فقدت الإدراك من هول الصدمة. ثوانٍ، دقائق، كأنها في عالم خالٍ من الحياة. الأصوات من حولها خافتة، متقطعة، لا تسمعها كأنها تحت الماء. نظراتها شردت في الفراغ، أنفاسها تعلقت بين حلقها وصدرها، وكأن الهواء قد اختنق فجأة. اهتزت الأرض تحت قدميها، تصدعت جدران روحها، وارتجف قلبها بقوة موجعة، كأن كل نبضة سكين يُغرس في صدرها. لم تعد تفرق بين دموع عينيها والعرق البارد الذي يتصبب بغزارة على وجهها.
صرخة مكتومة احتبستها داخلها، تتلوى تبحث عن مخرج، لكنها سجينة الخرس والعجز. كل شيء من حولها بات بلا لون، بلا صوت، بلا معنى. كأنها في وسط العاصفة، مجرد بقايا إنسان. فاقت من تلك المشاعر المُهلكة لقلبها حين اهتز ذلك الهاتف بيدها. نظرت له، كانت رسالة. لم تستطع فتحها، عيناها المبللتان أعاقتا الرؤية، لكن الفضول الذي يسكن قلب كل امرأة مجروحة كان أقوى من الانهيار.
عاودت النظر إلى ذلك الخبر، وبعض الصور المُرفقة. خبر، ربما لو كانت قرأت عكسه، لما شعرت بكل ذاك الألم الذي ينهش كل خلية بجسدها. عاودت عينيها قراءة ذلك الخبر: "زواج رجل الأعمال طوفان مهران، والحفل أُقيم في الصعيد مكان نشأته. حضور نخبة من الشخصيات اللامعة، والعروس طبيبة من نفس البلدة."
تجمدت أصابعها، واتسعت عيناها بذهول لم تُجيده حتى في أسوأ كوابيسها. تاهت نظراتها بين الصور. ابتسامته الصافية والغريبة عليها. معها بسمته كانت تشعر أنها متكلفة. الآن يضحك بتلقائية صافية. تسللت دمعة ساخنة من عينيها، ترددت، ثم لحقت بها أخرى كأنها تنهار واحدة تلو الأخرى. مثلها تمامًا، تنهار على مهل. يسأل عقلها: "يعني أنا كنت مجرد محطة... لأ، كنت نزوة."
قلبها لم يخذلها فقط، بل تحالف عليها. هي الآن تتنفس وجعاً لا يُروى. انكمشت أكثر، كأنها تحاول الاختباء من واقع يصفعها. لكنها فجأة شهقت شهقة عنيدة، ومسحت دموعها بظهر كفها قائلة في سرها: "أنا مش هنهار. واضح أوي إني رخصت نفسي وأستاهل لما قبلت بعرضه للجواز العرفي. فكرت مع الوقت هقدر أجبره يعلن جوازنا عالملأ بجواز رسمي، لكن واضح...
توقفت تستذكر. هي من كانت تفرض نفسها عليه حتى في علاقتهم الحميمية. كانت تشعر أنه معها جسدًا فقط. لم يكن يقع في براثن إغرائها كما كانت تظن، بل كان يعطيها القليل وبفتور منه، ويدفع مقابل ذلك أموال. ربما كان يتعمد فعل ذلك، حتى قالها لها واضحة: لم يأخذ منها شيء بلا مقابل، أعطاها أضعافاً. لم تكن تريد ذلك الثمن، أرادت الحصول على قلبه، لكن لم تتمكن منه.
