولته وهو عارف خلاص يا زين."
تحدثت بعصبية:
"زين: مالك يا مريم؟ أنا بسألك عادي."
هدأت:
"زين: وأنا جاوبت عليك. يلا ننزل."
"مريم: يلا."
اندفعت مريم للمغادرة السطح بخطوات سريعة وكأنها تهرب من شيء ثقيل على صدرها. أما زين، فوقف مذهولًا، لم يقتنع بكلماتها، كان يشعر بوضوح أن هناك شيئًا تخفيه عنه.
***
في صباح اليوم التالي، قررت مريم أن تذهب إلى المطعم وتعود إلى طبيعتها حتى تظهر بمظهر طبيعي أمام الجميع، حتى لا تلفت الانتباه، ومحاولة إخفاء ما يثقل قلبها. استيقظ زين وقبل أن يتوجه إلى الشركة، قرر المرور على منزل مريم ليطمئن عليها. قبل أن يرن الجرس، فتح الباب وقابل كرم:
"زين: صباح الفل يا أبو الكرم."
"كرم: صباح الفل يا زيزو. رايح شغلك؟"
"زين: أيوه. دعواتك بالتوفيق."
"كرم: ربنا يكرمك ويوفقك إنت وكريم ويوسع رزقكم."
"زين: أمين. إنت رايح المطعم؟"
"كرم: أيوه."
"زين: مريم جوه؟"
"كرم: لا، مريم صحت من بدري ونزلت مع ملك. إنت عارف إنها مبتقعدش في البيت."
"زين: آها. طيب تمام."
رغم أن مريم كانت تبدو طبيعية في تصرفاتها، إلا أن زين شعر بقلق عميق، لم يكن مطمئنًا لما يحدث بالفعل.
في المطعم، تجلس مريم مع ملك، وفجأة تبدلت ملامح ملك لصدمة:
"ملك: بتقولي إيه؟ اتطلقتي؟"
"مريم: أهدي يا ملك، متلفتيش النظر لينا."
"ملك: إنتِ بجد اتطلقتي؟"
"مريم: أيوه."
"ملك: ومخبية ليه؟ هو ده حاجة تستخبى؟"
"مريم: مش عارفة أقولهم إزاي، أو معنديش طاقة أرد على أسئلتهم."
"ملك: معندكيش طاقة ولا مش هتعرفي تجاوبي عليهم؟"
"مريم: الاتنين."
"ملك: والحل؟"
"مريم: في وقت مناسب هعرفهم بعد فرح زين."
"ملك: ليه بعد فرح زين؟"
نظرت إليها:
"مريم: يعني خليهم يفرحوا، مش طالبة نكد ونظرات شفقة."
استدارت عين مريم وتحدثت ملك:
"ملك: ليه اتطلقتوا يا مريم؟ هو إيهاب عمل حاجة؟"
تنهدت مريم:
"مريم: ولا أي حاجة. أنا اللي عملت يا ملك، أنا..."
"ملك: عملتي إيه؟"
"مريم: معرفتش أحافظ على إيهاب ولا على بيتي ولا على ابني. معرفتش أحافظ على أي حاجة."
"ملك: ليه بتقولي كده؟ مريم، إنتِ كنتِ دايما بتقولي إنك مبسوطة وإنكم بخير والحياة بينكم جميلة."
تنفست نفسًا عميقًا وملامحها حزينة:
"مريم: إيهاب... إيهاب اللي كان بيعمل كل حاجة عشان نكون بخير، عشان حياتنا تكون جميلة، عشان أكون مبسوطة وسعيدة. إيهاب اللي كان بيعمل كل حاجة."
"ملك: وإنتِ؟"
"مريم: مش عارفة أقولها لكِ إزاي. أنا نفسي مش فهمني بجد. فاكرة لما اتكلمنا أنا وإنتِ وكريم، وقلتي مش هينفع أدّي حد حاجة أنا مش حاساها. مينفعش أجامل، بيكون حمل تقيل على روحي."
"ملك: أيوه."
"مريم: دي كانت حياتي مع إيهاب. رغم إنه مقصرش في حاجة، لكن أي حاجة كنت بعملها كانت مجرد رد جميل بس، أقول له شكرًا. عشان أعرف أبص له وأنا شايفاه طول الوقت بيفكر فيا وبس، وأنا حاسة إني متقيدة، مش عارفة أتحرك، ولو اتحركت بتكون بصعوبة وتقِل. عارفة مفاجآته وهداياه. مبفرحش بيهم غير لحظة. تأثيرها لحظة عشان ميزعلش بعدها، ولا أي حاجة."
"ملك: وده من أول ما اتجوزتوا ولا مع الوقت بدأتي تحسيه؟"
تنهدت تنهيدة عميقة:
"مريم: بعد جوازنا بفترة بقيت فاقدة الشغف في حاجات كتير. في أول جوازنا كنت ملهوفة على النزول وببقى سعيدة، معرفش فجأة حسيت كأني بطارية وفضيت، ومهما حاولت أشحنها مبتتشحنش. بشحنها شحن وهمي عشان إيهاب، عشان أحسسه إني تمام، تقديرًا لمجهوده الجبار اللي بيعمله، وده بيعذبني لأنه ميستاهلش المعاملة دي. لكن عارفة، لما جينا هنا المرة اللي فاتت، إحساس كان مختلف. حسيت اتردت فيا الروح. بتنفس بحرية وبهدوء من غير ما أفكر. كنت بعيش اللحظة بحقيقتها. لكن اتبخر الإحساس ده في المطار وأنا راجعة نابولي. عارفة إمتى كنت بحس إني بتنفس؟"
"ملك: إمتى؟"
"مريم: في المرسم اللي إيهاب عمله لي. كنت لما بدخل، بغمض عيني وأتخيل إني هنا معاكم، وفي أي لحظة زين هيدخل من الباب. لكن بصحى من الحلم لما اللي يدخل بيكون إيهاب."
صمتت مريم وتحدثت ملك:
"ملك: إنتِ من الأساس محبتيش إيهاب يا مريم."
نظرت إليها بصدمة:
"مريم: إيه اللي بتقوليه ده؟ أومال اتجوزته إزاي؟ لا حبيته."
"ملك: اللي حسيتيه اتجاه إيهاب هو انبهار. انبهرتي بشخصيته + إنه كان حلم من أحلامك تقابليه، وكنتِ بتسعي لتحقيق الحلم ده من دراستك وتخطيط لسفر تحضري معرض بتاعه، صح؟"
"مريم: أيوه، لكن..."
"ملك: مفيش لكن. إيهاب أيوه حبك، لكن إنتِ انبهرتي بـ إيهاب مختار اللي من صورة عندك في المرسم لشخص بيتكلم معاكي، سامعة صوته ونفسه. انبهرتي بشخصيته وقربه السريع ليكي مخلكيش تميزي مشاعرك وتحطيها تحت مسمى. والدليل على كده مكنش فيه فترة خطوبة، كان تعارف وجواز وسفر. ولما سافرتي كنتِ في أعلى درجات الانبهار، سافرتي ورحتي أماكن كنتِ بتحلمي بيها ومع مين؟ مع إيهاب مختار. لكن مع الوقت الانبهار قل تدريجي وفقدتي الشغف اتجاه الحاجات اللي كنتِ بتتمنيها. إنتِ نفسك قولتي فقدتي الشغف من كل حاجة، لأن خلاص انبهارك بيها اختفى. عارفة لو حبيته زي ما إنتِ بتحاولي تقنعي نفسك، مكنتيش فقدتي الشغف، بالعكس كنتِ هتحبي تروحي أماكن أكتر وتسافري أكتر وتجربي حاجات أكتر مع الشخص اللي بتحبيه، لأنك حابة تشاركيه ويشاركك اللحظة دي. زي إنتِ وزين من صغركم بتروحوا أماكن هي هي، مغيرتوهاش لغاية ما كبرتوا، وكل مرة بتكونوا إنتوا الاتنين في المكان بيبقى إحساسكم مختلف، سعداء، مرتاحين، مبسوطين. مزهقتوش ولا فقدتي الشغف. عارفه ليه؟"
"مريم: ليه؟"
"ملك: لأنها مش بالأماكن يا مريم. بالأشخاص. مش مهم إنتِ رايحة فين وهتكوني فين، المهم رايحة مع مين وهتكوني مع مين. مش بيقولك اختار الرفيق قبل الطريق، لأن الكنز في الرحلة، اللحظات اللي هتقضوها مع بعض اللي هتعمق علاقتكم، مش المكان."
كانت كلمات ملك لمريم وصف دقيق لعلاقتها بإيهاب. صمتت وقالت:
"مريم: الطلاق مينفعش يستخبى يا ملك، لازم أهلك يعرفوا."
"ملك: هقولهم. هقولهم."
***
مرت 3 أيام بدأت مريم فيها طبيعية. تستيقظ صباحًا وتذهب إلى المطعم مع ملك وتقضي يومها كاملًا هناك بين العمل والحديث مع ملك أو الجلوس بمفردها في زاوية. كانت تبتسم وتبدو طبيعية أمام الجميع، ولكنها كانت تتعمد ألا تكون بمفردها مع زين. كانت تتهرب كلما عرض عليها تناول الطعام بالخارج.
"مريم: متأكدة مش عاوزة؟"
"زين: لسه آكلة أنا وملك وشبعانة."
نظر إليها بتعجب:
"زين: كنتِ بتاكلي البيتزا حتى لو لسه آكلة يا مريم."
"مريم: أنا تقلت في الأكل، وبعدين الأيام جاية كتير."
"زين: دي 3 مرة أفضي نفسي عشان ناكل مع بعض وتزوقي. هو إنتِ خايفة نكون لوحدنا؟"
نظرت إليه باضطراب ولكنها حاولت التماسك:
"مريم: خايفة. أخاف ليه؟ هتاكلني؟"
"زين: لا... مثلًا تكوني مخبية حاجة وخايفة لما أزنقك تعترفي."
"مريم: هكون مخبية إيه يعني ها؟"
"زين: إنتِ قوليلي، مخبية إيه؟"
"مريم: ولا حاجة."
"زين: متأكدة؟"
نظرت إليه لثوانٍ والتفتت الاتجاه الآخر منشغلة بتوضيب طاولة:
"مريم: أيوه متأكدة."
وقف زين أمامها:
"زين: ليه حاسك بتكدبي؟"
"مريم: براحتك. بالنسبالي مفيش حاجة. ويلا بقى ارجع لشغلك، ولا روح شوف عروستك بتعمل إيه. المفروض تكون مشغول مش فاضي كده."
تحدثت مريم بنبرة حادة وقال زين:
"زين: بتوزعيني. ماشي. بس اعرفي إني عارف إنك مخبية حاجة وهعرفها. هعرفها يا مريم."
مغادر زين وإحساسه الداخلي أكد له أن مريم تخفي شيئًا مهم في قلبها لا تستطيع الإفصاح عنه، ووجودهم بمفردهم معًا قد يجعلها تنهار أو تبوح بما تود قوله.
في المطعم، في ركن هادئ، تجلس مريم بمفردها تضع سماعات الأذن، عيناها مثبتتان في نقطة بعيدة لا تنتمي للمكان. ملامح وجهها متبدلة بين حزن دفين وشرود ثقيل. كانت الموسيقى تتسلل إلى قلبها تلامس جرحًا لم يلتئم بعد، وكأنها تحاول أن تهرب من كل شيء حولها. على الطاولة المقابلة، يجلس كرم ومحمود يتحدثان، ولكن بين الحين والآخر كانت عينا كرم تتسلل نحو مريم بقلق واستغراب. لم يعتد رؤيتها هكذا ويشعر بخلل ما بها، ولكنها تخفيه. شيء ما تغير في ملامحها وروحها المعتادة، حتى ابتسامتها التي كانت تضيء المكان أصبحت تضع قناعًا يخفي ألمها. كان يشعر بالقلق تجاهها وتحدث محمود:
"محمود: مالك يا كرم؟"
"كرم: مريم يا محمود. من وقت رجوعها وفيها حاجة أنا مش فاهمها."
نظر محمود اتجاهها:
"محمود: مالها؟ زي الفل أهي. ولا عشان قاعدة لوحدها عادي على فكرة."
"كرم: لا فيها حاجة. حتى في البيت مبقتش تقعد معانا وبقت تدخل أوضتها. مبتتكلمش. مريم اللي كانت راديو بقت مبتتكلمش ولا بتهزر وتضحك زي الأول. بتضحك كمجاملة عشان الموقف يعدي. فيها حاجة أنا متأكد."
"محمود: طيب اسألها؟"
"كرم: سألتها، قالت مفيش حاجة. بفكر أكلم إيهاب؟"
"محمود: هتكلمه؟ هتقوله إيه؟"
"كرم: ممكن يكون فيه مشكلة بينهم، متخانقين مثلًا وهي مش عاوزة تقول. لو كده وطولوا ندخل إحنا الكبار نصلح الأمور بينهم."
"محمود: ممكن صح. خلاص كلمه."
حاول زين التحدث مع ملك لمعرفة سر مريم، ولكنه فشل لأن ملك أخبرته بعدم معرفتها، وذلك للحفاظ على سر مريم كما طلبت منها.
في مكتب الويدنج بلينر الذي ينظم كتب كتاب زين وبسنت. يجلس زين مع بسنت يراجعان آخر التحضيرات. كان زين شاردًا في حال مريم والغموض الذي يحيطها، بينما بسنت تتحدث بحماس مع الشخص المسؤول. لاحظت بسنت شرود زين:
"بسنت: إيه رأيك يا زيزو؟ ده أحلى صح؟"
"زين: ها... أيوه."
"بسنت: ده ولا ده؟"
"زين: أي حاجة تختاريها حلوة يا بسنت."
استأذن الشخص المسؤول وتحدثت بسنت:
"بسنت: مالك يا زين متغير كده وتركيزك مش موجود؟"
"زين: حاجة شاغلة دماغي كده."
"بسنت: في الشغل؟"
"زين: لا برا الشغل."
"بسنت: برا الشغل يعني مريم؟ لسه حاسس إنها مخبية عليك سر؟"
"زين: كل يوم إحساسي بيزيد."
"بسنت: هي حرة. إنت شاغل دماغك ليه؟"
"زين: يعني إيه هي حرة؟"
تعجبت بسنت من رد فعله:
"بسنت: يعني هي حرة. كل إنسان بيكون في حياته أسرار مخبيها عن كل الناس، محتفظ بيها لنفسه. ممكن يكون ده حاجة محتفظة بيها لنفسها. إنت مخبي حاجة أنا معرفهاش؟"
توتر زين:
"زين: حاجة إيه؟"
"بسنت: أي حاجة محدش يعرفها غيرك مثلًا."
هرب من الإجابة:
"زين: هو أنا فاضي يكون فيه أسرار."
"بسنت: هي بقى فاضية. ده حقها يا زين، سيبها براحتها. وخلينا في كتب كتابنا اللي بعد أسبوع ده."
***
ليلًا، عادت مريم إلى المنزل بخطوات هادئة ووجهه منهك، لا تتوقع شيئًا سوى لحظة راحة قصيرة بين جدران غرفتها. فتحت الباب ودخلت وتفاجأت بتواجد كرم وسناء ومحمود وسوسن. كانوا جالسين حينما دخلت، عيونهم مثبتة عليها وملامحهم مشدودة ما بين القلق والحزن والغضب. دخلت وألقت السلام:
"مريم: مساء الخير."
"العائلة: مساء الخير يا ميما."
"مريم: أنا داخلة أوضتي، محتاجين حاجة مني؟"
استوقفها والدها:
"كرم: استني يا مريم، عاوزينك."
