بمنزل كوثر قبل قليل دخلت وجدان، استقبلتها سجى بترحاب. سألتها عن كوثر: "فين كوثر؟ إيه اللي جرالها؟ فأجابتها: "ماما في أوضة النوم. معرفش، هي صحيت الصبح قالت عندي صداع. روحت للصيدلي اللي على أول الشارع، وجاب قاسم لها الضغط والسكر، وقال الضغط نازل حاجة بسيطة." تنهدت وجدان براحة قائلة: "وإيه سبب نزول الضغط؟ ألف سلامة عليها. هدخل أشوفها."
أومأت لها سجى. دخلت وجدان إلى غرفة النوم. نظرت نحو الفراش، كانت كوثر جالسة تتكئ بظهرها على بعض الوسائد على خلفية الفراش، تضع وشاحًا فوق جبينها. شعرت وجدان بالقلق سائلة: "مالك يا كوثر؟ إيه جرالك فجأة كده؟ زفرت كوثر نفسها بضيق قائلة بكذب: "صداع هيفرتك راسي من امبارح. خدت مسكن، راح شوية ورجع تاني الصبح أقوى."
نظرت لها وجدان بقلق، بينما بالحقيقة كوثر لم تكن مريضة، بل ناقمة على حالها. منذ أن رأت ذلك الطقم الذهبي الذي اشترته سامية زوجة أخيها بالأمس، وعرضته أمامها بتباهي، شعرت بغضب جعل رأسها تفور. لماذا هي لا تستطيع شراء مثل ذلك؟
بل بالأصح، زوجها لن يستطيع شراؤه لها. رغم أنها تمتلك ريعًا خاصًا بها وبسهولة تستطيع شراء ما تريد، لكن تود أن ينفق زوجها ببزخ مثل زوجة أخيها، التي تباهت أمامها أن من دفع ثمن ذلك الطقم هو عزمي. وتباهت أيضًا بإنجابها للذكور، رغم أنها على يقين أن بناتها أفضل منهما، لكن بالنهاية ذكور. جلست وجدان جوارها على الفراش قائلة: "قومي البسي وروحي للدكتور يشوف سبب الصداع إيه." وضعت كوثر يديها حول رأسها قائلة:
"جابوا لي الصيدلي قاس الضغط وقال منه، وأهو خدت العلاج، يمكن يجيب مفعول." وضعت وجدان يدها على يد كوثر قائلة: "إن شاء الله يجيب مفعول وتتحسني." "آمين." قالتها كوثر ثم عقبت: "مش عارفة، زي ما يكون عيلتنا اتحسدت. إنتِ من فترة كمان كان الصداع ماسكك." ردت وجدان:
"مش حسد يا أختي، المرض من عند ربنا. وأنا طول عمري كان نظري ضعيف، بس المقاومة بقى. تصدقي، في الأول كنت كارهة النضارة ومخايلة عينيّ لحد ما دُرة قالت لي ألبسها شوية وأقلعها شوية. دلوقتي أهو مبقتش أضايق منها. حتى دُرة قالت لي ينفع أعمل عملية تصحيح نظر بالليزر، وأستغني عن النضارة. بس ممكن العملية تنجح لوقت ونظري يرجع يضعف تاني. قولت هغلب نفسي ليه؟ النضارة خلاص اتعودت عليها." تهكمت كوثر قائلة:
"تعرفي طول عمرك هبلة يا وجدان. مش عارفة إزاي عايشة كده بسهولة مع دُرة. مش هي اللي ضربت طوفان بالرصاص قدامنا؟ لو أنا كنت أخاف تقرب حتى من صورة ابني. دي قلبها جاحد. طب طوفان هنقول الحب عامي عينه، لكن إنتِ كده بتتعاملي معاها ببساطة… كأن ما حصلش حاجة." للوهلة، تشنجت شفاه وجدان وهي تحاول تسيطر على أعصابها، قائلة ببرود متعمد:
"أنا مش هبلة يا كوثر. أنا بعاملها كويس. اللي حصل كان غصب عنها. دُرة وقتها كانت مكسورة، وكانت بتحاول تخرج غضبها. وليد قتل أبوها، وفي الآخر ما أخدش جزاء مناسب." تعمدت كوثر الضغط على وجدان قائلة: "جزاء إيه ده؟ كان بيدافع عن نفسه. وبعدين كفاية أمها المصراوية." زفرت وجدان نفسها بهدوء قائلة: "مالها كريمان؟
ست عاقلة. إنسي بقى يا كوثر. خطوبتك من مختار. إنتِ كنتِ رافضاه من قبل الخطوبة وأبويا اللي ضغط عليكي. ولما اتفسخت الخطوبة، إنتِ وقتها قولتي أحسن، أنا ما كنتش راداه." تضايقت كوثر قائلة: "أنا فعلًا ما كنتش رايدة مختار. كنت بحس إنه ابن أمه وشورتها. كنت لما أقول له على حاجة يقول لي: 'هشاور أمي'. زهقت وقولت له في وشه إني مش هعيش وياها في معاش.
