منذ أن عادوا من المشفى، اتخذت جود النوم سبيلًا للهروب من قسوة ما تشعر به من خسائر متلاحقة. انتهت كل طاقتها على التحمل، أنهكت روحها وهي تُجاهد للتماسك كي لا تصرخ. صارت تغفو ساعات طويلة بلا وعي، لا راحة فيها ولا أحلام، فقط ظلامٌ كثيف يُغلف عقلها وقلبها.
حتى وجنتاها، اللتان كانت تحملان يومًا بقايا ابتسامة، خفت لونهما وتيبّس الشعور فيهما. تشعر كأن الحياة انسحبت منهما. لا تود أن تجيب على أسئلة من حولها حتى عن صحتها. كل ما تريده أن يتوقف الزمن، أو على الأقل يتوقف ذلك الألم الذي ينهش وجدانها.
خسارتها ليست هينة. خسرت جنينها الذي لم تنبت به الروح بعد. ربما أخذ روحها هي معه. شعور مرير. قلبها نبض للمرة الأولى. إحساس لشخص خاطئ. هي دُمرت ليس فقط معنويًا، فقدت الإحساس، لا تشعر ولا تود أن تشعر. غص قلب وجدان من حالة جود. كأن الحظ يتكرر مرة أخرى معها. زواج فاشل. لا فرق بين حاتم ونوح. الإثنين لا يُقدران مشاعر من معهم، يتعاملان بقسوة. وإن كان حاتم أسوء من نوح. نوح لم يكُن مخادعًا ولا مُنتقمًا مثل حاتم.
تنهدت بأسي. صغيرتها الرقيقة كانت أسوء حظًا منها. فقدت جنينها. تقبلت ذلك بـ "ربما ذلك رحمة من الله عليها لا يكون بقايا رابط بينها وبين حاتم ويخرج من حياتها ومعه الألم." تركت وجدان جود نائمة وخرجت من الغرفة. تقابلت مع كوثر التي مثلت الحزن قائلة بنهجان من أثر صعودها السلم: "فين جود." أجابتها وجدان: "نايمة." تنهدت كوثر بأسي مُصطنع: "هو إيه اللى حصل لها، وبعدين فين جوزها." ردت وجدان: "معرفش، عدم وجوده أفضل."
زفرت كوثر بحقد: "بدل ما يحمد ربنا إنه ناسب نسب مكنش يحلم بيه، يسيبها كده وميسألش عنها هو... قاطعتها وجدان بحسم: "بلاش السيرة دي، وجود مش لوحدها، أنا وطوفان جنبها." بحقد تفوهت كوثر بتحريض: "طوفان المفروض كان يعمل زي حاتم ما عمل فى جود، دُرة مش بنت خال حاتم." زفرت وجدان بغضب قائلة بحسم: "ولا تزر وازرة وزر أخرى. ربنا قال إكده وبعدين قولت بلاه الحديت ده كفاية." ارادت كوثر نفخ النار لكن حكمة وجدان كانت الفائزة.
بمنزل عزمي. دلف إلى المنزل بخطوات هادئة. مزاجه هادئ بل صافٍ. حتى أنه يُدندن إحدى الأغنيات الفلكلورية الشهيرة بنغمة خفيفة على لسانه. لكن سرعان ما خفتت ابتسامته، وتأفف في صمت حين وقعت عيناه على سامية، بوجهها المتجهم كعادته. تمتم باستنكار وهو يمر بجانبها: "بومة... متعرفش تضحك ولو مرة فوشي." بينما سامية، رمقته من طرف عينها، ورفعت حاجبًا في سخرية وغضب كان مكبوتًا وأعطت له الصراح قائلة بإستهجان:
"داخل الدار رايق وبتغني ومتعرفش المصيبة اللي احنا فيها." إستغفر بين نفسه ثم نظر لها باستفسار سائلًا بنزق: "يا ساتر يارب، خير، إيه هي المصيبة." بغضب يزداد أجابته: "طبعًا قافل موبايلك ومروق دماغك والدنيا تضرب تقلب ولا في دماغك، أنا اللي شايلة هم الدار ده." نظر لها بحنق مُتهكمًا سائلًا ببرود عكسها: "طول عمرك سدادة... إيه هي المصيبة اللي حصلت." بغضب عارم أجابته: "ابنك وليد الشرطة جت وخدته من الدار."
رغم بروده لكن ادعى اللهفة سائلًا: "وخدته ليه، عمل إيه تاني." نظرت لها بإستهجان قائلة: "معملش حاجة، إنت ليه مفكر إن ابنك الإجرام في دمه، اللي خدته هي شرطة الجيش... اتصلت عليك وعلى اخويا أنتم الاتنين موبايلاتكم خارج الخدمة... خدوه مقدرتش أمنعه لو شفته وهم بياخدوه قلبك هيتقطع عليه... مش قادرة أنسى منظره وهو بيستنجد أنه ميروحش معاهم، إنت لازم تتصرف وتشوف حل للمصيبة دي أنا عاوزة ابني يرجعلي." نظر لها بإزدراء
لكن تفوه عكس إرادته: "تمام أنا هتصل أشوف إيه حصل، يمكن فيه غلط في الموضوع." بغضب تفوهت: "تتصل على مين، إنت تروح تشوف خدوه فين وتجيبه أنا عاوزة ابني مش كفاية قبل كده اتحبس ست شهور مع المجرمين." تهكم لكن أظهر عكس ذلك، ثم غادر فقط ليبتعد عن وجهها.
بالأعلى بغرفة والديه. تسحب ريان للغرفة يترقب حوله يمين ويسار. حتى دلف إلى الغرفة وأغلق الباب ثم ذهب نحو تلك الخزنة الصغيرة. حاول فتحها لكن فشل. وقف يزفر نفسه بغضب. بنفس الوقت دلفت سامية وجدته. اندهشت من وقوفه سألته باستفسار: "واقف كده ليه يا ريان." تعرق وجهه وارتبك قائلًا بتعلثم: "انا... انا... كنت... كنت... رغم الارتباك الواضح عليه وتعلثمه لكن لم تهتم بذلك. ظنت أنه يريد شيئًا ويتردد في طلبه. اقتربت
منه ربتت على كتفه قائلة: "قول عاوز إيه أنا دماغي هتطير مني... بسبب أخوك." توتر قائلًا: "كنت محتاج مبلغ مالي... توقف للحظات ثم برر طلبه: "عايز أحجز كتب الجامعة." جلست على الفراش تشعر بإنهاك قائلة: "والمبلغ ده قد إيه."
