بالمشفى بإحدى الغرف الخاصة فتح عزمي الباب ودلف. نظر باستخفاف لزوجته قائلًا بنزق: "بتأكليه بإيدك ليه، الرصاصة كانت في كتفه، يعني يعرف يوكل نفسه بنفسه ولا هو دلع منك؟ حدقت به سامية بجمود. رفعت حاجبها بسخرية خافتة، ثم قالت بهدوء بنبرة تهكم: "يمكن إيده ما بتوجعوش، بس قلبه محتاج حد يطبطب عليه... وأنا بطبطب، عندك مانع؟
يضايجك في إيه، مش كفاية الشهور اللي فاتت كان بعيد عني، النوم كان بيطير من عيني وأنا قلبي خايف عليه من المجرمين اللي كان معاهم، كمان لما اتصاب في الأحداث." نبرتها الصلبة جعلت عزمي كاد يتهكم ساخرًا، لكن دخول تلك الممرضة للغرفة جعله يصمت مؤقتًا. بينما تفوهت الممرضة بعملية: "جاية أغير للبيه على الجرح." أومأت لها سامية ببسمة ونهضت قائلة: "قلبي مش بيتحمل أشوف جرح قدامي، هطلع بره لحد ما تخلصي."
بينما استهزأ عزمي من ذلك بعقله، يسخر من تلك المدعية التي تدعي الرقة، وهو يعلم تمامًا كم من القسوة تختبئ خلف تلك الابتسامة الوديعة. تمتم بينه وبين نفسه ساخرًا: "قلبها... ده لو ليها قلب أصلًا كان زمانه رَق من بدري."
ثم استند بظهره إلى الحائط، متظاهرًا باللامبالاة، بينما عيناه تراقبان أدق التفاصيل. وتلك الممرضة تقوم بعملها بمهنية. لاحظ نية وليد في التحرش بالممرضة التي تعمدت الضغط بقوة فوق جرح وليد الذي جعله يتأوه غضبًا. لم يهتم بذلك، بل ابتسم. بينما وليد شعر بالألم يتصاعد في صدره أكثر من الجرح نفسه، فقد فهم أن الممرضة فعلتها عمدًا، وأنها قرأت ما دار في عينيه. عض على شفته السفلى يحاول كبح اندفاعه، لكن تعمد المزح بسخافة:
"إنتِ بتغيري لي عالجرح ولا تنتقمي؟ خفي إيدك شوية." تعمدت الممرضة الضغط أكثر قائلة بنبرة جمود تحاول تذويقها: "معلش، حركتك الكتير هي السبب. على العموم أنا خلاص خلصت، يا دوب هلزق اللزق فوق الشاش... وكمان عرفت من الدكتور أنه كتب لك على خروج من المستشفى. حمد الله على سلامتك."
زفر وليد نفسه بضجر كأنه لا يود الخروج من المستشفى. بينما الممرضة شعرت بالمقت من نظرات ذلك الحقير وكذا تحرشه السابق. رغم صدها له، لكنه حقير، لا يحترم أنها تقترب من عمر والدته. تذكرت طريقة والدته المتعالية بالحديث، أيقنت أنها هي السبب الأول في سوء أخلاقه، وكذا والده الذي يقف جانبًا. بداخلها ودت البصق عليهم جميعًا.
غادرت الممرضة الغرفة. عادت سامية إلى الغرفة بنفس الوقت. صدح صوت رنين هاتف عزمي. أخرجه من جيبه ونظر إلى الشاشة. بنفس اللحظة تفوهت سامية بسخط: "مش ترد على اللي بيتصل عليك." نظر لها بنزق قائلًا: "دي وجدان." تهكمت سامية ببرود وهي ترفع حاجبها: "آه طبعًا، وجدان... الست المصونة اللي مافيش حاجة بتكسر خاطرها. مش ولدها رجع للوعي؟ رد شوفها عاوزة إيه... رد يمكن تكون قلبها حَن وعاوزة تطمن على ولدك."
