ظل يُقبّلها بتلهّفٍ ونهمِ عاشق. في البداية، أفقدتها الصدمة القدرة على الاستيعاب وعدم المقاومة. تجمدت لحظاتٍ بين ذراعيه كأن الزمن توقف بها. لكن شيئًا فشيئًا بدأت تتهاوى أسوارها، وتنهار معها كل محاولاتها للهرب من ضعفها أمامه. لحظاتٌ لكن بمذاق الحياة له. حتى بدأ عقلها يُعطي إشارة الاستيعاب. فاقت رويدًا رويدًا على دقات ذلك الهاتف الذي صدح كناقوس خطرٍ برأسها. جعلها... فاقت.
ارتعشت رموشها، شهقت بأنفاسٍ متقطعة، وهي تدفع صدره بكفّيها المرتجفين. نظرت له بعيونٍ ممتلئةٍ بالغضب والعصبية. رفعت يدها وكادت تصفعه، مُتحدثةً بصوتٍ شبهِ مخنوق: "إنت بتعمل إيه يا حقير يا....
شعر بألمٍ قويٍ بمكان إصابته، لكنه تحامل ذلك ولم يرد. قاطع يدها قبل أن تصل لوجهه بيده السليمة، فقط ينظر لها بنظرةٍ مشتعلةٍ بالعشق. مشاعرٌ متضاربةٌ بين الرغبة والضعف. يستوعب غضبها وهي تتراجع خطوةً للخلف، تحاول سلت يدها من قبضة يده قائلةً بغضبٍ مُستعر: "مش من حقك... مش من حقك تقترب مني كده، بس إنت من الأساس معندكش أخلاق، تربية "نوح مهران" معندوش مانع إنه ياخد ست غصب."
أثارت غضبه بشدة. إعصارٌ ثائرٌ حاول السيطرة على غضبه بصعوبة. خرج صوته أخيرًا مشحونًا بألمٍ جسديٍ ونفسي: "قولتيها إبن "نوح مهران"، يعني كُل شيء مُباح، والعرق دساس. دلوقتي خلينا نُقعد نتفق هتقولي إيه في التحقيق." نظرت له بغضبٍ سحيقٍ قائلة: "أنا قولت أقوالي خلاص وإعترفت إني فعلاً كنت قاصدة وكان نفسي أقتل المُجرم اللي إنت بتحميه بإستماتة لدرجة إنك توقف قدامي تحميه بنفسك."
شعر بألمٍ لم يستطع الوقوف أكثر. جلس على أحد المقاعد مُتأوهًا بألمٍ، ينظر لها. لا يستغرب حديثها الخاطئ ولن يُدافع عن نفسه. يكفي. تأوه مرةً أخرى قائلًا بحسم: "تمام... دلوقتي هتسمعيني وهتقولي اللي هقولك عليه قدام وكيل النيابة... وكيل النيابة ده... قاطعته بإستهجان: "أكيد كان زميل لك ولازم يجاملك، زي ما غيره جاملك قبل كده، لكن أنا هقول اللي حصل." فهم قولها، نظر لها بغضبٍ وعصبيةٍ من إزدياد ألم جسده، قائلًا بصوتٍ مبحوحٍ
من الألم: "لأ مكنش بينا أي معرفة سابقة، لكن وصلني عنه إنه محترف ومش بيجامل، وما بيهموش غير الحق... وعلشان كده... لو قولتي الحقيقة زي ما هي، أنا هعترض... سكتت للحظة. ملامحها متوترة، وتحكم العناد رأسها. هتفت بحدة: "أنا مش خايفة، ولا ناوية أغير أقوالي... اللي حصل قولته بالحرف، ومش فارق معايا."