تجمدت مكانها حين سمعت نبرة كرم الحادة. جلست أمامهم ونبض قلبها تسارع فجأة وكأن الهواء أثقل من أن يستنشق. حاولت الحفاظ على اتزانها:
"مريم: فيه حاجة ولا إيه؟"
تحدث محمود:
"محمود: مريم، إنتِ كويسة يا بنتي؟"
"مريم: الحمد لله."
"محمود: أكيد يعني؟"
"مريم: أيوه الحمد لله."
تحدثت سوسن:
"سوسن: إيهاب كويس؟"
صمتت لحظة:
"مريم: الحمد لله."
"سوسن: بتكلميه؟"
"مريم: يعني... ليه بتسألوا؟"
كانت سناء صامتة وعيونها حزينة وهي تنظر إلى ابنتها. تحدث كرم بنبرة حزن:
"كرم: بنسألك عشان نعرف ليه خبيتي علينا إنك اطلقتي يا مريم."
شعرت مريم بشيء ينكسر داخلها وارتجفت أنفاسها، وما كانت تخفيه قد انكشف فجأة:
"مريم: مين قالكم؟"
تحدث كرم:
"كرم: إيهاب. اتصلت به، كنت فاكر فيه مشكلة بينكم ومزعلك، قولت ندخل إحنا الكبار نحلها، لكن لقيته بيعتذر لي، كان فاكر إنك قولتي لنا إنكم اطلقتوا. ليه مقولتيش يا مريم؟ إيه حصل وصلكم للطلاق؟"
لم تنطق. لم تبك، لكنها شعرت أنها صغيرة وهشة محاصرة بأسئلة لم تعد تملك طاقة لإجاباتها، ووسط العيون المتسائلة شعرت مريم للمرة الأولى بأنها وحيدة حقًا. أعاد كرم عليها السؤال مرة أخرى:
"كرم: مقولتيش ليه يا مريم؟"
انفجرت مريم وتحدثت بغضب:
"مريم: مقولتيش ليه يا مريم؟ مقولتيش ليه يا مريم؟ مقولتش عشان السؤال ده؟ عشان القاعدة دي مقعدهاش وكأني بيتحقق معايا. مقولتش ليه لآني مش عاوزة أقول ببساطة. أصل هقولكم إيه؟ هقولكم لآني فاشلة، فشلت أكون زوجة. فشلت أحافظ على بيتي وعلى إنسان كويس جدًا."
(وضعت يدها على بطنها)
"فشلت أكون أم. أهو قولتلكم وعرفتوا خلاص كده، أتمنى الإجابة تكون وصلت."
غادرت مريم المنزل ودموعها تنساب بلا توقف. ارتسمت على وجوه الجميع ملامح الحزن العميق والأسى، كأنهم يشاطرونها ألمها ويشعرون بثقل ما حدث. صمت ثقيل خيم على المكان. تحدثت سناء:
"سناء: شوفيها يا محمود راحت فين."
تحدث محمود:
"محمود: أكيد طلعت السطح زي العادة، سيبوها لوحدها دلوقتي لغاية ما تهدأ، البنت شايلة كتير جواها لوحدها ومبتتكلمش."
تحدث كرم بحزن:
"كرم: أنا كنت متأكد إن فيها حاجة، كنت متأكد."
تحدث محمود:
"محمود: اهدى يا كرم. مريم معانا ووسطنا، هتبقى بخير، متقلقش، إحنا مش هنسيبها لوحدها."
عاد زين إلى المنزل لم يجد محمود وسوسن. توجه إلى منزل مريم. فتحت سناء الباب وملامحها كانت تحمل حزنًا عميقًا، فشعر زين بقلق يعتصر قلبه. دخل وجلس معهم وعلم بالسر الذي كانت مريم تخفيه (طلاقها). تجمد زين مكانه واحتاجته مزيج من مشاعر الصدمة والحيرة والألم. سأل عليها وعلم أنها في السطح. صعد زين إلى السطح يركض بخطوات سريعة باحثًا عنها بنظرات يملؤها القلق، لكن السطح كان خاليًا. وقف للحظة يلتقط أنفاسه ويحاول أن يهدأ ليفكر أين يمكن أن تكون ذهبت في ذلك التوقيت. غادر السطح وقابل كرم:
"كرم: مريم فوق؟"
"زين: لا مش فوق."
ارتسمت ملامح القلق على وجه كرم:
"كرم: هتكون راحت فين لوحدها كده؟"
"زين: اطمن، أنا عارف ممكن تكون فين. هوصل وهطمنكم."
توجه زين إلى مكانين ربما تكون ذهبت إليهما ولم يجدها، وجاء على باله الشاطئ. اتجه نحو الشاطئ الذي جمعهما ذكريات كثيرة، وبالفعل وجد مريم جالسة على الرمل أمام البحر بمفردها، قدماها مضمومتان إلى صدرها، تنظر إلى البحر بشرود والنسيم يلعب بخصلات شعرها. حين لمحها زين، وقف وتنفس بعمق وكأن صدره تحرر من عبء ثقيل. أخرج هاتفه بهدوء وأرسل رسالة نصية إلى كرم ليطمئنه أن مريم معه. أغلق الهاتف ووضعه في جيبه، ثم بدأ يتحرك نحوها بخطوات بطيئة. كانت عيونه معلقة بها بكل تفصيلة منها. جلس بجانبها بصمت والتفتت مريم وتفاجأت بوجوده:
"مريم: زين... إنت بتعمل إيه هنا؟"
"زين: بشم هوا."
"زين: مبهزرش."
"زين: ولا أنا. خلصت شغل وكنت عاوز أفصل قبل ما أرجع البيت، قولت أجي أقعد هنا أفضي دماغي شوية. لقيتك قاعدة، قعدت جنبك. إنتِ بقى هنا بتعملي إيه؟"
صمتت لثوانٍ وقالت:
"مريم: ولا حاجة، كنت بتمشى ورجلي جابتني هنا."
"زين: بتتمشي في وقت متأخر كده. إنتِ قلبك جمد، هو الإيطاليين قلبهم جامد كده."
"مريم: عاوز إيه يا زين؟"
"زين: مالك بتقفشي كده ليه؟ بنتكلم... بنتبادل أطراف الحديث يا شق."
"مريم: أنا مش رايقة للرغي ولا الكلام، عاوزة أقعد ساكتة."
"زين: خلاص اقعدي ساكتة، وأنا كمان هسكت وهعتبره يوجا لتصفية الذهن."
جلسا سويًا على الرمال والأجواء صامتة. مريم كانت تنظر إلى الأفق، عيناها تائهتان كأنها تبحث عن شيء أو تحاول الهرب من وجع لا تريد التحدث عنه. ملامحها هادئة، لكن في هدوئها صخب لا يسمع. أما زين، فكان ينظر إلى البحر وإلى مريم بصمت، وكأنه يحاول قراءة ما خلف ذلك السكون. في ذهنه ألف سؤال، ولكنه كان يسكت كل سؤال قبل أن يخرج، لم يكن يريد أن يكسر تلك اللحظة التي اختارتها هي، لحظة صمتها. كانت الرغبة بالبوح تحترق بداخله، لكنه احترم رغبتها، لم يضغط عليها، فقط جلس إلى جانبها في صمت.
بعد مرور وقت تحدثت مريم بصوت خافت:
"مريم: إنت هتفضل جنبي كده؟"
"زين: أينعم. عندك مشكلة؟"
"مريم: هتستفاد إيه من القاعدة؟ روح البيت أحسن وارتاح."
"زين: وهو أنا اشتكيت لك؟"
"مريم: براحتك."
"زين: في سؤال عاوز أسأله."
"مريم: سؤال إيه؟"
"زين: ليه مقولتيش إنك اطلقتي؟"
نظرت إليه بحدة:
"مريم: يعني مش جاي من الشغل؟ إنت جاي من البيت بعد ما عرفت منهم وجاي عشان تسألني؟ بص خليك إنت، أنا همشي."
أمسك يدها ووقف:
"زين: رايحة فين؟"
"مريم: أي مكان محدش فيه هيسألني عن أي حاجة."
"زين: خلاص اعتبرني مسألتش. سحبت السؤال. رغم إني هعرف الإجابة، بس مش مستعجل."
"زين: مريم، بجد أنا مش قادرة أتكلم."
"زين: وأنا مقولتلكش اتكلمي. اسمعي، ممكن؟"
"مريم: نعم؟"
"زين: زي العادة. أنا هتكلم وإنتِ تسمعي."
(أمسكها من يدها وعادوا جلسوا)
"زين: انهاردا كان فيه ميتنج مع عميل. الدغ في حرف الراء، عارفه بينطقه إيه؟ غاء. فأنا استغل الفرصة وكتبت في العقد أغلب الكلمات فيها حرف الراء، وهو بيقرأ البنود، تخيلي الموقف."
كانت مريم تنظر إليه في صمت وتحدث زين:
"زين: بقولك تخيلي الموقف. هتخيله لك أنا."
كان زين يتحدث بحيوية، يحكي الموقف بطريقة طريفة ويقلد صوت الرجل. كانت مريم تستمع له. في البداية كانت تكتفي بابتسامة خفيفة، لكن شيئًا فشيئًا بدأت تضحك بصوتها المعتاد. توقف عن الحديث:
"زين: أنا جعان. إنتِ جعانة؟"
"مريم: مليش نفس."
"زين: لما هتشوفيها هيبقى ليكي نفس."
"مريم: إيه دي؟"
"زين: هو في غيرها حبيبتك؟ البيتزا."
أخرج هاتفه وطلب البيتزا، وبعد نصف ساعة جاء عامل التوصيل وفتح زين علبة البيتزا:
"زين: الله على ريحتها وهي سخنة."
"مريم: بالهنا."
أمسك قطعة من البيتزا:
"زين: بالهنا علينا أنا وإنتِ."
واقترب بها لفم مريم وأصر أن تتناولها:
"زين: افتح يا فيل يا صغنن، فين الزلومة الحلوة."
ابتسمت مريم على طريقة زين الكوميدية وفتحت فمها وقال:
"زين: الفيل الصغنن بتاعنا، شاطورة."
بدأ يتناول الطعام واستمر زين يحكي المواقف الطريفة التي حدثت له ويقلد الأصوات ويروي تفاصيل مضحكة، ومريم كانت تستمع له. في البداية كانت تبتسم، ثم بدأت تضحك بصوتها المعتاد، ضحكة خرجت من قلبها نقية وصافية، كأنها لحظة نقاء وسط عاصفة. كان زين ينظر إليها وهو يتحدث وكأن ضحكتها هي مكافأته الحقيقية. استمر يحكي بحماس ويتأكد من مريم تناولها البيتزا. بينما مريم، لأول مرة منذ فترة طويلة، شعرت أنها قادرة على التنفس بحرية في وجود زين. وسط كلماته وبين ضحكاتهما المشتركة.
***
في الشركة، يجلس زين شاردًا ولاحظ كريم:
"كريم: أيوه يا عريس، سرحان في شهر العسل وكده."
"زين: بتقول إيه؟"
"كريم: ده إنت مش هنا خالص. إيه شاغل بالك؟ متقلقش، كل حاجة ماشية كويس وكتب الكتاب هيبقى جامد والحفلة اللي بعده الإسكندرية هتتكلم عليها."
لم يعطِ زين أي رد فعل وتحدث كريم:
"كريم: ده الموضوع كبير. طيب قول ونفكر بصوت عالي، بتفكر في إيه؟"
"زين: بفكر أأجل كتب الكتاب إزاي؟"
"كريم: إيه..."
يتبع...
رواية توأم روح الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم يارا سمير
فى الشركة يجلس زين شاردًا، ولاحظ كريم:
_ أيوه يا عريس، سرحان في شهر العسل وكده.
_ بتقول إيه؟
_ دا أنت مش هنا خالص، إيه شاغل بالك؟ متقلقش، كل حاجة ماشية كويس وكتب الكتاب هيبقى جامد والحفلة اللي بعده إسكندرية هتتكلم عليها.
لم يعطي زين أي رد فعل، وتحدث كريم:
_ دا الموضوع كبير، طيب قول ونفكر بصوت عالي، بتفكر في إيه؟
_ بفكر أجّل كتب الكتاب إزاي؟
اتسعت عين كريم من الصدمة وقال:
_ أنت بتقول إيه؟ سامع كلامك، تأجل إيه دا بعد أيام خلاص، كل حاجة اتجهزت، في إيه؟
صمت زين، وتحدث كريم:
_ لا اتكلم، عرفني وفهمني في إيه؟ أنت وبسنت اتخانقتوا؟ في حاجة حصلت منعرفهاش؟ عرفنا نلحق نلم الدنيا.
_ لا مفيش حاجة حصلت وأنا وبسنت كويسين.
_ في إيه طيب فهمني؟
نظر إليه، كان مترددًا، وقال بعد صمت دام ثوانٍ:
_ مريم.
_ مالها مريم؟ هي قالت حاجة؟
_ لا مقالتش، بس أقصد بالظروف اللي بتمر بيها دي إزاي نفرح ونهيص وكده، يعني حابب تكون مريم اللي عارفينها تفرح معانا بجد.
_ ومين قالك إن مريم مش هتفرح بجد؟ ما ممكن فرحك دا مناسبة حلوة تدخل الفرح البيت ويخرج الطاقة السلبية و...
صمت كريم للحظة وحدق بعينيه لزين:
_ زين، هو أنت لسه بتفكر في مريم؟
صمت زين، وكانت ملامح كريم خليطًا من الصدمة والذهول، وكأن الزمن توقف لوهلة. جلس بلا حراك يحدق في زين بعينين متسعتين من الذهول:
_ زين، زين مينفعش هزار في الموضوع دا، كتب الكتاب بعد 4 أيام خلاص.
_ عارف، عارف إنه بعد 4 أيام، لكن جوايا صوت بيقول لي يتأجل، مش وقته.
_ لا تخرس الصوت دا، تخرسه خالص، أنت بتعمل إيه فاهم، بتعمل إيه؟ أنت عاوز تدمر بسنت فجأة كده؟
_ أنت بتقول إيه يا كريم، أدمر مين؟ هو أنا قولت هسيبها؟ بقول يتأجل، يتأجل شوية، محصلش حاجة، فرضًا نعتبر حاجة حصلت، أنا اتعرضت لحادثة، هل هيتم كتب الكتاب ولا هيتأجل؟ أنا أقصد كده، تأجيل.
_ وبعد التأجيل، هيجيب تأجيل تاني وتالت ورابع لحد ما تفركش صح.
_ كريم أنت مش فاهمني.
_ أنت اللي مش فاهم كلامك، زين ركز كده واثبت، أنت مبقتش صغير، أنت راجل كبير مسؤول وبسنت بتحبك، وأنت بتحبها لأنك أنت اخترتها، محدش جبرك، أنت اللي قولت هخطب بسنت، ولا رجوع مريم وطلاقها لعبلك في دماغك وقال فرصة وكده؟ أساسًا مريم متعرفش أي حاجة عن مشاعرك، ولو على معاملتها أنا شايف إنها بتتعامل عادي زي ما كنتم بتتعاملوا من زمان، أنت اللي جواك مختلف، أنت المسؤول عنه، مينفعش غيرك يتحمل مسؤولية عدم اتزانك.
_ أنا غير متزن يا كريم؟
_ أيوه، اللي بتعمله دا اسمه عدم اتزان، استهدى بالله كده وسيب كل حاجة ماشية زي ما خططتلها وربنا رايد، وبسنت بنت حلال متستاهلش تتجرح حتى بكلمة.
ساد الصمت بينهما، وكأن الهواء ثقل فجأة، والكلمات التي كان زين يبحث عنها لتبرير مشاعره اختنقت في صدره. كان كلام كريم صادقًا وعقلانيًا، لكن قلب زين لم يكن عقلانيًا هذه المرة، وما يشعر به لا أحد يفهمه. لم يجب واختار الصمت.
