الفصل 1 | من 48 فصل

رواية طوفان الدرة الفصل الأول 1 - بقلم سعاد محمد

المشاهدات
24
كلمة
3,727
وقت القراءة
19 د
التقدم في الرواية 2%
حجم الخط: 18

بإحدى قُرى محافظة المنيا بصعيد مصر، في ذلك المنزل الضخم ذو الطراز العصري، على صوت تنبيه هاتفها النقال، بدأت تفتح عينيها بتكاسل في البداية، ثم جذبت هاتفها ونظرت إليه. نهضت، دقائق بدلت ثيابها بأخرى وخرجت من الغرفة، تسير بين أروقة ذلك المنزل. قامت بالطرق على إحدى الغرف قائلة: "اصحوا الساعة ستة الصبح، كفاية نوم، حدانا شغل كتير لازم يخلص، قوموا حضروا الفطار، هيِّموا منكم ليها."

عادت تسير حتى صعدت إلى الدور الثاني، طرقت بخفة على باب الغرفة ثم فتحت ودلفت ببسمة قائلة: "صباح الخير يا حجة وجدان، ميعاد دوا الصداع بتاعك." ابتسمت لها بألفة ثم تنهدت بضعف قائلة: "صباح النور يا شكرية، والله بأخد العلاج في وقته بالمظبوط، وبرضه الصداع مش بيسيب راسي، ساعات ويرجع تاني... كمان بحس بحرقة في عينيا." تنهدت شكرية بأسف قائلة:

"أنا بقول نغير الدكتور ده، وكمان تروحي تكشفي نظر، عينكِ حمراء، مرات أخوي كانت كده طول الوقت تقول راسي بتوجعني، وبدلت في البرشام لحد ما الصيدلي قال لها روحي لدكتور نظر، ولما كشفت نظر الدكتور قال إن نظرها هو السبب في الصداع... وصف لها علاج ووصف لها نظارة والصداع راح." تنهدت وجدان قائلة: "كوثر أختي امبارح قالت لي كده برضو، قالت لي على دكتور عيون وقولت لها نروح له النهاردة بعد العصر...

قبل ما يوصل طوفان المسا. عشيه كلمني ع الموبايل وقال جاي النهاردة ع المسا." ابتسمت شكرية قائلة: "إن شاء الله هيكون ده السبب، هروح المطبخ أقول لهم يجهزوا الأكل اللي بيحبه طوفان بيه." أومأت لها مبتسمة بتنهيدة آسف قائلة: "بيقول إنه جاي ليوم واحد بس... زي ما يكون ضيف، بقيت بحس إنه مش طايق يقعد هنا." تنهدت شكرية بأسف قائلة:

"فعلاً طوفان اتغير بعد الحكاية الأخيرة، منه لله اللي كان السبب، والله السجن عليه قليل، ولو إنك تزعلي مني." تنهدت وجدان بأسف قائلة بخضوع: "عندك حق، بس هنقول إيه، اللي حصل كان قدر... غلطة صغيرة بسببها مات اتنين... تعرفي أوقات رغم زعلي من غياب طوفان عن هنا، بس بقول كده أحسن، قلبي حاسس إن سكوت عيلة أكيد من وراه هدف، وبالذات بسبب عدم حضور بنتهم العزا، ده بوها وجوزها برضو... مخافش غير من خبث الحريم." سئم وجه شكرية قائلة:

"ده لسه بنت بنوت متجوزتش." تنهدت وجدان بمعارضة: "كان مكتوب كتابهم والفرح كان فاضل عليه أيام، بس القدر." تنهدت شكرية بغصة. بنفس الوقت فكرت ثم ابتسمت قائلة: "كل شيء قدر، بس تعرفي يا حجة وجدان إيه اللي يرجع طوفان يقعد هنا؟ نظرت لها وجدان باستفسار. فابتسمت مستطردة حديثها بيقين: "يتجوز من هنا، وقتها غصب يرجع كيف ما كان، ميغيبش عن هنا." فكرت وجدان ثم أومأت مبتسمة بتفكير سائلة بحيرة: "تفتكري؟ أكدت شكرية:

