الفصل 15 | من 48 فصل

رواية طوفان الدرة الفصل الخامس عشر 15 - بقلم سعاد محمد

المشاهدات
18
كلمة
4,533
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 31%
حجم الخط: 18

دون قصد منها نظرت للشاشة، لكن حين رأت اسم "رزان" دخل لعقلها فضول المعرفة لوهلة دون أن تشعر. بنبرتها الفضولية سألته: مين رزان دي وليه مش بترد عليها؟ لوهلة شعر بتوتر من سؤالها المُباغت. نظر لها وحاول ضبط ملامحه قائلًا بهدوء: دي عميلة في الشغل. استفسرت قائلة بسؤال: وليه مش بترد عليها؟ أجابها وهو يغلق صوت الهاتف:

عشان مش عاوز أرد عليها. ومش بتقولي عاوزة تخرجي، تمام هاخد شاور عالسريع تكوني بدلتي البيجامة. بس ياريت ميكونش طقم أسود، وإلا مش هنخرج.

وضع الهاتف فوق منضدة بالغرفة وتوجه للحمام. شعرت درة بالضيق، لكن حاولت اخفاءه خلف ابتسامة باهته. تنهدت بغضب وتوجهت نحو خزانة الثياب. لوهلة فكرت بالعِناد وإرتداء ثوب أسود، لكن زفرت نفسها، ربما ينتهز الفرصة ويتحكم. بحثت بين الثياب عن ثوب غامق، حتى وجدت طقمًا باللون البنفسجي الداكن. نظرت نحو الحمام تأكدت من إغلاقه، ثم توجهت نحو الفراش وضعت الطقم ونزعت ثيابها ثم بدأت بإرتداء الآخر.

لكن قبل أن تنتهي من ذلك سمعت صوت فتح باب الحمام. نظرت نحوه، سرعان ما شعرت بخجل واستدارت بوجهها تُخفي ذلك بعدما رأت طوفان لا يرتدي سوا منشفة حول خصره فقط. لاحظ طوفان ذلك فابتسم. كذالك لاحظ رعشة يد درة وهي تقوم بغلق كنزتها.

تعمد الإقتراب منها. شعرت بوجوده خلفها، تقدمت خطوة وكادت تبتعد لكن وضع يده على خصرها ينظر لإنعاكسهما بالمرآة. لا ينكر ذوقها الأنيق دائمًا حتى بالثياب السوداء، وذلك الثوب رغم لونه الداكن لكن يُبرز جمالها. وضع رأسه على كتفها قائلًا بخباثة: ليه مطلعتيش ليا غيار معاكِ؟ هدوء نبرة صوته لها تأثير عليها، أو ربما علمها أنه شبه عارٍ جعلها لا ترفع عينيها وتنظر لإنعكاسهما. فقط حاولت أن تُخفي ارتباكها وهي تبتلع ريقها بصعوبة،

وتهمس دون أن تنظر إليه: طلع بنفسك، ممكن ذوقي مش يعجبك. اقترب أكثر، حتى شعرت بأنفاسه تداعب رقبتها، فشهقت بخفة وهي تشد الكنزة على جسدها أكثر. لكن صوته المنخفض أربكها: بالعكس ذوقك دايمًا بيعجبني. كلمات بسيطة، لكنها أربكتها أكثر، وكأنها صدى يدق على أوتار قلبها المرتبك. التفتت له سريعًا تتباعد عنه ثم قالت بصوت حاولت أن تجعله جادًا: طوفان… قدامك الدولاب طلع لنفسك. ضحك هز رأسه بتفهم، ثم اقترب الخطوة قائلاً:

تمام… بس ليه مضايقة كده… تعرفي حتي وإنتِ مكشرة حلوة أووي. ابتسمت رغماً عنها، لكنها أخفت بسمتها سريعًا وهي تبتعد عنه تعدل وشاح رأسها أمام المرآة، بينما هو ذهب نحو الدولاب وبدأ يرتدي ثيابه ببطء وكأنه يمنح اللحظة وقتًا أطول. شعرت درة بارتباك خفيف يتسلل إلى ملامحها من جديد، فتوجهت إلى حقيبتها الصغيرة وبدأت تبحث فيها، محاولة الانشغال بأي شيء حتى لا تلتقي عيناها بعينيه.