أجابها بقيمة المبلغ المُبالغ فيه. لم تعترض ونهضت نحو تلك الخزنة. لاحظ تلك الأرقام التي فتحتها بها وسحبت له قيمة ما طلبه. ثم أعادت إغلاق الخزنة. ظل ريان يُحلق بالمال الكثير الموضوع بالخزنة، كذلك بعض المصوغات الخاصة. عقله حفظ تلك الأرقام. وعاود يتذكرها حتى يحفظها. لم ينتبه إلا حين مدت يدها له بالمال قائلة: "الفلوس إيه يا ريان أنا عاوزاك تجتهد في الجامعة متبقاش زي الثانوية وتاخد السنة في اتنين." أخذ المال منها قائلًا
بمهاودة: "حاضر متقلقيش." بمجرد أن لمس المال توجه نحو باب الغرفة مغادرًا. بينما عادت سامية تجلس تشعر بإنهاك وغضب تنتظر اتصال من عزمي. بينما خرج ريان من الغرفة متوجهًا إلى مغادرة المنزل. لكن قبل ذلك جلس في سيارته يضرب رقم هاتفي قائلًا: "جبت مبلغ محترم عاوز حاجة محترمة اتكيف بها." وعلى الناحية الأخرى كانت ضحكة ظفر تدوي وهو يقول: "قولتلك هيرجع مدمن وأهو." ولخبث الآخر ضحك هو أيضًا قائلًا:
"برافوا عليك، عاوزك تطمع، فترة بس وبعد كده مهما دفع ممنوع تطاوعه، عاوزاه ينتهي بالبطيء." مساءً. عاد طوفان إلى المنزل. تلاقى مع شكرية التي تبسمت له. سألها: "الحجة وجدان فين." أجابته: "شوفتها من شوية كانت داخلة أوضة جود، تحب أحضر العشا."
أومأ رأسه بـ لا. صعد السلم توجه نحو غرفته أولًا. توقع وجود دُرة لكن كانت الغرفة خالية. تنهد بغيظ جذب هاتفه قام بإتصال سمع جواب الآخر زفر نفسه بجمود أغلق الهاتف. توجه نحو الحمام أخذ حمامًا باردًا ربما يزيل عن كاهله بعضًا من التوتر والضغط النفسي الذي ينهش صدره.
خرج بعد دقائق، يلف المنشفة حول خصره، وقطرات الماء تنحدر على جسده. مرر يده في شعره المبلل وهو يتجه نحو الخزانة ليبدل ملابسه. ثم خرج من الغرفة توجه نحو غرفة جود، دخل بعدما طرق على باب الغرفة. ابتسم حين وجد وجدان تضع صنية صغيرة جانبًا بعدما انتهت جود من الطعام. اقترب من جود وجلس جوارها على الفراش يُقبل رأسها سائلًا: "أزيك دلوقتي." أجابته ببسمة طفيفة رغم ذاك الشعور القاسي الذي ينتهك روحها: "الحمد لله بخير."
غص قلبه فالحقيقة تعكسها ملامحها الواهنة المسؤمة. نظرت لهما وجدان بغصة قوية. الإثنين يتحملان أكثر من طاقتهما، بالأخص طوفان. قدره دائمًا عكس ما يتمنى. ربما الشيء الوحيد الذي تمناه وناله هو "درة". رغم عنادها إلا أنها على يقين أنها مثل طوفان تعشقه وهذا ما غفر لها وتقبلت زواجه منها بحذر في البداية حتى تأكدت من ذلك. لو ظلت معهما بالغرفة قد تبكي، تحججت قائلة:
"أنا مخدتش العلاج، هروح أخده وأرجع لكم هاخد معايا الصنية مش هغيب." أومأ لها الإثنين. خرجت وجدان توقفت على جانب الغرفة تمسح دموعها. مازالت تشعر بألم صدمتها حين علمت بمرض جود وإجهاضها وكيف أخفى طوفان الأمر عليها إلى أن استعادت جود وعيها حتى لا تراها بمنظر أسوأ مما كانت عليه. ألا يكفي أنها عاشت القسوة. جود كانت بعيدة عن قسوة نوح لكونها فتاة، عاشت الدلال بكنف طوفان لا بكنف أبيها. لكن كانت القسوة في انتظارها مع أحمق.
بداخل الغرفة. اقترب طوفان أكثر من جود التي نظرت له ثم لم تعد تحتمل ما تكبته بصدرها. انفجرت باكية. شعر طوفان بهزة إعصار قوي توغل من قلبه يكاد يجعله يُقدم على اقتلاع قلب حاتم من صدره لو طلبت جود ذلك. ضمها لصدره سريعًا وهي تبكي، وبكاءها يزداد وهي تضم طوفان. تركها تبكي رغم قسوة ما يشعر به، ربما البكاء يكون تنفيسًا عن مكنون صدرها. حتى شعرت بهدوء وخفت صوت بكائها. ضمها قائلًا: "احكي لي بالراحة إيه اللي حصل."
رغم وجع قلبها من سردها لما حدث كأنها تعيشه مرة ثانية، سردت لـ طوفان ما حدث. ضمها طوفان بقوة يشعر بغضب قائلًا: "من يوم الصباحية وأنا كنت ملاحظ أفعاله وكنت ساكت مش عاوز أفرض السوء، لكن أنا صبرت عليه كتير وإنتهي صبري، دلوقتي عاوز منك قرار يا جود." بلا تفكير كان ردها: "الطلاق."
لم ينصدم. جود قدمت تنازلات كثيرة مع حاتم. وإن اختارت شيء غير ذلك لن تكون جود الذي رباها أن كبرياؤها أولًا. لكن لن يكون ذلك سهلًا ولا بدون ثمن. لكن لـ جود أيضًا مشاعر أخوية. ضمت طوفان قائلة:
"مش عاوزة غير أني أطلق يا طوفان، أنا مش مسامحة حاتم بس مش عاوزاك تبقى زيه جاحد. متأكدة إن ربنا هيخلص حقي منه، بس مش عاوزة تبقي إنت سبب في أذية حد حتى لو كان أكتر شخص أذاني، بس إنت لك مكانة تانية عنه، إنت مش هتبقى زيه وتختار الانتقام... أنا عارفة قلبك أبيض، واللي جواك أنقى من إنك تلوثه بالغضب والانتقام... إنت سندي، ولما بشوفك بحس بالأمان... بس كمان بخاف عليك من نفسك...