"أكيد، وبعدين ده عدى الثلاثين سنة، هيفضل عازب لحد ما يموت." أومات وجدان بتوافق: "بس مين العروسة؟ ابتسمت شكرية قائلة: "بنات الأكابر يا مكثرهم، وكل كبرات البلد، لاه المحافظة والصعيد كله يتمنوا نسب طوفان مهران." القاهرة، بشقة فخمة، أحد الأحياء الراقية. فتح عينيه يشعر ببعض الإرهاق بسبب الأرق الذي يعيشه بالفترة الأخيرة. بسط يديه يتمطى. اصطدمت يديه بتلك الغافية جواره، نظر نحوها. سرعان ما زفر نفسه يشعر بالفتور نحوها.

اعتدل نائمًا على ظهره ينظر للا شيء، كأنه شارد الذهن. لكنه فاق على لمسات يد تلك التي اقتربت منه بدلال، تقترب بجسدها فوق صدره العاري. ثم رفعت رأسها تقبله عنقه بجرأة. شعور بالفتور ليس غريب عليه، يغروه من تلك اللمسات حتى تلك القبلات التي زادت وهي تقترب من شفتيه. أمال برأسه بعيدًا قليلًا. وضعت قبلتها فوق عنقه، ثم بدأت تتحسس صدره بيدها، تحاول استمالته.

لكن هيهات، هي تعلم كم هو شخص بارد المشاعر، لكن قد تنجح إحدى تلك المحاولات ويقع بفخ غرامها. وقتها ستنال كل ما تبغي، وأكثر ما تبغي هو ذاته، لا مانع من المجازفة. رسمت دوائر وقلوب بحركات مثيرة على صدره، ثم تعمدت ضغط جسدها على جسده. ثم رفعت رأسها تنظر إلى عينيه المظلمة، وتبسمت بدلال وهي تتحدث بتمني: "تيفو... تهكم بضحكة ساخرة قائلاً: "إيه تيفو دي، سبق وقلت لك مش بحب الدلع... ابتسمت بمكر وهي تقرب شفتيها من أذنه،

وهمست بصوت ناعم: "يعني عايزني أناديك إيه؟ ضحك بخفة، لكن عينيه ظلتا تراقبانها بحذر، كأنه يعلم نواياها الخفية. ابتعد عنها قليلاً، قائلاً بنبرة جافة: "ناديي باسمي وخلاص، مش محتاج دلع." لم تتراجع، بل اقتربت أكثر، وكأنها تختبر مدى صبره، أو ربما تتلذذ باستفزازه. بدهاء وهي تهمس: "بس أنا بحب الدلع." نظر لها مطولاً، ثم أطلق زفرة ضجر، كأنها باتت معركة صغيرة بينهما. من سيربحها؟

رفع يده وأبعد خصلة من شعرها سقطت على صدره، ونظر في عينيها مباشرة وهو يقول بهدوء حازم: "وأنا بحب النظام... فخلي بالك." لكنها لم تكن ممن يتراجع بسهولة. ما زالت تحاول، قد تنجح في الوصول إلى قلبه. رسمت بسمة وهي تضع يدها فوق موضع قلبه وقالت بتمني حقيقي: "نفسي يكون عندي بيبي منك يا طوفان." ضحك بعلو صوته للحظات. ظنت أنه قد يوافق، لكن بازدراء أبعدها عن جسده ونهض يجذب سروالاً داخلياً قام بارتدائه سريعاً.