أطلق عزمي زفيرًا غاضبًا، ثم قام بالرد ليسمع صوت وجدان الأمر: "طوفان عاوزة تيجي له المستشفى في أمر مهم." أجابها بسؤال: "أنا هنا بالمستشفى، خير." ردت بهدوء: "خير، أنا معرفش عاوزك ليه، لما تيجي هتعرف. وسلم لي على وليد ربنا يشفيه." "آمين ويشفي طوفان. عشر دقايق وأكون عندكم في الأوضة." أغلق الهاتف. نظر نحو سامية التي مصمصت شفتيها بسخرية ثم قالت باستخفاف: "روح شوف عاوز إيه، بلاش تتأخر يمكن هيجيلك وصيته الأخيرة."
نظر لها بمقت ثم غادر صامتًا، بينما هي تشتعل غيظًا. نظر لها وليد باستفسار سائلًا: "تفتكري طوفان عاوز أبوي في إيه وهو بالحالة دي؟ يا دوب فاق." زفرت بغضب قائلة: "ياريته كان مات وارتحنا. أنا مش هنساله إنه سلمك للبوليس، ولا دفاعه عن الحقيرة اللي كانت عاوزة تجتلك... شكله عاشقها." تذكر وليد ما حدث، لكن لمعت عيناه بخباثة: "بصراحة هي حلوة... لاه، حلوة أوي تستحق يعشقها. كانت فين دي من زمان؟
هي البنات الحلوة اللي زي دي دايمًا يهربوا على مصر." نظرت له بسخط وقامت بصفعه على كتفه المصاب. تألم بشدة ونظر لها قبل أن يتحدث بوجه عابس قائلة بتحذير: "لا حلوة، ويا ريتها تغور من هنا. وإنت كمان كفاياك رمرمة على البنات والحريم. كفاية اللي حصل بسبب 'بت مسعود بدران'. بسببها اتحبست ست شهور في الحداثية بين عيال المجاطيع." نظر لها بعينين خبيثتين وبداخله يبتلع ريقه حين عادت تلك الفتاة إلى مخيلته... سال لعابه. بمنزل والدة درة
بقهر قلب نظرت إلى باسل الذي يقترب منها قائلًا: "المحامي سبقنا عالمركز. لو جاهزة خلينا نمشي." أومأت له قائلة: "جهزت لها كام صنف أكل، كمان افتكرت جهاز التنفس... كنت متأكدة من يوم ما قالت راجعة هنا تاني إن في دماغها شر. دلوقتي عزمي وابنه أكيد ما هيصدقوا طبعًا، ومش هحتاج يشتري شهادة الشهود. كان عالملأ ودُرة ما فكرتش... أو بالأصح دُرة أوقات بتفقد عقلها وبيتحكم عصبيتها فيها، وهما استغلوا ده بالاستفزاز."
تنهد باسل بأسف، لكن سرعان ما تذكر طوفان وكلامه. نظر لكريمان قائلًا: "طوفان مش كان وكيل نيابة سابق؟ عندي شك شبه يقين إنه مش هيتهم دُرة، وكمان ممكن يأثر على عزمي والتافه ابنه المجرم." تنهدت كريمان بأمل قائلة بتمني: "يا ريت. كفاية كلام، خلينا نتكلم في الطريق عشان وقت الزيارة." بمركز الشرطة استكملت دُرة تهكمها الساخر قائلة: "ما فيش مانع أسمع رسالة طوفان بيه، أشجيني."
ابتلع المحامي ريقه ثم أخرج من حقيبته الخاصة حقيبة ورقية صغيرة قائلًا: "اتفضلي." استغربت دُرة وضيقت بين حاجبيها وهي تأخذ تلك الحقيبة بفضول لمعرفة محتوى تلك الحقيبة قائلة: "أما أشوف رسالة إيه اللي في الكيس الملفوف، لافة هدايا ده." فتحت الحقيبة الورقية، سرعان ما اندهشت وهي ترفع يدها قائلة: "موبايل... ويا ترى إيه تاني في الكيس." مدت يدها جذبت علبة ورقية صغيرة، سرعان ما عرفت محتواه شعرت بضجر قائلة:
"بخاخة أكسجين كمان. يا ترى فيه لسه في الكيس حاجة كمان؟ أما أشوف." وضعت يدها تنظر بداخل الحقيبة، وجدت مغلف ورقي صغير. جذبته باستهزاء قائلة: "أكيد كلمة الإهداء في الظرف ده. هفتحه بس فضول مش أكتر... فتحت المغلف ثم فردت تلك الورقة المطوية قبل أن تقرأها استهزأت قائلة: "شوفت الاستخسار، ورقة كراسة مش المفروض تبقى ورقة ملونة أو مكتوبة بميه الدهب. عالعموم هقراها برضوا." توقفت للحظة ثم قرأتها: "دُرة...