أخفض بصره، وضع يده السليمة فوق جرح صدره. تنهد بهدوءٍ حين لم يجد دماء، لكن ذلك لن يستمر كثيرًا. عليه إنهاء ذلك التحقيق وفك صراح دُرة. رفع عينيه، رمقها بحدةٍ وغضبٍ ينفعل من الألم، قائلًا بحزم: "دُرة هتغيري أقوالك وهتقولي اللي هقولك عليه بالظبط." وقفت بعناد. تنهد مُتألمًا ثم تحدث بلهجةٍ آمرةٍ بل وتهديدٍ مباشر:
"هتغيري أقوالك يا دُرة، لأن لو مسمعتيش كلامك أنا هكدبك في التحقيق كمان وهقول مش إنتِ اللي أطلقتي الرصاص، هقول شخص تاني وإنتِ بتوالسي عليه." تهكمت بإستهزاءٍ رغم إندهاشها قائلةً بسؤال: "القانون لعبتك مكنش لازم تدرس قانون، ومين بقى اللي أنا بوالس عليه." بألمٍ تفوه بكلمةٍ واحدة: "مامتك." فامت عيناها بظلامٍ وتفوهت بذهولٍ غاضبة: "ماما.... وصل بيك الفجر! عاوز تتهم ماما...
بس هقول إيه حقير ومفيش عندك أي حدود أو أخلاق، بس إتهامك باطل لأني معترفة كمان ماما مكنتش موجودة أساسًا، بلاش... قاطعها بألمٍ يضغط عليها: "مين اللي قال مفيش شهود، وإعترافك هيتحول لموالسة، فكري كويس قدامك دقيقة واحدة، يا تجي تقعدي قدامي ونتفق على أقوالنا، يا...
نظرت له بغضبٍ سحيقٍ، ودت بالفعل لو يُعطيها أحدًا سلاحًا ولن تتردد للحظةٍ واحدةٍ بإطلاق وابلٍ من الرصاصات بصدره. غصبًا امتثلت، وجلست بالمقعد المقابل له. لم تهتم بتأوهات الألم التي تخرج منه. بينمها، رغم شعور الألم القاسي الذي يتحمله، ابتسم وهي تجلس أمامه. رمقه بنظرةٍ آسفٍ وهي تتذكر أحلام ذلك الشاب اليافع قبل سنوات.
بالعودة قبل سنواتٍ بمنزل "الشيخ عرفة". دلف طوفان مُبشرًا الشيخ بعدما ظهرت نتيجة الثانوية العامة. لم يكُن الشيخ يجلس وحده بالمندرة. كانت دُرة معه تقوم بتلاوة القرآن الكريم بتجويدٍ وهو يُصحح لها الأخطاء اللغوية. ابتسم حينما رأى طوفان. أشار بيده لدُرة أن تتوقف عن التلاوة، ونظر لمعة عين طوفان الذي يلهث مُبتسمًا قائلًا: "تعالى إجعد يا طوفان. عرفت إن نتيجة الثانوية العامة ظهرت. عملت إيه؟
أوعي تكون خذلتني أنا مراهن عليك، ودايمًا أقول الكُتاب بتاعي كُل اللي بعلمه بيكون مُتفوق." أومأ له مُبتسمًا يقول: "أنا الأول على محافظة المنيا يا شيخ عرفة." هلل له عرفة بسعادةٍ، وقف يستقبله بعناقٍ أبويٍ قائلًا: "ربنا يبارك فيك يا ولدي، ها جولي ناوي تدخل چامعة إيه." أجابه بتلقائيةٍ وعيناه تنظر نحو تلك الجالسة تبتسم، قائلًا بإصرار: "هدخل كلية الحقوق في القاهرة." نهضت دُرة مُستغربةً سائلة:
"وإشمعنا كلية الحقوق، مجموعك كبير يدخلك أي كلية هنا في المنيا، ليه تروح القاهرة." لمعت عيناه مجاوبًا بطموح: "أنا حابب دراسة الحقوق، عاوز أبقى وكيل نيابة." أومأ له الشيخ عرفة بفخر. بنفس الوقت، دخل "حسام" إلى الغرفة دون استئذان، قائلًا بحدةٍ وانعدام ذوقٍ حتى لم يُلقي السلام: "دُرة اتأخرتي النهاردة و... نظر له عرفة وبخه قائلًا:
"المفروض لما تدخل على ناس تستأذن حتى لو كان الباب مفتوح ترمي السلام، مش تدخل كده بقلة ذوق ومش عامل اعتبار إني الشيخ بتاعك، ولا نسيت من وقت ما بطلت حفظ القرآن الكريم." شعر حسام بالخزي، كذلك الغِل والحقد من توبيخ الشيخ له بالأخص أمام دُرة. كذلك طوفان الذي نظر له بسحقٍ وغصبٍ. اعتذر بتبرير:
"أنا مبطلتش حفظ القرآن، أنا بس وقفت لفترة. إنت عارف إني كنت في ثانوية عامة زميل طوفان، وكان لازم أذاكر دروسي، وحفظ القرآن بيبقى محتاج تركيز." نظر له الشيخ ولم يُعقب. فماذا يقول لهذا الأحمق؟ يفهمه جيدًا، هدفه البقاء فقط مع تلك الدُرة. بينما لم يهتم حسام، لكن نظر ناحية طوفان سائلًا من باب الفضول: "هتدخل كلية إيه يا طوفان." أجابه طوفان: "حقوق القاهرة إن شاء الله." أومأ له قائلًا:
"أنا هدخل كلية الزراعة هنا، عشان أبقى جار خالي، أنا نفسي أبقى زيه مهندس زراعة." أومأ له طوفان. شعر بغيرةٍ في قلبه من نظرة عيناه لدُرة. كذلك الشيخ عرفة فهم غرض حسام. يفعل ذلك ليس لأنه يريد ذلك، هو يتخذ خاله قدوة كي يحصل على هدفٍ آخر برأسه.