صمته كان ثقيلاً، لكنه حمل تفكيرًا حقيقيًا هذه المرة. انتهى من ارتداء ثيابه واقترب مجددًا، لكن ببطء وحذر. رفع يده ولمس وجنتها برفق وهو يهمس: أنا جاهز. تنفست بقوة حبست داخلها الهواء لثواني ثم تفوهت بخفوت: أنا كمان جاهزة، خلينا نخرج من الأوضة دي حاسة إني هتخنق من الحبسة فيها. ابتسم بمغزى قائلًا: غريبة مع أن ريحة هوا البحر في الأوضة.

نظرت له بسخط بينما هو ابتسم ببرود وهو يرفع يده بإشارة واضحة أن تضع يدها بيده، لكن هي لم تفعل ذلك وذهبت نحو باب الغرفة وفتحته. تبسم وذهب خلفها. جلسا قليلًا بمطعم الفندق. بعد وقت تحدثت: أنا اتنفخت من الأكل محتاجة أمشي عشرة كيلو عشان أهضم اللي أكلته. ضحك ومال عليها قائلًا: في طريقة تانية تهضمي بها بدل المشي وأسرع فاعلية… بل ممكن تجوعي تاني كمان. نظرت لعينيه لم تفهم، وتسألت بأستفسار: وإيه هي الطريقة دي بقى؟

غمز بعينيه بإيحاء وهو يضع يده فوق فمها قائلًا: نرجع الأوضة تاني وهتعرفي بالتطبيق العملي. فهمت إيحاؤه، فتضايقت قائلة: من فضلك إحنا في المطعم قدام الناس بلاش وقاحة. وكمان أنا أفضل المشي عالبحر عالأقل هشم هوا نضيف. ابتسم وهو ينهض يمد يده. نظرت نحو وجهه وابتسامته البسيطة، ثم نحو يده. لم تعترض، وضعت يده بيدها ونهضت تسير معه إلى أن اقتربا من الشاطئ. يسيران بمحاذته وهما يسيران حتى سألته درة وهي تتنفس بعمق

نسمة ذاك الهواء الرطبة: أول مرة تيجي هنا. أومأ برأسه قائلًا: أيوه، أنا أساسًا في حياتي مفتكرش رحت مكان فيه بحر مرتين مش أكتر. نظرت له قائلة بحنين: أنا كل سنة لازم بابا ياخدنا المصيف لشاطئ مختلف، حتى مرة حسام مكنش بيعرف يعوم وبابا أنقذه يومها، معرفش سبب إنه يدخل لجوه البحر وهو مبيعرفش يعوم… إيه اللي كان في راسه.

تجمدت قبضة يده على يدها، كذلك شعر بوخز في صدره كلماتها حفرت ذكريات لم يرغب في استحضارها. ربما حديثها عن حسام عفوي لكن لديه حزازية قوية اتجاهه. حاول أن يبتسم وهو ينظر لها، ثم تحدث بنبرة حادة: كان هدفه أكيد يلفت نظرك. ليه؟ ذلك كان سؤالها الذي جعله يشعر بالغضب وهو ينظر لها قائلًا: خلينا نرجع الأوتيل كفاية مشي أكيد اللي أكلتيه اتهضم وزيادة.

شعرت بقبضة يده القوية على يدها، كذلك تغير ملامحه. هي حقًا حديثها كان عفويًا. قبضت على يده بيدها الأخرى وتحدثت برجاء: لأ أنا بتخنق من الأوضة خلينا نمشي كمان شوية أو نقعد هنا عالشاطئ في هناك كراسي قريبة عالشط. كاد يعترض لكن نظرة عيناها المترجية جعلته يزفر نفسه بإستسلام قائلًا: تمام خلينا نروح نقعد هناك.