ينظر لها بعينين تضجان بالسخرية والجمود. مرر يده في شعره بقوة كأنه يحاول استيعاب ما تفوهت به، ثم قال بصوت مبحوح من فرط الضحك: "بيبي... منك إنتِ... ده إنتِ دماغك فيها حاجات غريبة أوي." نهضت ببطء من على السرير، لم تتخل عن ابتسامتها، لكنها شعرت بوخزة صغيرة في قلبها من طريقته. تقدمت نحوه بخطوات بطيئة كأنها تخشى أن يهرب منها، ثم وقفت أمامه واضعة يديها على خاصرته، ورفعت وجهها تنظر له بتوسل خفي:

"ليه مستغرب.. مش ده الطبيعي.. ولا يمكن أنا اللي مش مناسبة أكون أم لولادك؟ نظر إليهاتمعن للحظات، ثم زفر بملل وهو يهز رأسه، نبرته كانت باردة كأنها لم تعن له شيئًا: "فعلاً إنتِ مش مناسبة تكوني أم ولادي." رغم فظاظة رده، لكن تقبلت ذلك، وضاقت عيناها بدهاء وهي تميل برأسها قليلاً، قبل أن تهمس بخبث: "إنت عارف إني بحبك وافقت نتجوز عرفي، رغم إنك عارف إني من عيلة لها قيمتها، بس قبلت بسبب رغبتك في كده، وقولت مسألة وقت و...

ضاقت عيناه للحظة، كأنه لم يعجبه استفزازها، استدار مبتعدًا عنها وهو يلتقط قميصه ويرتديه ببطء، راسمًا بسمة برود، ثم عاد ينظر لها باحتداد فظ قائلاً بنبرة جافة: "إنتِ عارفة آخر علاقتنا بتنتهي بمجرد ما بقوم من جانبك ع السرير، وأعتقد إن المقابل بتاخديه قبل ما تنامي جانبي ع السرير، فبلاش زيادة أحلام، وطالما بقى نفسك تبقي أم... أنا بقول ننهي الجوازة دي ونقطع الورقتين، وطبعًا هتلاقي اللي يتمنى نظرة رضا منك... لكن أنا...

قاطعته بتسرع وهي تتنازل عن كبريائها في لحظة ضعف، تشبثت بذراعه بيد مرتعشة، وعيناها تتسعان بارتجاف: "لا، متقولش كده، أنا مش مجرد واحدة في حياتك بتقضي معاها وقت لطيف ع السرير، إحنا متجوزين، حتى لو كان عرفي." ارتفع حاجباه بسخرية باردة وهو ينتزع ذراعه من بين أصابعها كأنه يرفض حتى أن يلوثه بلمستها، ثم أردف بنبرة ازدراء: "متجوزين... وإيه بقى قيمة الجواز ده لو ورقتين ممكن يتقطعوا بسهولة."

شهقت وهي تشعر بوقع كلماته كصفعة أحرقتها، حدقت في ملامحه القاسية بحثًا عن أي أثر للمشاعر التي أقنعت نفسها يومًا أنها موجودة، لكنها لم تجد سوى برود قاتل. أدركت الحقيقة التي لطالما تهربت منها. كانت مجرد وسيلة تسلية له، لا أكثر. عضت شفتها السفلى لتمنع دموعها من الانهمار، ثم رفعت ذقنها بعناد محاولة التماسك، وهمست بصدق: "بس أنا بحبك يا طوفان."

استدار بعيدًا عنها غير مبالٍ، بينما أخذت هي تحدق في ظهره، وهو يغادر، تاركًا لها المجال لتفكر، أو ربما لتغرق في صعوبة تحقيق أمنياتها المستحيلة. لكن تيأس. بأحد مشافي القاهرة الخاصة بالعيون. رغم ذلك الحزن المصبوغ ليس فقط بزيها الأسود، كذلك مرسوم على ملامحها، لكن رسمت بسمة طفيفة وهي تسمع إلى ذلك الطبيب الذي يتحدث بأسف:

"للأسف المستشفى خسرت دكتورة شاطرة في مجال العيون، بس متأكد المكان اللي هتروحي فيه هيكون فرصته أفضل، بتمنى لكِ دوام النجاح والتميز يا دكتورة في المكان اللي اخترتيه." ابتسمت له بدبلوماسية قائلة: "مدحك شرف لي يا دكتور، وفي أطباء أكفاء دائمًا في كل مكان، تلاميذ لأساتذة مخضرمين ومتميزين زيك." ابتسم لها وهي تغادر متأثرًا على خسارة المشفى لطبيبة ذات كفاءة. بينما خرجت تسير بالرواق لكن توقفت حين سمعت النداء "دكتورة درة".