نهضت دُرة وذهبت مع حسام، بينما نظر طوفان لهما بشعورٍ غير معلومٍ أنذاك. فقط يشعر بضيقٍ من فكرة سير دُرة جوار حسام. لكن عرفة بخبرته مع الزمن فهم نظرة طوفان. ذلك الشاب بدأ قلبه بنبض العشق باكرًا. بينما أثناء سير دُرة مع حسام، كانت صامتة. إلى أن تحدث هو بنبرة غيرة: "مش عارف ليه طوفان طالما جايب المجموع الكبير ده يقدر يدخل هندسة ولا حتى كلية التجارة، هو اختار الحقوق عشان عارف إمكانياته." لم تفهم دُرة تلك النبرة، وسألته:
"فيها إيه؟ هو حابب يبقى وكيل نيابة، وبعدين يعني إيه عارف إمكانياته." أجابها بتوضيح: "طوفان جاب المجموع ده مش بشطارته ولا بذكائه، ولا حتى مجهوده، ده كان عليه توصية طبعًا. مش إبن "نوح مهران" والوريث الوحيد له، فلازم يبقى عليه توصية خاصة." فهمت دُرة قصد حسام ولم تهتم بذلك.
عادت من تلك الذكرى على صوت تأوه طوفان. الآن فهمت قصد حسام. طوفان الآن أمامها يجبرها على تبديل أقوالها بمساومة. وقبل ذلك، كان يعلم بضعف القانون واستغل ذلك وأضاع الحق. حديث حسام عنه وقتها لم يكُن خاطئًا. نظرت له وجدته يضع يده فوق صدره. ملامحه يبدو بوضوح أنه يتألم. أو بتفسير عقلها، ربما يستغل ذلك لتتعاطف معه. لكن بالعكس، كأن قلبها تحجر. ربما لو شخصٌ آخر أمامها، كانت اهتمت به ورأفت قلبها له.
بعد وقتٍ، انتهت التحقيقات بتطابق أقوال دُرة مع أقوال طوفان. انتهت القضية بالإفراج عن دُرة. بعد تأكده من قرار الإفراج عن دُرة، انتهت قوة تحمُّل الألم لديه. لكن طلب من السائق العودة به إلى المنزل لا المشفى. حين رأته وجدان، انتفض قلبها بفزع. اقتربت منه بيدٍ مرتعشةٍ، وضعتها فوق ذلك الدم الذي بدأ يظهر على ثيابه. بملامةٍ نظرت له قائلة: "أنا كنت بالمستشفى وجالولي إنك خرجت، كيف تطلع من المستشفى بحالتك دي، وكنت فين لدلوق."
نظر لها بألمٍ قائلًا: "بعدين، السواق اتصل عالدكتور وإحنا في السكة. أرجوكي محتاج أرتاح." رأفت قلبها بأنينٍ وهي تساعده للصعود إلى غرفته بصمتٍ. حتى تمدد على الفراش. لو بخاطره لصرخ، ليس فقط من قسوة الألم الجسدي، بل من قسوة نظرات دُرة التي لم ترأف بتألمه أمامها. أغمض عينيه يعتصر الألم بداخل صدره. بمنزل والد دُرة. حين دخلت إلى المنزل، استقبلتها والدتها، كذلك باسل، وعمتها التي أظهرت الود لها. لم تستطع البقاء معهم كثيرًا.
