بصعوبة فتح عيناه يشعر بصداع قوي كذالك ألم بكامل جسده، تجولت عيناه بغشاوة على المكان، زفر نفسه وهو يحاول النهوض بصعوبة يضع يديه حول رأسه، سار بخطوات متعثرة، كأن الأرض تميد أسفل قدميه، يتكئ على جدران المكان باحثًا عن أي بصيص نور يرشده. الهواء ملوث برائحة الدخان التي تعبئ بالمكان... لمح من خلال الضباب الذي يغشي بصره كأن ظلًا يتحرك في نهاية الممر. اتكئ على يده حتى إستطاع الوقوف، ضغط على أسنانه محاولًا تذكُر، أين هو...
كيف وصل إلى هذا المكان.... لكن رأسه شبه ممحية، تضج بالألم والفراغ في آنٍ معًا... توجه إلى نهاية الممر... سرعان ما أغمض عيناه من قسوة الضوء... نظر أمامه البحر قريب، عقله مازال غير مستوعب أين هو، وكيف وصل إلى هنا، كذلك ذلك الصداع الفتاك برأسه. انتفض جسده بقوة حين شعر بتلك اليد التي قبضت على ذراعه بقوة مباغتة، كأنها تعيده من غيبوبة غامضة إلى واقعٍ أكثر غموضًا... التفت بفزع، سرعان ما تهكم عليه الآخر قائلًا باستهزاء:
مالك يا ريان باشا. مكنتش أعرف إن دماغك خفيفة كده، إنت إمبارح مستحملتش السهرة وهيست من أول سيجارة. سيجارة. بِسؤال أعاد ريان تكرارها ثم أكمل استفسارًا قائلًا: سيجارة إيه، أنا فين، وإنت مين. ضحك الآخر قائلًا: بالسرعة دي لحقت تنساني. إحنا اتقابلنا امبارح في البار بتاع الفندق... أكيد هتفتكر حفلة امبارح، كنت برينس. ذهول كذلك عدم فهم ووعي، نظرات ذلك الوضيع بها اختلاط ما بين الاشمئزاز والرغبة البائسة. بمكتب طوفان.
اندهش من رد فعل جلال الذي قال بذهول: مش معقول. هي مش لسه بتدرس في الجامعة. أجابه: أيوه، فاضل لها سنة عالتخرج، والنصيب كده. نصيب إيه. قالها جلال ثم أكمل بتوضيح: المفروض كنت تستني لحد ما تخلص دراستها. تنهد طوفان قائلًا: أنا مكنتش موافق عالجوازة أساسًا، بس هي فاجئتني ولما أمي عرضت عليها وافقت، وأنا زيك اتصدمت وتمت الجوازة... نفس يوم جوازي. استغرب جلال أكثر قائلًا:
أنا سمعت حكايات في الفترة الأخيرة، قولي إيه حصل بالتفصيل، كمان موت حسام، صحيح أنا وهو مكنش بينا استلطاف، كان شخص عنده عنجهية وغطرسة، بس لما أبويا قالي إنه اتوفى حزنت عليه. اتكئ طوفان بظهره على المقعد وتنهد بآسف وسرد له ما حدث إلى أن انتهى بزواجه هو ودُرة، كذلك جود وحاتم. استغرب جلال قائلًا: فعلًا القدر له تدابير عجيبة، وأنت بقي على كده طبعًا سعيد إن حبيبة العمر رجعتلك.
تهكم طوفان بين نفسه، حقًا يكفي قلبه أن دُرة أصبحت من نصيبه، لكن عنادها وكبرياؤها كذلك تقلباتها المزاجية كثيرًا ما تفسد سعادته، مثل ليلة أمس التي كانت بدايتها حالمة وهي بين يديه يتبادلان الغرام... لكنها فجأة انقلبت، انسحبت من بين ذراعيه وكأن نارًا مستها، حدقت فيه بعينين تومضان بعتبٍ غريب، وتحدثت بصوتٍ حاد: إمتى رجعت، مش كنت بتقول لسه عندك شغل في القاهرة... ليه بتحسسني دايمًا إني لعبة في إيدك.
سئمت ملامحه، لم يفهم ما الذي حدث.. قبل لحظات كانت تهمس اسمه بحبٍ وتتنهد بشوق، فما الذي تغير فجأة. اقترب منها، حاول لمس كتفها لكنها تراجعت، فزاد ذلك حيرة، بل ضيقًا خفيًا بدأ يتسلل إلى أعماقه... ابتلع ذلك بصبر قائلًا: حبيت أعملهالك مفاجأة. تهكمت عليه قائلة: مفاجأة مش لطيفة، ومن فضلك ابعد عني. تضايق من طريقة حديثها لكن لن يستسلم ونظر إلى صدرها وكتفيها وبعض علامات الحب واضحة عليهم، وتعمد إحراجها قائلًا:
درة بلاش طريقتك دي معايا، أنا مغصبتكيش، إنتِ كنت لسه من شوية دابة بين إيديا و... قاطعته بعينين دامعتين: من شوية كنت ناسياها، دلوقتي افتكرت... إنك دايمًا بتكدب عليا، وكمان استغليت إني كنت نايمة. شعر طوفان بصدمة... كأن جدران الغرفة تضيق عليه... لكن لم يتركها هكذا تعمد إحراجها أكثر قائلًا: غريبة إنك تنامي بقميص نوم مكشوف وكمان مش أسود. نظرت لجسدها سرعان ما شعرت بالخجل وسحبت الدثار عليها تفكر بماذا تبرر ذلك،
تنحنحت قائلة بتلعثم: عادي الجو حر وكنت زهقانة. نظر نحو شرفة الغرفة ووضع يدها على كتفها يلعب بأنامله بذلك الحبل الرفيع لقميصها قائلًا: الأوضة فيها تكييف سهل تشغليه. شعرت بتوتر قائلة بنزق: المرة الجاية هشغله، تسمح تبعد إيدك عني. ابتسم وتقبل تقلبها بل وأغاظها حين جذب بنطاله وقام بارتدائه ونهض من فوق الفراش قائلًا:
بلاش تشغيله دلوقتي، هروح آخد شاور بارد، وإنت كمان خدي شاور بارد ومش هتحسي بالحر، كده كده أبواب البلكونة مفتوحة والناموس هيدخل يعمل حفلة ويزود العلامات اللي على صدرك وأكتافك. نظرت إلى كتفيها وصدرها، سرعان ما شعرت بالحرج لكن أخفته خلف غضبها وظلت صامتة بينما هو ضحك وهو يغلق باب الحمام... عاد من ذلك على سؤال جلال: قولي أخبارك إنت إيه، واضح إنك بقيت راجل أعمال، غريبة مع إنك كنت حابب تبقى وكيل نيابة.