خليني أنا اللي أتحمل الوجع، خليني أختار الطريق اللي يخليني أخرج من الليلة دي بكرامتي، مش بدموع وندم." نظر لها بعين ممزوجة بالحنان والغضب، لكن كلمتها الأخيرة كانت كأنها رد على جمرة قلبه. هز رأسه، قائلًا بصوت مخنوق: "خلاص يا جود، الطلاق هيكون... بس اوعديني، اوعديني إنك مش هتسيبي نفسك لكسرة قلبك... ولا هتخلي أي وجع يحني ضهرك... أنا معاكي، في وش الدنيا دي كلها." شدت جود على إيده، قائلة بضعف: "أنا عايزة أبدأ من جديد...
بس أكيد أنا مش لوحدي." مد إيده على وجهها يمسح دموعها، وضمها قائلًا بثقة فيها: "عمرك ما كنتِ لوحدك... من أول ما اتعلمتي الكلام ونطقتي قولتي اسمي "يا طوفان"، بقيت نفسك التانية... وحقك، لو ما جاش على إيدي... هييجي من ربنا اللي عمره ما بيخذل المكسورين." وساد بينهما صمت دافئ، خالي من الخوف. صمت طمأنينة أن اللي جاي، مهما كان صعب، فيه ليست وحيدة.
بعد وقت. خرج من غرفة جود سمع صوت سيارة. نظر من ذلك الشباك الذي بالممر زفر نفسه بغضب حين رأى دُرة تترجل من السيارة. ظل واقفًا تلاقت عيناه مع عيني درة التي رفعت رأسها رغم أن الضوء خافت لكن رأت تغضن ملامحه. لوهلة ارتجف قلبها لكن أكملت سير وتوجهت إلى داخل المنزل. بينما توجه طوفان نحو الغرفة الخاصة بهما. ينتظر دُرة التي دلفت إلى الغرفة. نظر لتلك الساعة بيده ثم لها قائلًا بإستهجان: "كنتِ فين لحد دلوقتي."
لاحظت على ملامحه الغضب. ازدردت ريقها قائلة بهدوء بارد: "كنت عند ماما." عاد ينظر للساعة بيده قائلًا: "كنتِ عند مامتك للساعة حداشر ونص مش ملاحظة إن الوقت اتأخر ولا كنتِ ناوية تكملي وتباتي هناك." عادت تبتلع ريقها. هي فعلًا أرادت المبيت بمنزل والدها لكن لم تود إثارة سؤال والدتها فعادت رغم عنها. ظلت صامتة. زفر طوفان نفسه بغضب قائلًا: "ساكتة ليه مش بتردي."
ظلت دُرة واقفة أمامه تنظر له بثبات رغم ارتجاف داخلها. لم ترد، فاقترب منها خطوة وتحدث بنبرة منخفضة مشحونة بالغيظ: "بتتصرفي من دماغك وترجعي وقت ما تحبي... كل ده ليه عشان... قاطعته بغضب تلمع الدموع بعينيها قائلة: "عشان طردتني من المكتب الضهر ومكنتش ناوية أرجع هنا، بس... صُدم طوفان من ردها ولم ينتظر بقية حديثها قاطعها بغضب: "بس إيه يا دُرة.... لم يُكمل حديثه حين هطلت دموع دُرة وبمفاجأة بدأت تسعل بشدة.
هلع قلب طوفان وتبدلت عصبيته إلى قلق. سريعًا توجه نحو تلك الطاولة وبحث عن البخاخ. توجه نحوها جذبها لأحد المقاعد حتى جلست. وسريعًا أمسك بوجهها بين يديه وهو يهمس بقلق: "دُرة، خدي نفس... اهدي شوية، أنا معاكِ."
أخرج البخاخ ورفعه نحو فمها المرتجف، وضعه بحذر وهو يثبت يدها المرتعشة على البخاخ، ضغط هو بخفة. أطاعته رغم اضطرابها، وحاولت الضغط على البخاخ لكن تركت له ذلك. أخذت شهيقًا متقطعًا وهي تميل برأسها على كتفه دون وعي. ضمها طوفان إليه بحنان وهو يمسد على ظهرها برفق. شعرت بنبضه يتسارع مثلها، كأن قلبه يسعل معها، كأن وجعه أكبر من وجعها. بضعف حاولت دفعه عنها تبكي تتحدث من بين سعالها بصوت متقطع تلومه:
"إنت طردتني من المستشفى وكمان طردتني من مصنعك... ناقص تطردني من البيت هنا." ضمها بندم قائلًا: "مستحيل يا درة." زفر نفسه يتحمل كثيرًا. همس مرة أخرى، لكن هذه المرة نبرة صوته حملت رجاءً: "خليني أساعدك تاخدي شاور." هدأت قليلًا، هزت رأسها بنفي قائلة بحشرجة صوت: "لأ مش محتاجة شاور، بس هغير هدومي وأنام." لم يعترض ساعدها على النهوض وتبديل ثيابها، حتى تمددت على الفراش. ظل واقفًا جوار الفراش لحظات حتى تحدثت له: "مش هتنام."
أجابها ببساطة: "هنام." رسمت بسمة وهو يتوجه للناحية الأخرى وتمدد على الفراش. نظرت له تود أن يقترب منها ويضمها، لكن منعها كبرياؤها. مازالت تشعر بالانزعاج منه. بينما طوفان تنازل واقترب منها يضمها لصدره يشعر بضياع وتشتت. غفت دُرة بينما هو ظل مستيقظًا حتى سطوع شعاع الشمس. تسلل من جوار دُرة ونهض من فوق الفراش. ذهب نحو زجاج الشرفة، أزاح الستائر قليلًا ونظر للخارج. وذكرى تطوف أمام عيناه.
«قبل بضع شهور، قبل مقتل حسام بحوالي أسبوعين تقريبًا...
