كأنها كانت لحظة إفاقة ثم عادت لفقدان الوعي. حاول إفاقتها لكن كأنها مازالت تتمسك بغفوتها. نهض واقفًا، أخرج هاتفه، سريعًا دق على أحد الأرقام وانتظر ثوانٍ تمر كأنها ساعات. حتى رد عليه الآخر سريعًا، حدثه بأمر: "هاتلي عربيتي عند الطريق الخلفي للمصنع بسرعة." أغلق الهاتف وجثا مرة أخرى. لاحظ سيل بعض الدماء من أسفل ذلك الوشاح. نهض سريعًا وتوجه إلى السيارة بحثًا عن صندوق الإسعافات الأولية حتى عثر عليه. جذبه سريعًا وعاد إليها.
أخرج قطنًا وشاشًا ومطهرًا طبيًا. أزاح ذلك الوشاح واكتشف مكان ذلك الجرح بمنتصف مقدمة خصلات شعرها. سكب المطهر فوق القطن وقام بوضعه موضع الإصابة برأسها. ثم وضع ضمادًا يضغط عليه بقوة. "من الجيد أنها غائبة عن الوعي، وإلا لما تحملت الألم." نظر نحو الطريق يترقب وصول السائق بالسيارة. دقائق قليلة مرت، مرت ساعات. تنهد حين رأى قدوم السيارة حتى توقفت بالقرب منه. ترجل سائقها وتوجه نحوه بلهفة سائلًا:
"طوفان بيه، إيه اللي حصل، ومين دي؟ نظر له بلا اهتمام قائلًا بأمر: "افتح باب العربية الخلفي بسرعة." نفذ السائق طلبه، ثم نظر نحوه. كان يحمل تلك الغائبة عن الوعي، وضعها بالمقعد الخلفي للسيارة. ثم أغلق الباب وتوجه نحو المقود قائلًا بأمر: "خد الحصان رجعه للإسطبل. ولو الحجة وجدان سألتك عني، قول لها: ظهر أمر ضروري مش هتأخر." سريعًا غادر بالسيارة بسرعة عالية، حتى أنه لم يسمع قول السائق: "إيدك بتنزف يا بيه."
بعد وقت قليل، صرير توقف السيارة كافيًا لإعلان مدى سرعتها الفائقة. لم يبالِ حتى بعدما ترجل سريعًا وترك باب السيارة مفتوحًا. عيناه على تلك الغافية بالمقعد الخلفي. فتح الباب وجذبها يحملها بين يديه إلى أن دخل إلى داخل المشفى. صرخ فيمن استقبله قائلًا: "عاوز دكتورة فورًا." ثم أكد مرة أخرى: "دكتورة مش دكتور." *** منزل كريمان. قلق ينهش قلبها منذ ليلة أمس. حاولت السيطرة عليه بالصلوات وقراءة القرآن.
يهدأ قلبها لبعض الوقت ثم يعود القلق. حاولت إلهاء نفسها بتنظيف المنزل. بدأت بفتح الستائر للنور والشمس يدلفان إلى المنزل. بعد وقت قليل أنهت ذلك. جلست تستريح لكن نبض قلبها عاود القلق. فتحت هاتفها وقررت مهاتفة درة. لكن استغربت رنين الهاتف ولا ترد عليها. زاد قلقها. بنفس الوقت اقترب منها باسل قائلًا:
"صباح الخير يا ماما. واضح إنك صاحية بدري أوي. ونضفتي البيت وكمان فيه طبخ ريحته صحتني من النوم. كل ده عشان درة. كده أنا هغير منها، وأفكر أروح أقعد أسبوع ولا اتنين في شقة القاهرة عشان أضمن إن يوم ما أرجع ألاقي كل ما لذ وطاب." ابتسمت له بحنان أمومي وجذبت يده. فانحنى عليها بسرعة، قبلت رأسه بحنان قائلة: "انت سندنا يا باسل." ضمها بحنان وقبل يدها ثم رأسها قائلًا:
"انتِ اللي سندنا يا ماما. حتى وبابا عايش، كنتِ انتِ عمود العيلة. ربنا يخليكِ لينا، وتبطلي القلق الزايد ده. درة آخر مرة قابلتها في القاهرة قالت لي إنها بتفكر في الرجوع لهنا عشان مبقتش حاسة بالأمان في القاهرة. رغم إنها بقالها فترة عايشة هناك لوحدها جنب شقة خالي، بس كان وجود بابا حتى لو بعيد عنها كان محسسها بالأمان إن وقت ما تحتاج له بمكالمة تليفون هتلاقيه جنبها."
