الفصل 20 | من 48 فصل

رواية طوفان الدرة الفصل العشرون 20 - بقلم سعاد محمد

المشاهدات
17
كلمة
4,001
وقت القراءة
21 د
التقدم في الرواية 42%
حجم الخط: 18

فهم تلميحها، اتكأ بظهره على المقعد رغم بسمته، يتنهد بإرهاق قائلًا: فعلًا، كان في شغل كتير هنا متأجل. وقتي كله مقضي اجتماعات ولقاءات مع عملاء وصفقات. للأسف مش عارف هرجع المنيا امتى. يمكن بكرة أو بعده. شعرت درة بالضيق وتهكمت بإستهزاء قائلة: ترجع براحتك، ربنا يعينك. أنا كمان لسه راجعة من المستشفى. هغير هدومي وأروح عند ماما. خد كمل كلامك مع طنط وجدان. قالت هذا ولم تنتظر رده. أعطت الهاتف لـ وجدان وغادرت.

بينما أخذت وجدان الهاتف وعادت تتحدث لـ طوفان سائلة: إنت زعلان مع دُرة؟ شعر من حديث دُرة بالمرح حتى بعدما أعطت الهاتف لوالدته، لكن أجابها: لأ، بالعكس. ابتسمت وجدان قائلة: راجع إمتى؟ أجابها: خلصت شغلي هنا خلاص. احتمال أرجع الليلة، بس مقلتش لـ دُرة. ابتسمت قائلة: آه يمكن عشان كده حسيت إنها زعلانة. متنساش إنك مبقتش تيجي زي زمان تقضي وقتك كله في الشغل عندك. بقيت عندك هنا ست لها حقوق عليك.

تبسم هو الآخر يشعر بشوق لـ دُرة. لا تعلم والدته أن مكوثه هنا سابقًا لفترات طويلة كان من أجل البقاء قريبًا منها. تنهد قائلًا: أنا جاي الليلة أو بكرة بالكتير. ابتسمت وجدان قائلة: تجي بالسلامة، بلاش تتأخر. أغلق الهاتف وضعه أمامه على الطاولة. اتكأ على المقعد يرفع يديه خلف رأسه، لكن سمع صوت فتح باب المكتب. نظر نحوه تفاجأ بمن دخلت. اعتدل في جلسته قائلًا بإستغراب: روزان!

رغم ما تشعر به من حب له، لكن في هذه اللحظة تشعر بالحقد منه. لكن رسمت بسمة هادئة على شفتيها قائلة بصوت ناعم يخفي توترًا: مفاجأة غير متوقعة، مش كده؟ ظل ينظر لها للحظات. لم يكن يتوقع رؤيتها، الآن ولا بهذه الطريقة. تحدث بنبرة حذرة: مفاجأة فعلًا.

إقتربت بخطوات بطيئة حتى أصبحت أمامه وتغاضت عن أنه حتى لم يقف استقبلًا لها، لكن هي ابتلعت ذلك. وكادت تنحني عليه تُقبله، لكن هو عاد بالمقعد للخلف. ثم نهض واقفًا ينظر لها بإزدراء قائلًا بنهي: روزان، إحنا خلاص اتطلقنا. نظرت إليه مباشرةً. نظرة كانت خليط من العتاب والألم وهي تتحدث بسؤال كأنه حق لها: إزاي قدرت تخرجني من حياتك كده بالسرعة دي من غير حتى كلمة وداع... وإزاي دلوقتي في واحدة تانية واخدة مكاني، اسمها "دُرة"...

مش كده. سادت لحظة صمت بينهما، قبل أن يقطعها طوفان قائلًا بتفسير وصرامة: أظن كان بينا اتفاق من قبل ما نمضي على ورق الجواز العرفي. مالوش داعي طريقتك دي. أعتقد إنك مخسرتيش حاجة من طلاقنا. ابتلعت طريقته الجافة. هكذا كان دائمًا معها جاف، كأنه تزوج بها للهروب من شيء. فجأة مر على رأسها، طلبه للزواج منها تلك الليلة. كان يبدو وكأنه يبحث عن طوق نجاة... لا عن شريكة حياة... نظرت إليه بعينين تلمعان بقهر مكبوت، وقالت

بنبرة منخفضة لكنها موجعة: فعلاً... أنا كنت مجرد مهرب، وأنا غبية صدقت إنك محتاجني... صدقت إن في عندك مشاعر ليا حتى لو كانت قليلة... فيها إيه دُرة مكنش عندي يا طوفان. تعرف أنا كنت بسمعك تهمس بإسمها وإنت معايا عالسرير، ليه اتجوزتني عشان هي كانت لغيرك، بس... تبدلت نظرة عيناه لغضب. هي ذكرته بما كان يعتقد أنه نسيه، أن دُرة وافقت على عقد قرانها من حسام، وأن ليلة زواجه من روزان كانت هي نفس ليلة عقد قران دُرة وحسام...