تنهد طوفان باستسلام قائلًا: القدر يا جلال. تنهد جلال هو الآخر متفهمًا: فعلًا القدر يا طوفان، أنا كمان عملت زيك وحاولت أتمرد بس واضح إن القدر دايمًا هو اللي بيجبرنا نتقبل في النهاية ونتخلى أو على الأقل نستسلم، أنا كمان راجع للقدر إني أورث العمودية من أبويا، غير كمان ممكن القدر ده يخليني أستسلم لرغبة أمي، نفسها تجوزني لبنت عمي مستخسرة تطلع لحد غريب. ابتسم طوفان قائلًا بمزح: مبروك مقدمًا يا حضرة العمدة بالرفاء والبنين.
ضحك جلال قائلًا: إنت خلاص صدقت إني ممكن أستسلم بسهولة كده، طبعًا جلال الهمامي مناضل حتى النصر. ضحك طوفان قائلًا: في القدر مهما ناضلت.. المكتوب مكتوب.. هترفع راية الاستسلام غصب عنك. بمنزل والدة دُرة.
بعد جلسة طويلة بين دُرة وكريمان، كانت أشبه بتحقيق من كريمان مع دُرة عن حياتها بالفترة الأخيرة، تحدثن في موضوعات كثيرة بعضها حساس وآخر مجرد استفسار عابر، لكن مازال ذلك التردد يسيطر على عقل دُرة ولكن كريمان تعرف دُرة جيدًا حين تكون حائرة بأمر يشغل رأسها... وها هو السؤال المنتظر من دُرة التي قالته بتردد: ماما هو إنتِ لما كنتِ بتبقي حامل كنتِ بتحسي بإيه، قصدي يعني إيه هي الأعراض اللي... قاطعتها كريمان بصدمة:
نفس الأعراض اللي إنتِ بتحسي بيها، يلا طلعي الاختبار من الشنطة وقومي اقطعي الشك باليقين. لوهلة تملك دُرة الغباء وسألتها بلا فهم: شك إيه باليقين. زفرت كريمان نفسها بضجر قائلة: مش معاكِ في الشنطة اختبار حمل، قومي استعمليه عشان تتأكدي إنك حامل. ارتبكت دُرة قائلة بسؤال وجواب غبي: عرفتي منين إن معايا اختبار حمل في الشنطة... إنتِ بتقري المستقبل. ابتسمت كريمان قائلة: لأ...
بقرأ وشك باين عليك، حتى من غير ما تستعملي اختبار حمل متأكدة إنك حامل وإنتِ كمان عندك شبه يقين بس مش عارفة إزاي، إنت مفروض دكتورة، يعني حتى من باب العلم بالشيء تبقي عندك معرفة، بس عقلك هقول إيه، قومي استعملي الاختبار عشان تقتنعي، وكمان لازم تتابعي مع دكتور أو دكتورة عشان حالة صدرك متتأثرش عالجنين. شعرت دُرة بالغيظ قائلة: مش يمكن تكهناتك غلط. ضحكت كريمان بإصرار قائلة:
ليه خايفة تتأكدي إنك حامل، معتقدش طوفان عنده اعتراض، بل متأكدة إنه يتمنى تقولي له إنك حامل، دُرة بلاش تخلي الماضي يضع عليكِ زهرة فرحة حقيقية. تدمعت عين دُرة وهي تنظر لـ كريمان نظرة يشوبها العتاب: ليه بحس إنك واخدة اللي حصل كأنه شيء عادي إني اتجوز من طوفان رغم إنه ساهم بشكل كبير في ضياع الحق في قضية قتل بابا. غص قلب كريمان ونهضت من مكانها جلست جوار دُرة ضمتها من كتفيها، والدموع تنزف من عينيها قائلة بلوعة:
محدش قلبه اتكسر قد قلبي يا دُرة، موت مُختار كسر قلبي وضهري، بس لازم كان لازم أقف من تاني وأتحمل عشانك، وعشان أخوكِ، انتوا أمانة مختار اللي سابها ليا، ومش معنى إني بظهر إني كويسة أبقى كده اتقبلت اللي حصل، أنا لو بإيدي مكنتش استنيت حكم المحكمة وروحت بإيدي خدت تار مختار، بس أنا مسؤولة عنك إنتِ وأخوكِ، بحاول أبين إني قوية، بس لازم أبقى قوية لو ضعفت كان زمان باسل هو كمان ضعف. تعرفي يا دُرة مختار قبل ما يموت بساعات قالي إيه؟
نظرت لها دُرة وعينيها تسأل: قالك إيه. أجابتها وهي تبتلع غصة خانقة في قلبها: قالي عندي إحساس كبير جواز دُرة وحسام مش هيكمل... عندي إحساس إن دُرة مترددة وفي لحظة هتاخد القرار وأنا مش هتعرض وقتها وهساندها، دُرة معندهاش أي مشاعر ناحية حسام غير إنه ابن عمتها، في شيء حصل هو اللي خلاها وافقت على كتب الكتاب.