وقتها فضلها عليا وقال: 'ما فيش نصيب'. والحمد لله إننا لسه على البر. وراح قابل المصراوية واتحدى أمه عشانها وغصب عليها توافق وعاشت معاها وعرفت تضحك عليهم. حتى أخته جليلة طوتها، زي بنتها. دلوقتي بتطويكي إنتِ وطوفان، وبتدلع. بسببها تمنعي واد أخوكِ يدخل داركِ." زفرت وجدان قائلة: "بلاش نكذب على نفسنا يا كوثر. وليد مجرم فعلًا، حتى لو كان دفاع عن النفس، ما كانش يقتل اتنين. وبالعجل، عزمي ولا مراته اللي قالوا لك؟
أنا يهمني راحة مرات ابني اللي كان ممكن تسقط بسبب وليد البجح." توترت كوثر وكادت تعترض، لولا أن نهضت وجدان قائلة: "أنا شايفة إن مفعول العلاج بدأ يأثر عليكي. هسيبك ترتاحي، وهرجع المسا أطمن عليكي." شعرت كوثر بالغضب، لكن أخفته خلف إيماءة. خرجت وجدان. ابتسمت لسجى التي قالت لها: "رايحة فين يا خالتي؟ أجابتها ببسمة: "كوثر نامت، هبقى أرجع المسا أشوفها تاني."
أومأت لها سجى ببسمة، ورافقها إلى باب المنزل. أغلقت خلفها الباب. وقفت خلف الباب، عقلها غير مستوعب ما سمعته صدفة. هل كانت والدتها يومًا ما مخطوبة لوالد دُرة؟ و… "باسل"؟
نطقها قلبها. فسرت الآن سبب عصبيتها ذلك اليوم الذي أوصلها باسل وكريمان. "كريمان" بالتأكيد تعلم ذلك، رغم ذلك عاملتها بلطف. حتى أنهما أصبحتا صديقتين، بينهما اتصالات ورسائل. فرق شاسع بين الاثنين، كريمان ووالدتها، من حيث كل شيء، سواء التفاهم أو المعاملة، سواء مع أبنائها والمحيطين بها. لوهلة تمنت لو كانت فعلًا والدتها. لكن نفضت ذلك حين سمعت نداء كوثر عليها. حتى أنها تذمرت بضجر حين ذهبت لها. قالت بقسوة:
"بقالي ساعة بنادي. الطرش صابك. تعالي افتحي الشباك ده يجيب هوا. حاسة إني مخنوقة." *** بمنزل جلال تذمرت دُرة بتأفف، لم تعد قادرة على تحمل سماجة تلك الفتاة من نظرها. رمقتها بنظرة حادة، ثم تنهدت بضجر. ثم نظرت لطوفان قائلة بهمس: "طوفان خلينا نمشي. ضهري وجعني من القعدة." ابتسم يعلم أنها فقط متضايقة. هو الآخر لديه أعمال عليه إنجازها. بالفعل نهض متحججًا:
"والله القعدة لطيفة، بس للأسف أنا مرتبط بميعاد عمل في المصنع، مضطر نستأذن." ابتسم له جلال كذلك. خلود، كذلك والدة جلال التي قالت بابتسامة ودودة: "يا خسارة الوقت مر بسرعة. إن شاء الله المرة الجاية تبقي ترتب وقتك ونقعد مع بعضينا وقت أكتر ويكون معاك وجدان وجود وجوزها. أنا شوفته في الفرح، معرفش ليه حسيت إنه زي اللي واخد جنب لوحده." أومأ طوفان قائلة بود: "إن شاء الله. العزومة الجاية عندنا."