تلك الليلة التي شعر فيها أنه يحتضر من الداخل... خسر كل ما كان يتمناه... فقرر أن ينتقم من نفسه، بزواج لم يكن حبًا، بل ربما انتحارًا ببطء... وقتها كان يريد تدمير نفسه بأي شكل، وقد كان زواجه العرفي من روزان هو هذا التدمير. شعرت روزان بضيق من صمته. تابعت، بخطوة للأمام وصوت متهدج: بس عارف يا طوفان؟ أكتر حاجة وجعتني مش الطلاق... لأ، اللي وجعني إنك كنت واخدني مسكن... لاء مش مسكن منوم...

بس للأسف مفكرتش في مشاعري اتجاهك. أنا مش ملاك وهقولك أتمنالك السعادة، بالعكس يا طوفان أنا بتمنالك تعيش نفس الإحساس اللي أنا عيشته لما انت طلقتني، ومحستش بوجع قلبي، ولما اتجوزت من غيري في العلن قدام الناس. كمان واضح إنك مبسوط معاها، بس بلاش تفكر إنك هتبني سعادتك على تعاسة قلبي. في حاجة انت معملتش حسابها. نظر لها بإستفهام، وقبل أن يسأل توجهت روزان نحو باب الغرفة. وقبل أن تغادر نظرت له قائلة: هتعرفها في الوقت المناسب...

القلوب لما بتنكسر... مبتتصلحش، وبتتحول لصخر... وانت كسرت قلبي يا طوفان... بس أوعى تفتكر إنك هتتهنى، لأن اللي بيزرع وجع في غيره... بيحصد ندم، حتى لو بعد حين. ثم أغلقت الباب خلفها، بصوت خافت لكنه كان كفيل يرن في أعماقه مثل صدى ضمير... وقف هناك ساكن، عينه على الباب، لكن عقله شرد في ليلة فقد فيها دُرة، وفقد بعدها نفسه...

فحاول ينتقم من ذاته. عاد يجلس مرة أخرى يفكر لو كان تبدل القدر واكتمل زواج دُرة وحسام هل كان سيتحمل ذلك؟ بالتأكيد لا. بمنزل عزمي دخلت سامية إلى غرفة النوم. وجدت عزمي ينتهي من ارتداء ثيابه. نظرت له بسخط وهو يضع العطر، تحدثت بسخرية قائلة: لابس الجلابية الفلاحي وبتحط ريحة كمان، رايح فين كده. بغيظ منه لها تحدث بنبرة استهزاء: رايح اتجوز عليكِ. تهكمت بضحكة سخرية قائلة:

وماله اللي خدته أم الشعور تاخده القرعة. ابقي اختار زين واحدة تليق تبجي ضرة بت الحسب والنسب. نظر لها متهكمًا: حسب ونسب، وماله، ما هو القرد في الغابة له عشيرة. اغتاظت منه بشدة، لكن لن تستسلم وتحدثت: بس قبل ما تتجوز، جوز ولدك الكبير الأول. تهكم بسخرية قائلاً: وماله أجوزه وأصرف عليه هو ومراته. نظرت له بلا مبالاة قائلة: وماله، وانت فقير. نظر لها بإندهاش سائلًا: انت بتتكلمي جد. أومأت برأسها قائلة:

أيوه بكلم جد الجد كمان. وليد فاتحني وقالي إنه عاوز يتجوز. تهكم عزمي ضاحكًا يقول: يتجوز... ده يا دوب كمل واحد وعشرين سنة، حتى مش بيشتغل. حتى الدراسة في الجامعة سابها وفاشل في كل حاجة. مش فالح غير يركب الحصان يتمختر به عالسكك. مين اللي هترضي بواحد سوابق كمان. تفوهت بضجر ونهي:

بطل تقول عليه سوابق. وهو مجاليش مين اللي عاوز يتجوزها. هو بس جالي إنه عاوز يتجوز، وأنا جولت أعرفك عشان عارفة إنك هتعارض. بس أنا بقول توافق وتسيبه يتجوز يمكن الجواز هو اللي يصلح حاله. نظر لها متهكمًا باستهزاء قائلاً:

الجواز يصلح حاله. ده أكيد لو لحس بلاط الجامع بلسانه مش هيتصلح حاله. ابنك قاتل قاتل اتنين لو مش أنا اللي والست ودفعت لـ مرعي بدران كان شهد عليه، وكان قدم السلاح للبوليس وأقل ما فيها كان ولدك خد تأبيدة في السجن. عقلي ابنك وقولي له يتعدل الأول قبل ما يقول عاوز أتجوز. أنا مش فاضي للرغي، ومن غير سلام. غادر الغرفة وهو يتهكم يهمس بإستهزاء، بينما هي بعقليتها تفوهت: هتوافق يا عزمي وغصب عنك. بمنزل والد حاتم على طاولة العشاء

جلست جود بعدما أمرها والد حاتم قائلاً بأمر: اقعدي يا جود، إنتِ ملكيش الإرهاق ولا الشغل الكتير. بدرية هتجيب الأكل. أشارت له بدرية... فذهب إلى المطبخ. نظرت له بغضب وضيق قائلة: ويعني أنا اللي فيا عافية، كفاية عليا قتل ولدي قبل فرحه بأيام هد جلبي... انت مش حاسس بقهرة قلبي. شعر زوجها بوخزات قوية في قلبه قائلاً:

مش بس انتِ اللي اتقهرتي وجلبك اتهد يا بدرية، بس بلاش تبجي ظالمة ومفترية على غيرك. جود بت ناس، كمان حبلى محتاجة راحة. خلي في جلبك رحمة، بلا الاستبداد وإنك تضغطي على حاتم. كفاية يا بدرية أنا ساكت من الأول ومش عاوز أحرجك أو أضغط عليك عشان حاسس بقهرة موت حسام، لكن انتِ بكده هتخسري حاتم كمان. تلهفت بهلع قائلة: بعيد الشر، انت عاوز حاتم هو كمان... صمت لسانها، بينما أوضح زوجها قائلاً:

لما بيت حاتم يتخرب مش هيبقي سعيد يا بدرية، وده آخر تحذير مني. بعد كده هطلب من طوفان ياخد أخته لحد ما تقوم بالسلامة. مش عارف ليه حاسس إن جواكِ أمنية إن الحمل ده ميكملش. نظرت له بإستهجان قائلة: إحساس غلط. أنا كل الحكاية مش عاوزها تتمرع علينا وإنها بنت الحسب والنسب وأعالي الناس. تمم على سخريتها قائلاً:

أيوه بنت أعالي الناس ونسب عالي عن نسب أخوكِ اللي كنتِ مموته نسب عليه. مش عشان حسام كان بيحب دُرة، لاء أملاك مُختار. الطمع في جلبك لسه في الأرض اللي باعها لـ طوفان بعد ما استردها بالمحكمة، وطلعتِ بدون أي ورث فيها. فوقي وحافظي على بيت ابنك وكمان فكري، يمكن اللي في بطن جود يكون هو العوض عن موت حسام شاب. نظرت له بحقد قائلة بنبرة غاضبة: محدش هياخد مكان حسام. وبحديثك ده أنا...

قبل لحظات بعدما تحدث والد حاتم لها بهذه الطريقة اللطيفة، شعرت بسعادة، لكن حين ذهب نحو المطبخ وظل دقائق شعرت بالحرج من جلوسها وحدها. رغم أنها ليست فضولية، لكن نهضت ذهبت نحو المطبخ، توقفت بعدما سمعت حديث والد حاتم مع زوجته بهذا الشكل، شعرت بالصدمة من طريقته معها كذلك مواجهته لها بعيوبها الواضحة. حتى من بجاحة بدرية، بدل أن تفهم غرضه، كادت تتغطرس وبالتأكيد ستتلاعب على أوتار حاتم، وقد يدخل إلى عقله أن والده غير مهتم بحسرتها لفقدان حسام. لحظة فارقة، وكشفت عن نفسها. قبل أن تتعجرف بدرية تحدثت جود بهدوء حذر وصوت ثابت، قاطعًا

للحظة الصراع بينهم: الأكل برد عالسفرة. سادت لحظة صمت وتبادل في نظرات العيون، قبل أن تتحدث بدرية بحجة وهي تنظر نحو زوجها: أنا مش جعانة حاسة إني مصدعة. اتعشوا إنتم، أنا رايحة أنام. ذهبت بدرية نحو غرفة النوم. بينما لم يبالي زوجها وهو يشعر بالأسف. وضع يده على كتف جود قائلاً بود ومرح: تعالي إحنا نتعشى وبدرية لما الصداع يروح تبقي تاكل براحتها... أنا عاوز حفيدي يجي متغذي كويس.