الموبايل ده فيه خط وعليه رصيد. هراسلك عليه، عشان نتفق عالكلام اللي هتقوليه في النيابة بكرة." تهكمت ساخرة وقطعت الورقة. نظر لها المحامي بتوتر. لحظات وصدح رنين هاتف المحامي. أخرجه من جيبه ونظر للشاشة ثم لدُرة قائلًا: "ده طوفان بيه، هرد عليه." أومأت رأسها بلا مبالاة. لحظات ومد المحامي يده بالهاتف نحوها قائلًا: "طوفان بيه عاوز يكلمك."
رفضت في البداية لكن ظلت يد المحامي ممدودة. غصبًا أخذت الهاتف، لتسمع صوت طوفان الواضح عليه الوهن والمرض قائلًا: "دُرة بلاش عناد واسمعيني، لازم نتفق على أقوال اللي هتقوليها بكرة في النيابة. دي قضية شروع في قتل." بعصبية أجابته: "لأ، دي مش شروع في قتل، دي قضية قتل متعمد، أو بالأصح قصاص بالحق. ويا ريت عرفت آخد بالتار." تنهد طوفان بألم قائلًا برجاء: "دُرة اسمعيني... قاطعته بغضب قائلة:
"مش عاوزة أسمعك. ومتقلقش، أنا هعترف إن فعلًا كان في نيتي قتل ابن خالك، وكمان أطلقت عليك الرصاص بقصد." تأوه طوفان متنهدًا بألم، قائلًا بصوت متهدج: "دُرة، لو قلتِ كده في النيابة، هتدمري كل حاجة... هتدمري حياتك." تهكمت بوجع قلب، وتحدثت بصوت يمتزج بالغضب والأسى: "حياتي... حياتي ضاعت من زمان... حياتي ضاعت لما إنت اخترت الخيانة، اخترت إنك تسلم مجرم للنيابة، وإنت عارف إن سهل يطلع من القضية بكل بساطة."
سكت طوفان لثوانٍ، يحاول أن يلتقط أنفاسه وهو يشعر بثقل كلماتها على قلبه. همس بصوت ضعيف، وكأن الكلمات تكاد تفر منه: "دُرة، أنا... أنا كنت دايمًا خايف عليكِ. بس مش بالطريقة دي. مش ده الحل... دُرة اسمعيني... ضحكت بمرارة، ثم قاطعته، وكل كلمة منها كأنها سكين في قلبه: "خايف عليا؟ ليه ما خوفتش من إنك تخسر مكانك في حياتي أكتر؟ لو فعلًا صادق كنت سبتني آخد حقي وأقتل وليد وأخد بتاري زي ما هو قتل بابا وجوزي."
كلمة "جوزي" كان لها وقع قاسٍ على قلبه، لكن حاول محايلتها قائلًا: "مش هقدر أشوفك وأنتِ اللي بتهدمي حياتك يا دُرة." عند هذه النقطة، أغلقت دُرة الهاتف فجأة دون أن تتكلم، قبل أن تشعر بحالة من الضعف، كما لو أنها أغلقت فصلًا من حياتها. بينما طوفان ظل غارقًا في دوامة من الندم، مشاعر متضاربة تجتاحه، وعيناه تغلقان ببطء من فرط الألم الذي ما زال يشعر به. أعطت الهاتف للمحامي قائلة ببرود: "اتعامل مع حيثيات القضية...
أنا خلاص مش عاوزة أسمع منه تاني." نظر المحامي إليها بحذر، ولكن دُرة كانت قد اتخذت قرارها، وعيناه لا تكاد ترى سوى الحزن الذي يغطيها. بالمشفى بغرفة طوفان دخل عزمي إلى الغرفة. تفاجأ بطوفان وحده بالغرفة يمسك بيده هاتفه، لا يعلم السبب الحقيقي لتجهم وتهجن ملامحه، إن كان ألمًا من إصابته، أو من شيء آخر. تنحنح قائلًا: "كيفك يا طوفان؟ فرحت كتير لما وجدان جالت لي إنك فقت ورجعت لوعيك. إنت عارف مكانتك عندي...