غض قلب كريمان بمرارة وهي تشعر بسوء خشية مجيئها ومكوثها هنا لهدف برأسها. تعلم مدى تقارب وتعلق درة بوالدها حتى وهي بعيد عن هنا. كذلك هدم فرحتها قبل زواجها بأيام. تحولت الأفراح المتوقعة إلى أطراح حقيقية. *** منزل طوفان. غرفة بألوان هادئة تدل على طبيعة صاحبة الغرفة الرقيقة بطبعها الهادئ. فتحت شرفة غرفتها التي تطل على منظر تلك الأشجار المصطفة. رغم أوراقها الخضراء، لكن مازالت ثمارها الصغيرة تنمو بلونها الأخضر.
ورائحة الليمون المنبعثة تعطي انتعاشًا مع رائحة الريحان الذي نثرها الندى. منظر طبيعي يجعل النفس تصفو. لكن لفت نظرها ذلك السائق الذي يدلف نحو الإسطبل بجواد طوفان. لِفضول أو قلق منها. سريعًا بدلت ثيابها، وذهبت إلى غرفة والدتها. تبسمت وهي تدلف قائلة: "صباح الخير يا ماما." أومأت لها وجدان ببسمة حنون: "صباح النور.. يا جود، إيه مصحيكِ بدري كده؟ انتِ في إجازة." ابتسمت لها قائلة:
"نمت بدري وصحيت بدري. بس من شوية وأنا في البلكونة شفت السواق داخل بالفرس بتاع طوفان." استغربت وجدان ذلك قائلة: "غريبة، ده طلع بيه من شوية. حتى قلت لـ شكرية تخضّر الفطار على ما هو يرجع. هتصل عليه." بالفعل جذبت هاتفها الخلوي، وهاتفت طوفان. لكن سرعان ما أغلق الهاتف دون رد. قلقت قليلًا ثم نظرت لـ جود قائلة: "طوفان قفل الموبايل، خير. خلينا ننزل تحت نسأل السواق." بالفعل بعد دقيقتين كان السائق يقف أمام
وجدان التي سألته بتسرع: "ليه انت اللي رجعت الفرس للإسطبل؟ فين طوفان بيه؟ أجابها كما أخبره طوفان دون زيادة بالحديث: "طوفان بيه قالي إنه عنده مشوار ضروري ومش هيتأخر." عقدت وجدان حاجبيها بقلق، ثم نظرت إلى جود التي شاركتها نفس الشعور بعدم الارتياح. لم يكن طوفان من النوع الذي يغلق هاتفه فجأة أو يترك مسؤولياته دون تفسير واضح. سألت السائق بجدية: "وقال لك رايح فين؟ هز رأسه نافيًا: "لأه... كان مستعجل."
تبادلت وجدان نظرات مع جود، ثم قالت بحزم: "لازم نعرف راح فين... طوفان عمره ما اختفى كده بدون سبب كده." حاول السائق طمأنتهن قائلًا: "هو قال إنه مش هيتأخر." أومأن له برأسهن وهو ينصرف. بينما قلب وجدان للحظات يدق بتسارع. وبداخل قلبها شعور في الفترة الأخيرة بالقلق والخوف الدائم سواء كان بالقرية أو بالقاهرة. تنهدت بغصة، تتمنى لو تستطيع الدخول إلى عقل طوفان الذي تبدل حاله فجأة حتى قبل تلك الحادثة الأخيرة.