كانت مريم منذ عودتها تقضي يومها في المطعم مع ملك، تشغل نفسها بالعمل والطلبات وتوجه العاملين. رغم ابتسامتها الظاهرة، كانت في الحقيقة تهرب من مواجهة الفراغ الذي يسكنها، فكانت تشغل نفسها في المطعم حتى لا تمنح نفسها فرصة للتفكير أو الانهيار. زين كان يوميًا يمر كل صباح، يدخل بهدوء ويبحث عنها ويجلس معها لبعض الوقت. يتحدثان قليلاً، وتنضم إليهم ملك وكريم، ويغادر زين إلى العمل. كان يكفيه أن يراها ويطمئن عليها.
في يوم في منتصف اليوم، ذهب زين إلى المطعم، كانت مريم منغمسة في العمل على اللابتوب. سحب كرسيًا وجلس أمامها، وتفاجأت مريم بظهوره:
_ يابني كذا مرة أقولك اتنحنح، اعمل أي صوت، متخضنيش كده.
_ أتحنح، ليه هغنيلك؟
_ عسل.
_ مش محتاج أعرف، عارف من زمان، عاملة إيه؟
_ الحمد لله.
_ هما ما صدقوا إنك ترجعي ولا إيه؟ ملك خلعت من الشغل وسابتهولك؟
_ لا ابدأ، أنا اللي عاوزة كده، عاوزة أشغل دماغي عن التفكير، والشغل أحلى حاجة.
_ لكن في حاجة تانية ممكن تعمليها وهتشغل دماغك عن التفكير، أو بمعنى أصح هتفصلك عن الواقع وتعيشي في عالمك الخاص.
_ إيه الحاجة دي؟
_ الرسم.
صمتت مريم، واستكمل زين حديثه:
_ من وقت ما رجعتي مدخلتيش المرسم بتاعك ولا مسكتي الألوان ولا رسمتي خط واحد، ليه؟
_ إجازة شوية.
_ إجازة خلصت.
_ نعم؟
_ زي ما بقولك كده، المرسم هو ملاذك الوحيد اللي بتقدري تطلعي فيه كل حاجة حساها، رغم إنك محكتيش إيه اللي حصل بينك وبين إيهاب، أو بمعنى أدق اللي أنتِ مخبياه عليا، على الأقل بدل ما تكتميه جواكي، خرجيه في الرسم، اتكلمي مع لوحاتك زي ما كنتي بتعملي.
_ أنت ليه مصمم إن في حاجة؟ أنا وإيهاب انفصلنا زي أي اتنين بينفصلوا بهدوء، هو لازم خناق ونفرج الناس علينا.
_ مش عاوز أعرف يا مريم، لأني متأكد إن في يوم هعرف كل حاجة، لكن دا مش قضيتنا دلوقتي، عرفيني هترجعي إمتى للرسم.
_ شوية كده.
_ اللي هما قد إيه؟
_ يعني يا زين، شوية، وبعدين المرسم محتاج تنضيف وكده، لما أفضي هبقى أنضفه وأجيب أدوات جديدة.
_ ماشي، هنشوف.
ظل زين عيناه ثابتتين على مريم، وهي أدركت ذلك وقالت:
_ أنت هنا ليه، مش كنت هنا الصبح؟
_ هو أنا ليا مرة واحدة أجي هنا ولا إيه، دا سيستم جديد.
_ مش طالبة لمضة، مش أنت قولت عندك موعد مع بسنت عشان تقيس البدلة؟
_ أيوه، هي اتصلت هتتأخر شوية في بروفة فستانها، فقولت أعدي هنا أشرب حاجة أو آكل حاجة لحد ما تخلص وأروح لها.
_ طيب كويس.
_ ميما، تيجي نروح نضرب كبدة وسدق في الانجاز.
_ ابقى اضربه مع خطيبتك، مش هتقابلها، كلوا مع بعض، وكده كده أنا لسه آكلة.
عاد بظهره واستند للخلف وخبط بقبضة يده على الطاولة:
_ على فكرة كده مش فير، كل ما أقولك تعالي نروح ناكل ولا نتمشى بترفض وتخلعي، على فكرة أنا اللي هدفع.
_ أنت بتيجي في آخر اليوم، بكون فاصلة خلاص وعاوزة أنام.
_ قبل كده كان عادي على فكرة.
_ كان ساعتين في المطعم والباقي في السطح، وأغلب الوقت كنا بناكل في السطح عند المرسم.
_ أها، تمام.
رن هاتفه:
_ أنا همشي.
_ سلم لي على بسنت.
_ يوصل، خلي موبايلك في إيدك، هبعتلك الصور تقولي لي رأيك بما إنك مش عاوزة تيجي معايا، معرفش ليه؟
_ أنت خارج مع خطيبك، أنا هبرشط عليكم ليه؟ أنت عبيط بجد؟ زين ركز، أنت هتتجوز، هتتجوز فاهم يعني إيه؟ هي الأحَق بتركيزك واهتمامك. (صمتت للحظة) متعملش زي ناس بتهمل اللي معاهم وبيضيعوا عشان سراب، متبقاش زيهم. (كانت تتحدث إشارة إلى تجربتها مع إيهاب) حافظ على بسنت وعلى لحظاتك معاها.
نظر إليها زين نظرات ممزوجة بالحزن والغضب. لم يجد كلمات ليتحدث بها، فتنفس نفسًا عميقًا وقال:
_ خلي التليفون معاكي، لأنك لو مردتيش هاجي أجيبك عافية، سواء معايا بسنت أو لأ. سلام.
نظرت إليه بدهشة:
_ لسع بجد.
قابل زين مع بسنت وتوجها إلى محل الأزياء، وجلسا في قاعة الانتظار داخل محل الأزياء، وبينه يديه كتيب صغير يضم نماذج للبذلات ووضعه جانبًا:
_ هيتأخر ولا إيه؟
_ الموعد دا بتاع حد تاني، وهو معاه يخلص وهيقابلنا، وبعدين إحنا قاعدين مع بعض.
_ معنديش مشاكل نقعد مع بعض، لكن في أي مكان مش هنا، وبعدين أنا عندي مشوار عاوز أنجزه قبل الساعة 9.
_ مشوار إيه؟ إحنا مخلصين كل حاجة؟
_ لا دي حاجة خاصة بالبيت عندنا. المهم أخبار الفستان إيه؟ مش هتوريهولي برضه؟
_ أيوه مش هتشوفه إلا يوم كتب الكتاب، بيقولوا فال وحش العريس يشوف الفستان قبل الفرح.
_ طيب ما أنتِ معايا هتشوفي البدلة، دا فال حلو يعني ولا هتجوز عروسة تانية.
ضحكت بسنت:
_ هما قالوا لي كده. بص هوريك جزء منه.
وهي تفتح الهاتف لعرض الصور على زين، كانت تتحدث بحماس وسعادة عن فستانها وتتخيل نفسها وهي ترتديه وتصف له تفاصيل الطرحة. كان زين ينظر إليها مبتسمًا ويرد بكلمات قليلة، صوته هادئ، لكنه في الحقيقة لم يكن حاضرًا تمامًا في داخله، كانت مريم شاغلة تفكيره، يتذكر حينما في الماضي كانت مريم تصف فستانها الأبيض الذي رسمته بيدها وعن أحلامها الصغيرة. رغم محاولته للتركيز مع بسنت، ظل قلبه مشدودًا لمكان آخر واسم مختلف وصوت مختلف وصورة لا تزال.
شرد للحظات، وتحدثت بسنت:
_ زين.
_ أيوه يا مريم، أقصد يا بسنت.
_ مريم؟ أنت كنت سرحان في مريم؟
_ وضعها شاغل دماغي من بعد الطلاق، وهي مش نفسها، حد تاني خالص.
_ ما تجربة الطلاق مش سهلة برضه يا زين، بس هتاخد وقتها، وهي بتنزل المطعم يعني مش عازلة نفسها.
_ أيوه فعلًا كويس.
وضعت يدها على يده:
_ أنا عارفة إن مريم مهمة عندك، وقلقك عليها من خوفك عليها، لكن اطمني، هتبقى كويسة.
_ إن شاء الله. فين ديل الفستان ولا دا مينفعش؟
ضحكت بسنت:
_ اتفرج يا لمض.
في تلك اللحظة، دخلت لهم الموظفة وأخبرتهم بالسماح لدخولهم لموعدهم. قال زين:
_ حتى ديل الفستان مش عاوزني أشوفه.
ضحكت بسنت وتوجها إلى الداخل. دخل زين غرفة القياس، ساعده أحد الموظفين في ارتداء البذلة، كانت بذلة أنيقة. وقف أمام المرآة يعدل في ياقة القميص ويصفف شعره بيده، ثم التقط هاتفه والتقط بعض الصور وأرسلها مباشرة إلى مريم، ووقف ينتظر ردها. أجابته برسالة قصيرة عبرت عن مدى إعجابها.
تحدثت بسنت:
_ قالت إيه؟
_ سألتني الأول بسنت قالت إيه، قولت له عجبتها، قالت وأنا مع بسنت.
_ حبيبتي ميما.
_ اتفقتوا عليا.
_ مقدرش.
_ بس على فكرة قالت لي الملاحظة اللي قولت لك عليها في البدلة، أنتِ قولتي لي عادي، هي قالت ظبطها أكتر.
ضحكت بسنت:
_ مريم حافظاك أكتر مني.
_ عاوز أقولك طول عمرنا كنا بنجيب هدومنا لبعض، فـ عارفين ذوق بعض والألوان وإيه مناسب وإيه لأ.
_ أها، عشان كده كنت بتاخد رأيها دايما في أي حاجة.
_ ممكن تقولي تعود.
اقتربت بسنت نحوه وقالت بصوت خافض:
_ طيب هتتعود على ذوقي إمتى، ولا ذوقي وحش؟
ابتسم زين:
_ لما نتجوز هتعود، فهمي، نظمي، رسمي.
ضحكت بسنت واقترب نحوهم المصمم وتحدث معه زين وأخبره بالملاحظات وغادرًا المكان.
ذهب زين وبسنت إلى إحدى المطاعم وجلسا يتناولان الطعام وتبادلا أطراف الحديث. قام زين بإيصال بسنت إلى منزلها وابتسم لها بود، ثم تحرك بسيارته نحو المنشية، وكأن وجهته الحقيقية بدأت الآن. مر على عدة محال واختار بعناية أدوات ومستلزمات الرسم، عبوات ألوان وفرش متعددة الأحجام وأوراق ولوحات جديدة، وحتى قطع ديكور وإضاءات بسيطة تضيف روحًا للمكان. حمل الأكياس بحماس مختلف، كأن كل أداة يشتريها تمثل له خطوة نحو مريم. عاد إلى المنزل وصعد مباشرة إلى السطح. فتح باب المرسم واستقبله الغبار والعشوائية. لم يتوقف، بدأ في التنظيف بحيوية، مسح الأرضية ونظف الزوايا ورتب الطاولات ووضع الأدوات الجديدة في أماكنها بعناية. علق بعض اللوحات الفارغة وترك الزاوية المفضلة لمريم كما تحبها تمامًا. استغرق الأمر ساعتين من العمل المتواصل حتى وقف أخيرًا وسط المكان يتأمل النتيجة بسعادة. كان المرسم ينبض به الحياة من جديد. ابتسم وهو يتخيلها عندما ترى المفاجأة وتجلس مكانها وترسم ويعاد الحياة مرة أخرى إلى السطح، أو بمعنى أصح تعاد الحياة إلى قلبه.
نظر زين إلى الساعة المعلقة على الحائط، كانت تقترب من التاسعة مساءً، موعد انصراف مريم المعتاد من المطعم. شعر بقلبه ينبض بسرعة، وكأن الوقت يركض لا يتحرك. التقط مفاتيحه وتحرك بخطى سريعة نحو الباب. قاد سيارته باتجاه المطعم وعيناه تلمعان بشوق لم يخفه التكرار. لم يكن يعلم ما سيقوله، لكنه كان يعرف أنه يريد أن يكون هناك الآن.
دخل المطعم وكانت مريم تعمل على اللابتوب، وما أن رفعت رأسها للحظات حتى تفاجأت بوجود زين أمامها للمرة الثالثة في اليوم. تجمدت مكانها لحظة واتسعت عيناها وتداخلت مشاعر الاستغراب بالدفء. اقترب نحوها وقالت:
_ في إيه؟ هو أنت مضاد حيوي 3 مرات في اليوم؟
_ أيوه، جيت عشان تاخدي جرعتك للاستشفاء.
ضحكت:
_ لا أنت جاي توزع عسل.
تحركت من مكانها وأوقفها زين:
_ خلصتي شغلك صح؟
_ لا.
_ لا إيه؟ مش أنتِ بتمشي 10؟
_ همشي مع ملك وبابا، هنقفل 12، النهاردة الخميس، أنت ناسي؟
_ آه صح، إحنا بنطول في الويكند. مش مهم، اخلعي منهم وتعالي معايا.
_ اخلع وأجي معاك فين؟
_ هخطفك.
_ لا والله، مش رايقة لهزارك.
بحث زين عن حقيبتها والتقطها بيده وأمسك يد مريم بيده الأخرى وجذبها للخارج، وقال لملك بصوت عالٍ:
_ مريم مش موجودة يا ملوكة.
جذب مريم إلى السيارة وصعدت السيارة وهي تحاول أن تفهم منه ما يفعل. تحرك بالسيارة وأخبرها أن تصمت حتى يصلا. لاحظت مريم اقترابهم من المنزل ووقفت السيارة أمام البناية. نظرت له بغضب:
_ يعني أنت ساحبني زي البقرة عشان ترجعني البيت؟ ما أنا كده كده راجعة.
_ اهدى كده ويلا معايا.
_ يلا معاك إيه وفين؟
_ يلا اسمعي الكلام.
غادرا السيارة وصعدا السلم، وكان زين يقبض بيده يد مريم خوفًا من هروبها. صعدا درجات السلم حتى وصلا إلى السطح ووقفت مريم:
_ أنت جايبني عشان السطح؟ (نظرت حولها، كان كل شيء كما هو، المكان نظيف ومرتب) ماله السطح، مفيهوش حاجة.
وقف زين:
_ غمضي عينك.
_ إيه؟
_ كتك أووه، غمضي وانتِ ساكتة، أنا نسيت أجيب رباط لعينك، ينفع الشراب.
_ الله يقرفك.
_ شكرًا، يلا غمضي عينك.
_ زين، خض وفزع مش طالبة.
_ عيب عليكي، مفيش كده، المرة دي بس، ممكن المرة الجاية، كويس إنك فكرتيني، شاطرة.
_ يا سلام؟
_ أيوه، حاجة تنشط الدموية كده، المهم خلينا في دلوقتي، غمضي عينك ونجزي، بقيتي تفرهدي يا مريم، انجزي.
أغمضت عيناها، أمسك يدها زين:
_ وغلاوتي عندك، متفتحيش عينك غير لما أقولك، ماشي؟
_ حاضر، بس انجز.
_ تمام.
تحركا إلى أمام المرسم وقال لها:
_ فتحي عينك.
فتحت عيناها، وجدت نفسها أمام باب المرسم، وكان معلق رسمة جديدة لطيور.
_ أنت جايبني عشان أشوف دا؟ جميل، خلاص انزل.
_ أنتِ بتجري ليه كده؟ احترمي المجهود شوية.
_ مجهود إيه؟ نضفت الباب ولزقت عليه الرسمة، جميل.
_ افتحي الباب وهتعرفي.
نظرت إليه:
_ عملت إيه؟
ابتسم لها وقال:
_ شوفي بنفسك.