ذهلت دُرة من قول كريمان، وسالت دموعها، هي كانت كذلك فعلًا، لو تأخر مقتل والدها ليوم واحد لأخبرته أنها لا تود ذلك الزواج، وتريد إنهائه قبل بداية قد تكون خاطئة ولها عواقب لاحقًا. غصبًا تبسمت شفاه كريمان حين رأت نظرة عين دُرة، ضمتها، ثم مدت يدها تجفف دموعها قائلة: متأكدة… لو مكنش عندك مشاعر لطوفان، عمرك ما كنتِ هتتقبلي جوازك منه... أو حتى على الأقل كنتِ هتمنعي نفسك عنه...
وشخصية زي طوفان كان مستحيل يفرض نفسه عليكِ أو يغصبك في موضوع زي ده، لأن لو مفيش رضا… مش هيبقى فيه روح، ولا أمان، ولا حتى لحظة ممكن تتبني عليها حياة. صمتت لحظة، ثم نظرت لـ دُرة بعمق، تحاول الوصول إلى عقل دُرة ثم أكملت: أنتِ بتحبيه يا دُرة، بس لسه خايفة تعترفي لنفسك... وده طبيعي… بس متنسيش، إن أوقات اللي بنحبه مش بيبقى محتاج تصريح، بيبقى محتاج نديه فرصة...
الحب ساعات بييجي في شكل طوق نجاة، وساعات بيبقى إعصار، وساعات بيبقى في حضن ساكت وسط الفوضى… طوفان مش سهل، بس اللي شفته في عينيه ناحيتك… مشاعر حب حقيقي. في شقة ابتهاج. كان باب الشقة مغلقًا، لكن ليس بإحكام... دفعه عزمي بهدوء ودلف إلى الداخل... توقف في الردهة، وعيناه تستقران على ابتهاج التي أسرعت نحوه بخوف ظاهر، تضم نفسها إليه. شعر برعشة جسدها الناتجة عن الرعب. لكنه لم يبال بإدعائها المتقن، وسأل بنبرة حادة: إيه اللي حصل.
أجابته بإدعاء الذعر، تتلعثم قليلاً وكأن أنفاسها لا تسعفها: أنا... أنا كنت نازلة أشتري شوية حاجات محتاجاها، مغبتش يمكن ساعة أو أقل... ولما رجعت، لقيت باب الشقة مفتوح. ضيق عزمي عينيه وهو يتفحص ملامحها، جيدًا بتعمق يبحث عن شق صغير في قناع الخوف الذي ترتديه... وتحدث بنبرة هادئة تحمل تهديدًا مبطنًا: ولما لقيتي الباب مفتوح… دخلتي ليه. اتسعت عينا ابتهاج، وتظاهرت بأنها تبتلع ريقها بصعوبة: كنت مفزوعة...
ومفكرتش، قولت يمكن أكون أنا نسيت أقفله كويس وأنا خارجة… دخلت بسرعة، لقيت الشقة زي ما إنت شايف كده، كنت هصوت وألم الجيران، بس خوفت إنت بعد كده تلوم عليا. دفعها بعيدًا عنه وتقدم خطوة، نظراته تجوب المكان بعين خبيرة، ثم فجأة سألها دون أن يلتفت: لاحظت إن كالون الباب مش مكسور. تجمدت للحظة قبل أن ترد: أكيد اللي فتحه خبير واستعمل طفاشة ولا حاجة تفتح الباب من غير ما يكسر الكالون. أدار رأسه نحوها ببطء، ثم قال ببرود: ممكن.
رمشت عينيها باضطراب، وصوتها بدأ يفقد تماسكه: أنا خايفة أوي، أنا حاسة إن روحي راحت مني ومعرفش إزاي اتصلت عليك. اقترب منها حتى كاد يلامس وجهها، وهمس: ومعرفتيش إيه ناقص من الشقة. ردت بخوف: لأ أنا مش قادرة ألم نفسي على أعصابي. تابع ملامحها بجمود وتحدث باستهزاء: مش قادرة تتلمي على أعصابك، لكن مخوفتيش تدخلي الشقة، مش يمكن كان الحرامي لسه جواها. بلعت ريقها وارتدت خطوة للوراء:
ما أنا قولت لك إني خوفت أصوت أو أستنجد بالجيران لا تتعصب عليا، دخلت وأنا برتعش وقلبي كان هيوقف، قولت يمكن يكون الحرامي لسه هنا يخاف ويهرب من غير ما ياخد حاجة من الشقة. نظر إليها طويلًا، نظرة تهكمية... ثم أدار ظهره واتجه نحو غرفة المكتب: ماشي يا ابتهاج شوفي إيه اللي ناقص من الشقة عشان نعرف الحرامي كان هدفه إيه. توترت ابتهاج وهي تنظر نحوه وهو يدخل إلى تلك الغرفة. رغم خوفها لكن لمعت عينيها، ثم توجهت نحو غرفة النوم...
بينما لم يحتاج عزمي إلى تدقيق، فأمامه أدراج المكتب مكسورة، نظر داخل أحد الأدراج، تفاجأ باختفاء تلك العلبة الذي كان يضع بداخلها السلاح، شعر بغضب عارم، وخرج ينادي على ابتهاج بصوت جهور، لم ترد، سمع نواحها توجه نحو غرفة النوم، وجدها تجلس أرضًا تنوح وهي تضرب ساقيها بقوة قائلة: الصيغة بتاعتي اتسرقت، كمان مبلغ كنت شايلاه على جنب. نظر لها مازال بعقله بعض من الشك...