كان خطأ حين استسلمت لرغبته بالطلاق بينهما بسهولة. ظنت أن ذلك مجرد وقت فقط وسيعود لها. لكن ما هذا الذي تراه أمامها؟ زواج علني من أخرى، طبيبة. توقفت للحظات وعادت تتمعن في الخبر. أيضاً الخبر به جزء آخر: زواج شقيقته من قريب زوجته معهم بنفس الليلة. خدعها عقلها: "يمكن الجواز ده تم بالبدل ومفيش مشاعر. معتقدش طوفان عنده مشاعر." كذبها قلبها:
"اعترفي، أوقات كان بيهمس باسم غيرك وإنتِ نايمة في حضنه. عمره ما غلط وقال لك كلمة حب. بلاش أوهام." صرخ عقلها بغباء ينهر قلبها الضعيف. لكن لن تستسلم، وإن كانت وافقت على نهاية ودية بينهما. حسمت أمرها وخرجت من ذلك الموقع الذي نشر الخبر. فكرت بتسريب خبر أو إشاعة زواجه سراً بأخرى، ربما يكون لها تأثير في زعزعة زواجه.
بالفعل قامت باتصال هاتفي. بغنج منها سربت تلميحات يفهمها الآخر. أغلقت الهاتف تقبض عليه بيديها بقوة. رغم ألم قلبها، لكن تشعر بأمل قادم. *** بمنزل حاتم
عاد طوفان إلى جلسته مرة أخرى، وعيناه مُعلقتان بجود التي ابتسمت له بتفهم هادئ. في المقابل، شعرت بدرية بغصة من الحقد. كانت تود أن تثبت سيطرتها على جود وتظهر أنها باتت تملك زمام الأمور، لكن محاولتها باءت بالفشل. سحبت يدها من قبضة جود بغضب، ثم رمقت طوفان بنظرة مشتعلة بالغضب. وحين التفتت نحو حاتم، وجدته شاردًا غير منتبه لما يحدث. زفرت بضيق، وقلبها يثور بغضب مكبوت. كيف تُهزم من جود في حضرة الجميع؟
نظرت إليها مجددًا، تلك النظرة التي تخلط بين الغيرة والانهزام، قبل أن ترتسم على شفتيها ابتسامة صفراء تحاول بها حفظ ماء وجهها. بينما جود، التقطت كل تلك المشاعر العابرة في الوجوه. لكنها لم تعلق. وقفت بثقة، ورفعت تلك الصينية بهدوء نحو بدرية التي التقطت إحدى قطع الحلوى ثم جلست جوار حاتم. أما طوفان فابتسم بخفة، وكأن ابتسامتها منحته انتصارًا خاصًا.
جلسة كانت على صفيح بارد. نظرات حاتم نحو طوفان بها شيء من البغض وهو يرى طوفان مبتسمًا، تبدو السعادة واضحة على ملامحه. بالتأكيد سر تلك السعادة هي "درة" زوجة أخيه. بالأصح أرملة. هي الأخرى استسلمت ولم تبالي لا بدماء والدها ولا أخيه. حقد يزداد في نفوس كل من بدرية وحاتم. بعد قليل نهضت جود مع والدتها للداخل. شعرت وجدان بقلب الأم أن جود ليست بتلك السعادة التي كانت تتوقعها. سألتها: "قوليلي أحوالك إيه مع حاتم." بخجل أجابتها:
"كويسة الحمد لله." بقلب الأم أيقنت من وجه جود ليس فقط خجل، بل هناك شيء آخر. كادت أن تسألها أكثر لكن نداء بدرية قطع حديثهن. فخرجن. نظرت وجدان لطوفان وأومأت له برأسها. فهم مغزى ذلك ونهض مبتسمًا، قائلاً: "زيارة العرسان بتبقى خفيفة. ألف مبروك وبالرفاء والبنين." نظرت له بدرية بسخط قائلة: "إنت كمان عريس، وسيبت عروستك." أجابتها وجدان:
"الواجب على طوفان يصبح على أخته الوحيدة. جود مش بس أخته ده هو اللي مربيها. يعني معندوش أغلى منها." تهكمت بدرية بغيظ قائلة بحقد: "طبعًا، الأخ قصدي الأخت غالية. ربنا يخليهم لبعض." "آمين." قالتها وجدان. بينما نظر طوفان نحو جود، فابتسمت وأتبعته بتلقائية. توقف معها أمام باب الشقة. أخرج من جيبه تلك البطاقة قائلاً:
"طلعت لك كريدت جديدة بدل اللي ضاعت منك. كمان ده نقوطك. وافتكري دايمًا إنك جود مهران أخت طوفان ولازم تحافظي على كيانك ومكانتك ومقامك العالي." ابتسمت بمحبة وهو يضع قبلة فوق جبينها. تدمعت عينا وجدان. تبسمت جود له، لكن رمقت عيني حاتم الذي نظر نحوهم. نظرته بها شيء من الاستهزاء. لم تهتم. حتى غادر طوفان مع وجدان. دلفت إلى غرفة المعيشة تُعيد الترحيب بـ بدرية التي نهضت بعصبية قائلة:
"على رأي وجدان إنكم عرسان جداد. هسيبكم تتهنوا ببعض." لم تُعقب جود، لكن حاتم تحدث باهتمام: "عرسان إيه يا ماما، إنتِ الكل في الكل." ابتسمت بانتصار وهي تنظر إلى جود قائلة بإيحاء: "لأ خلاص بقي في الأهم مني عندك. هنزل زمان أبوك رجع من بره أحضر له الأكل وأسيبكم على راحتكم." نظر حاتم نحو جود قائلاً: "لما بابا يرجع يطلع لهنا نتعشى كلنا سوا." أومأت جود بقبول. بينما نظرت بدريه ببسمة انتصار.
بعد وقت طويل تعمدت بدرية السهر. اقترب الوقت من منتصف الليل. تعمدت البقاء مع حاتم حتى بعد استئذان جود. تركها لهما وحدهما. غادرت بعدما استُفزت رجولة حاتم. أغلق خلفها باب الشقة. توجه إلى غرفة النوم. ربما لحسن الحظ وجد جود غافية. لحظات تحكم به الغضب وكاد يوقظها. لكن رنين هاتفه جعله يغادر الغرفة. بينما فتحت جود عينيها لم تكن نائمة. شعرت بالحيرة من الذي يتصل بـ حاتم بهذا الوقت. نهضت تتسحب بهدوء. لم تكن يومًا فضولية، لكن لا تعلم سبب لذلك. اقتربت من تلك الشرفة التي يقف بها حاتم. تسمعت بعض من حديثه. استشفت أنه يحدث أحد زملائه. لكن صُدمت
حين سمعته يقول: "شهر عسل إيه، أنا مش بطيق أقعد في البيت. أنا راجع الشغل تاني آخر الأسبوع." شعرت بوخزات قوية في قلبها. بدأ عقلها يتساءل: لماذا تزوج بها؟ ربما بدأت تفهم أن أحلامها الوردية بدأت تتبخر والواقع يفرض قسوته على قلبها البريء. *** بمنزل طوفان قبل قليل حين عاد بصحبة وجدان، زفر نفسه بضيق حين رأى دخول عزمي برفقة زوجته. كذلك كوثر وزوجها. رغم ذلك استقبلهم بهدوء. نظرت له كوثر بخبث سائلة:
"في عريس يسيب عروسته يوم الصباحية؟ جايين منين دلوق." أجابتها وجدان: "جايين من عند جود." أومأت قائلة باستفسار: "أخبارها إيه؟ أنا وسامية وعزمي كنا هنروح نصبح عليها بكرة." أجابتها وجدان: "بخير الحمد لله." تحدثت سامية بسؤال سفيه: "مجبتيش الملاءة معاكِ ليه." نظرت لها وجدان قائلة: "السلو ده بطل خلاص. هما أحرار في حياتهم وده شيء خاص بينهم." قاطعتها كوثر بدعم لسامية: "ده مش سلو ده شرف، ولازم نطمن على بنتنا." نظرت لها وجدان
بجمود وقالت بنبرة صارمة: "بنتكم... جود بقت زوجة راجل، وهي مش ملك لحد غير نفسها وجوزها. الشرف مش بيتقاس بملاءة، الشرف في التربية والنية الطيبة والستر." سادت لحظة صمت مشحونة، تبادل فيها الحاضرون النظرات، قبل أن يحاول عزمي تلطيف الأجواء قائلاً بابتسامة باهتة، يتجاهل التوتر قائلاً وهو يتجه نحو الأريكة: "فعلاً يا وجدان، جود تستاهل الراحة. ربنا يهدي سرها. إحنا جايين نصبح على طوفان وعروسته، هي فين."