صدفة، أم قدر قاسٍ يزيد من جرح قلبه. بأحد مطاعم القاهرة الفخمة كان يجلس مع روزان وأحد العملاء غداء عمل. أثناء ذلك نظر عبر واجهة زجاج المطعم إلى الخارج. لوهلة ثم عاد بنظره، لكن شيئًا ما جذبه ليتلفت مرة أخرى. لم يكن يعلم ما الذي دفعه لذلك، حتى وقعت عيناه عليها. لكن سُحق قلبه وهو يرى حسام يمد يده لها كي يدخلا سويًا إلى داخل المطعم. لم ترفع درة يدها وتجاهلت يده ودخلا معًا. تجمد في مكانه، ولم ينتبه لـلـ الحديث الدائر بين
روزان والعميل. لم يعد يسمع شيئًا سوى دقات قلبه التي خذلته فجأة. دقات متسارعة تندفع من بين ضلوعه. ظن أن الوقت كفيل أن يجعله حتى يتناسى غصبًا، لكن رؤيتها أحيت لهيب الجرح. شعر بحرارة تغزو كيانه، تحجج ونهض، ذهب إلى الحمام، وقف لحظات ثم توجه يغسل وجهه ربما تمحو المياه صورة دُرة، لكن عبثًا حين فتح عينيه ورفع رأسه تصنم للحظات حين رأى انعكاس حسام بالمرآة. تمسك بالهدوء واستدار. تلاقت عيناهما. كاد طوفان أن يتجاهله لكن حسام كان
خبيثًا
وتعمد الحديث: "مفيش حتى بينا سلام... حتى السلام لله... يا طوفان." نظر له طوفان صامتًا ثم كاد يتحاشى ويغادر لكن وقف متصنمًا حين سمع حسام يقول بنبرة نصر: "على فكرة أنا ودرة حددنا معاد زفافنا خلاص خلال شهر بالكتير." كلمات قليلة لكنها كانت كصرير رياح تكاد تقتلع قلبه. لكن استقوى طوفان وعاد تلك الخطوات أصبح أمام حسام، تمركزت عيناه بعيناه وتفوه بنبرة ثقة:
"متأكد إن الزفاف ده مستحيل هيتم، ومتأكد إن درة هي اللي هتنهي القصة دي كلها." نظر له حسام بنظرة نصر وثقة قائلًا: "متنساش إن أنا ودرة مكتوب كتابنا يعني متجوزين رسمي الزفاف مجرد تحصيل حاصل... درة... مراتي." ابتسم طوفان بسخرية مريرة، لكن ملامحه لم تهتز، رد بنبرة باردة كأنها صفعة: "كتب الكتاب مش حبل غليظ، دي ورقة ممكن تتبدل بسهولة.. ومتأكد درة هتفوق وتعرف حقيقتك... وساعتها... إنت اللي هتفتكر الكلام ده وتتحسر عليه."
اقترب منه خطوة، حتى صار الفارق بينهم شبه منعدم، ثم أكمل بصوت منخفض لكنه يحمل في طياته تهديد خفي: "متأكدة درة مشوشة، ومتأكد إن إنت اللي وصل لها الفيديو... بس صدقني درة في لحظة هتتراجع وتفهمك على حقيقتك الانتهازية يا حسام." تحدث طوفان بذلك ثم تركه، ومضى بخطى ثابتة، لكن بقلبه نسمات حامية تحرق داخل صدره. ظل حسام واقفًا مكانه، يلاحق طوفان بعينيه المشتعلتين. الشرر يتطاير منهما. قبض على قبضته بقوة، يحاول كبت الغضب،
لكنه نطق بين أسنانه بغيظ: "بتحلم يا طوفان مستحيل يحصل اللي بتقوله... ثم أكمل بتصميم: درة من نصيبي." لم ينتظر وعاد مرة أخرى إلى تلك الطاولة التي تجلس درة خلفها. تبسم قائلًا: "طلبتِ الأكل... معلش اتأخرت تعرفي شفت مين هنا في المطعم." رفعت رأسها عن ذلك الكتيب الصغير قائلة باستفسار: "فعلاً اتأخرت وقولت للجرسون يستني رجوعك، ومين اللي شوفته هنا في المطعم." تمركزت عيناه على وجهها ثم تفوه بخباثة: "طوفان...
"طوفان مهران" هنا في المطعم شفته قاعد مع بنت واضح بينهم انسجام." شعرت درة بخفقان في قلبها كأن الهواء انسحب من رئتيها. تجمدت ملامحها لثوانٍ، ثم سرعان ما تمالكت نفسها وأغلقت الكتيب ببطء. نظرت لحسام نظرة غامضة، لا هي صدمة ولا غضب. نظرة بلا معنى قائلة باندفاع: "يمكن عميلة، وبعدين هو حر، خلينا نتغدا أو الأفضل نمشي حاسة بصداع." شعر حسام بالغيظ وندم على إخبار درة. لكن حاول تصليح ما أفسده بالخطأ. قائلًا:
"أكيد الصداع من الجوع، خلينا نتغدا وبعدها هتحسي إنك بقيتي أفضل." لم تقتات سوا القليل وطلبت منه المغادرة. غصبًا امتثل حسام يشعر بإنسحاق، لكن لن ينهزم ويترك درة، فلقد اقترب الوصول إلى هدفه. ربما أخطأ بذكر طوفان، لكن أصاب حين قال أنه يجلس مع امرأة بإنسجام.
نهضت درة وحسام وخرجا من المطعم. توقفت درة لحظات أمام باب السيارة، رفعت رأسها لأعلى حقًا، رأت طوفان يجلس مع امرأة. لم تر الشخص الثالث، وهو لم يراها كان يحاول التركيز في هدف اللقاء وهو العمل. رغم أن روزان زوجته لكن ليس هذا هو سبب اللقاء بل لقاء عمل بحت. زاد من غصة درة هو رؤيتها أخذ طوفان كوب الماء من يد تلك المرأة. صعدت للسيارة تشعر بوخزات تخترق قلبها مثل الإبر الساخنة، تشعل وجعًا لم تعرفه بهذا الشكل من قبل. بلعت غصتها بصعوبة، ويداها ترتجفان وهي تُغلق باب السيارة. نظرت من الزجاج الجانبي نظرة أخيرة، علها تُكذب عينيها. لكن لا، ما رأته كان واضحًا كالشمس، وضوح ألمه شديد. بداخلها تشعر بشيء انكسر.
صوت داخلي ينهرها: "مش من حقك تزعلي، كل واحد بقي في طريق بعيد... فُوقي يا دُرة إنتِ لسه مشاعرك تجاه طوفان بتتحكم فيكِ، كفاية لازم تاخدي قرار حاسم." بينما طوفان هو الآخر لن يستطع رؤية دُرة وهي تُغادر مع ذلك الأفاق، نهض معتذرًا وغادر ظنًا أنهما ما زالا بالمطعم، غادر من اتجاه آخر.»