ابتسمت له بمودة. رافقهم جلال إلى السيارة. صعدت دُرة، لحظات وخلفها طوفان ناحية المقود. بمجرد أن أدار السيارة، تنفست بعمق. لاحظ طوفان ذلك، ابتسم بخبث قائلًا: "مالك؟ ليه حاسس إنك مضايقة مع إن القعدة كانت لطيفة؟ كمان كنتِ ساكتة طول الوقت." زفرت نفسها واتكأت بظهرها على خلفية المقعد قائلة بكذب: "مفيش، بس ضهري واجعني شوية." أخفى بسمته، فهي لا تستطيع إخفاء كذبها.
بعد وقت قليل وصلا إلى المنزل. ترجلا من السيارة ودلفا إلى داخل المنزل. تقابلا مع وجدان. تحججت دُرة بوجع ظهرها وصعدت إلى غرفتهم. بينما وقف طوفان تحدث قليلًا، ثم ترك وجدان وصعد إلى الغرفة. بنفس الوقت، دلفت دُرة إلى الغرفة. ما زالت تشعر بضجر. نزعت عن رأسها الحجاب، تتنهد بتأفف وهي تلقيه على الفراش. تخففت من بعض ثيابها، ثم جلست على طرف السرير، تدلك أسفل ظهرها بكفها وهي تهمهم بانزعاج: "كانت عزومة تقيلة أوي."
دخل طوفان في نفس اللحظة، وأغلق الباب خلفه بهدوء. ثم تقدم نحوها ببطء، متأملاً ملامح وجهها الذي عبس وادعت الألم. جلس إلى جوارها دون أن يتكلم، فقط مد يده يساعدها في تدليك ظهرها برفق. قائلًا بمزح: "ضهرك وجعك من دلوقتي؟ أمال لما تدخلي شوية في الحمل وبطنك تكبر، مش هتقدري تمشي."
نظرت له بغضب وحاولت إزاحة يده عن ظهرها، لكن طوفان كان خبيثًا. ترك تدليك ظهرها وصعد بيده إلى كتفها، وأزاح ذلك الحبل الرفيع ووضع قبلة دافئة على كتفها العاري. شعرت بأنفاسه القريبة من عنقها. أغمضت عينيها وهي تشعر بقبلاته تزحف نحو عنقها. ربما فقدت الإدراك ولم تعِ كيف تسطحت على الفراش وهو يطل عليها. رفعت يديها تعبث بأزرار قميصه. لاول مرة بتلك الجرأة الذي اندهش لها طوفان نفسه. وهي تشعر بقبلاته التي اقتربت من شفتيها. لكن فجأة فاقت من ذلك الغياب، وعادت للوعي حين توقف طوفان عن تقبيلها ورفع جسده عنها. نظر إلى عينيها، ثم تبسم ماكرًا
يقول: "نسينا تحذيرات الدكتورة…" تبدلت نظرة عينيها له لنظرة قاتمة. وفهمت تلميحه. هو يرد لها قبل يومين حين منعته عنها بحجة تحذيرات الطبيبة. ضغطت على أسنانها. سمع طوفان ذلك فابتسم وهو يهندم ثيابه. كادت دُرة أن تتفوه، لكن صدح رنين هاتفه. أخرج الهاتف ونظر له. سرعان ما قام بالرد ليسمع صوت جود الباكي كأنها تستغيث به: "طوفان تعال خدني." فقط قالت ذلك. شعر بقلق، تفوه بتسرع: "إنتِ فين يا جود؟
لم ترد. ليزداد القلق بقلبه حين سمع صوت ارتطام يُشبه كسر الزجاج، ثم انقطع الاتصال. حاول الاتصال أكثر من مرة، لكن لا رد. وأصبحت رسالة أن الهاتف مغلق تتردد في أذنه. شعر بقلق بالغ. بنفس الوقت، نهضت دُرة من على الفراش واقتربت منه سائلة: "فيه إيه يا طوفان؟ أجابها بقلق: "جود فجأة الخط قطع وموبايلها بيدي خارج الخدمة أو مغلق. هتصل على زفت حاتم."