نظرت وجدان لطوفان، فابتسم قائلاً: "ثواني هطلع أناديها." تركهم طوفان وصعد بشوق إلى غرفته. فتحها مباشرة. قبل لحظات، كانت درة تشعر بالضيق من مكوثها بالغرفة وحدها وترك طوفان لها. لكن حين سمعت صوت السيارة ذهبت نحو الشرفة. شعرت... شعرت بدقات قلبها تتسارع. لا تعلم سبب لذلك، ربما التوتر. لكنها ما إن لمحته يخرج من السيارة ويرفع رأسه نحو الشرفة، حتى اختبأت خلف الستارة.
دخل طوفان الغرفة بخطوات متسارعة، كأن الشوق يدفعه أكثر من قدميه. وما إن رآها جالسة تدعي الانشغال بالهاتف تبسم وتنحنح. نظرت إليه درة. لم تتحرك من مكانها. كان في عينيه بريق لم تره من قبل، مزيج من الحنين والرغبة والتساؤل. قال بصوت خافت لكنه عميق: "مساء الخير." أجابته ببرود. تبسم لها قائلاً: "غيري البيجامة السودة اللي عليكِ وإلبسي عباية عشان فيه ضيوف تحت في المندرة." سألته بإستفسار: "مين الضيوف دول."
أجابها وعيناه تضخ شوقاً: "ضيوف جايين يصبحوا علينا." ضمت شفتيها بضجر قائلة: "ما أنا عارفة إنهم جايين يصبحوا علينا، بس هما مين." بنفس الإجابة جاوبها: "لما تنزلي هتعرفي. هسبقك أنا لتحت. متغيبيش." تنهدت بقوة قائلة: "هو كده لازم يلف ويدور. أما أقوم ألبس عباية وأنازل أشوف مين الضيوف دي." بالفعل ارتدت عباءة سوداء مزخرفة ببعض الأحجار، وفوقها وشاح أسود. نظرت لنفسها بالمرآة. شعرت بإعجاب. غادرت الغرفة.
لكن قبل أن تدلف إلى المندرة، بالصدفة كان طوفان ينهي حديثه عبر الهاتف بالردهة، ورأى درة. نظر نحوها بذهول. سرعان ما أغلق الهاتف وبلحظات قبل خطوة واحدة وتدخل درة إلى المندرة، قبض على معصم يدها وسحبها للخلف. شهقت وهي تنظر له تسير معه رغم عنها حتى ابتعدا عن المندرة. حاولت سحب يدها لكن طوفان ما زال يقبض على يدها يجبرها للسير خلفه حتى وصلا إلى غرفتهما. دفعها بقوة بمجرد أن أغلق الباب خلفهما. استدارت نحوه بعينين تشتعلان غضباً:
"فيه إيه يا طوفان؟ بتشدني وراك كده ليه." كان صدره يعلو ويهبط من شدة انفعاله. لم يرد فوراً، فقط ظل يرمقها بنظرة غريبة. مزيج من الغضب، والدهشة. اقترب خطوة منها، ثم قال بصوت خافت لكنه مشحون: "إنتِ شايفة نفسك لابسة إيه." أشار بإصبعه لها من أعلى لأسفل. ارتبكت للحظة، ثم رفعت ذقنها بعناد: "لابسة عباية زي ما قولت وكنت نازلة لضيوفك. زي ما طلبت." اقترب أكثر، حتى شعرت بأنفاسه الحارة على وجهها: "عباية سودة يا درة."