عاد طوفان من تلك الذكرى المريرة يلوم نفسه. هل كان أعمى لدرجة أنه ظن أن أخلاق حاتم لا تُشبه أخلاق حسام. هل خدعته ملامح الرجولة الهادئة أم الكلمات المزيفة التي كان حاتم يتقن حبكها، وصمت جود. نظر أمامه كان هناك سكون نهاية الليل. رغم ذلك لم يمنحه طمأنينة، بل أشعل في صدره نارًا لم تهدأ. أطلق زفيرًا طويلًا، وكأنه يطرد شيئًا ثقيلًا يجثم على صدره، لكنه لم ينزاح. يشعر أنه مع الجميع ينساق نحو إعصار، يبدو أن القدر قرر أن يُلقيه دومًا في قلب العاصفة. كي يتذوق مرارة مذاق الخذلان مرة أخرى.
الطوفان السادس والعشرون -الجزء الثاني. صمتت درة لحظات قبل أن تقول: "أنا بخير... دايخة بس يمكن من الجوع أو بسبب القيء." زفر نفسه بغضب قائلًا: "من الجوع أكيد.... طبعًا مكبرة الزعل ومكلتيش ناسيه إنك حامل وإن عدم أكلك يضرك قبل الجنين." أنهى حديثه الغاضب وانحنى يحملها. لم تجادل معه، حتى وضعها فوق الفراش، ثم جذب خصلات شعره للخلف بغضب قائلًا:
"زمان شكرية صحيت هنزل أخليها تجيب لسيادتك فطار ومش هسمح بعنادك ولا بدماغك اللي زي الأطفال." كادت درة أن تعترض بإستهجان لكن أشار لها بالصمت متوجهًا نحو باب الغرفة، يصفع الباب خلفه. شعرت درة بالندم فمهما كان غضبها كان لابد أن تترك عادة الغضب على الأكل.
زفرت نفسها وتمددت على الفراش تضع يديها تحركهما على بطنها. زالت التقلصات لكن الجوع له تأثير. لامت نفسها حقًا. الأمس كانت غاضبة لكن اليوم أقل غضبًا وهي تزم نفسها على ما حدث بالأمس.
«بالعودة للأمس بمكتب طوفان. حين دخلت إلى المكتب دون استئذان وقفت متصنمة لدقيقة تقريبًا وهي ترى خلود تقف جوار طوفان خلف تلك الطاولة يتحدثان. رغم وجود مسافة قليلة بينهما لكن يبدوان منسجمان، أو هكذا ظهر لها. رغم عدم وجود ما يجعلها تشعر بالغيرة لكن زاد ذلك برأسها حين سمعت مديح طوفان لـ خلود كأنه يتعمد إثارة غيرتها والحقيقة عكس ذلك فمديحه لـ خلود دعم وتقدير على عملها:
"بصراحة مكنتش متوقع إنك بالنشاط..، شغلك هايل، رغم غيابي، لكن اهتمامك بالتفاصيل الأيام اللي فاتت فرق بشكل واضح في زيادة التوزيع."
قالها طوفان بنبرة جادة وهادئة، وعيناه تتابعان حركة خلود وهي تشكره وتعطي بعض الملفات. بينما درة ما زالت واقفة مكانها، كأن قدميها تجمدت. قلبها لم يخفق بغيرة فقط، بل بشيء أشبه الإعصار. رغم محاولاتها المستميتة لإقناع نفسها أن الأمر مهني بحت. لكن قرأ طوفان عينيها حين تحركت أخيرًا بخطوات بطيئة، نبرتها جاءت باردة تحمل بين طياتها مزيجًا من الغيرة والغضب: "آسفة هعطلكم... واضح إن الشغل كتير." نظر لها طوفان مُبتسمًا مُرحبًا:
"أهلًا يا درة." كذلك رحبت بها خلود ثم نظرت نحو طوفان قائلة: "دي ملفات سير العمل الأيام اللي فاتت." أخذ طوفان منها مُبتسمًا تلك البسمة رغم أنها مجاملة لا أكثر لكن أثرت على فهم درة. نظرت نحو خلود بغضب. تنحنحت درة. شعرت خلود بالحرج. تركت الملف له انسحبت بهدوء بعد أن شعرت بالحرج. التفت طوفان إليها، نظر بعبس خفيف على ملامحه، كأنه يحاول استيعاب سبب نبرتها المتحفزة، فقال: "درة إيه اللي جابك هنا المصنع." رفعت عينيها أخيرًا
ونظرت له بثبات سائلة: "من إمتى خلود بتشتغل معاك هنا في المصنع." زفر طوفان نفسه قائلًا: "إيه اللي جابك يا درة." شعرت ببعض الترقب والغيرة حاولت تمالك نفسها قائلة: -مردتش على سؤالي." أجابها بجمود: "من فترة قريبة." -وليه مقولتليش قبل كده." هكذا كان سؤالها الثاني الذي أجابه طوفان بتوضيح بسيط: "وأقولك ليه دي شغل إنتِ مالكيش فيه، ودلوقتي قوليلي إيه اللي جابك المصنع أكيد حاجة مهمة."
تلألأت الدموع بعيني درة من طريقة حديث طوفان معها الجامدة، بل القاسية، وكادت تغادر بلا إجابة. لكن جذبها طوفان من يدها قائلًا: "رايحة فين، إيه سبب مجيك لهنا يا درة." نفضت يده بغضب قائلة: "كنت جاية أسألك عن أرض بابا اللي سبق وساومتني عليها النهاردة اكتشفت أنها مثبتة باسمي، يبقي ليه ساومتني قبل شهور إني أتزوجك، كمان سؤال، إزاي بابا رجع يثق فيه أساسًا، بس دلوقتي فهمت بابا دايمًا كان في صفك رغم إنك آفاق وملاوع و....
"درة" قالها طوفان بغضب ساحق وهو يضغط على رسغ يدها، تألمت درة قائلة: "إيه زعلت لما واجهتك بالحقيقة، طوفان قولي ليه ساومتني وإنت عارف إن الأرض دي أرضي، دلوقتي اتأكدت إن رأي حسام فيك كان صحيح لما قال إنك انتهازي." "انتهازي" ذلك الوصف أبعد ما يكون عنه. ليته كذلك لكن حاول تمالك نفسه وغضبه قائلًا بتكرار: "أنا انتهازي... تمام يا درة....
أنا لو كنت انتهازي، مكنتش وافقت ورجعت الأرض تاني وكان ببساطة اخلي والدك يكمل إجراءات نقلها باسمي، لكن لو شغلتى دماغك قبل ما تتهميني كعادتك، كنت عرفتي إن فيه عقد ابتدائي بيني وبين والدك على بيع الأرض، وبعدها تنازل مني عن الأرض لجنابك....