إنت مش ولد أختي، إنت ابني الكبير." تهكم طوفان ساخرًا بنظرة مبطنة بالاحتقار، بينما شعر عزمي بالتوتر يسري في أورِدته، وكأن كلماته التي حاول بها التخفيف عن طوفان قد جاءت عكسية تمامًا. في عينيه اللامعتين كان هناك شيء لم يستطع عزمي تحديده، شيء لا يعكس المشاعر التي كان يظن أنها ستكون حاضرة بعد صحوة طوفان. ظل ينظر إليه، محاولًا فهم سر هذه النظرة التي تحمل في طياتها احتقارًا لم يكن يتوقعه، لكنه لم يستطع التجرؤ على الاستفسار.
بينما تفوه طوفان بصوت بارد، وهو يحدق في الهاتف بين يديه: "ابنك الكبير... أه، ما بيقولوا الخال والد." ربما كان الصوت خاليًا من الانفعال، لكن النبرة التي نطق بها طوفان كأنها تحمل مزيجًا من المفاجأة والشك. حاول عزمي تلطيف الحديث سائلًا: "أومال وجدان فين؟ أجابه طوفان بإيحاء: "راحت تطمن على وليد، هي مقابلتكش في الطريق." هز عزمي رأسه بنفي. تأوه طوفان بسخرية واستهزاء قائلًا بتبرير:
"المستشفى كبيرة، يمكن راحت من ممر تاني غير اللي جيت منه." هز عزمي رأسه بموافقة، بينما تفوه طوفان مباشرة: "بص بقى يا خالي، أنا عارف إنك قدمت بلاغ ضد دُرة بتتهمها بمحاولة قتل وليد. هتروح دلوقتي تسحب البلاغ." ذهل عزمي مبررًا: "دي مش بس حاولت تجتل وليد، إنت كمان. أنا كنت هعمل محضر تاني، والشهود... قاطعه بغضب: "قلت هتسحب المحضر يا خالي." "إزاي أنا ووليد قدمنا إفادتنا، والمحضر... هكذا تحدث عزمي قبل أن
يقاطعه طوفان بإصرار وتوعد: "قلت هتسحب المحضر، وإلا قسمًا بالله هنسى إنك خالي، وسهل أقدم أدلة جديدة في قضية مقتل مختار غنيم وحسام بدران. والمرة دي مش هتقدر تشتري الشهود زي ما عملت قبل كده. وكمان أنا قادر أضغط على الشاهد وأخليه يغير شهادته. والمرة دي وليد هيوصل للإعدام على يدي وإنت عارف إني أقدر أعمل كده بكل سهولة." فزع قلب عزمي مذهولًا وتحدث بتعلثم: "واه... تدخل ولد خالك السجن وعاوز تجيب له إعدام كمان؟ عشان مين؟
عشان بنت رفعت عليك السلاح ومترددتش لحظة وقامت بضربك بالرصاص قدام كل اللي كانوا موجودين؟ كأنك عشاجها إياك. أنا جولت إن حديثك وجتها كان تخاريف، بس... قاطعه طوفان بصرامة واعتراف: "أيوه عاشجها، وإنت هتنفذ اللي جولت عليه، والا مش هتردد أنفذ بدون إنذار." ذهل عزمي أكثر قائلًا: "إنت كبير عيلة مهران ولازم تفكر بعقلك و... قاطعه طوفان: "وعشان أنا كبير عيلة مهران لازم حديثي يتسمع ويتنفذ بدون نقاش."
شعر عزمي بالهلع في قلبه من تصميم طوفان. حاول أن يكسب وقت ويتلاعب به ربما يستطيع إثارة كبار العائلة عليه. تفوه بمهاودة: "تمام، بكرة... قاطعه طوفان بحسم: "مفيش تأجيل يا خالي. اللي جولت عليه يتنفذ دلوقتي. المحامي أنا اتصلت عليه وفهمته وهو مستنيك إنت ووليد في النيابة. هتغيروا الإفادة، إن اللي حصل كان غير مقصود وحصل سوء فهم."