رغم رغبتها بمواصلة السير لكن استسلمت لرغبته بالجلوس. ليست تلك المرة الأولى التي تشعر بتبدل ملامح طوفان حين تذكر اسم حسام. أثناء سيرهما ساد الصمت يدور بعقولهم أفكار متشابكة، حتى جلسا على ذلك المقعد. سحبت يدها من يده تنظر أمامها وهو كذلك. بعفوية منها تحدثت بحنين: بابا في مرة قالي طوفان هيبقي رجل أعمال ناجح. نظر لها مبتسمًا فأكملت بتفسير:

قالي طوفان عنده ميزة بيسمع أكتر ما بيتكلم، يمكن اكتسب الميزة دي من شغله في النيابة، اتعود يسمع قبل ما يتكلم. أومأ لها بتوافق قائلًا: ممكن وكمان يمكن طبيعة شخصيتي كده. نظرت له قائلة: فعلًا… ممكن تكون طبيعة شخصيتك، لاحظت كده كتير، كمان عندي سؤال. نظر لها أن تسترسل حديثها فأسترسلت سائلة: لما سبت شغلك في النيابة ليه مزعلتش؟

ربما تفاجأ بسؤالها، كيف توقعت أنه لم يحزن لذلك، لكن هو القدر الذي دائمًا كان يهرب منه، لكن لا مفر منه. نظر لها قائلًا: مين اللي قالك إني مزعلتش، بس اتقبلت الوضع، يمكن لأن ده كان قدري من البداية اللي حاولت أتمرد عليه، زيك كده كنتِ قدري. ضيقت بين حاجبيها بغضب قائلة: قصدك إيه… إنت غلطان أساسًا إنت ساومتني من البداية عالأرض وتعتبر اتحايلت عالشرع والقانون واتجوزتني بالتزوير. ضحك طوفان قائلًا:

مكنش قدامي طريق تاني معاكِ غير كده، بس بعد كده جوازنا تم بقبولك، وكل حاجة حصلت بينا كانت برضاكِ. كعادتها حين توضع بموقف ضاغط تتهرب. نهضت واقفة بغيظ قائلة: خلينا نرجع للاوتيل بدأت أحس بشوية ساقعة. لم يُخفي ضحكته التي أغاظتها فنهض واقفًا يقترب منها بمكر قائلًا: ده الأفضل وأكيد في الأوضة هتلاقي الدفا في حضني. بغيظ منها وكزته بكتفه قائلة بغضب:

سخيف، كمان أنا زهقت من هنا، عاوزة أرجع المنيا، كفاية كده وجودنا هنا ملوش أي لازمة. ضحكه يُغيظها، كذلك إجابته: بس أنا شايف وجودنا هنا له ألف لازمة كفاية إننا لوحدنا بعيد. سخرت من جوابه بسخط قائلة بإحتقان: يعني لوحدنا في الجنة. أومأ لها وهو يقترب يضم خصرها قائلًا: بالنسبة لي أي مكان إنتِ قريبة مني فيه يبقي الجنة يا درتي. نظرت له لوهلة تشعر بذبذبات بعقلها. سرعان ما نفضتها وابتعدت عن يده قائلة بتهرب: خلينا نرجع للأوتيل.

أومأ لها مبتسم يشير لها بيده للسير. رغم عودتهما كانت صامتة، لكن داخلهما ضجيج لا يُحتمل. هو يراقبها بطرف عينيه، يحاول فك شيفرة تقلباتها، وهي تحاول لجم مشاعرها التي توشك أن تنفلت. كل خطوة تعيدها لواقع لا تريده، وكل لحظة صمت تجعلها تود أن تبتعد أكثر. بمنزل طوفان أنه الليل… مارد الذكريات التي تتسلل إلى العقل بلا استئذان.

نظرت وجدان لصورة خاصة بـ جود وجوارها طوفان وضعتها بين يديها. لوهلة تبسمت على بسمة وفرحة جود بتلك الصورة، جود رفيقتها الصغيرة. كان من حسن حظها أنها ولدت فتاة، فلم تنال من قسوة نوح مثلما نال طوفان. ذكرى قديمة

همس لسانها بوجع "نوح" وذكرى ليلة عودتها له بعدما قبلت بعودة زواجهما مرة أخرى، خوفًا على طوفان الذي هددها بأخذه منها عنوة، قبلت بالرجوع ربما كان بداخلها بقايا مشاعر له، كذلك أمل أن تكون سنوات الفراق أثرت عليه وتبدلت خصاله القاسية وغيرته والشك اللذان كانا مثل حبلين غلظين يخنقها بهما دون سبب.