فتحت مريم باب المرسم ببطء وزين يقف خلفها ليراقب رد فعلها. وما أن خطت إلى الداخل حتى توقفت مكانها واتسعت عيناها بدهشة خالصة. كانت الأرضية نظيفة والغبار اختفى، وكل زاوية في المكان تشع بنقاء وترتيب لم تعهده منذ فترة. رائحة الألوان والورق الجديد اختلطت بذكريات قديمة، أول يوم لها في المرسم، كان تجهيزه مفاجأة زين أيضًا. رأت الأدوات الجديدة المصطفة بعناية على الطاولة. خطت خطوات بطيئة تتأمل التفاصيل وتمرر يدها برفق على سطح الطاولة، وكأنها تود التأكد أن كل هذا حقيقي. عيناها تمتلئان ببريق طفلة عادت إلى لعبتها المفضلة بعد طول غياب. نظرت إلى زين، لم تقل شيئًا، فقط ابتسامة صافية ارتسمت على وجهها وداخلها امتزجت مشاعر الامتنان والحنين والحب والسعادة.
تحدث زين:
_ من رد فعلك دا واضح إنه عجبك، لالا انبهرتي، طبعًا زيزو دايما مبهر.
ضحكت مريم:
_ إيه كل دا بجد؟ أنت عملت كل دا؟
_ أكيد، أنا مفيش حد مسموح له الدخول هنا غير أنا وأنتِ، ولما مكنتيش هنا مسمحتش لأي حد يدخل، دا مكان ميما وبس. إيه رأيك، جميل صح؟
_ جدًا.
_ أهو مبقاش عندك تلتيكة، المرسم جاهز وأدواتك جاهزة والورق واللوحات فاضيين، امليهم شخبطة وخرجي كل حاجة جواكي فيهم، انطلقي بمعنى أصح.
ظلت صامتة، واستكمل زين حديثه:
_ اللي حصل هنعتبره مطب عطلنا شوية، لكن إحنا هنكمل حياتنا بالحاجات اللي بنحبها، اللي بتساعدنا نقدر نكمل الحياة. أنتِ من غير رسم بتكوني فاقدة حاجة، الرسم بيكملك يا مريم، مينفعش تسيبيه وتهمليه كده، أنتِ بتهملي نفسك وأنا مش هسمح إن دا يحصل. أنا موجود عشان دا ميحصلش ولا أي حاجة تحصلك. زيزو موجود عشان ميما، وميما موجودة عشان...
_ زيزو.
_ بس كده، نفتح الصفحة الجديدة ونسمي بالله ونبدأ.
اقترب إليها بخطوات وقال:
_ أنتِ محتاجة تتنفسي يا مريم، وهنا بتتنفسي.
تملكها دفء غريب محبب لقلبها، كأن المفاجأة لم تكن فقط في ترتيب المكان وشراء الأدوات وعودتها للرسم، ولكن في الرسالة الخفية خلف كل تفصيلة، أنه مازال يتذكرها ويعرف كيف يسعدها ويهتم لأدق تفاصيلها حتى دون أن تطلب. ظلت تحدق في زين، وحرك يده بحركة عشوائية ولمحت خاتم الخطبة في يد زين وعادت إلى الواقع، وتملكتها رغبة عارمة بالبكاء، وكأن المفاجأة لامست شيئًا عميقًا داخلها، شيئًا تحاول تخبئته وتتجاهله. امتلأت عيناها بالدموع، لم تستطع مقاومتها، فانسابت على وجنتيها في صمت.
اقترب زين متفاجئًا من رد فعلها:
_ إيه دا؟ متوقعتش دموع كده، دموع فرحة دي صح؟
ابتسمت مريم رغم الغصة التي شعرت بها في صدرها. رفع زين يده برفق وأزال تلك الدموع بأنامله، كان اللمس خفيفًا لكنه حمل الكثير، المواساة واحتواء. تلاقت نظراتهما في لحظة صامتة لكنها مليئة بالكلام غير المنطوق. تنفست مريم نفسًا عميقًا وقالت بابتسامة:
_ شكرًا يا زين.
_ أولًا مفيش شكر بينا، ثانيًا على الناشف كده، لا مش هقبل لا شكر ولا مسا ولا أي كلمة كويسة.
ضحكت مريم:
_ عاوز إيه؟
_ تعالي نخرج برا نقعد على كنبتنا وأقولك.
خرجا إلى الخارج وجلسا على الأريكة. قال زين:
_ اعزميني على عشا يلا.
_ عاوز إيه؟
_ أنتِ بتسأليني، بتسأليني إيه حصل في الدنيا؟
_ خلاص خلاص، كبدة وسدق.
_ بالظبط كده، وهنزل أجيب اللابتوب بتاعي ونشغل فيلم ونعيد يوم من أيامنا، إيه رأيك.
ابتسمت مريم:
_ مفيش مشاكل أكيد.
_ هطلب السندوتشات وهجيب اللابتوب وجاي، متتحركيش من هنا.
تركها زين ثم نزل سريعًا متجهًا لإحضار الطعام واللابتوب. كان يتحرك بحماس غير معتاد، وكأن قلبه خفيف ممتلئ برغبة في رسم الابتسامة على وجهها. عاد بعد وقت قصير وهو يحمل في يده أكياس الطعام، ثم أخرج لها المقرمشات المفضلة لها وبعض الحلويات ووضع اللابتوب أمامهما. قالت مريم:
_ إيه كل دا؟
_ لزوم القاعدة، إيه زهايمر نسيتي.
_ دا أنت كده راسم على سهرة صباحي.
_ براحتها، تخلص وقت ما تحب.
ضحكت مريم:
_ والشغل؟
_ فرصة أروح متأخر، وكده كده إجازتي من بعد بكرة.
قالت مريم بصوت منخفض:
_ أيوه، عشان كتب الكتاب.
أجاب بنبرة صوت منخفضة:
_ أيوه.
قالت مريم مازحة:
_ يعني دي نعتبرها حفلة عزوبية بتودع فيها عزوبيتك معايا.
نظر إليها وملامح وجهه تبدلت لمزيج من الحزن والعجز، وحاول أن يتمالك وقال:
_ وهو أنتِ فاكرة أنا هسيبك؟ أنا شقتي شارعين من هنا، يعني هتلاقيني ناطط لك كل شوية.
_ أنت وبسنت مش لوحدكم، اعمل حسابك في الكمية تزيد بقى.
صمت لحظة وتحدثت مريم:
_ بجد مش عارفة هل هنقدر نقعد كده تاني ولا لأ، بس عمومًا أنا سعيدة باللحظة دي.
نظر إليها زين وكانت عيناها مليئة بالحزن رغم ابتسامتها، وأدرك سبب بكائها في الداخل. قال:
_ ممكن متفكريش في أي حاجة غير اللحظة دي، مش دي لحظة سعيدة، يبقى نركز فيها.
_ تمام.
بدأ الفيلم ومع أولى مشاهده، جلسا يتناولان الطعام. زين لم يتوقف عن تعليقاته الطريفة على المشاهد، وكأنه يقلد بعض الشخصيات بأسلوبه الكوميدي، فتضحك مريم من قلبها، تلك الضحكة التي اشتاق لرؤيتها وسماعها. كانت ترد عليه بمزاحها ويضحك هو أيضًا. وبين لقطة وأخرى كانت نظراتهما تلتقي، يختبئ فيها مزيج من مشاعر دفينة وحنين لم يمت.
تلك الليلة لم تكن مجرد مشاهدة فيلم، بل كانت عودة صامتة إلى عالمهم بعيدًا عن الواقع وكل ما فيه. كانت ليلة في عالمهما الخاص، عالم لا يدخله أحد سواه.
ليلة التي تسبق يوم كتب كتاب زين وبسنت، كانت ليلة ثقيلة على القلب، صامتة ولكنها صاخبة بالمشاعر. مريم مستلقية على السرير تنظر إلى السقف كأنها تبحث عن مخرج من الألم، دموعها تنساب في هدوء مؤلم لا صوت لها سوى أنفاسها المتقطعة. كل لحظة تمر كأنها تثقل على صدرها أكثر. وفي الاتجاه الآخر، زين مستلق على سريره يتقلب يمينًا ويسارًا غير قادر على إيجاد راحة. يشعر بثقل في صدره، قام وجلس على طرف السرير، وجهه بين يديه يحاول فهم ما يشعر به. لم يكن توتر قبل كتب الكتاب، كان شيئًا أعمق، شيئًا يشبه الندم والفقد. كلاهما في مكان مختلف، لكن قلبيهما كانا في نفس النقطة، حائرين، تائهين وممتلئين بشيء لا يقال.
في الصباح، كانت مريم تجلس أمام المرآة تحاول أن ترتب شعرها وتضع لمسات خفيفة من المكياج، لكن عيناها لا تكذبان، الحزن يسكنها والشحوب يكسو ملامحها، ونظراتها لا ترى ما أمامها بل تغوص في ذكريات وأفكار بعيدة. فجأة قطع الصمت صوت طرق على الباب وصوت سناء:
_ عرفتي اللي حصل يا مريم.
كانت دخلت الغرفة بخطى متسارعة وملامح وجهها متوترة يكسوها القلق والصدمة:
_ في إيه يا ماما؟
_ أخو بسنت، سامح وهو جاي من القاهرة عمل حادثة كبيرة أوي على الطريق واتنقل مستشفى.
صدمت مريم، واستكملت سناء حديثها:
_ كرم ومحمود وكريم وزين أول ما عرفوا جريوا.
_ وبسنت؟ بسنت هنا ومامتها وقرايبها و...
_ زين راح لها، غيري هدومك دي وتعالي نروح أنا وأنتِ وسوسن نلحقهم لو موجودين في الفندق لسه.
خرجت سناء وهي تردد: لا حول ولا قوة إلا بالله، سترك يا ستار.
من الخبر الصادم، جلست مريم على الكرسي أمام المرآة في صدمة من الخبر. سريعًا بدلت ملابسها وذهبوا إلى الفندق، ولكن كان الجميع تحرك إلى القاهرة وعادوا إلى المطعم يتابعون الأخبار عبر الهاتف. مريم جالسة مع ملك:
_ كريم رد عليكي يا ملك؟
_ بعت لي قال إنه في المستشفى هيكلمني، وانتِ زين رد عليكي.
_ لا.
_ يا قلبي على بسنت، يوم مهم زي دا تحصل الحادثة الفظيعة دي.
_ ربنا يستر وإن شاء الله يكون بخير إن شاء الله.
رن هاتف سوسن والتقطته سريعًا وأجابت. تمر لحظات حتى تبدلت ملامح وجهها بالكامل. انعقد حاجباها واتسعت عيناها وانخفض فكها ببطء، وكأنها تلقت صدمة لم تكن تتوقعها. سقطت الكلمات من فمها قائلة:
_ مات.
ساد الصمت في المكان. ما أن سمعت مريم وملك تلك الكلمة وتبادلتا النظرات بذهول. لم تنطق أي منهما، فقط نظرات مشدودة مصدومة. ذهبوا للدفنة والعزاء، وليلاً عادوا جميعًا، وبقى زين وكريم في القاهرة لمدة 3 أيام لمساندة بسنت ووالدتها. كانا إلى جوارهم في كل لحظة. حضورهم كان بمثابة سند صامت لا يقال بل يشعر. أما مريم وملك عادا إلى المطعم يحاولن الحفاظ على سير اليوم بشكل طبيعي، لكن الحزن كان يخيم في الأجواء. كانا يتابعان أخبار كريم وزين وبسنت ووالدتها عبر الرسائل النصية والمكالمات القصيرة.
في هدوء المطعم، كانت مريم وملك تتابعان العمل بهدوء حتى لمحا قدوم كريم من بعيد. أسرعت عيون مريم تبحث خلفه عن زين تتساءل بصمت إن كان برفقته، لكن خطوات كريم كانت وحيدة. دخل كريم بهدوء وبدأ عليه الإرهاق، وكأن الأيام الأخيرة تركت أثرها الثقيل على ملامحه. سحب أحد الكراسي وجلس. اقتربت ملك منه سريعًا للاطمئنان عليه:
_ كريم، أنت كويس؟
_ الحمد لله، الحمد لله.
_ هجبلك حاجة تشربها وجاية ثواني.
توجهت ملك إلى المطعم وعادت بكوب عصير بارد وجلست برفقة مريم وكريم، وتحدثت مريم:
_ زين جه معاك؟
_ لا، زين هناك مع بسنت ومامتها عشان يطمن عليهم وكده. أنا جيت عشان الشركة، في كذا موعد اتأجل. يومين وزين راجع، يارب يقنع مامت بسنت إنهم يجوا معاه هنا.
_ إن شاء الله.
تحدثت ملك:
_ أنا طلبت يحضروا لك أكل، شكلك مكنتش بتاكل.
_ مين كان نفسه ياكل يا ملك؟ الصدمة كبيرة علينا.
ما شغل بال مريم هو زين، كيف حاله. ابتعدت عنهم وخرجت للخارج واتصلت به ولم يجيب. وقبل عودتها رن هاتفها وكان زين وأجابت:
_ زين.
_ مريم.
_ عامل إيه؟
_ الحمد لله. وانتِ، كلكم عاملين إيه؟
_ إحنا بخير، المهم أنت واللي عندك.
_ ادعيلهم يا مريم، الفقد صعب عليهم.
_ الله يرحمه، خلي بالك من بسنت ومن نفسك، حاول تاكل كويس عشان تقدر تقف.
_ حاضر.
_ مطول عندك؟
_ يومين وراجع.
_ لو محتاجني أجاي.
_ لا لا متتعبيش نفسك، أنا هحاول أقنعهم يجوا معايا.
مرت 10 أيام على تواجد زين في القاهرة مع بسنت ووالدتها. كانت مريم تقسم يومها بين المطعم والاهتمام بالسطح في غياب زين، بتفقد الزرع ونظافة المكان والمرسم، تشغل نفسها بالرسم، ولكن اللوحة أمامها تشعر أنها ينقصها شيء، كأن من تنتظر حضوره ليكتمل المشهد لم يأتِ بعد.
في المساء، كانت تجلس أحيانًا بمفردها على السطح، تتأمل السماء في صمت تبحث بين السحب عن معنى أو عن طيف، وربما عن زين لشوقها له وقلقها. ذات مساء، جلست مريم بعد أن أنهت جلستها في المرسم، خرجت وجلست على الأريكة، أسندت ظهرها إلى الوراء ورأسها إلى الحائط وعيناها شاردتان إلى السماء تراقب لون السماء وهو يميل إلى اللون الداكن وقت الغروب. سكون خفيف لف المكان. أغمضت عينيها للحظات كأنها تستسلم للهدوء وتغوص في ذكرياتها مع زين، حتى قطع الصمت صوت مألوف دافئ رغم التعب:
_ أنتم معندكمش سراير تحت ولا إيه؟
فتحت عينيها ببطء والتفتت فرأت زين يجلس بجانبها. ملامحه مرهقة ووجهه شاحب قليلًا:
_ زين، أنت جيت إمتى؟
_ من ساعة، عديت على المطعم أطمئنهم وقولت لهم هروح البيت أنام.
_ طيب مروحتش تنام ليه؟
_ كنت عاوز أشوفك.
_ أكلت؟
_ سوسن وسناء وملك عملوا كماشة عليا أنا وكريم وأكلونا بالإجبار.
_ كويس. بسنت عاملة إيه ومامتها؟
تنهد:
_ والله يا مريم لا جديد، الحزن والزعل على المفقود كبير، ندعيلهم، مع مرور الوقت ربنا يسكن وجعهم.
_ إن شاء الله. ربنا يرحمه ويقويهم ويصبرهم و...
فجأة مال زين برأسه حتى استقرت على كتف مريم:
_ زين.
_ ممكن 5 دقائق بس، 5 دقائق.