ابتلع عزمي ريقه وأومأ رأسه بموافقة. بينما شعر طوفان ببوادر ألم. بنفس الوقت عادت وجدان إلى الغرفة. نظرت نحو وجه عزمي وملامحه الملتهبة المتجهمة. لم تتحدث وذهبت نحو طوفان. وقفت جواره ثم انحنت وهمست له بشيء. تبسم لها، لكن سرعان ما تلهفت عليه حين سمعت أنين منه. جذبت ذاك الهاتف الأرضي وطلبت مساعدة. بينما نظر عزمي لهما، كاد يقترب من الفراش لكن طوفان أمره:
"لازم تروح النيابة دلوقتي يا خالي، إنت عارف إن النيابة وقتها مش ملكها وأنا اتصلت على وكيل النيابة. كان بينا معرفة أيام ما كنت بشتغل وكيل نيابة. هو في انتظاركم دلوقتي. بلاش تتأخروا عليه." أومأ عزمي رأسه بتنكيس قبولًا بالغصب، يخرج من الغرفة بخطوات سريعة. سمعت وجدان صوت طوفان وهو يحاول كتم آلامه، وعينيه تتلألأ بالألم. تقدمت نحوه سريعًا، جلست بجواره على طرف السرير، وبلمسة رقيقة على يده همست قائلة:
"طوفان، إنت بتجهد نفسك جامد، صحتك يا ولدي." رفع طوفان رأسه قليلًا، نظر إليها بعيون غارقة في التعب، وقال بصوت منخفض كمن يتحدث إلى نفسه: "أنا بخير يا ماما، دلوقتي آخد المسكن وهرتاح." بلهفة قلب أم تفوهت وجدان، ولمعت عيناها ببسمة ممزوجة بدمعة وهمست لنفسها قائلة: "كل العشق ده ساكن قلبك يا ولدي، ودُرة يدها مرتعشتش ولا رف لها جفن وهي بتضرب عليك الرصاص. العشق ملوعك يا ولدي." ليلًا بشقة ابتہاج
كان عزمي ينفث دخان تلك الأرجيلة يشعر أن قلبه ملتهب بالحقد والغضب بعدما نفذ ما طلبه طوفان منه هو ووليد الذي عاند لكن بالضغط وافق هو الآخر، أو بالأصح وافق رهبةً من وعيد طوفان. شعر بالحقد والكراهية لـ طوفان. نظرت له ابتہاج توهمه أنها تشعر به قائلة: "مالك يا سي عزمي، شكلك مضايق جوي." نظر لها بغضب سحيق قائلًا: "واه هتخليني أضايج غصب؟
شعرت بريبة لوهلة، لكن سرعان ما تغنجت بدلال وهي تجلس جواره. ببعض من الإغراء منها بسهولة جعلته يبوح بما فعله طوفان، وغصبه عليه هو ووليد بسحب الاتهام. تغنجت بدلال قائلة: "واضح إنه عاشج البت دي، يبقى بلاش تقرب منها." نظر لها بغضب قائلًا: "قلبي جايد نار." ابتسمت بخباثة قائلة: "طب واللي يخليك تشفي غليلك منها وإنت بعيد." نظر لها بلمعة عين سائلًا باستخبار: "كيف ده؟ أجابته ببسمة خبيثة:
"إنت عارف إن الحكومة اليومين دول شادة حيلها مع الأخضر." "الأخضر؟ الأخضر إيه يا ولية شكلك هتطيري الحجر اللي شربته." ابتسمت بمكر قائلة: "الأخضر... هو الدولار يا قلبي من جوه... الحكومة مشددة اليومين دول، وبتقبض على أي حد عندها شك فيه، أو أي حد بلغ عنه إنه بيتاجر في العملة." فهم قولها لمعت عيناه والـفكرة تتراقص برأسه تداعب شيطانه الذي ضحك وهو يهمس قائلًا: "ده هتبقى سهلة قوي، وأنا بعيد."
أومأت له بسفور ماجن وهو يجذبها يقبلها بشهوانية قائلًا: "تستاهلي ألف بوسة على فكرتك، ولو مشيت زي ما أنا عاوز ليكِ الحلوان." تدللت بغنج مصطنع: "أنا حلواني رضاك عني وكمان مزاجك الرايق." نظر لها باشتهاء ونهض يجذب يدها قائلًا: "راضي عنك، قومي معايا ندخل جوه أثبت لك رضاي." بغنج سافر ضحكت مثل ضحكات العاهرات، بينما عقلها ما زال لم يصل إلى نقطة الانتقام من "طوفان". ربما البداية هي ذلك الشائب الذي بلا أخلاق. بالمشفى
غفى طوفان غصبًا بسبب بعض المسكنات. ربما غفت عيناه وجسده بسبب زوال الألم، لكن عقله ما زال مستيقظًا. لوهلة انفرجت شفتاه ببسمة وهو يتذكر ذكرى من الماضي البعيد ما زالت محفورة برأسه وبين ثنايا قلبه. بالعودة بالزمن وهو يقترب من عمر العاشرة بمنزل متوسط يتوسط قطعة أرض صغيرة حوله، تلك الأرض مقسمة إلى تكعيبات زراعية لخضروات ورقية مختلفة، كذاك بعض أشجار الليمون.