بالفعل قام بالاتصال على حاتم، لكن لم يأتيه رد. توجه نحو باب الغرفة. حاولت دُرة الحديث، لكن خرج. كادت تخرج خلفه، لكن وعيت إلى ثيابها المكشوفة. سريعًا جذبت كنزتها ترتديها. كذلك وشاح رأسها وضعته بعشوائية كي تلحق به. بينما طوفان كان يهرول الهاتف بيده ينتظر رد من حاتم. صدفة اصطدم بوجدان التي نظرت له بريبة سائلة: "فيه إيه يا طوفان؟ مالك؟ رجعتوا إمتي من العزومة؟ دُرة بخير."
أغلق طوفان الهاتف وكاد يتحدث، لكن صمت. فماذا سيقول؟ سيشعل قلب وجدان وهو لا يعلم شيئًا. تنهد بهدوء مصطنع قائلًا: "مفيش يا ماما. مشكلة في المصنع. لازم أخرج دلوقتي." بنفس الوقت، سمعت دُرة حديثه مع وجدان. لم تستطع اللحاق به. كذلك رأفت بقلب وجدان. قد يكون هناك تضخيم في قلق طوفان. *** قبل قليل بذلك المطعم نظرات عين جود نحو حاتم،
كانت واضحة: "ازدراء واشمئزاز". نظرات كانت كفيلة بفضح كل ما تشعر به. قرف حقيقي لا تخفيه. هو يستحق نظرة أقل دونية من ذلك. كذلك نظرتها لـ ماهيتاب التي تنتظر بقية حديث جود. قد تعلن ما يسعدها، أنها ستنفصل عن حاتم. بالفعل، ها هي جود تنهض واقفة تقول:
"الرخيص بيفضل طول عمره رخيص. لأنه هو اللي رخص نفسه. لو كان عندك ذرة كرامة، ما كنتيش قبلتي إن خطيبك يتجوز بواحدة غيرك، حتى لو كان وهمك إن ده مجرد انتقام. مفكرتيش زي ما قدر يبقى لواحدة غيرك زوج بمشاعر كاملة؟ ما فيش واحد هيكمل جوازه من واحد كارهها وعاوز ينتقم منها، ولا واحدة هتعيش مبسوطة مع واحد شايفها وسيلة مش اختيار. بس يلا. كل واحد بيختار مستواه."
قالت جود ذلك وجذبت حقيبة يدها فقط وغادرت بخطوات مسرعة. بينما ماهيتاب ظلت جالسة، ملامح وجهها متجمدة. ضحكت ضحكة واهية لكنها خرجت مهزوزة، محاولة كسر الصدمة: "عادي يعني…" لم تستكمل بقية هجائها حين نهض حاتم، عيناه تتتبعت باب الخروج، ووجهه شاحب، وكأن جود لم تخرج فقط، بل خرجت ومعها شيء من كرامته، من رجولته، من صورته أمام نفسه. لم يفكر أو يسمع هجاء ماهيتاب وهي تسأل: "اتأثرت من جرأتها ووقاحتها… و…"
كان عقله لوهلة بغفلة، قبل أن يذهب خلف جود بخطوات سريعة. تنهد براحة قليلًا حين رآها تسير بالشارع، ترفع يدها لأي وسيلة مواصلات. وللزحام في المكان، لم يقف لها أي سيارة. هرول نحوها سريعًا.