نهضت قائلة: "حاسة بصداع هطلع آخد شاور وأنام... عن إذنكم." غادرت دُرة، وتركت خلفها كريمان تُغالب الأسى، وباسل الذي خيّم عليه الصمت، بينما كانت عمتها تُخفي رغبةً جامحةً في التلميح لفكرة زواجها من حاتم، لكنها آثرت تأجيله إلى وقتٍ آخر.
دخلت دُرة غرفتها بخطىً مثقلة. فتحت باب الخزانة مباشرة، ومدت يدها إلى أحد الأدراج. سحبت منه علبة الدواء، وضعت الرذاذ في فمها واستنشقت بقوة. لكن أثره لم يكن كما اعتادت. ما زال ذلك الاختناق يجثم على صدرها. تهاوت جالسةً أرضًا، تسند ظهرها على الدولاب، وعيناها تسكبان الدمع بصمتٍ موجعٍ، دون إرادةٍ منها. وكأن الألم قرر أن يُقيم في صدرها دون رحيل.
جالت عيناها في الغرفة. شعرت بالوحدة. لم تسمع إلا صدى أنفاسها المتقطعة وارتجافاتٍ خفيفةً تسري في أطرافها. حاولت أن تكتم شهقتها، لكن أصبح الألم أكبر من قدرتها على الاحتمال. ولا تمتلك سوى الصمت وكبت قلبها والإمتثال لتلك القسوة التي أصبحت تتملك منها، بالأخص ناحية طوفان. تضع يدها فوق أذنيها تود طرد مشهد تألمه أمامها. لم تتوقع توغل ذلك الشعور منها يومًا ناحيته. بمنزل طوفان. بدأ الليل يُخيم بظلامه.
بغرفة تلك الحالمة الرقيقة، تمددت على فراشها تشعر بأسى على حال طوفان. كانت تظن أن قلبه كالصخر. رأت قسوة والدها عليه كثيرًا، لكن لم تذقها، ربما لأنها لم تكن من ضمن اهتماماته مثل طوفان الذي كان يود أن يكون خليفته. حاول الانتفاض، لكن بالنهاية امتثل وأصبح هو كبير العائلة من خلفه. "طوفان". نطقها عقلها، شبه أعلن عشقه، بل أكد ذلك. والسؤال: ما هو العشق؟ إحساس.. أم اجتياح؟ كلاهما معًا، أو مشاعر أخرى.
تذكرت قبل أيامٍ حين رأت حاتم يدخل إلى منزل خالها خلف دُرة. تلاقت عيناهما للحظات قبل أن يحيد النظر لها. كان موقفًا لولا ضجيج الرصاص. هل كانت استمرت النظرات بينهما لوقتٍ أطول؟ لوهلةٍ فكرت بالذهاب نحوه والتحدث معه، لكن منعها خجلها. كذلك ما حدث. طن برأسها نطقه لاسم دُرة بتلك النبرة التي شقت صدرها دون استئذان. هل كانت نبرة حانية؟ أم كانت فقط عابرة؟ نطق اسم "دُرة" كأنها تهمه؟ أم أن عقلها، المتورط بحاتم، صار يضخم كل شيء؟
تنهدت بصوتٍ خافتٍ وهي تُدير وجهها للوسادة. "ليه بفكر كتير فيه... وعاد عقلها يُعيد الموقف. حاتم لم يخطُ خطوة نحوها. لم ذلك الحنين؟ لماذا تُرهق نفسها بالتفكير به؟ لماذا راقبته ذلك اليوم بعيونٍ مترقبة؟
قطع سيل أفكارها ذلك صوت ذلك الهاتف الذي يُعطي إنذار بنهاية الشحن. حاولت نفض ذلك التفكير. ذهبت نحو الهاتف بالفعل. فصل الهاتف بين يديها. فتحت أحد الأدراج تبحث عن شاحن الهاتف. وجدته، لكن اصطدمت يدها بتلك البطاقة الائتمانية. كأن ذلك مثل إشارة لقلبها الغارق في طيف حاتم. لكن انتفضت على ذلك وتركت البطاقة، وذهبت وضعت هاتفها بالشاحن، ثم تمددت على الفراش وهي تحاول التفكير بشيءٍ آخر، علها تنسى ذلك التي تيقنت أن اللقاء بينهم شبه مستحيل.