أن تلك السرقة قد تكون من تدبيرها، لكن ماذا ستفعل بذلك السلاح. بمنزل طوفان. دَلفت دُرة إلى المنزل، تشعر شعور خاص، بعدما تأكدت من ما كانت مترددة من تأكيده، داخلها حسمت قرارها ستُخبر طوفان، أو بالأصح ستُؤكد شكه... تقابلت مع شكرية في الردهة، تبسمت لها بترحيب قائلة: الحجة وجدان في المندرة من شوية كانت حاسة بصداع وجولتلها أكيد بسبب وجع عينيها... مبترضاش تلبس النضارة بتقول إنها بتخيلها. تبسمت دُرة قائلة:
المفروض تلبسها ومع الوقت هتتعود عليها. أومأت شكرية بتوافق، بينما تفوهت دُرة: هروح أشوفها. ابتسمت شكرية وغادرت، بينما توجهت دُرة إلى المندرة، دلفت مبتسمة، بعد إلقاء التحية، جلست مع وجدان يتسمران حول وجع عينيها، لكن فجأة سئم وجه دُرة حين سمعت ذلك الصوت البغيض يتحدث بعشم: كيفك يا عمتي. نظرة عين وجدان تبادلت بين دُرة وذلك الوضيع الذي تعمد الاقتراب من وجدان وانحنى وكاد يمسك يد وجدان، لكنها سحبت يدها ونظرت له بغضب:
إنت إيه اللي جابك هنا يا وليد، مش طوفان أمر إنك ممنوع تدخل الدار، إزاي الغفير اللي عالباب سابك تدخل. شعر وليد بالحرج والغضب لكن أخفى ذلك قائلًا: وحشتيني يا عمتي، كمان في موضوع مهم ومتأكد إنت الوحيدة اللي هتقدر تقنعي أبوي يوافق على غرضي. رغم برودة الماء لكن يشعر بها تسيل حارقة على جلده يزفر نفسه بغضب وضيق، أزاد من برودة الماء لكن لا فرق، التقط أنفاسه بقوة... محاولًا تهدئة أعصابه ونفض غضبه...
فجأة كأنه سمع صوت سعال لم يهتم للحظات ظل أسفل الماء حتى شعر أنفاسه تُختنق… فأخرج رأسه من أسفل الماء، يفتح عينيه ببطء وقد بدأ الضيق يحاصر صدره أكثر... لكن تكرر صوت السعال مجددًا… هذه المرة لم يكن هادئًا... خرج من أسفل الماء تتساقط من شعره على وجهه المشتعل، وقلبه يخفق بعنف… وصوت السعال القوي يتكرر وكأنه نداء خافت، ضعيف، لكنه مستغيث...
جذب منشفه خرج سريعًا من الحمام، لوهلة وقف متجمدًا مصدومًا حين رأي دُرة محنية قليلاً تتألم بوضوح وهي تضع إحدى يديها على صدرها ويدها الأخرى أسفل بطنها، تسعل بشدة، تئن بألم ودموعها تسيل وهي تنظر إلى خطين من الدماء يسيلان فوق ساقيها... فزع في عينيه، كأن قلبه توقف لوهلة، وعيناه لا تصدقان ما يراه... ركض نحوها، مشاعره تتخبط بين الذهول والخوف وقلبه يكاد يخرج من صدره: دُرة! قالها بصوت خافت، كأنه لا يستطيع تصديق ما يحدث أمامه.
ارتجفت أناملها وهي تحدق في باب الحمام المغلق، وكأنها تستطيع اختراقه بعينيها لتصرخ في وجهه تلومه: وعدتني... أقسمت لي أن وليد لن يقترب من هنا... وها هو كان أمامي بلا اهتمام كأنه يتحداني. فجأة شعرت أن ساقيها بالكاد تحملان جسدها المرتعش، فجلست على طرف السرير. بداخلها جزء آخر منها كان يرفض التصديق، يتمسك بالأمل في أن له مبررًا، سببًا، أي شيء يبرر انسحابه الصامت.
دفعت على حين غرة بفيض من الذكريات، يوم همس لها طوفان بوعود الحب، يوم تشبثت بكلماته وكأنها طوق حياة... كانت صغيرة القلب.... قلبها تدرب على فنون الحب معه، فأين ذهب ذلك الطوفان.. أين ذهب ذاك الرجل الذي جعلها تصدق أن العالم مهما قسا، فهي لن تكون وحدها... أكاذيب.... وأكاذيب.... تعيشها. ودموع تسيل من عينيها وذكريات تمر، وهي مثل الريشة في الهواء. وها هي ذكرى قاسية [بالعودة لقبل سنتين ونصف]. بمنزل جدة دُرة بالقاهرة.
كانت زيارة حسام مع والدها بغرفة الضيوف. جلست تحت كتف والدها تستمتع بدلاله لها، حتى أتاه اتصال هاتفي، نهض وترك دُرة وحدها مع حسام، الذي تحدث معها بتلقائية، مغرمًا بها حقًا، يود البوح بذلك لكن دُرة معه تتحدث برسمية دائمًا لا تعطي له حتى نافذة أمل، جدار زجاجي شفاف بالنسبة له، تطرق بينهم الحديث إلى أن وصل بلا ترتيب حين تفوه بلا قصد: البلد كلها ملهاش سيرة غير خطوبة طوفان من بنت عضو مجلس الشعب بتاع الدايرة.
ذُهلت حتى أنها شعرت أن نبضات قلبها كادت تتوقف، انسحب الهواء من رئتيها... فجأة بدأت تسعل بشدة، على صوت سعالها عاد مختار، كذلك جدتها وشاهر الذي دخل إلى المنزل للتو... بينما انخض حسام، كذلك مختار الذي ضمها، يربت على صدرها بخفة...