ليلة عودتها له، فكرت بتناول أحد موانع الحمل حتى لا تُنجب طفلًا آخر يتحمل قسوة نوح، وتُقيد أكثر بهذا الرباط الذي لم تعد تثق بمتانته ولا بعدالته. لكنها تراجعت، ليس بدافع الحب، بل بدافع الحيرة. كذلك الشك في عقل نوح. قد يظن بها السوء وأنها بلا أخلاق وكانت تستعمل تلك الموانع بفترة انفصالهما لأغراض دنيئة برأسه. عقل نوح كان غبيًا في الحب، يظنه مجرد تملك جسد لا قلب وروح.

كان خاوي القلب، سنوات دفعتها من عمرها معه، رغم زهوتها حين ظنت أنها فازت بقلبه حين تزوجت منه. لكن منذ ليلة زفافهما وانصدمت بشخص آخر غير ذلك الرجل الذي أحبته في السر وتمنته في العلن. رجلٌ لم يشبه الحلم الذي نسجته حوله، بل كان كابوسًا طويلًا تسلل من بين ضلوعها وسكنها سنينًا. منذ ليلة الزفاف، حين خلع القناع وظهر وجه نوح الحقيقي، فهمت وجدان أن ما بدأته بدافع الحب، قد تكمله بدافع الخوف… أو التعود.

كان صوته عاليًا، حديثه أمر، ونظرته شك، وعاطفته تشبه السلاسل. يقيدها باسمه، ويحاسبها على أنفاسها، حتى باتت تخشى ظلها أن يثير غيرته. ومع كل هذا، عادت إليه… لأجل طوفان. لأجل أمومتها التي لم تعرف كيف تفصلها عن كونها امرأة. هل يمكن لأم أن تنقذ ابنها وتهلك نفسها؟ سؤال لم تسأله لنفسها ليلتها، بل بلعت الغصة، وارتدت ثوب العودة، وطرقت بابه لا كحبيبة، بل كمستسلمة للقدر.

تنهدت وجدان ومررت أصابعها على وجه جود في الصورة. كم تمنت لو كانت حياتها بسيطة كضحكة جود وطوفان. لكن حياتها كانت كلوحة مشقوقة، يحاول الضوء التسلل من شقوقها فلا يضيء إلا وجعًا.

مسحت على صورة جود وداخل قلبها خوف لا تعرف سببه، خوف على تلك الرقيقة التي تشبهها كانت مثلها رقيقة تهوى القراءة وقصص الشجعان الذين يخطفون قلوب الأميرات. جود أميرتها ليتها عارضتها أو ما كانت أخبرتها ورفضت حاتم، لكن جود خيبت توقعها وهي استسلمت بغفوة منها، لكن تتمنى أن يخطئ حدسها ويكون حظ جود أفضل منها. بمنزل زيدان صباحًا طرق على باب غرفة سُجي. فتحت له مبتسمة قائلة: أنا جاهزة يا بابا. ابتسم لها قائلًا:

تمام يلا بينا يا دكتورة. ضحكت ببراءة قائلة: لسة ست سنين على أبقى دكتورة. ابتسم لها قائلًا: هتبقي أرق دكتورة، يلا بينا عشان نلحق نوصل مكتب التنسيق بدري. بالحقيقة لم يكن ذلك هدفه بل هدفه عدم رؤية كوثر وتنغيصها بالحديث الماسخ لـ سُجي. بالفعل غادر الاثنان يسيران معًا حتى توقف كي تمر تلك السيارة والتي للغرابة توقفت وترجل منها باسل يقترب من زيدان وقام بمد يده له يصافحه قائلًا: أزيك حضرتك يا بشمهندس.

ابتسم زيدان وصافحه بمودة قائلًا: أزيك يا باسل أخبارك إيه بقالي فترة متكلمتش معاك حتى في فرح طوفان يا دوب سلمنا على بعض، الله يرحمه والدك كان صديقي زي الأخ رغم أنه كان رئيسي في الشغل في الوحدة الزراعية. ابتسم له بحبور قائلًا: مكانة حضرتك غالية لما بحتار في معلومة بتصل على حضرتك. ربت على كتفه قائلًا: إنت في مكان ابني يا باسل وأي وقت تحتاج لمعلومة أو خدمة من الوحدة الزراعية أنا موجود. ابتسم باسل، ثم سأله:

إنت رايح الوحدة الزراعية على طريقي اتفضل معايا أوصلك. ابتسم زيدان قائلًا: لأ بلاش تعطل نفسك أنا رايح مع سجي المركز عشان مكتب التنسيق. رمق باسل تلك التي تقف بمواربة جوار زيدان سرعان ما أخفض بصره وعاد ينظر إلى زيدان قائلًا: أنا كمان رايح المركز هشتري شوية أغراض للأرض، تعالى معايا كمان في كذا معلومة عاوز أعرفها من حضرتك فرصة نتكلم في الطريق. نظر زيدان لـ سُجي ثم تبسم وأومأ برأسه قائلًا:

تمام، طالما مش هنعطلك… يلا يا سُجي اركبي ورا. ابتسم باسل وفتح الباب الخلفي، تلاقت عيناه مع عيني سُجي ليست المرة الأولى، لكن المرة السابقة كانا في الظلام هذه المرة كانت وضوء الشمس ساطع كأن الضوء أعطى لعيونها الزيتونية القاتمة بريقًا كالندى فوق العشب الأخضر. بشقة ابتهال

وضعتِ الصينية المليئة بالطعام فوق المنضدة، ثم انسحبت إلى الفراش. بدأت تداعب عزمي بدلال مصطنع، همسات وقبلات وكلمات غرامية زائفة، لا تنبع من قلبها بل من نواياها. لم تكن سوى مداعبات لعقله، ومشاغلة لجسده بلمسات جريئة.

ولدهشتها، استجاب لها سريعًا، نهض فجأة وجذبها بقوة إلى الفراش، جسده يشرف عليها، وقلبها يرتجف بين ضلوعها. عيناه كانتا تلمعان بشيء غامض، خليط من الشغف والتملك والرغبة الدنيئة، جعل أنفاسها تتقطع. رغم محاولتها الثبات. اقترب منها حتى شعرت بحرارة أنفاسه على وجهها، كفه يحيط بمعصمها، يقطع أنفاسها بسبب تلك القبلة الجافة. ثم ترك شفتيها صوته أجش وهو يهمس: فاكرة إنك بتلعبي بيا. ابتسمت بدلال رغم اضطرابها، وردت بخفة:

أنا بلعب بيك.. إنت عارف حقيقة مشاعري. شدها نحوه أكثر، عيناه لا تتركان وجهها، كأنه يحاول قراءة كذبها أو صدقها بين تقاطيعها المرتبكة. البسي لعبتك صح، عشان لو وقعتِ… مش هرحمك. رعشة خفيفة سرت في جسدها، لكنها أخفتها بابتسامة جانبية، ثم ردت بسؤال: قصدك إيه بـ "البس لعبتي صح"؟ أجابها بضحكة قصيرة وحادة، وهو يرخى قبضته، كأنما يمنحها لحظة تنفس، أو فرصة أخيرة:

أوعي تفكري إني مش فاهمك، إنتِ مفكرة إن ليكِ تأثير عليا لا فوقي يا حلوة، إنت مش قد "عزمي مهران". نظرت له بدموع مصطنعة. تراقبه من طرف عينها. ظنت لوهلة أنه سيفقد اهتمامه، لكنه فجأة التفت إليها، بعينين تضجان بالريبة: قوليلي… إنتِ عايزة إيه بالضبط. ارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة، أقرب للمراوغة منها للغزل. رفعت جسدها قليلاً واتكأت على كوعها، شعرها منسدل على كتفها، ثم قالت بنعومة مصطنعة: أنا؟ عايزة رضاك… بس.

قهقه، لكن ضحكته كانت خالية من المرح، وقال بسخرية: رضايا.. إنتِ بتخططي لأيه بالظبط. عاد يقترب منها مرة أخرى، هذه المرة ببطء مدروس، كأن كل خطوة منه تزن نيتها: خلي بالك، اللعب معايا مش زي اللعب مع أي حد. أنا لو شكيت فيكِ… هكسر الدنيا كلها فوق دماغك. نظرت إليه بثبات، وأخفت ارتباك قلبها خلف كلمات باردة: وإنت تفتكرني بلعب من وراك إنت.

مال عليها فجأة، يده امتدت لوجهها بحنان زائف، إصبعه يمر على خدها كأنما يرسم عليه خريطة الغدر. أوعي تفكري في لحظة سهل أقطع جناحك بإيدي. صمتت للحظات في داخلها كانت تقيس خطواتها القادمة قبل أن تسيل دموعها الزائفة قائلة بإدعاء: كل ده عشان قولت لك إني رايدة يكون ليا عيال منك، وده ليه مش عشان بحبك.