أصبح لابد من وضع حد كي يعود وينضبط بوجود زوجة له. *** بمنزل عزمي مهران. على طاولة الفطور. جلست سامية على المقعد المجاور له، كذلك ريان بالمقعد المقابل لها. تنهدت بصوت مسموع. رفع عزمي عينيه عن الطعام ونظر لها. سريعًا زفر نفسه بسأم قائلًا بنبرة استفسار غاضب: "إيه اللي عالصبح قالبة وشك؟ نظرت له سامية بحاجبين معقودين، ثم ردت بنبرة ممتعضة: "هو لازم يكون في حاجة؟ مش ممكن الواحد يصحى مزاجه مش رايق وخلاص؟
ارتشف ريان رشفة من قهوته وهو يراقب الحوار بصمت. بينما وضع عزمي الملعقة بعنف على الطبق، ليصدر صوتًا مزعجًا، قبل أن يتحدث بنبرة استهزاء مصحوبة بحِدة: "لأ يا حبيبتي، مش خلاص. اللي عنده حاجة يقولها بدل ما يفضل قالب الجو نكد." زفرت سامية بضيق، وأشاحت بوجهها وهي تحرك الملعقة في كوبها بلا هدف. بينما تحدث ريان بنبرة صلبة وهادئة وهو يتفحص ملامحها المتوترة: "أنا السبب يا بابا." نظر له عزمي بنظرة استفسار، فاكمل حديثه:
"عشان قلت لها إني بفكر أقضي الإجازة مع صحابي 'راس شيطان'." تنهد عزمي هامسًا لذاته: "والله انت ما محتاج تروح راس شيطان، بيكفي تبص لوش أمك." بينما ترددت سامية للحظة، ثم نظرت إليه قبل أن تقول بفتور: "أنا طول الليل أحلم بكوابيس وصحيت مش مرتاحة، وانت تقولي هتسافر مع صحابك وتغيب عني؟ مش كفاية أخويا اللي مرمي في سجن الأحداث قرب على خمس شهور، هقعد لوحدي بالدار كيف العاقر اللي مفيش حد لها عيال."
رفع عزمي حاجبه ساخرًا وهو يقطع قطعة من الخبز قائلًا بسخرية: "كوابيس...
ابقى اتغطي كويس وكفاية نكد عالصبح. أنا مش موافق إنه يسافر مع أصحابه مش قبل ما النتيجة تظهر. ولو ساقط كيف السنة اللي فاتت مش هوافق وهيقضي الإجازة وسط العمال يشتغل زيهم، يمكن يتعلم وعقلك يفتح. مش عارف ناقصك إيه عن زمايلك اللي سبقوك وبقوا في تانية جامعة. بت كوثر السنة دي في الثانوية، ومتأكد كيف العادة هترفع راس أبوها وتبقى من الأوائل. صدق اللي قال الدنيا حظوظ." تهكمت سامية بضيق قائلة:
"وماله حظك، حظك أحسن من غيرك. شوف حمدين غنيم عشان يدخل بنته كلية الطب باع خمس فدادين اللي اشترهم طوفان، ياريت ما كان اشترهم، هما اللي جابوا الهم ووليد ولدي بيدفع تمن نخوته بالأحداث." نظر لها عزمي بشرر قائلًا: "لو كنتِ مربيتي ولدك ما كان وصل للغباء اللي اتصرف بيه وادخل في اللي مالوش فيه، لكن تربيتك الزينة فسدته، زي ما هتفسدي ولدك التاني اللي مش حاطط حاجة في راسه غير النظرة والفسح مع الصايعين اللي زيه."
قال ذلك وانتفض واقفًا بغضب يرمي تلك المحرمة فوق الطاولة قائلًا بغضب: "نفسي اتسدت، مش فاضي حدايا الأهم من القعاد وسماع النواح والحديث اللي يفور الدم." لمعت عيناها بالغضب، وضمت يديها في حجرها حتى اشتدت مفاصلها بياضًا، لكنها تماسكت. أخذت نفسًا عميقًا ثم قالت بصوت مبحوح بالكبرياء الجريح: "أنا ربيتهم على الصح، بس العوج اللي اتعلموه كان بره بيتي، من ناس كانوا المفروض يبقوا قدوة، ناس زيك."
التفت إليها بحدة، وتقدم خطوة كأنه سيقول شيئًا آخر، لكنه توقف، استدار مغادرًا الغرفة بخطوات سريعة حتى لا يتهور ويفتعل... ويفتعل ما لا يحسب عقباه، فالغضب كان يعصف برأسه كعاصفة هوجاء، لكنه كان يعلم أن التفوه بكلمة أخرى قد يشعل النار أكثر مما يحتمل. أما هي، فظلت جالسة في مكانها، تحاول أن تحافظ على مظهر الثبات، لكن داخلها كان العاصفة ذاتها. قبضت أصابعها على طرف ثوبها، تكتم رجفة تسللت إلى أطرافها.