بينما سريعًا ذهبت جدتها وعادت بذلك البخاخ، أخذه منها مختار، بدأ يساعد دُرة حتى عادت تتنفس وهدأ السعال، ينظر نحو حسام الذي للحظات دخل إلى عقله شك لكن يستحيل سريعًا ما رفض عقله ذلك الشك "دُرة وطوفان" لا مستحيل أن يقبل عقله ذلك... بينما تفوه بدفاع: معرفش إيه حصل لها فجأة كانت كويسة. بينما دُرة رغم هدوء ألم صدرها لكن هناك ألم آخر قد يكون أشد، حاولت النهوض بوهن، قائلة:
أنا فجأة شرقت بدون سبب، أنا حاسة بشوية صداع أكيد بسبب المذاكرة، هدخل أستريح. نهض معها مختار حتى دلفت إلى الغرفة وتوجهت نحو الفراش وتمددت عليه، قبل رأسها قائلًا بحنان أبوي: دُرة جبينك ساقع. تحججت بكذب: الجو برد يا بابا... دلوقتي هتغطي بالبطانية وهدفي. عاود تقبيل رأسها يشعر بقلق، لكن هي أغمضت عينيها بادعاء النوم.. غادر الغرفة وأطفئ الضوء.
بينما بمجرد أن سمعت صوت إغلاق باب الغرفة فتحت عينيها وسالت دموعها وهي تفتح هاتفها، قامت باتصال تنتظر الرد لكن لا رد الهاتف يعطي رنين ولا رد شعرت بأن ذلك متعمد وأن حسام على حق. مرت أيام حاولت الضغط على حالها بالانشغال في دراستها كي تنسى...
مساءً دخلت إلى منزل جدتها سمعت صوت يأتي من غرفة الضيوف كان صوت شاهر واضحًا، بتلقائية منها ذهبت إلى الغرفة لكن توقفت قبل أن تدخل إلى الغرفة حين وقع بصرها على طوفان الجالس في الغرفة، شعرت بخفقان قلب زائد كذلك شعرت بالتوتر حين تبسمت لها جدتها قائلة: تعالي يا دُرة أكيد جاية من الجامعة جعانة... هقوم أحضر الغدا نتغدا مع بعض. حايدت دُرة النظر إلى طوفان وتحشرج صوتها وهي ترد على جدتها بتهرب:
لأ أنا مش جعانة، حاسة إني مرهقة، هروح أستريح في أوضتي. شعر طوفان بغصة في قلبه من ناحيتها، هو جاء من أجل أن يراها منذ أيام يحاول الاتصال عليها وهي لا ترد كذلك يرسل الرسائل وأيضًا لا تجيب عليه... زفر نفسه بمرارة، يشعر كأن صدره يختنق... كيف تحولت فجأة لكل هذا البعد... يحاول أن يقنع نفسه أنها مشغولة، أو ربما هاتفها تعطل... لكن منظرها الآن حين رأته كذلك تهربها به شيء غريب... أخرج الهاتف من جيبه كتب لها رسالة:
"أنا جيت مخصوص عشانك.. مش هسأل ليه بتعملي كده، بس نفسي أعرف ليه مش بتردي على المكالمات ولا حتى الرسايل... درة ليه بتتهربي مني."
انتظر ينظر إلى شاشة الهاتف، بينما دُرة ألقت بجسدها فوق الفراش تشعر برغبة في البكاء، وضعت يدها على صدرها تشعر بألم، اشتد بعد رؤيتها لـ طوفان هنا، لكن دموعها تحجرت بين مقلتيها، بنفس الوقت سمعت صوت رسالة وصلت لهاتفها، ربما توقعت من من، فكرت بعدم الاهتمام، لكن تراجعت وأخرجت هاتفها من حقيبتها كما توقعت كانت الرسالة من طوفان، فكرت بعدم قراءتها لكن تحكم الفضول أو بالأصح قلبها فتحت الرسالة، سرعان ما تهكمت من محتواها،
وعادت إحدى الكلمات: جاي مخصوص عشاني... كداب. لم تهتم بالرد وتجاهلت الرسالة، وظلت بغرفتها لوقت حتى أنها غفت، صحوت تشعر بجوع، نظرت إلى ساعة هاتفها كانت اقتربت من العاشرة مساءًا نهضت قائلة: أكيد طوفان زمانه مشي... أما أقوم أحضر لنفسي عشا خفيف وكوباية قهوة عشان أصحصح وأكمل البحث اللي الدكتور طلبه مننا.
بالفعل بدلت ثيابها بأخرى ملائمة للمنزل كنزة لها قبعة على الرأس وبنطال من القطيفة، خرجت من الغرفة توجهت إلى المطبخ مباشرةً تصنع ما تريده حتى انتهت وضعته على صنية صغيرة، ثم كادت تتوجه إلى غرفتها مرة أخرى لكن توقفت حين توقف طوفان أمامها... شهقت لوهلة وتمسكت بالصنية، ثم رفعت رأسها وتلاقت عينيها مع عيني طوفان الذي تبسم لها قائلًا: دُرة... ليه بتتهربي مني ومش بتردي عليا.