غرفة طوفان. أصرت على البقاء جواره بالغرفة، بعدما رفض العودة إلى المشفى. ها هو غفى بفضل الأدوية المسكنة، لكن هي لم تغفُ. ما زالت مستيقظة تشعر بقلقٍ مصحوبٍ بريبةٍ من القادم. نظرت نحو طوفان، كأنها سمعت همسه. لم تُفسر ماذا قال. اقتربت منه، كان صمتًا. ذهبت نحو الشرفة فتحتها بهدوء. خرجت. كانت نسمة صيفية حارة ورطبة قليلًا، بسبب تلك الأضواء التي بالحديقة. وقع بصرها على أحد الأماكن بمنزل شقيقها عزمي. أو بالأصح منزل والديها سابقًا. وذكرى تلوح أمامها.
قبل سنواتٍ طويلةٍ، كان طوفان وقتها يقترب من عمر التاسعة. كانت تقف بإحدى شرفات المنزل تُراقب طوفان وهو يلعب في الحديقة، يركض خلف فراشةٍ ملونةٍ، يضحك بمرح. شعرت بسعادةٍ في قلبها وهي ترا برائته. كان سعيدًا حقًا. ضحكاته كانت تنبض من قلبه البريء. خفق قلبها لسعادته، لكن سرعان ما تبدلت تلك الخفقات السعيدة إلى وخزاتٍ قويةٍ حين رأت "نوح" يقترب من مكان طوفان يُحدثه بإستهجانٍ قوي. تبدلت ملامح طوفان إلى مسؤمة، بل خائفة، حين أصبح
أمامه وأمسكه من ثيابه بقوةٍ وحِدةٍ يتحدث بفظاظةٍ وجحودٍ يتهمه بأنه رقيق القلب وذلك لكن يصنع منه رجلًا. تربية النساء دائمًا ما تصنع أطفالًا لا يتحملون مسؤولية. تهكم عليه بفظاظةٍ وهو يمسك تلك الفراشة التي كان طوفان يركض خلفها فقط للإستمتاع. قام بقطع جناحيها الملونين، وألقاها أسفل قدمه، قائلًا:
"بتجري ورا فراشة، اللي زيك اتعلموا كيف يمسكوا السلاح، إنت قدرك الكبير من بعدي وأنا مش هسمح يجولوا نسل "نوح مهران" قلبه رهيف كيف الحريم وبيجري ورا الفراشات، إنت هتاجي معايا بعد أكده، وجودك هنا جار أمك هيعمل منه مسخة الصعيد كلياته، إنت هتاجي تعيش وياي في القصر."
ارتعب قلب طوفان. يعلم أن والده ذو قلبٍ قاسٍ مُتحجر، وهذا ما يجعله دائمًا ينفر الذهاب إلى ذلك القصر. يبقى مع والدته بمنزل جديه الذي يفصل بينه وبين القصر مجرد سورٍ صغير. أنقذ طوفان وصول وجدان التي بداخلها هلعٌ يساوي هلع طوفان، لكن لن تترك طوفان له. بعدما سمعت حديثه، بقوةٍ واندفاع أم جذبت طوفان من بين يديه وأخفته خلفها. رغم ارتجاف قلبها، لكن رفعت رأسها. نظرت نحو نوح ذو الجسد الضخم بالمقابل لجسدها وجسد طوفان. استجمعت شجاعةً واهيةً
بإندفاع: "إنت عاوز إيه من ولدي، سيبه في حاله." نظر لها نوح بتسليةٍ قائلًا بغلاظةٍ وجمود: "طوفان مش ولدك لوحدك، كمان ولدي الوحيد." تفوهت بلا وعي: "ليه الوحيد... روح اتجوز وهات غيره وربيه كيف ما أنت رايد... ده ولدي ومستحيل... قاطعه بغضب: "مفيش ست بعدك تملي عيني يا وجدان وكفاية خلينا نجفل عالماضي ونرجع من تاني نربي ولدنا بيناتنا بدل... قاطعته بغضبٍ أقوى:
"مستحيل أرجع لك من تاني، الطلاق كان هو الصح اللي عملته من البداية... تبدلت نظرته إلى أخرى شبه ناعمةٍ ورمقها ببرود: "مكنش ده كلامك قبل ما نتجوز، كنت مغرمة بيا."