شعرت مريم بارتباك مفاجئ، احتاج صدرها، توترت وأسرعت نبضات قلبها، عيناها اتسعت للحظة ثم رمشت ببطء وهي تحاول أن تستوعب دفء اللحظة. كانت تسمع أنفاسه القريبة وتشعر بشيء خفي داخلها بدأ يهدأ، كأن كل ما كانت تقاومه تلاشى في لحظة. تسللت راحة غريبة هادئة جعلتها تسند رأسها قليلًا إليه واغمضت عينيها دون وعي منها، كأنها تخبره أنها هنا بجانبه. بقيت مريم كما هي، لم تتحرك. كانت لحظة جمعت بين التوتر والخجل والسكينة، لكنها لحظة لم ترغب مريم أن تنتهي، كانت ملاذًا من كل شيء، من الوجع، من التفكير، من العالم.
بعد مرور ساعة، فتح زين عينيه ببطء وبدأ يستوعب المكان حوله. كان لا يزال في السطح والهدوء يملأ الأجواء. نظر بجانبه وجد مريم نظرت إليه مبتسمة:
_ صباح الخير.
_ هو أنا نمت بجد؟
_ قولت 5 دقائق، دخلت على ساعة و10 دقائق أهو.
_ محسيتش بنفسي خالص، كتفك ولا أحلى مخدة طبية يا ميما، الواحد يحط راسه بيرتاح.
_ طيب الحمد لله إنك ارتحت شوية.
_ كتير، ارتحت كتير.
ابتسم ابتسامة خفيفة وقالت مريم:
_ يلا انزل ارتاح في بيتكم تحت، ولما تصحى عرفني.
_ افرضي نمت للصبح؟
_ عادي، لما تصحى في أي وقت عرفني.
_ تمام. أنتِ نازلة ولا إيه؟
_ لا هقعد شوية أرسم.
_ ماشي يا فنانتنا.
غادر زين السطح وجلست مريم على الأريكة واضعه يدها على صدرها وتحاول أن تنظم أنفاسها، ثم تحركت من مكانها وتوجهت إلى المرسم.
في الخامسة صباحًا، استيقظ زين ولم يستطع العودة إلى النوم مرة أخرى. أمسك هاتفه وأرسل رسالة إلى مريم يخبرها باستيقاظه. توقع أن تكون نائمة، ولكن جاء الرد:
_ البس واستناني قدام باب شقتكم يلا، أنا جعانة عاوزة أفطر.
بالفعل بدل ملابسه وفتح باب المنزل وجدها تقف أمام باب منزلها بابتسامة دافئة على وجهها:
_ صباح الخير.
_ صباح النشاط.
لاحظ خطوات مريم اتجاه الشارع:
_ هو إحنا نازلين مش طالعين السطح؟
_ لا، هنفطر برا على حسابك لأني مفلسة، ماشي.
ابتسم زين:
_ ما دا العادي.
غادرا المنزل معًا وتوجا إلى عربة الفول والفلافل واشتريا سندوتشات طازجة. توجها إلى الشاطئ وجلسا على الرمل، وبدأت مريم في فتح تغليف السندوتشات وتطعم زين:
_ ناقص تقولي لي القطر رايح فين؟
_ وناقص ليه؟ يلا يا زيزو القطر رايح فين.
_ المحطة. (فتح فمه وقضم لقمة وأغلق فمه وضحك) ابن اختك.
كانت تضحك مريم:
_ ما أنت بتعاملني معاملة بنت اختك، كتير كنت بتأكلني غصب.
_ أها بترديهالي يعني، ماشي ماشي.
_ المهم تاكل وتبقى كويس.
نظر إليها مطولًا وأدرك محاولاتها لإخراجه من حالة الحزن وتخفيف ثقل الأيام الماضية. نظر إليها مبتسمًا ولحظت نظرته:
_ آسفة، مش معايا صور أدهالك.
ابتسم زين وقال:
_ عارفة يا مريم، الفترة اللي فاتت كان فيه تقل على صدري من الحادثة للعزاء لوضع بسنت ومامتها اللي مش عارف أعملهم إيه. لما جيت امبارح وسندت راسي على كتفك حسيت إني قادر أتنفس والتقل دا ابتدأ يخف، نزلت نمت ع طول، مش من التعب لكن من الراحة، ودا مبيحصلش كتير.
ابتسمت مريم:
_ المهم إنك نمت كويس، وأي خدمة محتاجة كتفي هقولك الساعة بكام؟
_ بسندوتشات فول وفلافل.
ضحكت مريم:
_ بالظبط كده، وبعدين على حسب الوقت والوجبة، خلي بالك ممكن تكون سينما وغدا برا، يعني تعويذة جامدة.
ضحك زين:
_ فداكي كل حاجة يا مريم.
أمسكت السندوتش:
_ يلا افتح بوقك، القطر رايح فين.
ضحك زين وفتح فمه وقضم قضمة وقال:
_ المحطة.
ضحكا معًا بكل براءة وفرح، وكانت تلك اللحظة من أجمل لحظاتهم مليئة بالدفء والسعادة. ينتظران إلى بعض بسعادة واضحة في عينيهم، مستمتعين بكل لحظة سويًا.
بعد مرور شهرين. كان زين وكريم يذهبان كل أسبوع إلى القاهرة لزيارة بسنت ووالدتها. كانا يحرصان على تلك الزيارات المتواصلة لمدة شهرين من بعد الوفاة بلا انقطاع، وبالأخص زين تواجده كان دعم لبسنت في وقتها الصعب. وعندما يعود زين إلى الإسكندرية، يذهب إلى مريم في أي مكان تكون فيه ليستريح. كان وقته في الإسكندرية بين العمل ومريم. يقضيان وقتهما في المطعم مع كريم وملك أو بمفردهما، أو على السطح يتشاركان الطعام والضحكات ويشاهدان الأفلام ويتحدثان عن كل شيء وأي شيء، وكأن العالم يتوقف عند لحظتهم تلك. في بعض الأحيان يتجولان في الشوارع في وقت متأخر أو عند لحظات الشروق الأولى أو يجلسان على شاطئ البحر حيث يلامس نسيم البحر وجوههم. كانت تلك اللحظات بمثابة ملاذ لهما، فرصة للهروب من ضغوط الحياة ومتاعبها وصعوبة الواقع. كانت لحظات مفعمة بالراحة والسكينة تذوب فيها همومهما وتغمرها مشاعر الألفة والطمأنينة.
سافر زين إلى القاهرة كالعادة. مريم في المطعم تخرج من المطبخ للصالة تحوم بنظرها عشوائي في الصالة وعلى الطاولات. وللحظة تجمدت مكانها. وقعت عيناها على إيهاب مختار جالس في أحد الطاولات. قلبها بدأ يدق بسرعة وبدأ كان الزمن توقف للحظة. كانت مشاعرها مختلطة بين دهشة لا تتوقعها. حاولت تهدئة نفسها، تنفست ببطء، ولكنها لم تستطع إخفاء ارتباكها. تقابلت أعينهما وابتسم لها إيهاب ابتسامته الدافئة المعتادة. اقتربت نحوه مريم:
_ أقول صباح الخير ولا حمد لله على السلامة.
ابتسم إيهاب:
_ صباح الخير، الله يسلمك... ازيك يا مريم؟
_ الحمد لله.
_ اتفضلِ اقعدي، هعزم عليكي في مكانك.
جلست:
_ سوري، المفاجأة أربكتني شوية.
_ أتمنى تكون مفاجأة لطيفة.
ابتسمت مريم:
_ لطيفة جدًا. تشرب إيه؟
_ طلبت قهوة.
جاء الجرسون ووضع القهوة أمام إيهاب وتحدث إيهاب:
_ طمنيني عليكي وع أخبارك؟
_ الحمد لله.
_ ومامتك وباباكي والعيلة كلها وزين؟
_ كلهم بخير الحمد لله، هيفرحوا نك هنا.
_ أتمنى أشوفهم قبل ما أمشي.
_ مش هلحق، يا دوب الحق أرجع القاهرة عشان راجع نابولي النهارده. أنا جيت أسلم عليكي وأتكلم معاكي في موضوع مكنش ينفع في موبايل.
_ موضوع إيه؟
أخرج من جيب معطفه دفتر متوسط الحجم ووضعه أمامها:
_ إيه دا؟
_ شوفيه.
كان مدون اسم معهد فنون. فتحت الدفتر كان مكتوب جمل كثيرة باللغة الإنجليزية وصور مصغرة، وكانت مريم تقلب صفحاته وتحدث إيهاب:
_ معهد (لاكسيلا)، ممكن تقولي مكان بيجمع المواهب، هما بيدرسولهم وبيعلموهم حاجات كتير في تخصصهم وبيساعدوهم يشاركوا في مسابقات ومعارض، مدة التواجد في المعهد وبعدها... يعني زي الدبلومة أو الماجستير، بس دا عملي أكتر، الأنشطة فيه أكتر، يعني ممكن تقولي عملية أكتر.
_ جميل، بس برضه مش فاهمة؟
_ تنضمي للمكان دا يا مريم.
_ أنا.
كانت متفاجئة من عرض إيهاب:
_ فاكرة المسابقة اللي كسبتيها؟
_ أيوه.
_ هما طلبوكي بالاسم وتواصلوا معايا على أساس إنك مراتي لسه، وعرضوا عليا عرضين، عرض ليا وعرض ليكي. هما بيجمعوا الموهوبين وبيوفر لهم فرص مش واسطة، لأنك مبتennisيش الواسطات عارف. الفرص دي بمجهودك واجتهادك في السنتين اللي هتقعديهم هناك.
_ هقعد سنتين يعني إقامة؟
_ أيوه، هما هيخلصوا كل الإجراءات، ما عليكي إنك تاخدي شنطتك وتطلعي على المطار.
صمتت مريم وظهر على ملامحها التردد. قال إيهاب:
_ مريم حرام تضيعي موهبتك كده، في فرصة جت لك إنك تظهري وتتقدمي في الحاجة اللي بتحبيها وهتفرق معاكي جدًا. عاوزة نصيحة كصديق، انتهزي الفرصة عشانك يا مريم.
جمع أغراضه وقال:
_ قدامك أسبوع فكري وبلغيني قرارك عشان أبلغهم، لأنهم كل سنتين بيستقبلوا عدد معين، فلو رفضتي الفرصة تروح لغيرك. أتمنى متضيعيهاش. رقمي معاكي، منتظر اتصالك.
غادر إيهاب وترك مريم عيناها ثابتتان على اسم المعهد المكتوب على الدفتر. واقتربت إليها ملك:
_ هو بجد إيهاب كان هنا؟ قالوا لي جو خرجت لقيته ماشي. عاوز إيه؟ عاوز يرجع؟
_ كان بيسلم عليا. وسلم ومشي.
حملت مريم الدفتر ووضعته في حقيبتها في صمت. ليلًا جلست مريم في المرسم، فتحت الدفتر ببطء وأطرافها تمر على اسم المعهد، تمر على تفاصيل الفرصة التي انتظرتها طويلًا، فرصة تحقيق الحلم، عامان من الدراسة بالخارج، من الغوص في عالم الفن بكل ما فيه من ألوان وشغف. لكن ما إن نظرت إليه حتى اجتاحها الصمت الثقيل. دار صراع بين قلبها وعقلها. عقلها يهمس (هذه فرصتك) والقلب يتمسك بما تحب، مرسمها وعائلتها وذكرياتها وزين. تنهدت مريم تنهيدة ثقيلة، وكأنها تحاول إخراج القرار من صدرها، لكنها لم تستطع. أغلقت الدفتر برفق ووضعته جانبًا، ثم عادت إلى رسمتها بصمت.
عاد زين من القاهرة ومر على مريم في المطعم، رافقها إلى المنزل وتوجها إلى السطح. طلبوا طعام وجلسوا يأكلون وهما يتحدثان. لاحظ زين تغير ملامح مريم كأن هناك ما يشغل بالها. ألح عليها حتى أخبرته بمقابلة إيهاب. تبدلت ملامحه ولكنه صمت حتى تنتهي من معرفة سبب ظهوره مرة أخرى، وأخبرته بالعرض الذي قدمه لها. دخلت المرسم وخرجت ووضعت الدفتر أمام زين. أمسكه زين ينظر إليه بتعجب وحيرة وقال لها:
_ أنتِ عاوزة إيه؟
_ ماهو أنا لو عارفة عاوزة إيه مش هسألك، إيه الذكاء دا.
_ مش عارف، أنانية مني إنك ترفضي فرصة زي دي، لكن سنتين كتير.
_ يعني أقبل ولا أرفض؟
_ عاوزة تسافري؟
_ عارف إن كندا أغلب السنة فيها مطر.
_ يا سلام، تسافري سنتين عشان المطر؟ ليه محرومة منه؟
_ لسه بدري على الشتا والجو حر.
_ رايحة منك بجد.
_ بصراحة لسه بفكر، قدامي لآخر الأسبوع أرد على إيهاب، هشوف كده هجمع آراء وهشوف.
بعد ما علم زين بالسفر، كان اتخذ قرارًا بعدم سفرها، ولكن لم يخبرها علنا، بل قرر أن يزرع في قلبها سببًا للبقاء. كان يحضر طعامها المفضل البيتزا دائمًا، يرسل لها رسائل صباحية بكثرة، يجلسان في السطح تحت سماء الليل يتبادلان الأحاديث التي لا تقال، لكنها تفهم. وفي كل مرة تضحك فيها مريم، يشعر إن رفضها يقترب. ولكن في كل مرة كانت تصمت أو تشرد قليلًا، يخاف أن تكون اقتربت من القرار. كان على علم أن الحلم كبير، لكنه كان يرفض بعدها تلك المدة، وأن العرض كان من قبل إيهاب. كان ينتظر قرارها برفض العرض نهائيًا. الأيام تمضي ومريم لا تحسم أمرها، وتبقى يوم واحد على الرد، وزين قلبه يشتد عليه الخوف.
ليلاً، مريم في المرسم منغمسة مع لوحتها. فجأة سمعت صوت زين من الخارج يطلب منها الخروج سريعًا. أسرعت بخطوات فضولية للخارج وكان يقف في المنتصف. تتقدم نحوه:
_ في إيه؟ بتنده بصوت عالي كده ليه؟
_ ماهو عشان تسمعيني.
_ يعني مش قادر تخبط على الباب أو تدخل؟ عمومًا، عاوز إيه؟
_ ممكن تقفي هنا دقيقة، دقيقة واحدة بس.
_ وقفت، خير.
فجأة سقطت عليها دفعة من المياه كمياه المطر. نظرت إلى المصدر كان زين استخدم الخرطوم المياه للزرع ووضعه في وضعية عكسية تتدلي منه المياه كمياه الأمطار. تجمدت ثوان من المفاجأة. شهقت ثم فتحت عينيها تنظر له بدهشة مصدومة ووجههما مبلل تمامًا. وانفجرت بالضحك:
_ أنت مجنون؟ إيه دا؟
_ مش عاوزة مطر؟ أهو مطر في شهر أغسطس، إيه رأيك؟
ضحكت:
_ والله لسع.
_ لا استنى، مشوفتيش السعان.
توجه إلى هاتفه وشغل أغنية هندية مبهجة على هاتفه ورفع الصوت:
_ مشهد هندي ب أبسط الأشياء، مش بتحبي الأفلام الهندي؟ عيشي مشهدك.
_ اللي هو إزاي؟
_ البطلة في الأفلام السما بتمطر بتعمل إيه؟ بترقص. يلا خرجي كل الكبت اللي جواكي.