توترت وهي تحاول محايدته كي تمر من جواره لكن هو قطع الطريق، نظرت له بحدة قائلة: لو سمحت وسع من قدامي. رد ببرود: لأ مش قبل ما تجاوبي على سؤالي. تنهدت بضجر قائلة: راعي إنك في بيت محترم وبلاش أسلوبك ده معايا. تهكم قائلًا: أسلوب إيه يا دُرة. تنهدت بضجر قائلة بعصبية: كفاية يا طوفان، إنت خلاص بقيت شخص خاطب و.... قاطعها مستغربًا: مين اللي خاطب. تنهدت بضيق وعصبية قائلة:
إنت، مش خطبت بنت عضو مجلس الشعب، متنساش تبقى تعزمني عالفرح عشان أتأكد إنك شخص كداب... ومشاعرِك مزيفة. -شخص كداب، ومشاعرِ مزيفة. هكذا كرر قولها، لكن شعر بوخزة قوية في قلبه قائلًا: منين جبتي الكلام ده. أجابته بعصبية: البلد كلها متشااعة بخطوبتك. ضحك متهكمًا بذهول قائلًا: كمان، وأنا معرفش، بس إنتِ عرفتي منين، وإنت بقالك سنين منزلتش البلد. توترت قائلة: عرفت وخلاص، ولا إنت كنت عاوز تكتم عالخبر السعيد. نظر لها وضحك قائلًا:
لأ طبعًا، بس أنا لو فعلًا خطبت مكنتيش هاجي هنا مخصوص عشان أقابلك وأعرف سبب عدم ردك عليا بقالك كام يوم، أكيد كنت هبقى مشغول بخطيبتي، كمان إيديا قدامك أهي فاضية، فين دليل خطوبتي. نظرت دُرة ليديه، حقًا أصابعه خالية من أي خواتم، لكن تفوهت بغباء: وهي الدبلة بس دليل الخطوبة، الخبر متشاع حتى وصلني هنا يبقى... قاطعها بغضب:
يبقى من الغباء إنك تصدقي يا دُرة، أنا لو فعلًا خطبت كان عدم ردك ميفرقش معايا، أنا عارف فعلًا في إشاعة في البلد إني خطبت، بس إشاعة كدابة معرفش مين طلعها وإيه مصلحته، أنا مش مسؤول عنها، بس في خبر تاني يمكن لسه موصلش ليكِ هنا. نظرت له بسؤال واندهاش سائلة بترقب: قصدك إيه... كان إشاعة وبقى صدق. ضحك متهكمًا بمرارة:
لأ يا دُرة أنا عمري ما هرتبط ببنت غيرك لسبب واحد إن قلبي مدقش لغيرك سنين وأنا مش شايف غيرك قدامي، فعلًا أبويا عرض عليا خطوبة بنت النائب و.... رفعت دُرة عينيها بذهول بعد صمت طوفان تحشرج صوتها وهي تقول بخفوت: وإنت وافقت؟ هز رأسه بنفي قائلًا: لأ يا دُرة. تحشرج صوت دُرة وهي تسأله: أمال إيه الخبر اللي قصدك عليه. أجابها بطلاقة: أنا قدمت استقالتي في النيابة. جحظت عينيها، بذهول، سائلة بعدم استيعاب: قدمت إيه. أجابها بتأكيد:
قدمت استقالتي خلاص انتهى شغلي كـ وكيل نيابة. بتلقائية سألته باستفسار: ليه قدمت استقالتك، كمان هتشتغل إيه في المحاماة مع شاهر. هز رأسه بنفي قائلًا: قدمت استقالتي عشان أبقى حر، ولاء مش هشتغل مع شاهر في المحاماة، أنا همسك شغل أبويا هدير المصانع بتاعتنا، يعني هبقى رجل أعمال حرة... مش سفلية. غصبًا ضحكت دُرة... وشعرت بالخزي، وظهر ذلك على ملامحها وهي تسأله: يعني إشاعة خطوبتك دي كذب. أومأ برأسه قائلًا:
كذب في كذب يا دُرة، مع إني نفسي فعلًا أخطب بس مش بنت عضو مجلس الشعب، بنت عمي "مُختار غُنيم"... توترت دُرة وشعرت بالخجل وصمتت، ابتسم طوفان قائلًا: ها رأيك إيه أتقدم وهلاقي قبول. ارتبكت وتحشرج صوتها بخفوت أجابته: فاضل شهور وأتخرج، أجل الموضوع شوية. زفر نفسه قائلًا: وليه نأجله والخطوبة هتمنعك عن التخرج. هزت رأسها بنفي قائلة: لأ، بس عشان يبقى الاحتفال اتنين التخرج والخطوبة. ابتسم قائلًا: طب ما تبقي الخطوبة دلوقتي...
ونكتب الكتاب مع التخرج. توترت بحرج قائلة: طوفان... أنا الفترة الجاية أهم فترة في الدراسة خلاص خليني أركز عالدراسة وبعد التخرج... قاطعها طوفان بغمز: بعد التخرج هنتجوز مباشرةً يا دُرة. شعرت بالحياء وصمتت، وهي تحايد النظر له لكن هو تبسم يزداد في قلبه العشق... وتمر الأيام بين مد وجزر بينهما بين أكاذيب صادقة وصدق كاذب ولكل شيء نهاية وهي كانت اختارت ما رأته صادق معها... هو عقد قرانها على حسام. "حسام"
ماذا لو اختلف القدر وكانت الآن متزوجة منه لكن عقلها مازال يرفض الفكرة، وليتها كانت هي من قُتلت. فجأة شعرت بسعال يزداد، لكن ذلك لم يؤثر، فجأة كأن شيئًا ببطنها انفجر، وقفت تنظر إلى ذلك السائل التي تشعر به، ازداد السعال، بنفس وقت خروج طوفان من الحمام رفعت رأسها ببطء، عينيها تبدل لونها إلى الأحمر الداكن من البكاء، وأثر السعال ما زال واضحًا على صوتها الضعيف وهي تستغيث باسمه: طوفان.
همست به بصعوبة، كأن كل حرف يخرج منها يشق الطريق بصعوبة عبر حلقها. لم يستطع النظر إلى تلك الدماء التي كانت تسيل فوق ساقيها، انتبه لـ سعالها، رأى قنينة الدواء على أرضية الغرفة بعيد قليلاً عن مكان وقوفها... سريعًا توجه إلى ذلك المكان الذي استقرت به قنينة الدواء، جذبها من على الأرض وعاد نحوها رغم رجفة قلبه، لكنه حاول أن يبقى هادئًا... جذبها برفق على صدره، وهو يشعر أن كل شيء حوله يتحطم تحت وطأة القلق...