كان يجلس هو وبعض الأطفال بنفس عمره وأصغر منه وأكبر أيضًا، فوق درجات ذلك السلم، يمسكون بين أيديهم "مصاحف" يسمعون لتلاوات بعضهم، وهم يحفظون ذلك الورد الذي أعطاه لهم "الشيخ عرفة" فرضًا يحفظونه قبل أن يقوم بالتسميع لهم. انتهى من حفظ الورد المفروض عليه، أغلق المصحف. نظر أمامه صدفه وقع بصره على تلك الصغيرة التي تصعد درجات السلم وبسبب زحام الأطفال الجالسين، تـطرفت كي تفاديهم. لم تنتبه إلى أنها تتطرف أكثر فأكثر، لو رفعت قدمها وصعدت ربما تطأ قدمها الهواء وتسقط. سريعًا
حذرها: "خلي بالك رجلك هتجي عالـهوا." لكن تلك الصغيرة عنيدة ولم تهتم، وما حذرها منه حصل، وسقطت من على طرف السلم إلى الأرض. صرخت بألم، على صوت تلك الصرخة جاء الشيخ وزوجته التي هدأتها وضمدت لها ذلك الخدش الصغير بيدها. بعد قليل بداخل غرفة واسعة جلس الأطفال، واحد خلف آخر يقومون بالتسميع والتلاوة لتلك الأجزاء المفروضة عليهم. نظر لها الشيخ قائلًا: "تعالي يا دُرة، ها حفظتي السورة اللي جولت لك عليها."
توترت وارتبكت هي لم تحفظ تلك السورة، لكن لن تعترف أنها غير مجتهدة مثل بقية زملائها. بكت بكذب وأشارت نحو طوفان وادعت الألم بذراعها قائلة: "أنا كنت حافظة السورة، بس الواد ده زقني من عالسلم، وقعت على إيدي، وإيدي اتعورت ومبقتش مركزة ولا فاكرة من الوجع." نظر الشيخ نحو طوفان الذي هز رأسه بنفي. تبسم الشيخ، لكن عاد بنظره نحو دُرة قائلًا: "طب عقاب له بقى هياخدك وتقعدوا في الجنينة تحت الشجر وهو يحفظك السورة."
للغرابة تبسم طوفان وتقبل كذبها، ذهبا معًا تحت ظل إحدى الأشجار بالحديقة. في البداية سألها: "ليه كذبتي عالشيخ؟ بخجل طفولي أخفضت وجهها قائلة: "بصراحة ماما كانت مشغولة مع أخويا ونسيت أقول لها هي أو بابا يساعدوني في الحفظ، وإنشغلت باللعب في الأرض مع بابا." ابتسم لها قائلًا: "اسمك 'دُرة'." أومأت مبتسمة، بينما هو بطفولة بريئة تحدث بإعجاب: "اسمك جميل." أومأت بغرور قائلة بسؤال: "عارفة، بس يعني إيه طوفان؟
ده اسمك اللي ينادي عليك بيه الشيخ." أجابها بغصة: "أبوي. وبعدين كفاية رغي، لازم تحفظي السورة وإلا الشيخ عرفه هيضربنا إحنا الاتنين." ابتسمت وبدأت تستمع لتلاوته وحفظت السورة. بعد قليل ابتسم لها الشيخ عرفة وأخرج من جيبه قطع حلوى وأعطاها لها هي وطوفان كمحفز لهما. خرجا من تلك الغرفة، مد طوفان يده لها بالحلوي قائلًا: "خدي الكرملة دي ليكِ، إنتِ تستحقيها عشان إنتِ حفظتي السورة بسرعة."
رغم أنها مجرد قطعة حلوى، لكن بفمها لها مذاق خاص ومختلف. أخذتها منه، تبسم لها قائلًا: "على فكرة شعرك حلو أوي، زي شعر الخيل."