ارتبكت هي. كانت ذلك حقًا. مغرمة به. كانت تظن أنه الفارس الذي ترغبه كل الفتيات، قوته، جسارته. لكن اكتشفت أن خلف ذلك شخصية جافة وأنانية. قسوة مُغلفة بداء السيطرة، وعليها الإمتثال كأنها تعليمات إلهية. واكتشفت أيضًا صعوبة التكيف والتعايش مع تلك الصفات. كانت هي الجسورة حين تمسكت بقرار الطلاق. بداخلها كانت تخشى على ولدها الصغير ذي العامين آنذاك من تمكين قسوة وجبروت نوح بداخل قلب طفلها. كان حصولها على الطلاق مثل إعصار فتك بالعائلة لولا خباثة نوح الذي ظن أنها مجرد وقتٍ قصير. لكن مر سبع سنوات. بالنسبة لها كانت رخاء وهي ترا حريتها هي وطفلها. بالنسبة له كانت عِجاف. لكن لن ينتظر أكثر من ذلك، ستعود لعصمته حتى ولو بالإجبار. وهذا ما حدث لاحقًا.
على صوت تأوه طوفان، نفضت تلك الذكريات المريرة. نظرت نحوه. يبدو أنها بلا قصدٍ منها ضغطت بقوةٍ على كتفه المصاب. أزاحت يدها. ظلت تنظر له. كان وجهه هادئًا. الآن أصبحت على يقينٍ أن ذلك الهدوء ليس إلا قناعًا يخبئ خلفه ندوبًا لا تبوح بها الملامح.
بعد مرور عدة أيام. صباحًا. بمنزل حاتم. اتخذ القرار رغم وجود تردد لديه. تلك الزيجة من دُرة لو وافقت. قد تكون غير موفقة لهما الاثنين. لكن انتقامًا من ذلك الطوفان قد يفعل أي شيء حتى لا ينال دُرة كما يبغي. على طاولة المطبخ، وضعت والدته آخر طبق للطعام ثم جلست. بنفس الوقت، دلف والده وجلس معها على أحد المقاعد. بينما وضعت والدته يدها على كتفه ببسمةٍ مغصوصة. تنحنح بترددٍ قائلًا: "أنا موافق خلاص يا ماما على إني اتجوز دُرة."
ابتسمت بإنشراح قائلة: "قلبي كان حاسس إنك هتوافق وكنت خلاص هكلمها من كام يوم بس الظروف مكنتش مناسبة. خلاص الحمد لله الظروف اتحسنت. النهاردة المسا هروح، ولا أقولك تعالي نروح سوا؟ ممكن لما تلاقيك معايا تعرف إنك مهتم بها وتوافق بدون تردد." بداخله ألف ترددٍ، لكن العند ورغبة الانتقام. انتفض واقفًا بعدما كاد يعترض والده: "بلاش يا حاتم، دُرة إنسانة وعندها مشاعر. بلاش تمشي ورا رغبة أمك و... قاطعه بحسمٍ بعدما وقف
وقبل أن يسير تحدث بحسم: "هحاول أرجع بدري المسا ونروح سوا. همشي عندي مشوار مهم قبل ما أروح القسم." غادر. بينما نظر والده لها بغضبٍ قائلًا: "بلاش يا "بدرية" عندي يقين دُرة مش هتوافق، وكمان نفسي أعرف سبب لإصرارك ده. كمان كيف جلبك هيتحمل وجودها هنا مع حاتم. بلاش تظلميها وتظلمي حاتم معاها." نظرت له بسخطٍ. وضعت إحدى اللقيمات بفمها وأجابته: "كمان جلبي مش هيتحمل أشوفها مع حد غير حسام، يبقى حاتم أولى بيها."
هز رأسه بيأسٍ، وآسف. يعلم أن خلف إصرارها هدفًا آخر غير المعلن.