تعرف جيدًا أن اللعب مع عزمي… كالسير فوق الزجاج المكسور، خطوة واحدة خاطئة… والدماء ستغمرها. لكن تحاول ربما تصل إلى هدفها ويعلن زواجهما وتكون ضربة قاضية تفوز بها وتصبح ذات شأن، ليست ابنة أحد أصغر مروجي أسلحة الموت الذي قتل وهو يقضي عقوبة بالسجن. بمنتصف الظهيرة

فتاة بالكاد أتمت الثامنة عشر، تسير على ذلك الطريق الترابي تحمل فوق رأسها وعاءً من الخوص به طعام. رغم حرارة الطقس توقفت حين رأت إحدى شجرات الجميز بها بعض الجميزات الناضجة. وضعت الوعاء أرضًا نظرت حولها كان الطريق خاويًا شمرت ساقيها وصعدت فوق تلك الشجرة قطفت بعض من الجميز وضعته بحجر جلبابها ثم وضعت الطرف بفمها ونزلت من فوق الشجرة توجهت نحو ذلك الوعاء وأفضت ما بحجر جلبابها بالوعاء وكادت تحمله مرة أخرى لكن وقفت متصنمة حين سمعت من خلفها من يتحدث بغلظة قائلًا:

لسه حرامية يا بت "مرعي بدران". بهلع أغمضت عيناها للحظات قبل أن تستدير بوجهها وتنظر إلى ذلك الذي تلمع عيناه نحوها بنظرات بغيضة كأنه بنظراته تلك يخترق ثيابها يعريها. بصعوبة ابتلعت ريقها الذي أصبح كالحطب الجاف قائلة برعب وخفوت: وليد. اقترب منها بقسوة قبض على عضدها بقوة قائلًا بتعالي: وليد بيه… أوعي تفكري إنك ترفعي المقامات يا "زينة". بالفندق

جلس طوفان على طرف الفراش ينظر لوجهها الهادئ وهي نائمة، ملامحها رقيقة وجميلة كذلك هادئة عكس طبيعتها العصبية المتسرعة. انحنى يضع قبلة على وجنتها، ثم همس بهدوء: درة اصحي. تنهدت بصوت ناعس ترف جفنيها. وهي غافية، ابتسم قائلًا: درة حبيبتي اصحي عندنا سفر.

مازال النعاس يسيطر عليها ابتسم وتعامل بخبث وانحنى برأسه نحو عنقها يقبلها قبلات دافئة، حتى بدأت أنفاسه تضطرب على عنقها. بدأت تفتح عينيها بنعاس تهمس حين شعرت بحرارة أنفاسه على عنقها. كذلك تلك القبلة القوية الذي تعمد قوتها كي تترك أثرًا على عنقها. شبه استفاقت رفعت يدها وضعتها على كتفه كي ينزاح، رفع رأسه ونظر لها مبتسمًا قائلًا: صباح الخير… اصحي بقينا بعد الضهر وقربنا عالعصر يلا كفاية نوم عندنا سفر.

نظرت له بشبه وعي وتحدثت بصوت شبه مبحوح من أثر النوم تستفسر: هنرجع المنيا. أومأ برأسه نافيًا: لأ هنسافر القاهرة. استوعبت رده واستغربت سائلة: هنسافر القاهرة ليه؟ أجابها مبتسمًا: عندي شغل مهم هناك. حاولت الاعتراض بداخل رأسها تود الهرب من وجودها معه الذي يؤثر على اتزانها قائلة: طالما عندك شغل سافر إنت القاهرة وأرجع أنا المنيا. فهم هدفها، لكن فرض قراره قائلًا: خلاص حجزت والطيارة بعد ساعة ونص. شعرت بغيظ لكن أخفته قائلة:

تعرف أنا دلوقتي عرفت إزاي قدرت تتأقلم وبقيت رجل أعمال رغم إنك درست المحاماة. تبسم سائلًا رغم فهمه قصدها لكن يود مشاغبتها: مش فاهم، قصدك إيه؟ أجابته بتصريح مباشر: إنت شخص بتحب السلطة وبتحب تفرض قرارك على اللي قدامك، مش بس عيلة كاملة كلمتك ماشية على رقبتهم. ابتسم سائلًا: وده عيب ولا ميزة. أجابته:

الاتنين يا طوفان. عيب…. لما تستخدمه تتحكم في الناس ومصايرهم وتكسر إرادتهم، وميزة… لما تعرف توظفه عشان تحمي اللي بتحبهم وتاخد قرارات حاسمة وقت اللزوم.