سمعت هي وريان صوت الباب يُغلق بعنف، فرفعت رأسها، زافرةً أنفاسًا حملت مرارة أكبر مما تطيق. تمتمت لنفسها بصوت لم يخرج من بين شفتيها المرتعشتين: "دايمًا بيمشي قبل ما يسمع للنهاية، ودايمًا أنا اللي أتحمل التهمة لوحدي." بينما نظرت لـ ريان الذي كأن ما حدث أمامه عرضًا بالتلفاز كأن لا شأن به يؤثر، لكن سرعان ما ابتسم بخباثة وهو يسمع لحديث سامية الداعمة له: "كمل وكلك ومتجلجش هتروح الرحلة مع صاحبك."
لمعت عينيه بزهو وخباثة، فانتشى قلبها كأنها بذلك تثبت أنها ذات سلطة وكلمة مسموعة دون تفكير في عواقب. *** بمنزل متوسط بسيط. وضعت تلك الصبية آخر طبق طعام ثم ذهبت مسرعة بمرح. وقفت أمام باب الغرفة وطرقت الباب قائلة: "أبوي إحنا خلصنا الأكل عالسفرة." فتح لها الباب سريعًا مبتسمًا بحنان ومد يده ضمها لكتفه قائلًا بمحبة: "صباح الخير يا سُجى.. يسلم يدك انتِ وإخواتك." تبسمت له بينما هو نظر خلفه إلى تلك الراقدة في الفراش قائلًا:
"كوثر مش هتقومي تفطري معايا أنا والبنات." نظرت له وهي تشد ذلك الدثار الخفيف عليها قائلة برفض: "لأه مش جعانة دلوق، حاسة براسي تقيلة هكمل نوم، افطروا انتوا، وأنا لما أجوع هاجي آكل." هز رأسه بآسف وضم سُجى بعدما أغلق الباب. سار معها نحو طاولة الطعام. جلس بين ثلاث فتيات كلهن رغم شعورهن بقسوة والدتهن لكن معه تختفي القسوة ويظهر الحنان والدعم منه لهن، يجعلهن يشعرن أنهن أميرات.
بعد دقائق دلف إلى الغرفة نظر نحو كوثر التي كانت مستيقظة. تفوه بصوت هادئ لكنه يحمل شيئًا من العتاب: "كوثر مالك ليه مش عاوزة تاكلي معانا." زفرت بضيق دون أن تُغمض عينيها، ثم فتحتهن قائلة بصوت متكاسل: "قلت لك مش جعانة دلوق، وراسي بتوجعني، سيبني أنام." اقترب منها وجلس على طرف الفراش. مرر يده على جبينها بحنان كأنه يتحسس حرارتها، لكنها أبعدت وجهها قليلًا بضيق. تنهد بصبر سائلًا:
"كوثر… أنا عارف إنك مش عيانة، بس مش حابب أضغط عليك، بس لو في حاجة مضايقاكِ، جوليلي." فتحت عينيها أخيرًا ونظرت إليه نظرة عابرة، ثم همست بنفاذ صبر: "مفيش حاجة، بس كيف ما قلت حاسة جسمي واجعني." تنهد وهو ينهض، لكنه قبل أن يخرج قال بصوت هادئ: "طيب، ارتاحي، ولو احتجتي أي حاجة البنات موجودة." خرج تاركًا إياها تتقلب في الفراش. في حين وقفت سُجى عند الباب تراقب والدها، قبل أن تقترب منه هامسة: "بابا… ماما زعلانة."