أمام منزل الشيخ عرفة. توقفت بسيارتها. ترجلت تشعر بحنين. منذ سنواتٍ لم تأتِ إلى هنا. أزاحت تلك البوابة ودلفت إلى الداخل. ابتسمت لتلك الأطفال الموجودين بالحديقة التي لم تختلف. أشجار الليمون وتلك الخضراوات الورقية. ذلك السلم التي كانت تجلس عليه تقوم بمراجعة الورد المفروض عليها. أصبح المنزل أكثر قدمًا، لكن بنفس ملامحه القديمة. ذهبت نحو باب المنزل، ليس نحو تلك الغرفة الجانبية. قامت بالطرق على الباب. فتحت لها تلك السيدة وهي تتوعّد
بمرح: "عارفين لو مبطلتوش شقاوة وخبط عالباب، هخلي الشيخ... توقفت السيدة عن استكمال حديثها تنظر لدُرة بتذكر. بينما دُرة أكملت جملتها بمرح: "الشيخ عرفة يعلقكم في الفلكة ويعبطكم." تبسمت لها السيدة وتفوهت بترحيب: "دُرة." أومأت لها مُبتسمةً قائلة: "فكرتك نسيتيني." ابتسمت لها وهي تجذبها تضمها بعناقٍ مشتاقٍ قائلة:
"إنتِ من الوشوش اللي متتنسيش، تعالي لجوه. الشيخ عرفة هيفرج جوي لما يشوفك، من كام يوم كنا في سيرتك وكان بيجولي زعلان منك، كيف تكون هنا ومتجيش تسلم علي. نسيت إني أنا اللي حفظتها كتاب الله." شعرت بغصةٍ وخزيٍ قائلة: "لأ والله عمري ما نسيته، بس الظروف." ابتسمت لها وقبضت على معصم يدها وتوجهتا إلى تلك الغرفة الجانبية. دخلت زوجة الشيخ أولًا. كان يستمع لأحد الأطفال. انتظرت حتى انتهى وتحدثت له بسعادةٍ قائلة:
"تفتكر مين اللي واقفة بره المندرة." نظر لها بتخمينٍ لم يفهم سائلًا: "مين يا وليه، أنا مش فاضي لفوازيرك دلوق، العيال بره." ضحكت قائلة: "لأ خمن، ولا أقولك، بلاش، يلا ادخل برجلك اليمين." تبسمت دُرة بتوترٍ وهي تدخل إلى الغرفة. نهض الشيخ واقفًا يبتسم بترحيبٍ قائلًا بعتاب: "أخيرًا افتكرتي الشيخ الغلبان يا دُرة، إنتِ الوحيدة اللي خرزانتي ملمستش يدها." ابتسمت له وذهبت نحوه سريعًا. انحنت على يدهُ تُقبلها بقبولٍ
ثم استقامت قائلة: "وإنت اليد الوحيدة اللي اتحنيت عشان أبوسها يا شيخ عرفة." وضع يده على رأسها بأبوةٍ قائلًا: "تعالي يا بتي نقعد." قال ذلك ثم نظر لزوجته قائلًا: "اطلعي للعيال وجولي لهم يروحوا يجوا العصر، الشيخ مش فاضي لهم دلوق." تبسمت له زوجته وفعلت مثلما قال لها. بينما جلس جوار دُرة أرضًا. في البداية سألها بتحذير: "أوعي تكوني نسيتي حفظ القرآن الكريم، القرآن بيطير من الدماغ بسرعة." أومأت له بنفيٍ قائلة:
"لأ أنا محافظة على قراءة القرآن وده مثبت الحفظ في عقلي." أومأ لها مُبتسمًا يشعر بغصة. تلك الدُرة كانت ملامحها رغم جمالها تتسم بالتفاؤل والشقاوة. أمامه هادئة بملامحٍ عابسة. تنهد قائلًا بلوم: "وصلني اللي عملتيه مع طوفان وواد خاله الفاسق، ليه كنتِ عاوزة تضيعي نفسك." شعرت بوخزاتٍ قويةٍ قائلة: "كنت عاوزة أحقق العدل." تنهد بأسفٍ قائلًا: "ربنا من صفاته العدل وتأكدي إنه يمهل ولا يهمل." نظرت له بسؤالٍ قائلة:
"إنت اللي حفظتني القرآن وربنا قال "ولكم في القصاص حياة"." أومأ لها قائلًا: "كمان قال "من عفي وأصلح"." استغربت قائلة: "مستحيل أصفح قبل ما العدالة تتحقق والقاتل ياخد عقابه بما يرضي الله." نظر لها قائلًا: "قولتي بما يرضي الله، يبقى فيه طرق تانية ناخد بها الحق بدون ما نضيع مستقبلنا ونبقى نفرق عن المجرمين." نظرت له بإستفسارٍ سائلة: "مش فاهمة، وإيه هي الطرق دي، ومتقوليش المحكمة." تبسم لها قائلًا: "لسة إنتِ متسرعة...