عايزة تعرفي ليه ساومتك، لان مكنش قدامي طريق تاني، طبعًا كنتِ راجعة لهنا في دماغك هدف وقرار إنك تاخدي بتار والدك، وتارك كان جزء كبير منه معايا، مش أنا اللي ضيعت الحق، مش ده اتهامك اللي لسه لغاية دلوقتي معشش في دماغك من ناحيتي، التلات رصاصات اللي ضربتيهم في صدري... هقولك ليه ساومتك... لأن ده كان آخر طلب لوالدك مني قبل ما يتوفي...
قالي إنك عنيدة والأرض دي هي اللي هتجبرك توافقي تتجوزيني، رغم ذلك أنا مضغطش عليكِ بها ولو مش فاكرة هفكرك، أنا عرضت عليكِ الجواز ورفضتي، وحاولت أكتر من مرة، وطبعًا كان الصد من ناحيتك، تعرفي ليه شاهر ساعدني وغير صيغة التوكيل بتاع بيع الشقة لصيغة توكيل لعقد قران." التقط طوفان نفسه ثم نظر لها قائلًا:
"لأن ده كان وصية لوالدك قبل ما يتوفي إني أتجوزك وأحميكِ، وعشان تتأكدي باباكِ قالي إنك لمحتي له أكتر من مرة إنك مش مرتاحة من كتب كتابك إنتِ وحسام وإنك اتسرعتي كان لازم يبقى في فترة خطوبة الأول." اتسعت عيني دُرة، بالفعل حدث ذلك، لكن هل كان والدها يثق بـ طوفان لهذا الحد. صمتت درة مذهولة بينما عاود طوفان الحديث: "أنا ماكنتش ملاك، واعترفت اني غلطت، لكن عمري ما خنت ثقة أبوكِ ولا حاولت أستغلك...
كل اللي عملته كان عشان أحافظ على آخر حاجة طلبها مني، يمكن كنت غبي في الطريقة، يمكن ما حاولت أفهمك كفاية، بس اللي أكيد إني ما كنتش انتهازي ولا آفاق زي ما بتقولي... ولو إنتِ شايفاني كده، فده معناه إنك ما عرفتنيش يوم، وإن المسافة اللي بينا عمرها ما كانت في الأرض... كانت دايما في قلوبنا...
دايما بتسمعي وتصدقي بدون ما تفكري، عارفة سبب ده إيه هو انعدام الثقة يا درة، زي ما حصل قبل كده ورحتي وافقتي على حسام، وإنتِ عارفة إن مفيش عندك أي مشاعر ناحيته، بس لازم أطعن طوفان في قلبه."
توقف طوفان وهو يرى اتساع عيني درة بذهول يصحبه دموع عينيها. لم يتحمل ذلك، كذلك لا يتحمل رؤيتها أمامه الآن وذكريات خذلانه منها تتراقص أمام عينيه. ابتعد عنها رغم شوقه لضمها. تنفس بقوة، ثم نظر لها باحتداد وتوجه ناحية باب المكتب فتحه بإشارة من يده قائلًا: "كفاية. أمشي يا درة. ارجعي البيت ولما أرجع نبقي نكمل كلامنا...
وإن كان عالأرض فهي بتاعتك مساومتي كانت غلطة مني، وخلود مش أكتر من موظفة وقريبة صديق ليا، واللي يهمني شغلها مش أكتر."
لم تتحمل دُرة طرده لها بهذا الوقت وترجمه عقلها أنه خذلان آخر منه لثاني مرة يقوم بطردها خلال أيام. غادرت وهي تبكي لا تعلم لما لم تتخذ قرار وتقول له طالما أنا هكذا لما تتحمل، لكن خذلها لسانها عن النطق. سارت بسيارتها بلا وجهة، فقط دموعها تسبق أنفاسها، وكلما تذكرت نبرته الحادة وكلماته الجافة، زاد اختناقها أكثر، كأن قلبها يُسحب من صدرها ببطء. الشوارع تمر من حولها كأنها أشباح، لا ترا منها سوى ومضات، عقلها مشوش، قلبها مُنهك. راودتها فكرة أن تُوقف السيارة وتعود، أن تواجهه،
أن تصرخ بوجهه: "ليه بتصدني دايمًا... ليه لما أحتاجك تكون أول واحد بيقفل الباب في وشي." لكنها لم تفعل، مثل كل مرة. كانت دائمًا تصمت، تبلع وجعها وتكمل وحدها. ضغطت بيدها على المقود بقوة تزم ضعفها: "أنا مش ضعيفة... أنا مش لعبة يقرر يبعدها وقت ما يحب." جذبت أحد المحارم الورقية ومسحت دموعها همست لنفسها بصوت مُرتعش: "المرة الجاية هيطردك من بيته زي ما سبق وعمل باباه قبل كده...
ورفض إنه يتجوزك وهو استسلم لرغبته وقعد يراوغ سنين، يوهمك بحبه." حتى في همساتها تلك كان قلبها يرتجف تمامًا. بينما بالمصنع شعر طوفان بالغضب من طريقة احتداه على درة، لثاني مرة يُخرج عصبيته بها، رغم كان سهلًا استيعاب الأمر بهدوء، لكن يبدو أنهما بدائرة تضيق عليهما. أشعل سيجارة يُنفث عن مكنون الغضب في قلبه، شعر بندم، كذلك خوف على درة. جذب هاتفه، وقام بإتصال قائلًا: "تكون وراها خطوة بخطوة وتبلغني هي فين."
أغلق الهاتف زفر نفسه بعصبية، لائمًا نفسه، فكر أن ينهض ويذهب خلفها، لكن منعه اتصال هاتفي. نظر إلى الشاشة، زفر نفسه وقام بالرد سمع مزح الآخر قائلًا: "قولي أخبار خلود معاك إيه، مديرة ممتازة." زفر طوفان نفسه متهكمًا يقول: "آه هي ممتازة بس بسببها ممكن بيتي يتخرب." ضحك جلال قائلًا:
"لا متقولش كده، متأكد إن درة عقلها أكبر من كده إنت بتبالغ، وبعدين أنت عارف إن لو بمزاجي مش عاوزها تشتغل، بس تقول إيه عاملة فيها ثورية وبتوع حق المرأة في العمل، وأمي مسنداها تقولش بنتها هي، وأنا لو اعترضت ممكن تقولي يا عدو نجاح المرأة... منه لله "قاسم أمين"." غصبًا ضحك طوفان قائلًا: "طب ما تشوف لها مكان تاني تشتغل فيه بعيد عني، أنا في دوامة ومش ناقص.. كفاية عليا مأساة جود أختي." تفهم جلال ذلك قائلًا:
"مأساة ليه، يمكن ربنا بيحبها، أنا شوفت جوزها جلف أساسًا مرتاحتش له، خليها تطلق منه وألف من يتمناها، كفاية رقتها، مش زي خلود بتاع حقوق المرأة." غص قلب طوفان قائلًا: "الطلاق مش سهل، بس للأسف هو الحل الوحيد، بس مستني قرار جود مقدرش أغصبها ولا أتصرف بدالها." تفهم جلال قائلًا: "فعلاً الطلاق مش سهل بس ممكن يكون لها طوق نجاة من شخص ميستهلهاش، ومتقلقش في النهاية هي أخت طوفان مهران ألف من يتمناها نظرة رضا."