بغرور طفولي منها مسحت على خصلات شعرها السوداء مبتسمة. مرت الأيام، لقاءات شبه دائمة بينهم غير مدبرة. ذات يوم تأخرت دُرة عن ميعادها. جلس طوفان يراقب باب الحديقة ينتظر أن تطل دُرة، لكنها لم تأتي، وتأخر في العودة إلى المنزل. يومها غضب والده بشدة منه وقام بجلده بالكرباج الذي ترك أثرًا على جسده وروحه كطفل. باليوم التالي ذهب إلى منزل الشيخ، جسده يؤلمه. جلس على السلم ينتظر دوره، كذاك ينتظر دُرة التي نادت عليه. تبسم
لها وهي تجلس جواره قائلة: "ماما حفظتني السورة اللي الشيخ كتبها في الواجب، هاخد منه كرملة، وإنت كمان هتديني الكرملة اللي هيدهالك." أومأ لها موافقًا، لكن بسبب الحر شمر عن معصم يديه، ظهرت تلك العلامات الواضحة. شهقت حين راتها وشعرت بوخز في قلبها قائلة: "إيه العلامات اللي على إيديك دي؟ إيه سببها؟ بكبرياء طفل أبت نفسه أن يقول لها أن والده هو من فعل ذلك، وأنها هي السبب، فضل الصمت. وضعت يديها فوق معصميه تمسدهما قائلة:
"بتوجعك." هز رأسه بنفي قائلًا بتهرب: "مش أوي، يومين وهتروح. الشيخ بينادي علينا." أومأت له، بينما هو عاود جذب الثوب على يديه يُخفي تلك العلامات التي كان ما زال يشعر بألمها النفسي والجسدي. لكن للغرابة بسبب لمسات تلك ذات "الجدائل السوداء" كأن الألم اختفى. "عودة" على صوت آذان الفجر انتهت تلك الذكرى الطفولية، وبدأ يوم جديد. بحوالي العاشرة صباحًا أمام مبنى النيابة
توقف حاتم بسيارته، ما زال عقله يذمه بندم. دُرة كانت أشجع منه، حاولت أخذ القصاص المهدور. هو رجل وهي امرأة، لكنها أشجع منه. ظل واقفًا لبعض الوقت يذمه عقله بين أخذ القصاص بالمثل بعد ضياع القصاص بالقانون. هو تعود تنفيذ القانون حتى لو لم يكن مقتنعًا، لكن تلك ليست قضية لا تخصه، بل هو دم أخيه المغدور.
بذلك الوقت لفت نظره تلك السيارة التي توقفت بالجهة الأخرى أمام درجات سلم النيابة. لم يندهش حين ترجل طوفان من تلك السيارة يستند على آخر يدلف إلى النيابة. فكر بعقلية رجل، ما الذي يجعله يفعل ذلك؟ والجواب سهل... طوفان عاشق لـ دُرة. و... دُرة أعلنت كراهيتها له. طوفان هو من قدم القاتل للقانون كي يحميه، وطوفان أيضًا هو العاشق.
اهتدى عقله: لابد من عقاب خاص لـ طوفان. والعقاب هو ضياع دُرة. فكر بطلب والدته بل إلحاحها عليه بالزواج من دُرة. لحظات وكان القرار سهلاً، لما لا دُرة؟ لو لم تكن لها مكانة كبيرة بقلب طوفان لم جاء إليها اليوم، لكن لن يدعه يفوز بل سيعاقب طوفان بالامتثال لرغبة والدته بالزواج من دُرة. بداخل مبنى النيابة بإحدى الغرف... رحب وكيل النيابة بـ طوفان واطمأن على صحته. جذب له أحد العساكر مقعدًا وساعده بالجلوس عليه.
بعد قليل دلفت دُرة إلى الغرفة. تفاجأت بطوفان يجلس وحده بالغرفة. تهكمت حين فك العسكري الأصفاد من يديها وغادر. نظرت له باستهزاء، وقبل أن تتحدث سبقها طوفان قائلًا: "مش بتردي عالرسائل، قولت أجيلك بنفسي." نظرت له باستهزاء قائلة: "المفروض إنك كنت وكيل نيابة سابق، وعارف إن القانون مش بيسمح بالموبايلات جوه السجن. ده مش اختراق صريح.. ولا خلاص؟ القانون بقى بالنسبة لك وسيلة بتتلوّن حسب مزاجك."