رسمت بسمة وهي تنتظر تلك التي اقتربت منها تلهث قائلة بمرح: "مساء الخير يا دكتورة، كويس لحقتك قبل ما تمشي من المستشفى، اتفضلي." نظرت درة إلى تلك الحقيبة الورقية الكبيرة سائلة: "ده إيه اللي في الكيس؟ ابتسمت الأخرى بحياء قائلة بشكر: "ده الفستان اللي كنت طلبته منك لخطوبة بنتي، الحمد لله لبسته في الخطوبة ورفع راسنا قدام المعازيم، كتر خيرك، أنا غسلته في المغسلة والله عشان يفضل بلمعته، كتر خيرك يا دكتورة، جميلك على راسي."

بغصة قلب تبسمت قائلة: "ألف مبروك لبنتكم، ربنا يتمم لها بخير، والفستان أنا قلت لك قبل كده هدية مني ليها، أنا مش محتاجاه، خليه عندك ينفعها في كتب الكتاب، ومعاكِ رقم موبايلي، متنسيش تعزميني في الفرحة الكبيرة." تحدثت الأخرى قائلة: "ده كتير والله يا دكتورة، والله أنا أتشرف بحضورك بس أخاف أتقل عليكِ، هتجي مخصوص من المنيا للقاهرة عشان فرح بنتي." ربتت على كتفها بتواضع قائلة: "هاجي، بس إنتِ أوعي تنسي تعزميني."

ابتسمت لها الأخرى ونظرت لها بامتنان وهي تغادر، تدعو لها أن يسلي قلبها من الحزن. ليلًا، بمنزل متوسط الحجم. كانت تجلس بتلك الردهة التي تطل على حديقة متوسطة، تنظر نحو السماء شاردة. انتبهت حين سمعت: "ماما إيه اللي مسهرك لدلوقتي، الساعة قربت على واحدة ونص، حضرتك مش بتحبي السهر." نظرت له ببسمة حزينة قائلة:

"مش جايلي نوم، من وقت ما درة كلمتني ع الموبايل وقالت إنها خلاص خلصت إجراءات نقلها من مستشفى القاهرة لمستشفى الرمد في المنيا، قولت لها تيجي في القطر قالت إنها مش هتتحمل وقوف القطر كتير، وهتيجي بعربيتها، حتى قولت لها الطرق اختلفت، قالت لي هتشغل Gps، واللي يسأل ميتوهش." ابتسم بألم يعلم سبب خوف والدته من مجيء درة إلى هنا بعد عدة شهور من مقتل والدهم وخطيبها. جلس بجوار والدته يربت على يدها قائلاً:

"متقلقيش يا ماما، درة مش هتوه ع الطريق، فاكرة وإحنا صغيرين لما كانت بتروح لمكان كانت بتحفظه من أول مرة، وطالما هتيجي بالنهار يعني الطريق هيبقي شغال، متقلقيش وقومي نامي." ابتسمت له بغصة. هي لا تخشى عليها من الطريق بل تخشى من مجيئها إلى هنا بهذا الوقت. درة لم تحضر العزاء ليس لمرضها كما ادعت بل لهدف برأسها، تخشى أن تكون تفكر في القصاص والثأر. بمنزل فخم وكبير مجاور لمنزل طوفان.

لم تستطع النوم لشعورها بالغضب والضجر، تقلبت كثيراً في الفراش مما أزعج ذلك النائم جوارها. نهض بغضب وأشعل ضوء الغرفة قائلاً: "سامية، بعدين في الليلة اللي مش هتفوت دي مش هتتخمدي يا ولية في ليلتك." نهضت جالسة على الفراش تنبر وتعوي قائلة باستنها: "طبعاً إنت مش حاسس بابنك المرمي في الأحداث، وسمعت لحديت طوفان واد أختك وقبلت تجدم ولدي للمحكمة واتحكم عليه بالحبس، وأها بيقضي شبابه في السجن، وإنت وواد أختك نايمين في التكييف."