ابتسمت جود له بمودة وتمنت أن يتبدل حاتم ويصبح شخص لطيف ولين في تعامله معها مثل والده. بعد وقت شعرت جود بعدم الرغبة في النوم. شيء بداخلها يقاوم السكون، وكأن أفكارها تتراكم فوق صدرها فلا تدعها تغفو... تذكرت هوايتها التي كانت دائمًا ملاذها من ضجيج الحياة... الرسم. نهضت بهدوء، ذهبت نحو غرفة المعيشة أضاءت نورًا خافتًا، فتحت تلك الحقيبة التي لا تفارقها، أخرجت منها أدوات الرسم.. الألوان وأقلام الفحم، وبعض الأوراق السميكة.

جلست على الأرض، أسندت ظهرها إلى الأريكة، وبدأت ترسم... لم تخطط لما سترسمه، لكن يدها كانت تقودها، ترسم خطوط وجه طفل صغير بعد بدأت تتشكل، بعينين واسعتين كأنهما تنضخان بالسعادة... ثم وجه آخر، شاب يشبه حاتم. مرت دقائق، وربما الساعات، ولم تشعر بالوقت... كانت فقط ترسم في صمت وسكون كأنها منفصلة عن العالم، حتى أنها لم تشعر بـ حاتم الذي وقف على عتبة الغرفة يتأملها وهي جالسة هكذا كأنها شاردة...

في عالمها الخاص، لا يتحرك فيها شيء سوى أناملها التي تنساب برفق فوق الورق، ترسم الملامح كأنها تنحتها من ذاكرتها أو من قلبها... ظل حاتم واقفًا دون أن يقاطع، يتأمل تفاصيل وجهها المنهمك، والهدوء الذي يكسو ملامحها، وكأنها تهمس للورق بما تود قوله... دون كلام. اقترب خطوة حتى أصبح يرى ما ترسمه. لم يفهم تحدث بإستفسار: مين الطفل ده... ومين التاني اللي جنبه ده؟

انتفضت قليلاً تشعر بفزع، كأن صوته سحبها من غيبوبة ناعمة. نظرت إلى الرسمة ثم إليه، ولم تجب... فقط ابتسمت، ورفعت عينيها إليه، بعينين تشبهان ما رسمته تمامًا... لحظات صمت، كادت أن تخبره عن ما عبرت عنه الصورة... هو وطفلهما كان باقيًا فقط أن ترسم نفسها معهما، لكن يبدو أن الصورة ستبقى ناقصة. لم يهتم بصمتها... بل نظر لجلستها على الأرض قائلاً: الدكتور قايل بلاش حركة كتير وتنامي على ضهرك، قاعدتك كده ممكن تتعبك. ماذا قال...

هل فحوى حديثه أنه مهتم بها وبصحتها... خفقات قلبها تزداد. ليته يكون هكذا فعلاً، وحتى إن لم يكن يكفي قوله.. والإندهاش الأكبر الذي يجعلها لا تصدق عينيها. يداه. أغمضت عينيها قد تكون في حلم. فتحتهما حين وضع حاتم يده فوق كتفها متحدثًا بتسرع: جود، إنتِ كويسة؟ فتحت عينيها ونظرت ليده التي على كتفها، شعور ما بين الدفء والارتباك سرى في أوصالها... يده التي تلامس كتفها وكأنها ترمم بها جدارًا تهشم في غفلة منه. همست

بخفوت وعينيها على يده: أنا... كويسة. خرج الصوت من حنجرتها لكن القوة كانت في قلبها. نظرت له وللحظة رأت ملامحه مختلفة... ليس هذا حاتم الذي دائمًا يرتدي قناع الجفاء والتحفظ... بل رجل آخر يشعر، يهتم... سبحت بمشاعر تتمنى لو يظل هكذا... أغلقت كراسة الرسم وتركتها فوق الأرض واستجابت له وهو يساعدها على النهوض، قلبها يخفق وعقلها يحاول الاستيعاب ولكنه يعجز عن فهم حقيقة شخصية حاتم. هل لديه شخصية أخرى عكس ما يظهره معها، أم أن...