عيناه مليئة بالذعر... برجاء تحدث لها: دُرة افتحي شفايفك حاولي تتنفسي بهدوء. أغمضت عينيها للحظة لا تهتم بتنفسها كل ما يؤلمها هي تلك الدماء التي اندفعت منها كيف لا تدري سبب لها... وألم يفتك بصدرها وألم ينهش كيانها خوفًا من أن تفقد جنينها... اليوم تأكدت أن بأحشائها جنين، لم تكن ترفض وجوده، لكن كذلك لم تفكر بذلك. والآن ما تشعر به هل عقاب أم ابتلاء... أنها تأخرت حتى تتأكد من حملها...
ودموع تسيل ونظرة طوفان لها تراه بغشاوة وعقلها ينسحب تدريجيًا وهي تهمس: أنا حامل يا طوفان، أنا خايفة عالجنين... أنا بحبك يا طوفان، مقدرتش أكرهك رغم أكاذيبك عليا. غابت عن الوعي، فانخلع قلب طوفان...
حاول إفاقتها لكن اندفاع الدماء لم يجعله ينتظر كثيرًا سريعًا ارتدى ثيابه جذب وشاح للرأس وضعه على رأسها ثم حملها دون أن يأخذ معه سوى بطاقته الشخصية وبطاقة الائتمان الخاصة به، جيد أن الوقت تأخر والمنزل كان هادئًا، وضع دُرة بالمقعد الأمامي قام بربط حزام الأمان عليها، قاد السيارة سريعًا، دقائق كان صوت إطارات السيارة يدوي وسريعًا ترجل من السيارة يحمل دُرة يدخل إلى المستشفى طالبًا المساعدة. بعد وقت وقفت
الطبيبة تتحدث معه بعملية: التنفس بتاع المدام محتاج يتظبط هنساعد بأنابيب الأوكسجين... بالنسبة للجنين اللي في رحم المدام فأطمن اللي حصل شئ عادي وبيحصل مفيش منه خطورة، النزيف مكنش خطير وسيطرنا عليه بسهولة، المشكلة بس في التنفس، إحنا دلوقتي حطينا المدام تحت الملاحظة لحد ما تفوق، وهنفضل نتابع تنفسها والنبض وكل المؤشرات الحيوية... لو استقر كل حاجة، تقدر تخرج من المستشفى وتكمل علاجها بالبيت.
أما بالنسبة للبيبي، النبض كويس، والحركة كويسة، ومفيش أي علامات خطر... طبعًا لما تفوق هنعمل أشعة تانية بس للاطمئنان، لكن لحد دلوقتي الأمور مستقرة... ممكن يكون اللي حصل ضغط عصبي. أنا عارفة إنك قلقان، بس صدقني الوضع مش محتاج هلع... خلّي بالك منها، أول ما تصحى، وجودك جنبها هيفرق كتير مع حالتها. أومأ للطبيبة برأسه قائلًا: شكرًا يا دكتورة.
غادرت الطبيبة ظل طوفان وحده مع دُرة بالغرفة، نظر نحو وجهها الذي عاد له بعض الحيوية اقترب منها ببطء، كأن خطواته تُحسب على نبضها، جلس على طرف السرير... نظر نحو وجهها الذي عاد يحمل ملامحها الهادئة، رغم شحوب التعب... كان يتأمل كل تفصيلة فيها. تنهد بحرارة، ومد يده بحذر، مررها برفق على يدها الباردة كأنها قطعة من روحه يخشي أن يضغط عليها فتتألم، أو يتركها فتضيع. همس بصوت مكسور: أنا هنا... مش هسيبك تاني، ولا هبعد عنك.
سامحيني... عمري ما كذبت عليكِ لكن القدر دايمًا عكس صدقي معاكِ. صمت لحظة، وكأن عينه تترقب أي رد فعل منها، رعشة جفن، حركة إصبع، أي شيء. لكنها ظلت كما هي، هادئة، نائمة، مستسلمة لعالم آخر... خفض رأسه، وأسند جبهته على يدها، كأنها طوق نجاته الأخير. نهض من جوارها جلس على مقعد بالغرفة، لم يدري كيف سحبته غفوة، استيقظ على صوت همس فتح عينيه نظر نحو دُرة، كانت غافية... لكن كأنه همسها...
نهض نحوها ملامحها مسترخية، شعر بهدوء، ذهب نحو تلك النافذة أزاح ذلك الستار، وضع يديه بجيب بنطاله ونظر للخارج، كانت الشمس بالكاد تسطع من بعيد، زفر نفسه بقوة وهو يتذكر قبل ساعات شجاره مع دُرة. بالعودة قبل ساعات.
نظرات العين بين وليد ودُرة كفيلة أن تجعل دُرة تنهض وتقتله، بينما هو رغم الرعب الذي يشعر به لكن تبجح عن قصد اقترب من وجدان وانحنى يُقبل يدها لكن وجدان سحبت يدها بغضب ونظرت نحو دُرة التي يشير عليها عقلها وهي تنظر إلى تلك السكين الصغيرة الموضوعة بطبق يحتوي على أنواع فاكهة، تحركت وجدان سريعًا جذبت وليد وخرجت من الغرفة بينما دُرة جذبت السكين وأشار عقلها عليها بقتله، لكن فجأة شعرت وخزة ببطنها، وضعت يدها على بطنها، وعادت لوعيها وضعت السكين مكانها وصعدت إلى غرفتها تشعر بغضب عارم، وحرارة من نظرة عين ذلك القاتل الذي كأنه يتحداها، هو فعلًا كان كذلك.