تفوهت بلا مبالاة: "وفيها إيه، مش بتقول الأسود ملك الألوان." تنهدت بقوة قائلاً: "وفي عروسة بتقابل ضيوفها بعباية سودة. غيري العباية يا درة." ضمت يديها على صدرها، وقفت بعناد تتحدى نظرته: "أيوه سودة. أنا عاجباني العباية دي، ومش هغيرها. ولو مش عاجباك، بلاها مش هانزل لضيوفك." ضاق فكه، وأغمض عينيه لحظة يكبح انفعاله، ثم فتحهما وهو يقترب منها ببطء: "يعني بتعاندي." أجابته بلا مبالاة: "لو شايفها عناد، يبقى أيوه. عناد."
مد يده ببطء ولمس طرف العباية عند كتفها، وقال بصوت منخفض لكن حازم: "أنا مش بطلب. أنا بأمر. درة. أنا بقولك غيري العباية أفضلك." أبعدت يده عنها قائلة بحدة: "وأنا مش من نوع الستات اللي يتقال لهم تلبسي إيه وتقلعي إيه. فاهم." سادت لحظة صمت متوترة، نظر فيها إلى عينيها مباشرة، وقال بنبرة أقل حدة لكنها مشتعلة:
"أنا فاهمك كويس. بس صبري له حدود. قدامك دقيقة واحدة تغيري العباية، وإلا فعلاً مش هننزل إحنا الاتنين للضيوف وهتبقي ليلتك بلون العباية." لوهلة ارتابت من نظرة عينيه، لكن تجرأت قائلة: "قصدك إيه؟ هتضربني." اختفى عبوس وجهه وهو يقترب منها حتى بلحظة خطفها من خصرها وضمه له بقوة أربكتها. تبدلت نظرة عينيه من الغضب إلى شيء آخر. نظرة عابثة، مشتعلة برغبة ممزوجة بامتلاك. همس في أذنها بنبرة رخيمة، عميقة: "لأ...
ما هضربكيش، بس هدوقك طعم العناد على طريقتي." شهقت من قربه، وارتعش جسدها في حضنه، لكن أنفاسها أصبحت متماسكة. حاولت تدفعه دون جدوى، فقالت بصوت مختنق: "قصدك إيه." ضحك همساً، قائلاً بوعيد وهو ما زال يمسك بها: "هتبقي ليلتنا سودة في السرير وإحنا سوا زي ليلة امبارح كده." أبعد وجهه قليلاً لينظر في عينيها بتسلية قائلاً بوعيد: "هتغيري العباية، ولا ننسى الضيوف ونكمل زي ليلة امبارح."
كان صوته ناعماً، لكنه يحمل تهديداً مقنعاً بالشوق والغضب معاً. توترت قائلة باستسلام: "خلاص سيبني وهغير العباية." ضمها أقوى قائلاً بمزاح: "لا خلاص. أنا هتصل على ماما وأقولها تفضل هي مع الضيوف وتقول لهم العرسان مشغولين بـ... غمز بإيحاء وهو يضع قبلة على إحدى وجنتيها. اهتزت قائلة: "لأ خلاص قولت هغير العباية ومش من الذوق تسيب الضيوف يستنونا، يقولوا علينا إيه." ابتسم ماكراً يقول:
"هيقولوا إيه يعني، أكيد عرسان وملهوفين لبعض." شعرت بوجنتيها تشتعلان غضباً، وزيادة خفقان في قلبها. دفعته بيدها قائلة: "في ضيوف مستنيانا، مش من الذوق نتجاهلهم خلينا ننزل لهم." ابتسم وهو يجذبها نحو خزانة الثياب قائلاً: "تمام نلتزم الذوق، أنا هختار لك عباية على ذوقي من الدولاب."
بالفعل ما زال يأسرها بين يديه وفتح خزانة الثياب. انتقى لها عباءة باللون الأخضر الزمردي. كادت تعترض لكن امثلت غصباً، كي تتملص من بين يديه. بالفعل تركها سريعاً. أخذت العباءة وتوجهت نحو الحمام. شاغبها قائلاً: "خليكِ هنا ألبسيها عشان أشوفها مظبوطة ولا... ضحك حين أغلقت الباب بعنف في وجهه.