-أم أن ماذا -الحقيقة... الحقيقة الأولى التي عاشتها معه منذ أول ليلة. شخص أناني في مشاعره معها، يأخذ ولا يعطي حتى نظرة شكر أو امتنان... حيرة تجعلها بين إعصار يشدها له، وإعصار آخر تخشى الانجراف فيه فتجد القسوة والخذلان كالسابق. سارت إلى جواره حتى دخلا إلى غرفة النوم، ... ساعدها للصعود على الفراش ودثرها بالغطاء الخفيف... ترك صراع بعقلها من تلك الشخصية.

كذلك حاتم لم يكن يصطنع ذلك، بل كان ذلك تلقائيًا منه، وداخله شعور غير مفهوم. وذكرى أول لقاء بينهما أمام ماكينة الصرف. شعر بداخل عينيها براحة ودفء غريب... وأمنية وقتها تمنى أن يراها مرة أخرى، لكن لسوء القدر كانت أقرب الناس إلى من أضاع وأهدر حق القصاص لأخيه. وسؤال بعقله لو كانت أخرى هل كانت اختلفت مشاعرك نحوها... والقلوب حائرة بين أعاصير تقذفها لا تعرف إلى أين لا تعلم؟

رغم وجوده بالبلدة من وقت باكر لكن تأخر في العودة إلى المنزل إلى بعد منتصف الليل لوجوده بأحد الأعراس لأحد الشخصيات الهامة... توقف بالسيارة في فناء المنزل ينظر نحو غرفته مع دُرة، كانت أبواب الشرفة مفتوحة... ابتسم، وهو يدلف إلى المنزل كان ساكنًا، صعد مباشرةً نحو غرفته... بقلب مشتاق. بينما قبل وقت قليل

رغم مكوثها لوقت طويل على حاسوبها تقوم بقراءة بعض الأبحاث الطبية الحديثة في مجال العيون، حتى أنها شعرت بالسأم والضجر والسُهد... كذلك سخونة في جسدها، رجحت ذلك لحرارة الغرفة، نهضت من فوق الفراش ووضعت الحاسوب على طاولة بالغرفة ثم ذهبت نحو الشرفة، قامت بفتح أبوابها وحررت الستائر التي تطايرت بخفة قليلة... ثم ذهبت نحو الحمام، أخذت حمامًا باردًا، وارتدت قميص نوم خفيف فوقه مئزر يشبهه، عادت نحو الفراش.

نزعت دُرة عن جسدها ذلك المئزر وألقته على مقدمة الفراش، ثم أبعدت الدثار الخفيف، ومددت جسدها على السرير وهي تتنهد، لا تعلم سبب تلك الحرارة التي تشعر بها، رغم استحمامها بماء بارد... رجحت أن يكون السبب حرارة الطقس، وستزول الحرارة بعد قليل، ثم تنهض لترتدي ثيابًا أخرى... لكنها غفت دون أن تدري. فتح باب الغرفة، فاستقبل أنفه عطر استحمامها المنتشر في الأرجاء...

نظر مباشرة نحو الفراش تحت ضوء خافت ينبعث من خلف ستائر الشرفة المفتوحة، وضوء خفيف من إحدى اللمبات الصغيرة بالغرفة... خفق قلبه حين رآها بذلك الثوب القصير، الشبه عارٍ، الذي يكشف ظهرها ومعظم ساقيها... لونه البني الداكن كان يبرز انعكاس بشرتها المتوردة... ابتسم، وهمس لنفسه بيقين: لو كانت تعرف أني راجع الليلة، مكنتش حتى فكرت في لمس قميص النوم ده. اقترب بخطاه الهامسة، كأنه يخشى أن يوقظ الحلم بداخله...