كانت مريم تقف تحت رذاذ المياه المتساقطة، وفي لحظة طفولية جميلة بدأت مريم تتمايل بخفة تحت المياه. شعرها مبتل وملابسها مبتلة، ولكنها كانت تضحك كطفلة صغيرة تدور وتلوح بيديها في الهواء، وكأنها ترقص تحت المطر حقيقي. وقف زين يراقبها بصمت مبتسمًا من قلبه، فرحًا أنه نجح في منحها لحظة سعادة نقية. ثم تغيرت الموسيقى فجأة بموسيقى أخرى. اقتربت مريم إليه وضحكت وسحبته من يده ليشاركها اللحظة كما يفعلان دائمًا. انضم زين وبدأ يرقصان معًا، يتحركان بخفة يتبادلان الضحك واللمسات العفوية، لا شيء في تلك اللحظة سوى الموسيقى والماء وضحكهما. مع نهاية الموسيقى دارت مريم للمرة الأخيرة وتوقفت وهي بين ذراعي زين. استقرت في حضنه، هو يضمها بهدوء. كانت مريم واقفة قريبة منه، أنفاسهما تتلاحق بهدوء، نظراتها تلاقت بعينيه فيها شيء من الحب والشوق المكبوت، لم يتكلما للحظات، تبادلا النظرات، كانت صامتة ولكنها صاحبة بكل ما لم يقال. حاولت أن تبتعد مريم ولكن زين منعها. ثبتت مكانها. رفع زين يده بلطف وأزاح خصلة مبتلة من على وجهها، ثم وضع يده على جانب وجهها بنعومة خفيفة، وكأنه يتأكد أنها حقيقية بهذا القرب. كانت مريم لا تزال ساكنة تتنفس بصعوبة، تشعر بقلبها يخونها يدفعها للبقاء. وفي تلك اللحظة انحنى زين ببطء وأقترب وجهه منها أكثر حتى التقت أنفاسهما. لحظة قصيرة لكنها بدت أبدية، ثم قبلها. قبلة حملت بين طياتها الكثير من الحب الذي لم يقال من الطرفين. لم تكن قبلة عن رغبة عابرة، ولكنها كانت اعتراف صامت أن كل الطرق مازالت تؤدي إلى الآخر. حين افترقا لم تبتعد مريم، ولكن وضع زين يده على رأسها ووضع رأسها في صدره وضمها بقوة. شعرت مريم بأن شيئًا ما في داخلها انكسر وتحرر بعد مقاومة طويلة المدة، والآن لم تعد قادرة على المقاومة. حين ضمها زين لحضنه، لم يكن لها مجرد تقارب جسدي، ولكن كان دفئًا غمر قلبها. كان حضنًا صامتًا عميقًا مليئًا بالأمان والانتماء. حضن يشبه بيتًا قديمًا نعود إليه بعد غربة طويلة. همس لها زين قائلًا:
_ متسافريش يا مريم، مش هقدر إنك تبعدي تاني، مش هسيبك تبعدي تاني.
ابتسمت مريم وهي في حضنه ابتسامة خفيفة، فكانت كلماتها تشعر قلبها بالطمأنينة.
رواية توأم روح الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم يارا سمير
في اليوم التالي قرر زين السفر إلى القاهرة لينهي ارتباطه مع بسنت.
في تلك اللحظة، كانت مريم أرسلت رسالة واعتذرت لإيهاب عن العرض وأخبرته برفضها.
حين وصل زين إلى منزل بسنت، رن الجرس وفتحت بسنت الباب وملامحها مضطربة:
"الحقني يا زين.. ماما مبتردش عليا."
سريعًا دخل زين إلى الداخل وطلب الإسعاف، وذهبوا إلى المشفى. دخلوا غرفة الطوارئ وبسنت جالسة تبكي وزين يحاول يطمئنها:
"هتبقى بخير يا بسنت، متقلقيش."
"أنا خايفة يا زين."
"لا متخافيش.. أنا معاكي والدكتور هيخرج يطمنا دلوقتي."
بعد لحظات خرج الطبيب وطمأنهم عليها. دخلوا إليها كانت نائمة.
غادر زين مع بسنت وجلسوا في الكافتيريا ليشربا شيئًا حتى تهدأ:
"الدكتور طمنا، قال غيبوبة سكر وهما ظبطوا الدنيا."
"أنا كنت هموت يا زين."
"بعد الشر عنك وعنها.. هتتحسن وهتبقى زي الفل."
زين يضع يده على يدها ليربت عليها بلطف، فوضعت بسنت يدها على يده وقالت:
"بجد يا زين مش عارفة من غيرك كنت هعمل إيه.. أنا مبقاش ليا حد بعد بابا وسامح.. مبقاش ليا حد.. ربنا بعتك ليا.. ربنا يخليك ليا."
صدم زين من كلماتها:
"اهدّي يا بسنت ممكن.. ماما هتبقى كويسة ربنا يخليكي ليها."
"ويخليك لينا.. ماما بتحبك أوي يا زين.. إحنا من غيرك هنتوه."
كانت كلمات بسنت وبكائها وضعفها أصعب مهمة جاء إليها زين وهو فتح موضوع الانفصال. زاد الأمر سوءًا وتعقيدًا حين استيقظت والدة بسنت وطلبت أن تتحدث مع زين على انفراد، وخرجت بسنت من الغرفة:
"ألف سلامة عليكي يا جميل، بتتدلعي علينا كده."
"دلع إيه يا زين.. العمر فيه قد إيه ندلع به."
"متقوليش كده، دا إنتي أصغر من بسنت، أتيجي أسيب بسنت وأخطبك إنتي."
قالها زين مازحًا. نظرت إليه والدة بسنت ومسكت يده وقبضت عليها بقوة ودموعها تنساب من عينيها:
"ممكن أطلب منك طلب يا زين."
"اتفضلي وبلاش بكاء كده."
"اتخطبوا.. اتخطبوا إنت وبسنت في حياة عيني أفرح بيها عشان لو مت أموت وأنا مطمنة إنها مش لوحدها، بسنت ملهاش حد غيرك دلوقتي.. أنا لو حصلي حاجة هتبقى لوحدها."
شعر زين بالصدمة والاختناق، ليس لأنه لا يريد أن يكون وفيًا، ولكن قلبه يريد مريم فقط. إصرار والدة بسنت ومرضها دفع زين إلى إعطائها الوعد التي تريده:
"شدي حيلك إنتي بس وربنا يسهل."
"اخرجوا ورتبوا جوازكم.. مش عاوزني أجي إسكندرية؟ هاجي على شرط على بيتك مع بسنت."
ابتسم ابتسامة لطيفة لها ولكنه من الداخل تمزق من المسؤولية التي ألقت على عاتقه تجاه بسنت ووالدتها، وبين مشاعره التي تجره بقوة نحو مريم.
دخلت بسنت الغرفة وملامحها حزينة أثقلت الوضع أكثر.
كانت مريم في المطعم تشع بهجة كأن شيئًا كان مطفئًا بداخلها ثم عاد ليتوهج من جديد. ابتسامتها كانت تسبق خطواتها، تمشي بين الطاولات وتمزح مع الزبائن والعاملين كأنها تنثر نورًا في المكان. كل من حولها لاحظ ذلك التحول الساحر، كأن مريم القديمة عادت بكامل حضورها ودفئها، تنبض بالحياة بنظراتها الواثقة وروحها التي لا تهدأ.
اقتربت إليها ملك:
"قال إيه الموضوع ميما؟"
"موضوع إيه؟"
"موضوع إن المطعم لا يسع أجنحتك.. طايرة بترفر في بتخبطي فينا.. في حاجة إحنا منعرفهاش؟"
"حاجة.. حاجة إيه.. مفيش حاجة.. هو لازم في حاجة.. عادي صاحية من النوم رايقة بلاش؟"
"لا مش بلاش بس كل حاجة وليها سبب."
"لا مفيش سبب رباني."
"رباني.. طيب يا رب دايما."
تركتها مريم وصادفت كريم وهو يدخل من الباب ولاحظ هو أيضًا تغيرها وجلس برفقة ملك ينظر إلى مريم وابتهاجها وابتسامتها المنتشرة:
"هي مالها مريم؟"
تنظر إليها ملك بتركيز:
"هي بتقول مفيش، لكن أقطع إيدي إن في حاجة هي مخبياها."
"مش هي قالت إنها اعتذرت عن عرض إيهاب مختار؟"
"أيوه.. هو ممكن يكون فاتحها في رجوع مثلاً؟ أصلك مشوفتهاش لما شافته ارتبكت وحاجات كتير كده."
"وإنتي ليه مبترتبكيش يا ملك؟"
"أرتبك ليه؟"
"عشاني.. عشان شوفتيني مثلاً."
"كريم.. إحنا قولنا إيه؟"
"خلاص متتحوليش.. أنا هرتبك كفاية.. سيبك من مريم كدا كدا هيتعرف لو في حاجة العيلة دي مبيتخباش سر فيهم ربع ساعة.. قوليهم على الفطار لأني مستعجل في شغل كتير والاستاذ زين طلبت معاه يروح لبسنت النهارده."
عاد زين إلى الإسكندرية بعد يومين بعد أن اطمأن على والدة بسنت وبسنت. عاد مثقل القلب يحمل داخله صراعًا لا يعرف له مخرجًا. كانت مريم تنتظره في السطح كالعادة حتى يخبرها بانفصاله عن بسنت ولكنه لم يظهر. أرسلت إليه رسالة نصية أجاب أنه مرهق ويريد أن ينام، فتركته على أمل اللقاء به صباحًا يرافقها إلى المطعم ويتناولان الفطار سويًا كعادتهم. ولكن حدث عكس ذلك. استيقظت مريم وأرسلت له رسالة نصية أنها تنتظره، أجاب عليها بأنه غادر باكرًا لإنهاء بعض الأعمال الضرورية. انتظرته في المطعم في منتصف اليوم ولم يظهر. ليلاً يعودا سويًا لم يظهر. دخل الشك في قلبها.
كان زين يتجنب لقاء مريم، يختفي خلف أعذار العمل والانشغال. الوعد الذي قطعه وإصرار والدة بسنت المريضة على إتمام الزواج قريبًا جعله في دوامة ولا يعرف ماذا يقول لمريم. الهروب كان بالنسبة له أسهل من المواجهة حتى يرتب كلماته، لكنه كان يعلم جيدًا أنه لم يكن مخرجًا وكان يعلم أن لحظة الحقيقة تقترب مهما تأخر عنها.
في الشركة تفاجأ بظهور مريم أمامه بعد ما علمت من كريم بتواجد زين في الشركة:
"مريم.."
"مالك اتخضيت كده ليه.. عشان قفشتك صح؟ هو ده الشغل اللي برا الشركة؟"
"أنا لسه داخل وهخرج تاني.. ببعت إيميل وخارج بجد."
"طيب إيه أمشي يعني؟"
صمت زين وهو ينظر إليها وأعادت مريم كلماتها:
"أمشي."
"أمشي دلوقتي وهشوفك بعد الشغل على السطح؟"
"أكيد ولا هتقلبني زي امبارح؟"
"لا أكيد."
غادرت مريم وهي تشعر بوجود خطب ما في زين، وزين في المكتب يشعر بثقل المواجهة.
ليلًا كانت مريم تنتظر ظهور زين في السطح حتى ظهر أخيرًا. ارتسمت ابتسامة على وجهها وجلسا:
"إيه يا مهم.. هناخد منك مواعيد ولا إيه؟"
"ليه يعني؟"
"يعني من بعد ما كنت في القاهرة ومشفتكش 3 أيام مختفي خالص.. دا إحنا شققنا قصاد بعض ونتواصل بالرسائل."
"شغل ومضغوط وإنتي فاهمة لو حصل تقصير كريم مش هيعتقني."
"تمام.. قولي بسنت ومامتها عاملين إيه؟"
"بخير.. بخير."
لاحظت مريم تجنب زين في النظر في عينيها كما العادة. أمسكت وجهه واستدارته اتجاهها:
"في إيه يا زين؟ ومتقولش مفيش؟"
صمت للحظات بتردد:
"مريم عاوز أقولك حاجة لكن أتمنى تفهميني."
"سامعاك؟"
كلما يحاول زين التحدث وإخبار مريم لسانه كان معقودًا وقلبه يرفض أن يكون سببًا في انكسارها هذه المرة. نظر إليها ووجد تلك النظرة التي يعرفها جيدًا أنها لم تتركه دون أن يتحدث ويخبرها. تنهد زين وضع كفه فوق كفها وضغط بخفة وكأنها آخر طوق نجاة له يترجاها أن تتفهم موقفه جيدًا:
"مريم.. أنا.."
"إنت إيه.. قول؟"
نظر في عينيها وقال:
"أنا وبسنت هنتجوز كمان أسبوع."
مرت لحظة صامتة، صادمة، ثقيلة كأنها عمر كامل. لم ترد مريم، لم تدمع عينيها بل ظلت تحدق فيه بصمت وكأن عقلها رفض استقبال الكلمات. واستكمل حديثه:
"أنا عارف إني قولتلك هروح أنهي موضوعي من بسنت لكن الظروف مشيت عكس اللي حصل ووعدت وعد لازم أنفذه."
"وإحنا.. أنا.. إيه؟"
"إحنا زي ما إحنا علاقتنا مش هتتغير ولو تقصدي اللي حصل آخر مرة كان غلطة وهتتنسي عادي."
صدمت مريم:
"غلطة."
"يعني مش هتأثر علينا اللي بينا أكبر من كده."
شعور بالفراغ سكن ملامحها، لا صدمة حادة بل خيبة عميقة كأن الروح انسحبت فجأة من الجسد وتركته يتهاوى ببطء. ابتلعت غصة في حلقها وشدت على أطراف أصابعها لتمنعها من الارتجاف. حاولت الابتسامة وكانت ابتسامة مشوهة:
"تمام.. مبروك.. خلاص كده ولا في حاجة تانية عاوز تقولها."
"مريم افهميني أنا غصب عني."
قاطعت حديثه:
"بتبرري إيه يا زين.. لو في تبرير هيبقى لبسنت مش ليا.. زي ما إنت قولت غلطة والغلطة لازم نتحمل مسؤوليتها وأنا هتحمل مسؤولية غلطتي.. إنت ركز في فرحتك إنت وبسنت والف مبروك.. عن إذنك."
عادت مريم إلى غرفتها بخطوات متسارعة وأغلقت الباب خلفها. استندت بظهرها إلى الباب وانزلقت إلى الأرض ببطء حتى وجدت نفسها جالسة ووضعت يدها كأنها تحاول تهدئة قلبها الموجوع المضطرب. انحنت قليلًا وبدأت دموعها تنساب في صمت بلا صوت بلا شهقة، كأن الألم تخطى مرحلة البكاء المرتجف.
زين ظل مكانه ثابت شعر أن الكلمات التي قالها جرحته هو أيضًا.
في الصباح في المطعم تبدل حال مريم، عادت صامتة هادئة شاردة بعض الوقت، اختفت ابتسامتها ومزاحها وأصبحت تفضل الجلوس بمفردها. أخبر زين والده ووالدته بخبر زواجه من بسنت ورحبوا الجميع. وتم تحديد اليوم.
تواصلت مريم مع إيهاب مختار:
"أنا عارفة إن طلبي غريب لكن هل الفرصة لسه موجودة ولا انتهت."
"أنا كنت مراهن نفسي إنك هتكلميني يا مريم وكسبت الرهان.. فرصتك موجودة في المعهد."
"أنا موافقة.. أسافر إمتى؟"
"يومين هيجهزوا كل حاجة وهبعتلك التذكرة."
"تمام."
اتفقت مريم مع إيهاب على السفر دون إخبار أحد. كان الجميع مشغول في تجهيز منزل زين لاستقبال بسنت ووالدتها، فكان لم يلاحظ أحد ما تخطط له مريم. كانت ملك تراقب مريم من بعيد وجلست تحدثت معها وبعد إلحاح أخبرتها مريم بقرار سفرها:
"ومحدش يعرف؟"
"ولا حد هيعرف.. أهلي بس اللي هيعرفوا يوم سفري وإنتي دلوقتي."
"ليه مخبية كده؟"
بنبرة غاضبة:
"مش عاوزة حد يعرف يا ملك أنا حرة.. لو قولتي لحد قبل ما أسافر هيبقى آخر مرة تعرفيني."