فعلًا... عصبية تتملك منها تلوم نفسها، ذلك الوغد الذي كان يتبجح بنظرته لها قبل فترة وجيزة أمامها كان الهلع ينضح من عينيه، لكن هو مثل طباع الجبناء حين يظنون أنهم ذو قيمة.... ذهبت نحو شرفة الغرفة دون سبب، أو ربما لسوء الحظ، كان طوفان في ذلك الوقت يترجل من سيارته، رفع رأسه نحو شرفة الغرفة، لوهلة تبسم حين رأي دُرة لكن سرعان ما تغضنت ملامحه، حين رأي وليد، نظر له باستهجان قائلًا بعنف:
إيه اللي جابك هنا، أنا مش مانعك تدخل البيت ده. ببجاحة من وليد تفوه ببرود: عمتي وحشتني، كمان كنت عاوزها في موضوع خاص. بعصبية اشتعل صوته طوفان وهو يقترب منه بحدة: موضوع إيه ده... وحتى لو دخولك هنا ممنوع، كان سهل تتصل وتكلم عمتك، تقابلها بره بيتي. شعر وليد بالغضب يغلي في صدره، لكنه تراجع خطوة للخلف، يخشى من قوة وقسوة طوفان ونظراته المشتعلة.... حاول أن يبرر مرة ثانية، صوته منخفض ومحمل بالخذلان:
هو أنا وأبويا مش قدمنا كفنا يعني.... لكن طوفان لم يمنحه فرصة، قاطعه بصوت هادر ودفعه من كتفه بقوة كادت تطرحه أرضًا: إنت قاتل ومهما عملت، عمر إيدك ما هتنضف من الدم واللي زيك مستحيل يتغفر له غور من بيتي، ومتحاولش تقرب تاني... ولو شوفتك هنا مرة تانية، ساعتها مش هفكر... وهتعامل معاك زي ما تستحق. وقف وليد مكانه لحظة، عينيه متسعة وملامحه متشنجة بين الذل والغضب، كأن الكلمة الأخيرة غرست فيه شوكًا...
حاول أن يفتح يتفوه بكلمة، لكن صوته خانه. بينما طوفان ما زال واقف، صدره يعلو ويهبط من الغضب، وعروقه نافرة في رقبته، ونظراته كأنها نار حامية، ليته يطلقها ويحرق ذلك القاتل... لكن تحدث بصوت ثابت أقوى وأكثر تهديدًا: يلا غور من هنا أخرج على رجلك بدل ما أخرجك على نقالة.
عض وليد على شفته، وابتلع غصة الغضب، وتصرف بخوف وغادر سريعًا، بينما دلف طوفان إلى داخل المنزل، تقابل مع والدته من ملامحه المتجهمة علمت أنه تقابل مع وليد زفرت نفسها، بينما تسأل طوفان: الحقير ده كان هنا عاوزك ليه. أجابته: معرفش أنا مدتش له فرصة وطردته وقولت له ممنوع يدخل هنا مرة تانية. تنهد طوفان بغضب بينما رأفت وجدان بـ طوفان قائلة:
هدي أعصابك واطلع خدلك دوش هيروقك، ومتحطش وليد في دماغك، أكيد اتخانق مع عزمي وجاي عشان اتوسط له زي قبل كده لكن أنا مستحيل أدخل في أي أمر له بعد كده. أومأ طوفان قائلًا: تمام هطلع آخد دوش وأكلم خالي سبق وحذرته إن أي هفوة من وليد هو اللي هيبقى مسؤول قدامي. وضعت وجدان يدها على كتف طوفان بأمومة قائلة: بلاش تعصب نفسك، واطلع مراتك كانت داخلة من شوية مبسوطة.
شعر طوفان بوخز قوي في قلبه بالتأكيد رؤيتها لذلك القاتل، سيكون لها تأثير، بالفعل صعد بمجرد أن فتح باب الغرفة نظرت له قائلة: دايمًا مخادع وكذاب. فهم سبب قول دُرة... شعر بعصبية قائلًا: دُرة حاذري من كلامك. تهكمت واقتربت منه بغضب قائلة: هتبرر وجود وليد هنا بإيه، وقوفك معاه في الجنينة تتسايروا سوا... أكيد كنت بترحب بيه...
جوازنا كان غلطة إني صدقتك، إنت دايمًا بتكذب عليا، الكذب هوايتك اللي متقدرش تستغني عنها، زي السجاير بتجري في دمك. نظر لها بغضب صمت للحظات قبل أن يندفع قائلًا: تعرفي يا دُرة هتفضلي طول عمرك متسرعة وتحكمي بالظاهر، أنا راجع مرهق من الشغل هدخل آخد شاور... نظرت له بغضب هو يغلق باب الحمام.
عاد مبتسمًا حين رأى تلك العصفوران اللذان وقفا على سور بالمشفى كأنهما يلعبان معًا أحدهما يقف والآخر يدور حوله ثم طارا معًا كأن بينهما وعدًا بالبقاء والرحيل معًا. بنفس الوقت سمع همهمات خافتة من خلفه... استدار ينظر خلفه يقترب من الفراش كانت دُرة تفتح عينيها ببطء، تألمت عينيها في البداية من الضوء أغمضتهما ثم عادت تفتحهما، تبسم لها طوفان وهو ينحني يُقبل جبينها، سمع همسها: أنا فين... إيه اللي جرالي. رده كان بسيط:
إحنا في المستشفى. اخترق قلبها جوابه كَسهمٍ بارد. وضعت يدها فوق بطنها بقلق، ونظرت إليه بعينين مرتعشتين.... تبسم لها قائلًا ببطء جعل قلبها يخفق بشدة: للأسف..... الجنين.... لسه.... موجود. كلماته كانت متقطعة، بطيئة... لكنها كانت كافية لتجعل قلبها يخفق بعنف، فرحًا بصداها في قلبها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!