تنهد بغضب قائلاً بزم واستهجان: "ولدك يستحق اللي جراله، واحمدي ربنا لو مش طوفان كان زمانه اتعدم أو عيلة غنيم ولا بدران قتلته." تهكمت باستهزاء واستقلال شأن قائلة: "هما اللي غلطوا في ولدي، وبعدين هما عيلة بدران حداهم رجالة، ولا واد كريمان عنده نخوة عشان ياخدوا بالتار." نظر لها باحتقار قائلاً:

"متنسيش عيلة بدران أخو القتيل ظابط ويقدر يوصي زمايله في الداخلية ع ولدك، فبلاش تتحدتي كده قدام خد، بلاش طبعك الاستفزازي، وكمان عيلة غنيم مش شوية، متنسيش كلياتهم برهن إشارة من واد كريمان، فبلاش ترطي بالحديث الفاضي، والمحامي قال إن مجرد ما ولدك هيتم الواحد وعشرين سنة سهل يقدم التماس ويطلع من القضية، كيف ما قال طوفان، يعني طوفان يعتبر وقف بحر دم بتقديمه ولدك للمحكمة، ونامي في ليلتك لا يمين بالله تباتي وإنتِ مش على ذمتي."

نظرت له كادت تتحدث لكن نظرة عين عزمي أصمتتها، بينما هو نظر لها بحقد وداخله تمنى لو أخطأت رصاصة وأصابت رأسها واستراح من غطرستها وحقدها. في صباح اليوم التالي. فتح شرفة غرفته، وقف ينظر أمامه لبزوغ الشمس من بعيد. عيناه تتجولان حول تلك الأراضي التي تمتد أمامه، تلك الأراضي المملوكة له من أجداده وهو زاد من اتساعها لأضعاف. سمع صهيل ذلك الجواد، ابتسم وهو يستنشق ذلك الهواء الحار نسبيًا رغم أنها نسمات الصباح الباكر.

لم يفكر كثيراً، دلّف إلى الغرفة وارتدى ثياب الفروسية وغادر الغرفة مترجلاً إلى أسفل، لكن قبل أن يخرج من باب المنزل توقف حين سمع والدته تنادي عليه. انتظر حتى اقتربت منه، وقفت تتمعن النظر له حتى اتضحت رؤيتها له وهو بزي الفروسية، تفوهت بقلق: "رايح فين بدري كده؟ أجابها: "هطلع بالفرس أشم هوا البدرية." ابتسمت والدته رغم قلقها، وتحدثت وهي ترفع يدها لتعدل ياقة قميصه تحت السترة: "إنت مش ناوي تهدى بقى وتريح قلبي وتسمع حديثي."

ضحك بخفة وربت على يدها بحنان: "بعدين يا أمي، دلوق الفرس مستنيني، والصبحية دي ليها طعم تاني في المزرعة." زفرت ببطء، تدرك أنه لا شيء يوقفه حين يتعلق الأمر بهدف في رأسه، ثم أوصته: "طب خليك ع مهلك، ومتتأخرش عشان الفطار." أومأ لها برأسه بقبول ثم غادر. نظرت إليه وهو يبتعد، هزت رأسها بابتسامة صغيرة، ثم عادت للداخل تتمتم: "ربنا يحفظك ويهديك يا ولدي." على الطريق.

لم تخبر والدتها بميعاد خروجها الباكر وسيرها على الطريق بهذا الوقت كي لا تثير قلقها. ها هي اقتربت من مشارف البلدة تقود السيارة الخاصة بها، رغم مرور سبع سنوات لم تأتي للبلدة، رغم اختلاف ملامح الطريق، لكن لم تتوه بالطريق. لكن لم تنتبه إلى ذلك المطب الصناعي الكبير الموجود على الطريق، لسرعة السيارة لم تنتبه وغصبًا انتفضت بالسيارة مع علو وهبوط المطب.