بعد قليل دلف الإثنان إلى غرفة الضيوف. تفاجئت درة بوجود والدتها كذلك جدتها. وباسل وشاهر الذي نهض يقترب منها بابتسامة لكن هي تجاهلته وذهبت نحو جدتها. وتجاهلت وجود سامية وكوثر، اللذان نظرا لها بنظرة غلول من جمالها الملفت. حاولت وجدان تلطيف اللقاء. تحاملت درة على نفسها حتى انتهى اللقاء وغادر الضيوف. صعدت وحدها بينما ظل طوفان مع وجدان لدقائق.
دخلت درة إلى غرفة النوم. خلعت تلك العباءة فوراً، تشعر بغضب. لكن انتهى ذلك الغضب حين فُتح باب الغرفة وطل طوفان الذي وقف مبتسماً حين وقع نظره على درة التي تقف بثيابها الداخلية ذات اللون الأسود المعاكس لبشرتها البيضاء. شعرت بالخجل وتوترت وهي تجذب العباءة تضعها فوق جذعها العلوي قائلة بغضب: "بتبص على إيه، مفيش عندك حيا."
ضحك طوفان، سبب لها إغاظة. ذهبت نحو الحمام دون جدال. بينما نزع طوفان ثيابه وظل بسروال داخلي. ذهب نحو الفراش وتمدد عليه. وضع يده فوق رأسه ينتظر لدقائق حتى عادت درة. نظر نحوها بتلك المنامة السوداء ثم ضحك بخفة غير مبالٍ. بينما درة توجهت نحو الفراش تنظر له بترقب، وهي ترفع دثار الفراش ثم تمددت على الفراش. بمجرد أن تمددت، قلب طوفان. لوهلة ظنت أنه سيقترب منها لكن كان خبيثاً وأعطاها ظهره. تنهدت براحة وهي تُغمض عينيها. كذلك هو نظر نحوها وتبسم، ثم أغمض عينيه متثائباً بسبب الإرهاق. غفى هو الآخر.
*** بعد مرور أسبوع رغم جفاء معاملة بدرية لـ جود، كذلك مشاعر حاتم المذبذبة معها. أحيانًا لطيف، وأحيانًا عنيف برد الفعل بموقف لا يدعي العصبية، لكن كأنه شخص لديه انفصام. شخصان يتناوبان السكن في قلبه وعقله. أحدهما يحاول الاقتراب منها بلطف، والآخر يود دفعها بعيداً بلا رحمة. شعور يخشاه ولا يستطيع احتوائه. كلما اقتربت جود بخطوة، تراجع هو بخطوتين. تشعر كأنها تدفع ضريبة ذنب لم ترتكبه.
تفاجئت حين دخلت إلى غرفة النوم، وجدت حقيبة على الفراش وهو يضع بداخلها ثياب خاصة. سألته بدهشة: "ليه بتحط هدوم في الشنطة دي." في البداية تجاهل الرد، لكن جود، تطوي الثياب وتضعها بالحقيبة. اقتربت أكثر وعاودت سؤالها. ترك وضع الثياب واستقام واقفاً ينظر لها ببرود قائلاً بنبرة ثلجية: "عندي مهمة تبع شغلي في الشرطة وهغيب كام يوم. ارتحتي كده لما جاوبتُك."