اسمعيني ووجتها هتشوفي بعينك." عصرًا بمنزل والد دُرة. كان هناك طرقٌ قويٌ على باب المنزل. ذهبت كريمان وفتحت الباب. وقفت مخضوضةً من تلك الشرطة الواقفة. تقدم لها أحد الضباط قائلًا: "معانا أمر بتفتيش البيت." استغربت ذلك سائلة: "ليه."
لم ينتظر الضابط ودلف إلى الداخل دون انتظار إذنٍ منها. كذلك تلك القوة التي كانت معه انتشرت بين أرجاء المنزل. بنفس الوقت كان باسل يدخل إلى المنزل. توجه ناحية كريمان مدهوشًا. وقبل أن يستعلم، أتى أحد العساكر بحقيبة يد قائلًا: "لقينا دي فوق يا باشا." أخذ الضابط الحقيبة وفتحها. نظر بداخلها، ثم أغلقها ونظر إلى باسل قائلًا: "إنت "باسل مختار غنيم" معانا أمر بالقبض عليك لتجارتك... في العملات الأجنبية.
أثناء عودتها إلى المنزل. كانت تسير بالسيارة على ذلك الطريق الترابي. لكن ظهر أمامها صدفةً ذلك المجرم وليد يسير ومعه شخصٌ آخر. رأتهما من بعيد. لم تُفكر كثيرًا وعادت إلى الخلف بسيارتها، ثم توقفت للحظةٍ قبل أن تُعيد تشغيل السيارة. وقادتها بسرعةٍ عاليةٍ، جعلت ذلك المجرم يرتعب وهي تتوجه نحوه بعدما تجنب الآخر على جانب الطريق. بينما هو، المفاجأة شلت حركة جسده. أغمض عينيه وهو ينتظر أن تصطدم السيارة بجسده. لكن طال انتظاره وظل مغمض العين حتى بعدما ترجلت دُرة من السيارة وسارت نحوه تنظر إلى تلك الرمال التي تناثرت عليه بغزارة. أصبح وجهه وملابسه ملوثين بالرمال. فتح عينيه بعدما سمع قولها بإستقواءٍ
ووعيد: "مش هرتاح غير لما تتساوي إنت وأبوك بالتراب يا قاتل." بمنزل الشيخ عرفة. دلف طوفان إلى تلك الغرفة. رحب به الشيخ ثم أشار له بالجلوس، فجلس لجواره قائلًا: "اتصلت عليا يا شيخ عرفة وقولت أجيك خير." نظر له مُبتسمًا يقول: "خير يا ولدي، تعرف مين اللي كانت عندي قبلك هنا." تحير عقل طوفان وأومأ رأسه بـ لا. ابتسم الشيخ قائلًا: "عارف إنك مصاب وبالتأكيد جرحك لسه بيوجعك، بس متأكد اللي هقولك عليه هيداوي جرح أقوى."
ضيق طوفان عينيه بإستفسار. ابتسم عرفة قائلًا: "دُرة كانت عندي هنا ولسه ماشية من شوية، وأنا اتصلت عليك عشان كده. أنا سبق وجلت لك على عرض يريح نفسيتها هي وكمان واد خالها حاتم." تذكر طوفان قائلًا: "قصدك... أومأ له الشيخ قائلًا: "دلوق الكورة بملعبك، متأكد إنك تعرف تقنع عزمي وولده باللي جلتلك عليه." تنهد طوفان قائلًا: "قصدك خالي يجبر وليد يقدم كفنه قدام الناس." أومأ له عرفة بـ نعم. تنهد طوفان بيقينٍ قائلًا بحسم:
"وأنا موافق ومستعد أضغط عليهم بسهولة غصب عنهم يوافقوا وينفذوا اللي هقول عليه، لو أضمن ده يخلي دُرة تشيل فكرة الانتقام من دماغها."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!