بنفس الوقت، كانت دموعها تسيل بغزارة. تشعر بقهر في قلبها. ودت أن تقف وتصرخ، أو تجري حتى ينقطع نفسها، لكن تذكرت أن هناك روحًا أخرى بداخلها، روح نبتت بداخلها، جنين صغير لا ذنب له، لا يفهم ما معنى خيانة أو خيبة، فقط يحتاج الأمان. وهي وحدها من تستطيع أن تمنحه ذلك. أمسكت بطنها بخفة، تشعر بحسرة داخلها تائهة مثل تلك السيارات التي تمر أمامها كأنها قصدًا لا تقف لها. فتحت حقيبتها، لم يبق لها سوى طوفان. تود أن ترمي بحضنه، يضمها، ربما تهدأ. أخرجت هاتفها من حقيبتها بيد ترتعش. سمعت صوت حاتم يقترب منها بخطوات مسرعة. سارت هي الأخرى مسرعة تود الابتعاد عنه. صوته كان لاهثًا، مرتبكًا، لا يشبه غروره
المعتاد وهو يقول برجاء: "جود… استني." وجود لا تريد سوى الاختفاء بحضن حنون يضمها. سمعت رد طوفان عليها،
كانت كلماتها موجزة: "تعالي خدني يا طوفان." بنفس الوقت، خففت من سرعتها. كاد حاتم أن يقترب منها. بنظرة رفض، عادت للخلف. لم تنتبه إلى تلك السيارة القادمة إلا باللحظة الأخيرة. سقط الهاتف من يدها وحاولت تفادي السيارة، لكن تعرقلت بحرف طريق المشاة، واختل توازنها فسقطت. شعرت بضربة قوية في رأسها وألم آخر أسفل بطنها وغابت عن الوعي.
هلع حاتم من ذلك المنظر الدامي لجود. لأول مرة يفهم حقيقة مشاعره وهو ينحني على جسدها الملقى بلا حراك. عيناه تتسعان بفزع، وصدره يعلو ويهبط بجنون، كأن كل شيء توقف من حوله، كأن الشوارع سكنت والسيارات تلاشت وصوت العالم انخفض ليعلو فقط صوت أنفاسه اللاهثة، ونبض قلبه الذي يصرخ باسمها: جود.
بلا انتظار، حملها سريعًا دون الاهتمام إلى زحام وقفة الطريق. يهرول بها نحو مكان سيارته. دماؤها لوثت ثيابه. منظرها قاسٍ وقاسم لقلبه الذي اكتشف للتو حقيقة مشاعره. جود كانت طوق انتقام اختنق هو به. بعد وقت قليل، ترجل من سيارته أمام إحدى المشافي، يحمل جود، يصرخ طلبًا للمساعدة. دخلت جود إلى غرفة الطوارئ. سرعان ما انصدم حين سمع صوت الطبيب يقول:
"المريضة تتنقل العمليات بسرعة. فيه نزيف شديد غير خبطة راسها. أشعة فورًا نشوف حجم الضرر." كاد ينهار، لكنه تشبث بالحائط، يده المرتعشة لا تزال ملطخة بدمائها. رائحتها على ثيابه، وصورتها المرتجفة بين ذراعيه تفتك بعقله.
بعد لحظات، خرجت فوق فراش نقال. رافقها بعينيه نادمًا حتى دخلت إلى غرفة العمليات. دقائق وقت يمر وهو كأنه مفصول عن العالم. عيناه معلقتان بباب تلك الغرفة. لم يلاحظ رنين هاتفه الذي تكرر، إلا حين وضع يده فوق صدره فوق أثر دماء جود. اهتز قلبه، أخرج الهاتف ينظر له. سمع استهجان وتهديد طوفان: "فين جود؟ رد عليا. قسمًا بالله لو بس…" قاطعه حاتم بانهزام واضح: "أنا في المستشفى. وجود في أوضة العمليات."
ظن أنه لو حدث ذلك، ما كان سيشعر بما يشعر به الآن. سكنت أنفاس طوفان للحظة على الطرف الآخر من المكالمة، كأن الكلمات ضربته في مقتل، ثم انفجر صوته بالغضب والقلق: "يعني إيه في العمليات؟ حصل لها إيه؟ عملت فيها إيه؟ ازداد طوفان حدة وتهديد: "هجيلك حالًا. لو جرالها حاجة، مش هرحمك." أنهى المكالمة قبل أن يسمع رد حاتم. بينما ظل ممسكًا بالهاتف في يده، يحدق في شاشته كمن لا يراها. تمتم بندم: "أنا أصلًا مش قادر أرحم نفسي."