أو يبدد تلك الصورة التي سكنت عينيه... جلس على طرف الفراش، يتأمل ملامحها الهادئة، شفتيها المضمومتين، وتنهيداتها العميقة التي يشعر كأنها نغم يعزف على أوتار قلبه موسيقى خاصة لا يسمعها سواه.... مد يده بلطف وأزاح خصلة متمردة من شعرها سقطت على وجهها... انحنى يضع قبلة على وجنتيها. شعرت بأنفاسه تقترب، فتململت دون أن تستيقظ.... ظل يتأملها للحظات، ثم لم يتردد وهو يطبع قبلة خفيفة على كتفها العاري، همس باسمها بصوت أجش من توقه:

دُرة. كأنها سمعته، فتحت عينيها لحظات... نظرة واحدة منها كانت كفيلة بأن تزلزل قلبه... اغمضت عينيها مرة أخرى ظنًا أنها في حلم، لكن شعرت بأنفاسه وهو يضم شفتيها يُقبلها... رفت جفونها ببطء، وكأنها تحاول التأكد إن كان ما تشعر به حقيقة أم حلماً... فتحت عينيها ثبتت نظراتها عليه لحظات... فقط يسود صمت دافئ يحمل ألف كلمة. قطع هو الصمت بصوت أجش: وحشتيني.

لحظة وأخرى وعادت تشعر ليس فقط بشفاه تتجول على وجنتيها ويديه تسير فوق ساقيها بحميمية، في البداية استسلمت لعاطفته وبادلته تلك القبلات بنفس الشوق، مد يده بلطف يمسك يدها يتعمق في بث مشاعره المشتاقة وهي تتجاوب معه،.. بنفس الشوق كأنها بلا عقل... تجاوبت معه بنداء الجسد من أول لمسة... ذابت بين يديه، وهو كل شيء فيها يناديه... أنفاسها، لمسة أصابعها، تلك النظرة التي لم تفارقه، وكأنها تحفظ ملامحه.

لم تكن بحاجة إلى كلمات، ضم كفها إلى صدره، وراح يُقبل أطراف أصابعها برفق، همست اسمه بصوت متهدج، بالكاد خرج من بين شفتيها المرتجفتين: طوفان. ابتسم، ونظر لعينيها طويلًا، كأنما يخفي فيهما اعترافًا دفينًا، ثم رد بهدوء: بحبك يا أغلى دُرة. تحركت أناملها تلقائيًا تمسح على وجنته، تلمس ملامحه كمن يتحسس الطمأنينة... ارتجف قلبه تحت لمستها، واقترب أكثر حتى لم يعد بينهما سوى أنفاسٍ تتلاحق، وشوقٍ يحكي من دون صوت....

يعيشان اللحظة بتفاصيلها... لا زمن، لا مكان، فقط حضور مشاعر غامرة تروي تمحي جفاف كل بُعد، وكل فرقة.... قلبها كان ينبض بجنون، وجسده يحتضنها كما لو كان مغترب عاد إلى وطنه بعد غياب طويل.... استسلمت لحضنه، لرائحته، لصوته الذي أخذ يهمس بكلمات عشق لا تعرف الزيف، كذلك غزل يناشد قلبها.... مشاعر خاصة تخترق أعماقهما، تربت على قلبيهما، مشاعر انتهت بقبلة سلبت أنفاسهما...

انسابت أناملها فوق ظهره، تتحسس تفاصيله كما لو كانت تحفظه عن ظهر قلب... تنفسها اختلط بأنفاسه، وقلبيهما يحدثان بعضهما بصمتٍ عميق، صمتٍ يفوق في صدقه كل الكلمات... رفع رأسه قليلًا، ينظر في عينيها... يشعر بأنها المأوى والمنفى معًا. في اليوم التالي بـ المصنع الخاص بـ طوفان جلس خلف مكتبه، يعمل على حاسوبه، لكن رفع رأسه ونظر نحو باب المكتب الذي انفتح، سرعان ما نهض مبتسمًا حين سمع من ذلك الذي دخل دون استئذان يتحدث بغرور:

طوفان ولد "نوح مهران". كيفك، سمعت إنك بقيت راجل أعمال، كمان إنك اتأهلت ودخلت دنيا. بنفس طريقة الآخر تحدث طوفان: "جلال الهمامي" ولد العمدة. كيفك مته رجعت من السفر. التقيا في منتصف الغرفة يعانقان بعضهما بصداقة... ثم جلسا معًا يتحدثان. سأم وجه طوفان حين سأله جلال بمرح: قولي إيه أخبار الجواز معاك، سمعت حاجات كتير كده حصلت... كمان أخبار أختك اللي كانت بتتكسف حد يبص لها إيه. أجابه عن جود: جود اتجوزت وحامل.

زالت البسمة عن وجه جلال وتحولت إلى دهشة مصحوبة بـ رد فعل غير متوقع.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...