نظر إليها وابتسم ابتسامة صغيرة، ثم ربت على رأسها: "ماما حاسة بشوية وجع. خدي بالك منها انتِ وإخواتك، وأنا مش هتأخر في الشغل." لم تقتنع سُجى تمامًا، لكن أومأت لوالدها بهدوء قبل أن ترد بخفوت: "حاضر يا أبوي." راقبته وهو يبتعد متجهًا للخارج، ثم استدارت نحو الغرفة بفضول. بخطوات حذرة، وطرقت الباب بخفة قبل أن تفتحه قليلًا وتطل برأسها: "ماما… عاوزة حاجة؟ لم ترد كوثر فورًا، بل زفرت ببطء وكأنها تحاول تجميع طاقتها للرد بقسوة،
ثم قالت دون أن تنظر إليها: "لأ روحي العبي مع إخواتك." لكن سُجى لم تقتنع، فتقدمت أكثر وجلست بجوار الفراش، متأملة وجه والدتها الذي بدا شاحبًا. مدت يدها الصغيرة ولمست كفها برقة، هامسة: "ماما… لو زعلانة من أبوي ما تزعليش. هو بيحبك وإحنا كمان بنحبك." انتفض قلب كوثر لكلمات ابنتها البريئة، فتحت عينيها ونظرت إليها للحظة، ثم ابتسمت رغم الحزن العالق بعينيها، وسحبتها إلى حضنها، قائلة بصوت خافت: "وأنا كمان بحبكم، يا سُجى."
شعرت الصغيرة بالراحة في حضن والدتها، لكنها كانت تعلم في قرارة نفسها أن هناك شيئًا تخفيه كوثر… شيئًا لم تفصح عنه بعد. *** بالمشفى. دلف إلى إحدى الغرف وهو مازال يحملها، وضعها فوق الفراش. وقف جوار الفراش ينظر إلى وجهها الذي رغم وجود آثار للدماء عليه، لكن بهي. توقفت عيناه على شفتيها المرسومة تكمل بقية تناسق جمال وجهها. سرح للحظات يتأمل وجهها، لكنه أفاق لرنين هاتفه.
أخرجه دون النظر له، أغلق الصوت، وبلا شعور منه جلس على طرف الفراش. امتدت يده بلا شعور تسير على وجنتيها ينظر لملامحها. توقف إبهامه يتحسس شفتيها برتابة. بداخله تنمو رغبة أو شعور بالتمني، شعور دفين لم يستطع تفسيره. شيء بين التوق والتملك، بين الشفقة والانجذاب. عينيه لم تفارق شفتيها، وكأنهما تهمسان له بسر دفين. اقترب بوجهه من شفتيها وكاد يقبلها. مرة أخرى يتمنى تذوق شفتيها.
لكنه أفاق من شروده على صوت أنفاسها المضطربة، وهمسها باسم فسره جيدًا "حسام". تراجع سريعًا، وكأن يده قد احترقت بلمستها. زفر ببطء، يعاتب نفسه على انجرافه خلف تلك اللحظة. ثم نهض، يعدل من وضع الغطاء عليها، قبل أن يلقي نظرة أخيرة على ملامحها الغافية. لكن لفت نظره بوضوح ذلك الخاتم الذي يتوسط بنصرها الأيسر. شعر بوخزة غير مفهومة في صدره، إحساس غريب بين الضيق والتوجس. حدق في الخاتم مطولًا، وكأنه يبحث عن إجابة خفية خلفه.
هل هو مجرد زينة... أم يحمل خلفه التزامًا لم يكن في حسبانه. قبض يده دون وعي، وأجبر نفسه على التراجع. لا يحق له التفكير في هذا، ولا يحق له الانجراف أكثر. لكن رغم ذلك، بقيت صورة الخاتم مطبوعة في ذهنه، تثير داخله شعورًا لم يواجهه من قبل. بنفس الوقت دلفت طبيبة ومعها إحدى الممرضات. نظرت نحوه، لاحظت يده النازفة. تفوهت بأمر: "ممكن تخرج بره، كمان إيدك بتنزف ممكن تكون محتاجة عناية."
نظر نحو ظهر يده وتلك الدماء السائلة، كأنه لم يشعر بذلك الجرح الذي للتو شعر ببعض الألم. دون جدال مع الطبيبة خرج. ذهب نحو غرفة الطوارئ. بلحظات دخل طبيب وبدأ يعتني بيده حتى انتهى قائلًا: "واضح إنك من الناس اللي بتقدر تتحمل الألم. انت رفضت أحط لك بنج موضعي، رغم الجرح كبير حداشر غرزة. حاول تتجنب وصول الماية لإيدك، كمان هكتب لك مضاد حيوي، غير الغيار الجرح يوميًا بانتظام." أومأ له دون حديث وغادر الغرفة.