جلس على أحد المقاعد، عيناه معلقتان على باب غرفة العمليات. يشعر باجتياح إعصار يُدمر كيانه. إحساس يعود ليشعر بقسوته. شعور حين علم بمقتل أخيه. بل ربما أسوأ. *** وصل طوفان إلى المستشفى. خطواته تسبق أنفاسه. نظره حاد كالسهم، يبحث بعينيه عن أول من يصب عليه قلقه وغضبه. رأى حاتم جالسًا أمام غرفة العمليات، وجهه شاحب، وثيابه ملطخة بدماء جود. الدماء التي أحرقت قلب طوفان بمجرد رؤيتها. انقض عليه دون تردد، رفعه من ياقة قميصه بقوة:
"عملت فيها إيه؟ رد عليا يا حقير. إنت السبب." لم يقاومه حاتم، فقط رفع عينين تملؤهما الهزيمة والذنب ولم يتحدث أو يدافع عن نفسه من صفعات طوفان بقبضته مرة، واثنتين، ثم تركه يدوّي على الأرض، بينما العيون من حولهم تراقب، والممرضون يهرولون للفصل بينهما. نظر لها طوفان يلهث بعدما تدخل الأمن وفصل بينهم: "جود كانت أمانة، وإنت خنتها وأنا هدفعك التمن غالي." صرخ بهم الطبيب وهو يفتح باب غرفة العمليات:
"فيه حالة حرجة جوه. الهدوء لو سمحتوا." سكت الجميع، وصمت طوفان أخيرًا، لكن قلبه يصرخ. اقترب الطبيب الآخر من طوفان قائلاً: "حضرتك من العيلة؟ محتاجين توقيع على بعض الأوراق." هز طوفان رأسه سريعًا: "أنا أخوها. قولي حالتها إيه." تفوّه الطبيب: "للآسف الجنين نزل. بسبب النزيف. كمان فيه جرح في راسها، مش خطير. هتخرج دلوقتي لأوضة عادية هتفضل تحت الملاحظة."
تبادل طوفان وحاتم نظرة صامتة. لم يكن هناك حاجة للكلام. الحزن والندم والذنب كانوا يتحدثون عن الاثنين. طوفان، وطوفان الذي قام بطرد حاتم من أمام تلك الغرفة التي دخلت لها جود عقب خروجها. لم يعترض حاتم، ليس تخاذلًا ولا خوفًا من بطش طوفان، بل انهزام ووجع قاسٍ لم يتخيل الشعور به. *** بمنزل طوفان
القلق يزداد في قلب دُرة. كذلك وجدان شعرت بانقباض في قلبها. حاولت الاتصال على جود أكثر من مرة، لكن الهاتف خارج التغطية. حسمت دُرة قرارها وقامت بالاتصال على حاتم، الذي قام بالرد عليها. تسرعت بالسؤال بلوم: "عملت إيه في جود يا حاتم؟ أجابها بانهزام: "أنا في المستشفى يا دُرة." شهقت دُرة سائلة بريبة: "إيه اللي حصل؟ مستشفى إيه؟ وطوفان؟ أجابها بيأس: "طوفان طردني. جود خسرت الجنين."
شهقت دُرة بصدمة تستوعب ما قاله ذلك الحقير. وعقلها يكاد يذهب. *** بعد قليل وصلت دُرة إلى المستشفى. توجهت مباشرةً إلى تلك الغرفة. وقفت لحظات تستنشق الهواء ثم طرقت على الباب ودخلت. نظرت نحو طوفان الذي بمجرد أن رآها تعصب بغضب وهو يقترب منها بخطوات متسارعة، عيناه تشتعلان بإعصار لمن يهدأ، كأن رؤيتها الآن سكبت الملح على جرحه المفتوح. قبض على معصم يدها بقوة يشدها للسير معه إلى أن خرجا من الغرفة. تفوه بصوت حاد،
يكاد يخرج من بين أسنانه: "إيه اللي جابك يا دُرة؟ عرفتي منين؟ طبعًا من الحقير ابن عمتك، رد عليكِ بسرعة طبعًا يبشرك." قال ذلك بغضب ثم ترك يدها قائلاً: "إنتِ السبب يا دُرة، كان فين عقلي؟ كان لازم أفهم إن حاتم يبقى أخو حسام، وأكيد وصولي. وطالما خسر إنه يفوز بيكِ سهل يبدلك بأختي. إنتِ لعنة حياتي يا دُرة."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!