لم تتمالك نفسها واهتزت يديها على النقود، حاولت السيطرة على السيارة لكن بنفس الوقت سمعت صوت فرقعة قوي، علمت أنه أحد إطارات السيارة قد تضرر. حاولت تطويع السيارة لكن غصبًا فقدت السيطرة على السيارة بالكامل، حاولت المراوغة على الطريق لكن الطريق محصور بين جدار خرساني يبدو أنه لمصنع كبير، والناحية الأخرى كانت دوشم خرسانية بنهايتها طريق ترابي.

لم تنتبه لتلك الشجرة التي على جانب الطريق، فقدت الأمل في السيطرة على السيارة، كادت تتخذ القرار وتقفز من السيارة. لكن نفذ الوقت وانجرفت السيارة لتصطدم بتلك الشجرة، ارتج جسدها للخلف لكن سرعان ما خبطت رأسها بمقود السيارة بقوة، فاقدة للوعي في الحال. المتعة الصباحية له. وهو يتسابق فوق جواده مع نسمات الصباح الباكر يتريض بين دروب وأشجار تلك الأراضي الواسعة، لكن اليوم انجرف بجواده وخرج إلى ذلك الطريق الترابي، صدفة أو قدر.

رأى تلك السيارة التي يرتشق مقدمتها مع تلك الشجرة، رغم حذره ترجل من فوق الجواد وذهب إلى تلك السيارة. نظر من خلف زجاج الباب، رأى فتاة تميل برأسها فوق المقود. فكر بحذر ونظر إلى الزجاج الأمامي للسيارة المشروخ، لو لمسه ربما يتهشم لقطع صغيرة. لم يفكر، قام بكسر زجاج الباب بحذر ثم فتح قفل السيارة ورفع رأس تلك الفتاة عن المقود. رأى تلك الدماء التي تسيل فوق جبينها وهي تبدو بوضوح غائبة عن الوعي.

بلا تفكير فك حزام الأمان من حول جسدها وحملها خارج السيارة. وضعها على الأرض على بعد خطوات من السيارة، سرعان ما سمع صوت سقوط ذلك الزجاج. نظر إلى تلك الفتاة الممددة أرضًا وتلك الدماء، فكر بلحظات. جذب وشاح رأسها، لحسن الحظ كان هناك وشاح آخر أسفله، قام بربطه حول رأسها، ثم بأحد أطرافه حاول إزالة الدماء عن وجهها. ظهرت ملامحها الرقيقة والجميلة بوضوح، شعور غريب سرى بجسده. ربت على وجنتيها حاول إفاقتها لكن لم تستجب له.

تنهد حائرًا وضع يده أمام أنفها، تفاجأ بأن أنفاسها تكاد تكون معدومة. تصرف سريعًا وضع يديه فوق صدرها يضغط عليه، ثم وضع يده مرة أخرى بالقرب من أنفها، ما زالت أنفاسها ثقيلة. دون تفكير في حرمانية، وضع شفتيه فوق شفتيها وقام بالنفخ للحظات، ثم ترك شفتيها وعاود الضغط على صدرها، حتى سمع سعالها، لكن ما زالت عينيها غافية. عاود التربيت على وجنتيها، لكن كان عينيها تجاهد بصعوبة.

فكر، ونهض واقفاً، ذهب إلى سيارتها فتح الباب، ونظر داخلها كان الزجاج منثوراً. رأى مقصده، زجاجة مياه، جذبها بحذر يبتعد عن الزجاج ثم عاد مرة أخرى نحو تلك الفتاة، فتح الزجاجة وضع القليل على يده وقام بنثرها على وجهها، لأكثر من مرة، حتى استطاعت فتح عينيها بغشاوة نظرت له سائلة بخفوت: "إنت مين؟ نظر بعينيها الواسعة كأنه رأى عالمًا خاصًا لا يرى فيه سوا انعكاس وجهه فقط بين مقلتيها السوداء.

سحر خاص جعلها يتذمر بغضب حين أغمضت عينيها مرة أخرى.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...