حدقت فيه جود للحظات، كأنها تحاول التحقق من أنه يمزح، لكن نبرته الباردة كانت كفيلة بأن تزرع في قلبها صدق ما قاله. قالت بهدوء تخفي خلفه زلزالاً من المشاعر: "تمام. أنا سألتك لأني مراتك، مش غريبة." أشاح بوجهه، وكأن كلماتها زادت من ضيقه، ثم قال وهو يغلق الحقيبة بعنف نسبي: "مراتي. بس أنا مبحبش الأسئلة الكتير اللي ملهاش لازمة." شعرت وكأن الهواء يُسحب من الغرفة. ردت بتماسكٍ متكسّر:
"لما أسألك عشان أعرف ليه بتحط هدوم في الشنطة، ده سؤال مالوش لازمة." لم يجب، فقط أمسك بالحقيبة واستدار متجهًا نحو الباب. وقبل أن يخرج، توقف لحظة. دون أن يلتفت تحدث ببرود: "خلي بالك من نفسك." كلمات باردة منه وهو يغادر، تاركاً خلفه قلبها معلقاً بين الكبرياء والانكسار. *** بالغردقة بأحد الفنادق
لاحظ نفخها لأكثر مرة. ابتسم بخبث متعمدًا تجاهلها، يدعي انشغاله بالعمل عبر حاسوبه الخاص. لديه يقين لن تنتظر طويلاً، وستتحدث. وبالفعل، قبل أن تمر دقيقة زفرت نفسها بقوة، وألقت الهاتف الذي كان بيدها ونهضت من على الفراش. وقفت تنظر له غاضبة، تحدثت بنبرة مزيج من ضيق وكبرياء: "إحنا هنفضل هنا لحد إمتي؟ أنا زهقت، خلينا نرجع للمنيا." أغلق الحاسوب، وضعه بجانبه ونهض واقفاً يقترب منها قائلاً: "إحنا مبقالناش غير تلات أيام بس."
زفرت نفسها بضيق قائلة: "يبقى كفاية كده أنا زهقت. إحنا حتى مخرجناش من الأوضة من وقت ما وصلنا. غير مرة واحدة اتغدينا في مطعم الأوتيل." ضحك حين أصبح أمامها، وضع يديه حول خصرها يقربها من صدره، غامزاً بعينيه قائلاً بإيحاء مرح: "وهو في عرسان جداد بيطلعوا من أوضتهم." أنهى حديثه بقبلة على إحدى وجنتيها. عادت للخلف خطوة، زفرت نفسها، ورمقته بنظرة نارية. شبكت ذراعيها أمام صدرها، قائلة بكبر:
"عرسان، بلاش النغمة دي أنا زهقت خلينا نرجع." ضحك قائلاً: "لأ هنكمل الأسبوع. أنا أساسًا بفكر أزود كمان أسبوع، مستمتع هنا، البحر والوجه الحسن." نظرت له بحنق قائلة: "فين البحر؟ أنا مش شفته غير من بلكونة الأوضة، وفين كمان الوجه الحسن ده." ضحك وهو يعاود وضع إحدى يديه حول خصرها والأخرى رفعها يلمس وجنتها بنعومة قائلاً: "هو في وجه في الكون كله أحسن منك."
نظرت له بحنق. ابتسم وهو يضع قبلات على وجنتيها يسير بشفاه نحو شفتيها. قبل أن تعترض، عانق شفتيها بشفتيه بعناق متناغم، يدفع جسدها برفق إلى أن تمددت على الفراش وهو فوقها ما زال يُقبلها. لوهلة كادت تدفعه بيديها، لكن امسك يدها وضعها على موضع قلبه. شعر باستكانتها مرة أخرى، وتناغمها مع قبلاته. امتدت يده إلى أزرار كنزتها قام بفتحها. كادا يذوبان معاً بالغرام. لكن هنالك ما قطع صفو الغرام. رنّ صوت إشعار عالٍ من هاتفه.
تنهدت بضجر قائلة: "شوف موبايلك أكيد حاجة مهمة." ابتسم وابتعد عنها ذهب نحو هاتفه. نظر الشاشة ثم لها قائلاً: "ده شاهر خالك." نظرت له بزهق وهي تعتدل تغلق منامتها ولم ترد. تنهد بضجر وهو يقوم بالرد على شاهر الذي أنهى الحديث معه سريعاً، ثم عاد يقترب منها قائلاً: "شاهر بيسلم عليكِ." نظرت له بنزق صامت. ابتسم طوفان قائلاً: "إفرضي وشك إحنا عرسان." قاطعته بغضب: "بطل النغمة دي، دلوقتي عاوزة أخرج أشم هوا البحر."
عاد يقترب. نظرته خبيثة وهو يقترب لكن صدح رنين هاتفه. نظر نحو شاشة الهاتف بيده، شعر بإندهاش. لم ينتبه لفضول درة حين سألته: "مش بترد ليه؟ مين 'روان'."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!