زفر طوفان بغضب واستهزاء فماذا فعل لها ذلك. جعل ذلك الأحمق حاتم يعاملها بنوايا قلبها، بل خذلها وحطم قلبها، كذلك تسبب في إضاعة جنينها. على صوت فتح باب الغرفة نفضت درة ذكرى الأمس عن رأسها ونظرت نحو الباب. رسمت بسمة حين رأت طوفان يتجنب لتدخل شكرية مُبتسمة وهي تحمل صنية على بعض الأطعمة. وضعتها على طاولة بالغرفة وإبتسمت لـ درة قائلة:
"صباح الخير يا درة، عملت لك فطار يشهي، لازم تتغذي عشان إنتِ حبلى، ربنا يقومك بالسلامة وحجرك مليان." إبتسمت لها درة شاكرة: "تسلمي يارب." غادرت شكرية أغلق طوفان خلفها الباب، ثم نظر لـ درة قائلًا: "تحبي أجيبلك الصنية عالسرير." نفت درة ذلك وأزاحت الدثار قائلة بعناد: "لأ أنا مش عيانة، هما شوية دوخة وغثيان، أعراض طبيعية للحمل."
ابتسم طوفان، وذهب نحو الفراش أمسك يد درة، التي لم تعترض ليس لضعفها، بل لرغبتها بالإحساس ببعض الدلال المفقود.
بعد وقت. بمنزل مرعي. وضعت زوجته أمامه صنية طعام الفطور ثم استقامت واقفة. بنفس الوقت جاءت زينة. نظرت نحو تلك الصنية عليها بعض الأطعمة ربما تشتهي منها قطعة واحدة لكن لا تستطيع مد يدها. ابتلعت ريقها. بينما نظر لها مرعي لاحظ زيها رغم أنه قديم لكن بحالة مقبولة لا ترتديه إلا حين تخرج من المنزل. وضع قطعة طعام بفمه ونظر نحوها سائلًا بنبرة استهجان: "رايحة فين عالصبح كده." ارتبكت زينة ووالدتها وصمتن للحظات. عصب ذلك مرعي،
لكن أجابته زوجته بتبرير: "زينة لقت شغل في مشغل، اهو تشتغل حتى تجهز نفسها... زي بقية البنات." نظر لها وكاد يرفض ويقول أنها لا تحتاج إلى العمل فهناك من سيتحمل كل ذلك، لكن خرجت ابنته الأخرى من المطبخ ونظرت لوالدتها قائلة: "سمعتوا اللي حصل إمبارح في دار عزمي مهران، وأنا راجعة من المدرسة كان هناك قدام الدار عربية زي بتاع البوليس، وشوفتهم وهم واخدين ابنه الكبير وركبوه العربية بتاعة البوكس...
وكان فيه حديد في إيده، عمل إيه تاني المرة دي، شكله كده خد عالإجرام." صححت حديثها والدتها قائلة: "مش عربية بوليس، دي قوة من الجيش، قال كان متهرب من الخدمة وجم خدوه." بداخلها شعرت زينة بسعادة وهمست قائلة: "يارب ما يرجع تاني." بينما شعر مرعي بالغضب فيبدو أن فرصة استنزاف أموال من وليد قد ابتعدت. تعصب عليهن قائلًا بغضب: "غوروا من وشي كل واحدة تشوف طريقها رايحة فين."
فرت زينة من أمامه بداخلها تشعر بانشراح فربما ابتعاد ذلك المجرم وليد يعطيها حرية عدم مطاردته لها بالطرقات. بسمة تزين وجهها وهي تسير بالشارع تشعر بالحرية التي عادت لها، فلن يعترض طريقها ذلك الوغد. لم تنتبه أثناء خروجها على رأس الشارع كادت تلك السيارة تدهسها لكن توقف بأخر لحظة جعل السيارة تطلق صوت زمجرة عالي انتبه له المارة بالشارع. بينما هي من الرهبة شعرت بتيبس جسدها وظلت واقفة مكانها حتى ترجل الآخر من سيارته وذهب نحوها بقلق سائلًا:
"إنتِ بخير." رفعت وجهها تنظر له تومئ برأسها. بنفس الوقت تجمع بعض المارة بالطريق. تحدث أحدهم بذم لها: "مش تاخدي بالك وإنتِ ماشية... معلش يا باسل بيه هي... قاطعه باسل قائلًا: "هي مش غلطانة أنا كان لازم أنتبه." نظرت له بعينين متسعتين، تتفحص ملامحه التي لم تكن مألوفة لكنها حملت شيئًا مريحًا في تلك اللحظة المربكة. شيء أشعرها أنها بخير. قالت بصوت خافت أقرب للهمس: "أنا آسفة... مكنتش واخدة بالي فعلًا." ابتسم بلطف قائلًا:
"ولا يهمك... المهم إنك سليمة." ثم نظر للمارة الذين بدأوا يتفرقون قائلًا: "خلاص يا جماعة، الموضوع بسيط." سحب أنفاسه ونظر لها من جديد، وكأنه لاحظ شيئًا في عينيها، ذلك اللمعان الذي يشبه دموع الخوف. ثم سألها: "تحبي أوصلك مكانك.. شكلك لسه مش متوازنة." ترددت لثوانٍ، تائهة بين عقلها الذي يأمرها بالرفض وقلبها الذي شعر لأول مرة منذ زمن بارتياح لحضوره. فقالت دون تفكير تشعر بحياء: "شكرًا لذوقك مشواري مش بعيد."
تفهم رفضها، وما كان عليه عرض ذلك عليها، فالبيئة الذي يعيشا بها ليست بهذا التحضر. غادر نحو سيارته وهي سارت طريقها، قلبها ينبض، وعقلها يُخبرها أنه مجرد لقاء عابر لن يتكرر.