توجه إلى تلك الغرفة مرة أخرى، دلف مباشرةً. كانت الطبيبة تنتهي من وضع ضماد حول رأس الغائبة عن الوعي. نظرت ليده المضمدة. بينما هو سألها: "إيه حالتها بالضبط." أجابته بعملية: "فيه جرح كبير في راسها واضح إنه نزف كتير، وده السبب إنها مغمى عليها، كمان فيه خبطة في صدرها، واضح لها أثر ممكن تكون سببت لها ضيق تنفس، بس الحالة مش خطيرة، ممكن بكرة أو بعده بالكتير تخرج من المستشفى... هي دلوقتي تحت تأثير البنج، بس كام ساعة وتفوق."
أومأ لها برأسه لكنه تفاجأ من قول الطبيبة: "هي تبقى مرات حضرتك." لوهلة اتسعت عيناه وظل صامتًا. مما جعل الطبيبة تشعر بالحرج وتنحنحت وخرجت من الغرفة ومعها الممرضة. بينما هو ظل لحظات ينظر لها يشعر بشفقة. بذلك الوقت عاود رنين هاتفه، أخرجه من جيبه ونظر له. تنهد بعمق قبل أن يجيب بصوت منخفض: "مساء الخير، يا أماي." بلهفة سألته: "قولي ليه ما كنتش بترد عليا وليه السواق رجع بالفرس؟ أجابها ببساطة:
"شغلانة مهمة طرأت وكان لازم أكملها بنفسي." بقلق سألته: "شغلانة إيه دي." رد بصبر: "شغلانة خاصة بالمصنع، خلاص انتهت، ومش هتأخر، لازم أقفل الخط دلوق." بتنهيد مضطرب، أغلقت الهاتف وهي تشعر أن هناك شيئًا غير مريح في نبرة صوته. لم يكن كعادته، رده مختصرًا أكثر من اللازم، وكأنه يريد إنهاء المكالمة سريعًا. مررت يدها على جبينها وهي تفكر، هل عليها تصديق ما قاله، أم أن هناك ما يخفيه عنها؟ ولماذا عاد السواق وحده؟
حاولت طرد الوساوس من رأسها، لكن قلبها ظل يشعر بالقلق، وكأن حدسها يصرخ بأن هناك ما هو أبعد من مجرد شغلانة انتهت. وتقبلت إنهاءه السريع للمحادثة بينهم. أنهى المكالمة وهو يشعر بثقل غريب في صدره. عاد ببصره إلى تلك الغافية، ثم اقترب منها قليلًا وهمس بصوت مسموع: "ليه راجعة لهنا تاني دلوق يا 'دُرة مُختار غُنيم'." *** بعد وقت. بالاستقبال الخاص بالمشفى.
وقف طوفان يدفع تكاليف المشفى دون ذكر اسمه، كذالك يعطي للموظف بطاقة هوية خاصة بـ دُرة. وأخبرهم برقم الهاتف كذالك طلب منهم الاتصال بذويها وإخبارهم بوجودها في المشفى. بالفعل تم ذلك. بمنزل كريمان. شعور قلبها بالقلق لم يكن مجرد شعور خاطئ بشيء بل كان شعور حقيقي بالسوء الذي حدث لـ دُرة. مكالمة هاتفية وصلت إلى المنزل بوجودها بإحدى المشافي. لم تنتظر وقت، وها هي مع باسل ومعهم ثالث يدلفون إلى المشفى بقلق عارم.
بنفس الوقت من باب آخر للمشفى كان يغادر طوفان. *** ليلاً. فجأة أثناء نومه سطع ضوء بالغرفة داعب عينيه بقوته. فتح عينيه في البداية بغشاوة، حتى استطاع تقبل سطوع الضوء. اتسعت عيناه قائلًا بذهول: "حسام." لكن سكت أو بالأصح كأنه فقد صوته وهو يسمع نعت الآخر له بعيون تفيض غيظًا مكررًا اتهامه له: "خاين... خاين يا طوفان...
انت السبب… موتي في رقبتك، ولسه فاكر إنك هتهرب من اللي عملته، والسبب انت عارفه، متأكد درة راجعة هي اللي هتقدر تقف قدام 'طوفان الخاين'."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!