كانت مريم نبرتها حادة وغاضبة. أرسل إيهاب لمريم التذكرة وموعد السفر قبل كتب كتاب زين بيوم.
تحدثت مع والدها ووالدتها وأخبرتهم وطلبت منهم ألا يخبروا أحد وبالفعل لم يخبرا أحد.
سافرت مريم وكان إيهاب ينتظرها في مطار دبي:
"ويلكم يا مريم."
"أهلاً بك."
"الرحلة كانت خفيفة."
"الرحلة كانت أخف حاجة أعيشها."
لاحظ إيهاب نبرتها المختلفة وشعر بوجود خطب ما:
"يلا بينا نلحق الطيارة وجهزي نفسك رحلة 8 ساعات لسنغافورة."
"جاهزة."
"وهناك المدير منتظرنا."
"وإنت معايا كولي أمري؟"
"ممكن تقولي كده وهبقى مدرسك هناك."
"بجد."
"لو مضايقك أمشي."
"لا أبداً بالعكس اللي نعرفه أحسن من اللي منعرفهوش."
"أنا قولت كده.. يلا."
في الإسكندرية جلست سناء تبكي ورأتها سوسن وعلمت بخبر سفر مريم. عادت إلى المنزل وأخبرت محمود وسمعهم زين وهو خارج من غرفته:
"إنتي بتقولي مريم سافرت.. سافرت فين؟"
"قبلت عرض إيهاب تدرس برا."
ذهب إلى منزل كرم وسناء:
"إزاي سبتوها تسافر كده.. إزاي متقولوش لينا."
"هي طلبت محدش يعرف إنها مسافرة."
"سافرت كندا خلاص."
"لا هي مش في كندا."
تفاجأ زين:
"اومال فين؟"
"مقلتش؟"
"نعم.. مقلتش لأهلها مسافرة فين.. ليه؟"
"قالت مش عاوزة حد يعرف هي راحت فين ولما توصل هتتواصل هي معانا."
أدرك زين أنه هو المقصود بإخفاء مكان سفرها عنه. عاد إلى المنزل غاضبًا. دخل غرفته وبدأ في تدمير وتكسير ما يقابله. دخلت سوسن مذعورة هي ومحمود ووجدا دم ينساب من يده:
"زين إنت عملت في نفسك إيه؟"
"أنا بجد ليه بعمل في نفسي كده.. ليه بعمل في نفسي كده."
نظر إلى سوسن وأشار عليها:
"إنتي السبب.. إنتي سبب كل حاجة والحال اللي وصلتله دلوقتي أنا ومريم كان بسببك."
"أنا.. أنا عملت إيه؟"
"ليه خبيتي علينا إننا مش أخوات.. ليه خبيتي علينا وخلتيني أعيش في عذاب ضمير طول عمري بسبب حاجة حاسسها خارجة عن سيطرتي.. بسببك مريم قبلت تتجوز عشان تهرب من إحساس حاسة هي كمان مش بإيدها وعاشت تعيسة.. بسببك واحدة تالتة اتحكم عليها تعيش تعيسة عشان هتعيش مع إنسان تعيس مبحبهاش.. بسببك خلتييني أوعد وعد نهيت به حياتي كزين حكمت على روحي بالموت."
تحدث محمود:
"مالك يا زين في إيه؟"
دخل كريم من باب المنزل المفتوح وجد بسنت واقفة عند باب غرفة زين وسمعت الحوار كاملًا ووقفت في ذهول وصدمة ودموعها تنساب من عينيها.
اقترب منها كريم:
"بسنت إنتي هنا من امتى؟"
تركته وغادرت المنزل ودخل للغرفة وجدت دم زين ويده المصابة:
"في إيه يا جماعة.. وبسنت هنا مالها مشيت بتعيط."
تفاجأ زين بوجود بسنت وتحرك مغادر للخارج لإلحاق بها. تحدث كريم بعد ما علم ما حدث:
"أيوه زين بيحب مريم ومن زمان ومن هما صغيرين ولولا كذبة سوسن مكنتش أي حاجة حصلت من جواز مريم ولا خطوبة زين وجوازه اللي مفروض بكرة ولا سفر مريم."
جلست سوسن مصدومة:
"أنا أذيتهم بالشكل ده أنا.."
جلس محمود في صدمة يحاول أن يستوعب ما حدث ومدى الألم الذي يشعر به زين ومريم.
كانت بسنت في منزل الزوجية تجمع أغراضها بعصبية يغلبها الحزن، يديها ترتجفان بين الحقائب ودموعها تنساب بصمت. وهي مغادرة صادفت زين أمامها. توقفا ونظرت إليه وملامح وجهها تنزف وجعًا. تحاول أن تغادر وأمسك زين يدها ودخل المنزل وأغلق الباب:
"بسنت حقيقي أنا آسف."
تنظر إليه ودموعها تنساب بغزارة:
"آسف على إيه.. آسف إنك محبتنيش.. طيب كنت هتجوزني ليه.. إنت فاهم كان إيه هيحصل هنتجوز.. هنتجوز وإنت عارف إن أنا هعيش تعيسة وإنت هتكون تعيس.. ليه كنت هتعمل فينا كده.. هل أنا أستاهل ده.. أنا عملتلك إيه."
"صدقيني غصب عني.. أنا كنت هتكلم معاكي لكن إنتي ومامتك وتمسككم بيا وإحساسي إني مش عاوزة أتخلى عنكم ربطني.. مكنش ينفع أقول لمامتك وهي مريضة بالشكل ده لأ."
"لأ تقول يا زين.. تقول.. تقولها بنتك تستاهل تعيش سعيدة وأنا مش هقدر أحقق لها السعادة دي.. تقولها لو وافقت هعيش تعيس وهي كمان ودي مش هتكون حياة."
"مقدرتش.. أنا آسف بجد."
وقفت بسنت تستجمع قوتها:
"الحمد لله إن كل حاجة اتعرفت دلوقتي أحسن كتير ما تتعرف بعدين نكون أذينا بعض وشوهنا نفسنا بعلاقة مشوهة ملهاش أساس.. عارف أنا من البداية كنت شاكة إن في حاجة غير طبيعية بينكم وإنكم أخوات.. كانت بتسكتني ولما اتعرف الحقيقة الشك فضل ملازمني لكن معاملتك معايا كانت بتكذب إحساسي.. بتعاملني كويس وبتهتم بيا مفيش حاجة عملتها حسيت بعكس كده.. برافو يا زين برافو."
"الموضوع مش سهل زي ما إنتي فاكرة.. لخبطة حصلت واجبرت أساير الواقع.. بسنت من حقك تكرهيني وتذميني وتعملي اللي عاوزاه أنا مش هتكلم لأنه حقك."
"مش هعرف أكرهك يا زين.. كنت هكرهك لو كنا اتجوزنا لأنك كنت هتوصلني أكره نفسي.. الحمد لله على كده.. أنا هاخد ماما من الفندق وهرجع القاهرة وهعرفها كل حاجة واعتبر الموضوع منتهي.. أتمنالك السعادة اللي عاوزها في حياتك مع مريم."
سحبت حقائبها وهي تشعر بالجرح ولكن ليس من زين ولكن مجروحة من الحلم الذي انهار، من الحب الذي ظنته متبادلاً. وغادرت المنزل ووقف زين في مكانه عاجزًا.
توجه زين إلى المرسم وبحث في كل ركن فيه على الدفتر لمعرفة العنوان، لم يجده. حاول أن يتذكر اسم الأكاديمية لكن ذاكرته خانته. اتصل ب إيهاب لأنه الطرف الوحيد الذي يصل إلى مريم واكتشف أن الرقم أغلق. أحس بضياع مضاعف مريم بعيدة وكل الخيوط مقطوعة.
مرت الأيام ببطء وزين يعيش على حافة القلق والانتظار شهر ونصف، كان السبيل الوحيد مكالمة هاتفية من مريم لأهلها يعرف من خلالها أي بلد. بعد شهر ونصف رن هاتف كرم ليلاً وهو في المنزل وكان الرقم محجوب فتح الخط فجأة صوت مريم:
"وحشتيني يا أبو الكرم."
"مريم.. مريم حبيبتي."
"طمنيني عليكي."
"أنا بخير متقلقوش عليا.. سناء فين وحشتني."
تحدثت معهم قليلاً على وعد باتصال آخر. في الصباح قبل أن يذهب زين إلى العمل لمح كرم يغادر المنزل واقترب نحوه يسأل عن مريم وعلم باتصالها ليلاً:
"قالت هي فين؟"
"لأ.. لكن قالتلي متقلقوش عليا أنا بخير وهنتكلم تاني."
"فين الرقم؟"
أخرج كرم الهاتف وتفاجأ زين أن الرقم محجوب وعلم أن مريم اهتمت بتفاصيل صغيرة حتى لا يستطيع زين الوصول إليها. تنهد تنهيدة قوية وتبدلت ملامحه لغضب وغادر إلى الشركة وجلس في حالة من الغضب والشرود المستمر.
دخل كريم المكتب تحدث ولم ينتبه زين وقال:
"لأ يا زين ركز معايا الشغل ده مهم."
"كريم أنا عاوز إجازة."
"هتعمل بيها إيه؟ هتروح الساحل ولا هتصيف في أوروبا تغير جو.. ع الأقل الشغل هيلهيك.. بطل كلام عبيط ركز في مستقبلك وشغلك."
"مش عارف.. مش عارف أركز في أي حاجة وأنا مش عارف أوصل لمريم."
"مش هي طمنت كرم وسناء وهما قالوا إن صوتها كان كويس وبخير.. إحنا محتاجين إيه غير إننا نطمن عليها واطمنا."
"إنتوا ده اللي محتاجينه لكن أنا محتاج أشوفها وهي قطعت كل الخيوط اللي ممكن توصلني ليها."
"وهي مش عاوزة تشوفك.. ده اختيارها وقرارها.. أنا معرفش إيه سبب القلبة الغريبة دي اللي محصلتش في عمركم بس أنا متأكد إن سببها قوي يخليها تبعد كده.. عمومًا هي كدا كدا هترجع إحنا أهلها وهنا بيتها ومريم متقدرتش تعيش بعيد عن هنا.. اقعد كده واهدى واشتغل وصدقني في يوم هتلاقيها داخلة علينا بالزيطة بتاعتها."
كلمات كريم لم تهدأ زين ولكنها أشعلته غضبًا.
بعد مرور 7 شهور لم يستطع زين تخمين وقت محدد لاتصال مريم لأنها كانت تتصل في أوقات عشوائية وهذا مما أثار غضبه بقوة. طلب كريم منه السفر إلى دبي لحضور اجتماع عمل كنوع من التشتيت ووافق زين.
سافر زين دبي لحضور اجتماع عمل. في زاوية مطعم في دبي كان زين يجلس على طاولة أنيقة يشارك في عشاء عمل رسمي مع مجموعة من العملاء المهمين، وفجأة وبينما يستمع زين لكلمة أحد الحضور التفت لا شعوريًا ببصره إلى الطاولات المجاورة. تجمد للحظة. هناك على بعد خطوات كان يجلس إيهاب مختار تحيط به مجموعة من الأشخاص يبدو في اجتماع خاص أو لقاء مع أصدقائه. لم يستطع زين التجاهل، الاهتمام بالاجتماع بدأ يتلاشى. استأذن بلطف من عملائه ثم نهض متوجهًا بخطوات ثابتة نحو طاولة إيهاب. عيناه لم تفارقا إيهاب وقلبه ينبض بسرعة. مزيج من التوتر والأمل كان يدرك أن هذه لحظة حاسمة وربما الوحيدة لمعرفة مكان مريم.
تفاجأ إيهاب بوجود زين وبعد تبادل التحيات اتفقا أن يتقابلا بعد انتهاء اجتماعهم مع الآخرين. أنهى زين اجتماعه سريعًا، بالكاد كان حاضر الذهن طوال الوقت. كان يلقي نظرات خاطفة نحو طاولة إيهاب يراقبه بصمت. وبمجرد أن صافح الحضور مودعًا اتجه نحو إيهاب الذي كان جالسًا وحده:
"تشرب إيه."
"أنا مش قاعد عشان عاوز أشرب شكرًا لكن عاوز منك حاجة تانية."
"لو أقدر أكيد مش هتأخر."
"مريم.. مريم فين؟ في أي بلد؟ عنوان المعهد اللي راحته إيه؟"
ابتسم إيهاب:
"ليه بتسأل؟"
تفاجأ زين:
"نعم.. ليه بسأل؟"
"أيوه.. لأن حسب معلوماتي من مريم.. إنها معرفتش حد مكانها وده يبقى رغبتها ومن الأدب والأخلاق أحافظ على رغبتها صح."
يحاول زين التماسك وأن يهدأ:
"دكتور إيهاب.. أنا لازم أعرف مكان مريم ضروري ومفيش غيرك اللي هيقدر يقولي بعد إذنك لو سمحت قولي مريم فين؟"
"ولو قولتلك هتعمل إيه هتروحلها؟"
"ميخصش حد.. أقصد أعمل اللي أعمله."
"ولو هي اتضايقت وخدت موقف مني إيه الحل؟"
"أنا هقولها ضغطت عليك.. هددتك.. أي حاجة كانت سبب إنك تقول."
ضحك إيهاب وقال:
"إنتوا الاتنين أغرب اتنين شوفتهم في حياتي حقيقي.. متقدروش تبعدوا عن بعض ومع ذلك بتبعدوا عن بعض.. عناد في نفسكم ولا عناد في القدر حقيقي أغرب علاقة شوفتها."
"علاقتنا محدش فاهمها زينا.. ف أنا محتاج أقابل مريم ممكن."
تنهد تنهيدة قصيرة وقال إيهاب:
"تمام.. أنا هوديك لعند مريم لكن اللي بعد كده يخصك لوحدك.. قدرت ترجعها تمام مقدرتش وهي رفضت أنا هدخل وزي ما دخلت الأكاديمية دي سهل جدًا آخدها ونروح مكان تاني محدش يعرف يوصلها."
"ده تهديد."
"لأ إنذار أخير لأن اللي بتعملوه في بعض مش طبيعي وغير صحيح.. المرة اللي فاتت مريم أنا سبتها رغم مشاعري اتجاهها.. سبتها ترجع لك لأنها محبتش في حياتها غيرك ولا في مجال ولا مكان لأي حد تاني.. سبتها ترجعلك وكنت متوقع إنك هتحافظ عليها لكن اتفاجئت بالعكس."
تفاجأ زين:
"طلاقك إنت ومريم كان بسببي أنا؟"
"هي مريم مقالتش السبب؟"
"لأ مقالتش أسباب."
"عمومًا اللي حصل حصل ولتاني مرة هديلك فرصة ترجعها لو فشلت صدقني مش هسمحلك بفرصة تالتة."
"اتفقنا."
"اتفقنا.. مريم فين؟"
"سنغافورة."
بالفعل سافر زين مع إيهاب إلى سنغافورة من المطار توجها إلى الأكاديمية. وقف زين وإيهاب بعيدًا وأشار إيهاب إلى مريم كانت تجلس وسط الحديقة أمامها لوحة ترسم. غارقة في عالمها وفي تركيزها. ثبت زين مكانه ولكن قلبه يرتجف. عيناه لم تفارق مريم وكأنها أمامه للمرة الأولى. اقتربت زميلتها منها وهمست بشيء فضحكت مريم ثم مالت رأسها للخلف وهي مازالت تضحك تلك الضحكة التي يعرفها زين جيدًا وأشتاق إليها. ضحكة تنبع من القلب. وقف زين عاجزًا حزينًا وهو ينظر إليها. الشوق ملأ عينيه وشيء من الندم غلف ملامحه. أراد أن يدخل إليها ولكن أمسك يده إيهاب:
"استنى مش دلوقتي هقولك إمتى."