أجابها بلؤم وهو يعتدل بالمقعد قائلًا بمكر: "مش الأول تقولي لي حمد الله على السلامة؟ أنا انكتب لي عمر جديد." تهكمت بضحكة سخرية قائلة: "ولا يفرق معايا، بس تستاهل، محدش قالك احمي مجرم." بصعوبة نهض واقفًا يسير بخطوات ثقيلة، يضع يده فوق صدره بداخل حامل طبي مرفوع فوق عنقه. تحدث بمكر: "واقفة ليه بعيدة؟ ليه خايفة تقربي مني؟ عالعموم، أقرب أنا." رمقته بنظرة باردة ثم أجابته بحدة: "أنا أخاف منك؟ واضح إنك موهوم."
تبسم غصبًا ثم عاود للمكر قائلًا: "ولا يمكن خايفة تقربي مني لا تضعفي؟ ليه حاسس إني سامع نبضات قلبك." تهكمت ضاحكة. رفعت يدها تحذره، لكن قبل أن تتحدث، أمسك معصمها بحركة سريعة. اقترب أكثر حتى كاد أنفاسه تلامس وجهها، وعيناه تعكسان مزيجًا من الغضب والشيء الذي تخشى فهمه. قال بصوت منخفض لكنه مشحون بالعاطفة المكبوتة: "بعد كده إيه يا دُرة؟ مش هتقدري تبعديني.. أو تهربي مني. فاكرة نفسك لسه قادرة تبعدي."
حاولت التملص، لكن قبضته كانت قوية، مثل حصار غير مرئي يلتف حولها، يشعرها بأنها عالقة بين رغبة في الصراخ ورغبة أخرى أكثر خطورة... تلك التي تجعل قلبها يخفق رغمًا عنها. شدت يدها بعنف قائلة: "إنت آخر حد ممكن يهددني، وافتكر كويس إنك مش هتقدر تخليني أضعف." ضحك بسخرية، لكنه لم يفلت يدها، بل زاد اقترابه هامسًا: "ما هو ده اللي بحاول أثبته يا دُرة...
إنك ضعيفة قدامي حتى لو بتنكري ده. من كام يوم إيدك مرتعشتش وهي ماسكة السلاح، زي دلوقتي بترتعشي تحت إيدي." اتسعت عيناها بدهشة وغضب، لكنها لم تملك ردًا... ليس الآن، ليس وهو يملك القدرة على كشف حقيقتها. هي حقًا ضعيفة، لكن ليست أمامه. هو آخر من تضعف أمامه. سريعًا حاولت أن تستجمع قوتها، أن تتذكر كل الأسباب التي تجعلها تكرهه، تجعلها ترفضه، لكن صوت أنفاسه القريبة كان يعبث بثباتها.
رفعت عينيها إليه، تحدته بنظرة مشتعلة، ثم همست بصوت مرتجف رغم محاولتها جعله ثابتًا: "وإنت فاكر إنك لو فضلت تحاصرني هتنتصر؟ انتصاراتك الوهمية دي مش هتغير حاجة، ومش هتجبرني إني... بترت جملتها، كأنها أدركت أنها على وشك الاعتراف بشيء لا يجب أن يقال. تقلصت عيناه بخطورة، شفتاه انحرفت إلى ابتسامة صغيرة، لكنه لم يترك يدها، بل زاد ضغطه قليلًا وكأنه يختبر ارتجافها. ثم سأل بخباثة: "مش هتجبريك على إيه يا دُرة؟
كملي، قوليها، يمكن الحقيقة اللي هربانة منها تبقى أوضح لما تسمعيها من لسانك." ارتجفت شفتاها بغضب، ثم دفعته بقوة حتى كادت تفقد توازنها، لكنها تماسكت سريعًا، رفعت ذقنها بكبرياء قائلة بحزم: "الحقيقة إني مش بخاف منك، ومش بضعف قدامك. والدليل إيدك المربوطة على صدرك، لسه أثر الرصاصتين... قبل أن تكمل بقية استهجانها، جذبها من عضد يدها يضمها لجسده متناسيًا ألم جسده. وبلحظة كان يضم شفتيها بقبلة عاصفة للألم، قاطعة للأنفاس.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!