ابتسم هو هكذا حقًا، لكن معها كل ذلك سهل مخالفة ذلك. الوحيدة التي يستطيع أن يخالف معها قناعاته الصلبة، أن يتنازل عن عناده المطبق، أن يلين صوته رغم صرامته. مخالفته الوحيدة التي يتحمل منها العند، ويصبر على تقلبات مزاجها، هي وحدها من لا يرى في عصبيتها إهانة، بل يراها خيطًا رفيعًا من الكبرياء يشبهه. ويحبه، رغم مخالفتها صدامها المستمر معه. غصبًا نهضت من فوق الفراش بعد دقائق كان الاثنان بالمطار ينتظران موعد انطلاق طائرتهما.

لكن أثناء جلوسهم بقاعة الانتظار كان طوفان يشاغب درة بالحديث المرح بينهما حتى قطع ذلك تلك التي وقفت أمام طوفان تمد يدها له بالمصافحة، قائلة بصوت هادئ ونبرة مفاجئة: طوفان متوقعتش نتقابل هنا. رفع نظره نحوها بإندهاش ثم سرعان ما نظر نحو درة التي تنظر نحوها بنظرات حادة. بمنزل والد حاتم

أثناء عملها بتنظيف المنزل دق هاتف جود. لوهلة خفق قلبها ربما ذلك اتصال من حاتم تذكرها أخيرًا، ذهبت نحو تلك الطاولة وجذبت الهاتف. لكن سرعان خاب توقعها حين رأت اسم والدتها على الهاتف. أجلت صوتها وبدأت تتحدث معها لا تخبرها بشيء فقط طمأنتها أنها بخير، أغلقت الهاتف وضعته مكانه كي تستكمل تنظيف المكان كما طلبت منها بدرية. لم تنتبه أنها كانت تتسمع على حديثها مع والدتها، تضايقت من ردودها على والدتها أنه تعيش بـ راحة وهدوء. بالتأكيد عكس ما تشعر هي على دراية أن حاتم منذ سافر لما يسأل عنها رغم اتصاله عليها أكثر من مرة، بداخلها تشعر بانشراح، هي تعطيه أخبارها أنها تفتعل بعض المناوشات وهي تتحملها، لكن ذلك يؤثر على تكوين فكرة عنها مخالفة تمامًا الحقيقة.

انتهت من تنظيف المنزل جلست على إحدى مقاعد الردهة تستريح قليلاً، لكن بذلك الوقت صدح رنين جرس المنزل، نهضت بتعب وذهبت نحو باب المنزل قامت بفتحه سرعان ما شهقت بخضة حين رأت حاتم أمامها يتكئ على عصا طبية، كذلك وجود لاصق طبي على جبهته.

سمعت بدرية شهقتها شعرت بضيق شديد يتصاعد في صدرها كأنه مرجل يغلي. خطت ببطء نحو الباب، ووقفت خلف جود وكادت تتحدث بغضب لكن صمتت للحظات حين رأت حاتم، شهقت هي الأخرى وذهبت جذبت جود بقسوة من أمامها وجذبت حاتم بقلق شديد قائلة بسؤال: إيه اللي جرالك إنت مش مكلمني امبارح العصر ليه مقلتليش إنك مصاب. ظل صامتًا للحظات، عيناه تتنقلان بين جود وبدرية، ثم قال بصوت مبحوح: محبتش اقلقك، أنا بخير دي إصابة بسيطة. نظرت بدرية

نحو جود بغضب وغيظ قائلة: دي أول مرة تنصاب في مهمة، أكيد حصل ده بسبب النحس اللي دخلت حياتنا. فهمت جود قصد بدرية وقفت متجمدة، كلمات تؤلمها، كذلك وجود حاتم مصاب يربك عقلها، قلبها ينبض بعنف، وعقلها عاجز عن اتخاذ موقف واضح.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...