وقف زين وعاد النظر إليها كل ما استطاع فعله في تلك اللحظة هو أن يظل واقفًا ينظر إليها، يتنفس حضورها من بعيد ويشعر بذلك الثقل في صدره لأنه أدرك أن المسافة الحقيقية بينهما لم تكن أبدًا بالكيلومترات بل بالقرارات التي فرقتهما.
قام إيهاب بدعوة مريم لتناول الطعام خارج الأكاديمية. وافقت مريم وذهبت برفقته إلى إحدى المطاعم. كانا يتحدثان ويتبادلان الأخبار. تتابع مريم حديث إيهاب بتركيز وتحرك رأسها بين الحين والآخر بابتسامة خفيفة:
"ضيفك هيتأخر إنت قولت في ضيف جاي."
"مشغولة؟"
"متفقة مع البنات هنروح مكان فمش عاوزة أتأخر عليهم."
"لأ متقلقيش مش هتتأخري.. الضيف قرب يوصل."
كانت الأجواء لطيفة هادئة كأصدقاء خالية من التوقعات حتى تبدلت اللحظة فجأة بظهور زين. اقترب زين بخطوات ثابتة لكن عينيه كانتا تخفيان عاصفة مشاعر وعندما وصل إلى الطاولة سحب الكرسي بهدوء وجلس أمام مريم مباشرة دون أن ينطق كلمة. رفعت مريم عينيها وبين طرفة عين والأخرى اتسعت نظرتها بدهشة، شهقت بصوت خافت وهي تحدق في وجهه كأنها لا تصدق ما تراه. ارتجفت يدها للحظة وتاهت نظراتها بين زين وإيهاب وتحدث إيهاب:
"الضيف.. واعتقد إنه مش ضيف أوي ولا إيه يا مريم؟"
أحست مريم بشيء يشبه العاصفة يمر في صدرها، قلبها يخفق بسرعة وجسدها متجمد من المفاجأة. كل اللحظات التي حاولت دفنها، كل الاشتياق الذي أخفته خلف ابتسامات هادئة. الألم الذي شعرت به وتذكرت كلمته (غلطة). عاد فجأة دفعة واحدة. عاد مع حضور زين ونظرته. ظل زين يحدق فيها بنظرة طويلة. نظرة لم تحمل عتابًا بل اشتياقًا خالصًا وحزنًا وحنينًا لم يغادره منذ لحظة الفراق. تمالكت مريم وقالت:
"إزيك يا زين."
"الحمد لله وإنتي؟"
"الحمد لله زي الفل.. مفاجأة لطيفة يا دكتور."
ابتسم إيهاب وقال:
"إنتي اللي هتقوليلي بجد مفاجأة لطيفة ولا؟"
"أكيد.. (نظرت إلى الساعة) هستأذن أنا عندي موعد.. نورت سنغافورة يا زين."
تركته وغادرت المطعم سريعًا نظر إليه إيهاب وتحرك زين ليلحق بها وركض خلفها ووقف أمامها:
"مريم استني."
"خير.. في حاجة؟"
"ممكن نتكلم؟"
"مفيش حاجة هنتكلم عليها."
"لأ في وفي كتير."
"وأنا مش عاوزة أسمع.. عن إذنك."
قالتها بنبرة حادة وغادرت المطعم وعاد إلى إيهاب وتحدث إيهاب وقال:
"المحاولة الأولى فشلت.. قدامك محاولتين كمان لو فشلوا منصحكش تكمل محاولات."
نظر زين إليه بغضب وقال:
"أنا مش هرجع غير ومريم معايا.. ده آخر كلامي."
ابتسم إيهاب حين رأى رغبة حقيقية لاستعادة مريم وأدرك إصرار زين.
بدأ زين محاولاته بشغف لم يكن يملك خطة سوى قلبه. توجه إلى الأكاديمية مكان تجلس فيه مريم لترسم واقترب منها وحين قال اسمها تجاهلت وجوده لم تعرف نظرها جمعت أغراضها وتركته وغادرت دون أن تنطق كلمة تاركة زين خلفها. لاحقًا علم بمكان تجمع مريم مع أصدقائها في إحدى المقاهي كانت تجلس تضحك وتتحدث معهم ظن أنها قد تسمح للحديث معها. اقترب مجددًا وبنفس البرود تركته وغادرت. لم يتراجع وذهب إلى الأكاديمية مرة أخرى وكان يمتلئ بالإصرار والرغبة أن يتحدث معها أن يبرر لها أن يطلب فرصة. سمعت صوته مريم ووقفت تغادر امسك يدها وانزعجت ودفعت يده بعيدًا:
"إنت بتعمل إيه؟"
"مريم.. نتكلم ممكن؟"
"أنا قولتلك مفيش كلام بينا خلاص.. وكفاية وجودك في كل مكان."
"أنا آسف على اللي عملته.. آسف على أي حاجة ضايقتك."
"ضايقتني.. هو إنت خبطتني من غير قصد."
"أنا متجوزتش بسنت الموضوع اتفشكل."
قاطعت حديثه:
"معقول إنت فاكر إن أنا بعدت بسبب جوازكم.. إنت بجد فاكر كده.. أفكرك لأن واضح إنك نسيت.. الغلطة.. الغلطة اللي كان لازم تتنسي."
"أنا آسف مكنتش أقصد الكلمة أنا كنت مضغوط وفي موقف صعب و.."
قاطعت حديثه:
"مش عاوزة أسمع تبرير.. مش عاوز أسمع كلام خلاص.. أنا تحملت مسؤولية غلطتي وبس.. ارجع لحياتك ولشغلك وسيبني لحياتي ممكن."
اقترب نحوها وامسك يدها. فجأة ندهت على موظفي الأمن واقتربوا وطلبت منهم إخراجه وتفاجأ زين من تصرفها وقالت لهم باللغة الإنجليزية إنه غير مرغوب بتواجده ولن حصل ودخل ستقدم فيهم شكوى. صدم زين من رد فعلها وكلماتها وهي تنظر إليه بغضب والأمن يرافقه للخارج. حاول مرة أخرى ولكن لم يسمح له بالدخول.
علم إيهاب بتصرفها ودخل إلى قاعة الرسم كانت تجلس أمام لوحة تنظر إليها بشرود. ألقى نظرة على اللوحة وقال:
"أنا كمان بقول في حاجة ناقصة.. ياترى تكون إيه؟"
انتبهت مريم:
"دكتور إيهاب."
"اتفقنا لوحدنا إيهاب إحنا أصدقاء صح."
"صح.. كنت بتقول اللوحة ناقصها إيه؟"
"إنتي اللي هتقوليلي اللوحة ناقصها إيه؟"
نظرت إليها للحظات تتمعن تفاصيلها:
"مش عارفة."
"لأ عارفة لكن بتنكري."
"عارفة إيه؟"
"عارفة إنك بتحبي زين.. عارفة إن مشاعرك بتكون مكتملة بوجود زين.. عارفة إن أي لوحة بترسميها بتكون فيها جزء من حبك لزين.. رغم كده بتقاومي.. بتقاومي.. بترفضى.. لذلك كل لوحاتك اللي رسمتيها وقت ما جيتي كانت ناقصها حاجة.. ناقصها روحك اللي مع زين."
"أنا.."
"أنا مش عاوز أسمع أسباب ولا أعرف حاجة لأنى واثق ومتأكد مهما حصل ف اللي بينكم أكبر بكتير منه.. ومهما زين عمل بيكون بعيد كل البعد عن حقيقة مشاعره.. هو أخطأ وإنتي حاسبتيه (نظرت إليه بشدة) أيوه حاسبتيه وخلتيه يدفع ثمن اللي عمله ببعدك عنه.. ببعدك عن زين سحبتي روحه يا مريم.. ببعدكم عن بعض سحبتوا أرواحكم وعيشتوها في عزلة.. إنتوا الاتنين روح واحدة في جسدين.. مينفعش تكونوا بعاد عن بعض أكتر من كده.. الحياة.. حياتكم غير مكتملة ببعدكم عن بعض.. فرصة اسمحيله بفرصة وسامحيه رغم إني متأكد إن قلبه سامحك لكن عقلك بيقاوم.. اسمعي لقلبك يا مريم المرة دي."
"لما سمعت اتوجعت.. أسمع عشان أتوجع تاني.. وجع بوجع كده أحسن."
"بالعكس وجع بوجع ترجعي لزين.. إنتوا بتحبوا بعض يا مريم حب اتزرع بينكم من أول يوم لكم في الدنيا.. مستحيل مستحيل تنفصلوا.. القدر اختبركم واتأكدتوا إنكم لبعض.. إنتوا الاتنين تؤام روح.. مبتعرفوش تتنفسوا وإنتوا بعاد.. كفاية.. كفاية."
كلمات مريم لمست حقيقة مشاعر مريم ومحاولة هروبها. اتفق إيهاب مع زين لتدبير لقاء مع مريم بموافقتها. ذهبت إلى حديقة بجانب الأكاديمية وكان زين ينتظرها. وقفت مريم أمام زين عيناها ثابتة عليه تحمل نظراتها قسوة لم يعتدها منها. لم تتحدث كانت نظراتها تتحدث بكل ما لم تقله منذ رحلت. زين كان واقفًا أمامها بصمت ثقيل عيناه تفيض بندم صادق ونظراته تنطق برجاء خافت. كانت عيناه تترجاها وتطلب منها الغفران. اللحظة كانت مشحونة بين الاعتذار الصامت والغضب المختبئ خلف ملامحها قال زين:
"آسف.. آسف بكل لغات العالم.. آسف على كل حاجة عملتها غير مقصودة.. أنا أذيت نفسي بكلامي قبل ما أأذيكي يا مريم.. مهما قولت بجد مش هقدر أوصفلك اللي حاسه.. لما سافرتي روحي اتسحبت مني مكنتش حاسس بأي حاجة.. ولو ع الكلمة اللي قولتها أنا حمار.. بعترف قدامك إني حمار ودبش كلام."
"ده اعتراف ده."
"لو عاوزة نروح حديقة حيوان آخد استمارة إني من عائلة الحاج المخطط هعمله."
لم تستطع مريم إخفاء ضحكتها وابتسمت وقال زين:
"أفهم من كده ع رأي عمرو دياب ضحكتك يبقى قلبها مال."
"لأ مش بسهولة كده."
"اللي إنتي عاوزاه.. اللي إنتي عاوزاه مهما يكون."
"أنا مش هرجع معاك."
تفاجأ:
"إيه؟"
"أيوه.. أنا لسه قدامي سنة وشهرين.. عندك اعتراض؟"
"لأ لأ خالص ده مستقبلك وأكيد هدعمك فيه."
"كويس."
"بس هتكوني مع إيهاب توفيق المدة دي لوحدكم.. أنا عرفت إنكم بتناموا في الأكاديمية جوه.. يعني إنتي وهو في مكان واحد."
نظرت إليه بغضب:
"تاني.. بتخبط في الكلام تاني من غير تفكير إيه بتناموا في الأكاديمية دي."
"ماهو ده اللي عرفته."
"اسمه سكن الأكاديمية.. زين إنت متتكلمش خالص."
"خالص."
"أيوه خالص ممكن."
"طيب أغني ممكن وحشك صوتي صح."
"هتغني إيه؟"
"مر في حينا فيل صغنن بزلومة ظريف.. قالي لي برفق ليس هنالك ما يخيف.. لأن زيزو موجود."
انفجرت مريم بالضحك على إفساده الأغنية، كانت ضحكة خرجت من أعماقها كأنها تنهي فصلًا طويلًا من الحزن، كانت ضحكتها ناعمة وصافية. وفي لحظة مد زين ذراعيه وضمها إليه بقوة العاشق الذي كاد يفقد حبيبته إلى الأبد. احتضنها كأن العالم كله توقف وكأن لا شيء يهم سواها. شعرت مريم بيديه حولها. شعرت بالأمان الذي اشتاقت إليه وبالدفء الذي افتقدته. اقترب منها وهمس في أذنها بصوت منخفض:
"بحبك."
فأغمضت عينيها وكأن هذا الهمس وحده كافٍ ليعيد قلبها إلى مكانه ويملأ المسافة التي فصلت بينهما طويلًا. كانت لحظة خالصة لا يشوبها شيء سوى الحب.
بعد مرور 4 أعوام.
مريم في مرسمها في السطح الغارق بألوان والهدوء. كانت تجلس على مقعد خشبي تضع اللمسات الأخيرة على لوحة. وبالخارج زين يلهو مع طفلهما الصغير ذي العامين. ضحكاتهما تتعالى وتملأ المكان دفئًا. وفجأة شعرت مريم بانقباض حاد باغتها كالصاعقة. تلاحقت بعدها الآلام كأمواج عاتية. وضعت يدها على بطنها المنتفخة وصرخت منادية:
"زين.. الحقني يا زين."
ركض زين مفزوعًا. هرع إليها:
"في إيه مالك؟"
"حاسة إني بولد.. الحقني."
"قولتلك بلاش تطلعي وتكملي اللوحة مش لازم."
"لأ لازم أنا وعدت إيهاب هتخلص وهبعتهاله عشان يعرضها في المعرض."
"أهو هنعرض عرض مباشر ولادة."
"مش وقته هزار يلا المستشفى."
في المستشفى الجميع يقف بترقب. سناء وهي تحمل طفل زين الصغير وبجانبها كرم. ومحمود الذي يقرأ القرآن وبجانبه سوسن التي تحمل طفل كريم الصغير. وكريم وملك اللذان يحاولان تطمين بعض وزين الذي يتجول بخطواته اتجاه غرفة الولادة ذهابًا إيابًا من القلق. وفجأة صدح صوت طفلة جديدة للحياة. خرجت الممرضة وأخبرتهم بولادة طفلة تشبه القمر. خرجت مريم ودخلت غرفة وبعد قليل جاءت الممرضة وهي تحمل الطفلة الصغيرة وحملها زين وتحدث كرم لمحمود:
"بص حواليك يا حودا.. الحلم اللي حلمناه اتحقق خلاص وعيلتنا كبرت.. كريم وملك وابنهم وزين ومريم وولادهم.. إحنا بدأنا الحكاية اتنين وانتهت بعيلة كبيرة تفرح القلب."
ابتسم محمود وقال:
"وهتكبر لسه يا أبو الكرم.. هتكبر كمان وكمان."
زين يحمل الطفلة ولم يرغب في إعطائها لمريم:
"هاتها بقى متبقاش رخمة."
"مبقاش.. أنا اسمي الحقيقي رخمة محمود صح يا حودا."
ضحكوا وقال كريم:
"جات يا مريم اللي هتقضي على علاقتك بزين.. شوفتوا عشتوا قد إيه ومفيش حاجة قدرت تفصلكم.. أهي جت اللي هتفصلكم."
قالت ملك:
"أيوه ماهي البنت حبيبة أبوها."
تحدثت سناء:
"شدي حيلك وهاتي إنتي كمان بنوتة مع ابنك يا ملك."
تحدث كريم:
"أنا موافق موافق يا ملك.. موافقة حد ياخد حبي منك."
قالت ملك:
"إنت عاوز تحب حد أكتر مني براحتك براحتك."
"ولا أقدر ده إنتي الحب الأولاني."
ضحك الجميع وقال محمود:
"هتسموها إيه."
نظر زين إلى مريم وابتسم وقال:
"مريم."
"مش كفاية ابنك سميته زين هيبقى البنت كمان."
"أيوه عشان يكونوا أخوات حقيقي مش كده وكده."
ضحكوا الجميع واقترب زين بالطفلة إلى مريم واحتضنتها بين ذراعيها وطبع قبلة أعلى رأس مريم وقال للطفلة:
"أهلاً بيكي يا ميما في حياتنا."
تمت