بمنزل الشيخ عرفة. بمجرد أن دلف إلى الغرفة ورأى ذلك الجالس جوار الشيخ عرفة. شعر بغضب ورغبة كبيرة تلح عليه لما لا يصفع ذلك الوضيع بوجهه. ربما يهدأ قليلًا، لكن تغاضى عن ذلك فقط احترامًا لذلك الشيخ صاحب الفضل عليه. ألقى السلام، رد الإثنان. نظر نحو الشيخ عرفة، نظرة يُبطنها اللوم. رغم فهم عرفة لتلك النظرة لكن ابتسم بود قائلًا: "تعالى يا طوفان اجلس جواري على الكنبة فهي متينة وتتحمل من الحبايب الكثير."
رغم عنه تبسم طوفان وبالفعل ذهب وجلس على الطرف الآخر للآريكة جوار الشيخ عرفة. تنهد "عرفه" قائلًا: "اتصلت عليك وطلبتك تجي لهنا لأمر هام، كما توقعت لم تغيب." تنهد طوفان قائلًا: "إنت عارف مكانتك عندي يا شيخ عرفة كبيرة إنت مش بس الشيخ اللي حفظني القرآن كمان علمتني إزاي أتعامل مع الناس الطيبة أمثالك لكن..... ابتسم عرفه مقاطعًا: "بص يا طوفان أنا مجرد وسيط، حاتم طلب مني أدبر لقاء بينكم...
وعشان كده طلبت منك تيجي من غير ما أوضحلك التفاصيل، لأنك لو كنت عرفت إن حاتم هنا، ما كنتش جيت." ضغط طوفان على أسنانه يكبت غضبه. وصمت قليلًا قبل أن يُلقي نظرة ساحقة لـ حاتم، الصامت هو الآخر. تلاقت عيناهما نظرة حاتم تبدو نظرة ندم، أو هكذا بدا. زفر طوفان قائلًا ببرود ظاهر: "سبق وبعت لك مرسال ننهي اللي بينا بالمعروف."
ازدرد حاتم ريقه، يشعر بندم لا يعرف من أين يبدأ الحديث. نظر للشيخ عرفة كأنه يستنجد به، لكن عرفه أشار له بعينه أن يتحدث. تنحنح حاتم قائلًا بصوت منخفض يظهر الندم بوضوح: "أنا عاوز أقابل جود." لم يُصدم طوفان من طلب حاتم لكن ضحك بسخرية موجعة قائلًا بنبرة قسوة: "تقابل مين... واضح إنك مش بس غبي ومبتفهمش.... كمان بجح." توسط الشيخ عرفة يحتوى الموقف قائلًا:
"بلاش تسرع يا طوفان خلينا نسمع للآخر، ربما يجعل الله في ذلك نفع لجميع الأطراف." تهكم طوفان بإستهزاء غاضب قائلًا: "أسمع إيه... بعد ما كسر ضهر واحدة بريئة كانت شايلة اسمه." رفع الشيخ عرفة إيده بهدوء قائلًا برجاء: "طوفان... خلينا نسمع، يمكن الكلمة تداوي لو ما كانتش تغفر... رفه طوفان رأسه بشموخ، قائلًا بنبرة أقل حدة: "اتكلم يا حاتم... بس متزوّقش الكلام، أنا مش ناقص لف ودوران." تفوه حاتم بندم: "أنا... أنا عارف إني غلطت...
كتير، وإن اللي حصل ميتغفرش بسهولة، بس أنا عاوز أقابل جود وده من حقي." -كسر حُقك." قالها طوفان بغضب. بينما عاود الشيخ عرفة تلطيف اللقاء وبصعوبة أقنع طوفان أن يسمح بذلك. غصبًا فقط لاحترامه لـ الشيخ عرفة وافق، ونهض يقوم بإتصال هاتفي، سمع رد شكرية فتحدث قائلًا: "ماما عندك." أجابته: "لأ راحت دار عزمي بيه." تنهد قائلًا: "تمام أنا اتصلت عالسواق، هاتي جود وتعالوا لـ دار الشيخ عرفة." لم تسأله السبب فقط نفذت ما قاله.
بعد وقت قليل. ظل طوفان واقفًا بين الحين والآخر ينظر إلى حاتم نظرات نارية. حتى سمعوا صوت طرق على باب الغرفة الداخلي. نهض عرفة وذهب نحوه، سرعان ما تبسم حين رأى جود رغم غصة قلبه على وهنها الواضح كذلك ذاك الضماد الموضوع على جزء صغير من جبهتها. كذلك لتلك الأخرى التي تقف خلفها، فربما مجيئها يكون سبب لتهدئة طوفان. تنحى جانبًا يُشير لهن بدخول الغرفة.
دخلت جود أولًا، ابتسم لها طوفان ثم سرعان ما حدث عكس توقع الشيخ عرفة، عبست ملامحه وشعر بعصبيه وهو يقترب منهن هامسًا بغيظ: "درة." بينما حاتم نظر لـ جود التي استقوت رغم وهنها الواضح لكن أمام حاتم تبدل ذلك واقتربت من طوفان الذي ساندها حتى جلست، ثم وقف ينظر إلى تلك الحمقاء. تفوه عرفة قائلًا: "خلونا نسيبهم لوحدهم يتفاهموا." تفوه طوفان بعصبيه قائلًا: "يتفاهموا على إيه." نظر له عرفة بلوم قائلًا بأمر:
"طوفان خد درة واطلعوا الجنينة." غصب وافق طوفان وجذب درة من عضدها نظر لها بغضب سائلًا: "إيه اللي جابك." أجابته: "جيت مع جود، هي محتاجة اللي يسندها وشكرية عندها شغل كتير في البيت." إستهزأ طوفان قائلًا: "محتاجة اااى يسندها على اعتبار إن حالك أفضل منها مش كنت مش قادرة توقفي على رجليكِ الصبح." أجابته بحماقة: "آيوه كنت كده عشان كنت جعانة ولما أكلت بقيت كويسة."
بداخل الغرفة نظرات حاتم تفيض بالندم. بينما جود حادت النظر له لدقائق ثم رفعت رأسها بشموخ وزفرت نفسها قائلة: "خير طلبت نتقابل ليه، أنا قولت لـ طوفان قراري وأكيد وصل لك... إيه غرضك من إننا نتقابل لو منتظر تشوف جود الضعيفة تبقي غلطان، أنا قدامك أهو منهزمتش، ولا هنهزم.. بفضلك بقيت... هيئة صورة خاوية."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!