الفصل 3 | من 48 فصل

رواية طوفان الدرة الفصل الثالث 3 - بقلم سعاد محمد

المشاهدات
16
كلمة
4,834
وقت القراءة
25 د
التقدم في الرواية 6%
حجم الخط: 18

دخلت إلى تلك الغرفة، تبسمت حين رأت فستان عروس. اقتربت منه، حاز على إعجابها. بلحظات كانت ترتديه، شعرت بنعومة القماش ينساب على جسدها. والتطريزات اللامعة تعكس الضوء كنجوم صغيرة تحيط بها. استدارت ببطء أمام المرآة، تتأمل انعكاسها بدهشة وكأنها ترى نفسها لأول مرة. رفعت يدها تتحسس الدانتيل الناعم عند كتفيها. تساءل عقلها بصمت: مين اللي جاب الفستان ده هنا. لم تمضِ في تساؤلاتها طويلًا، حين فُتح الباب فجأة.

وامتزج صوت صريره مع بسمة أفلتت منها. وهي تدور بسعادة قائلة: إيه رأيك في الفستان يا بابا. وأشار لها بيده مع بسمة تصف مدى جمالها قبل جمال الفستان عليها. ذهبت نحوه وكادت تضمه، لحظات ويتبدل. لكن شهقة مكتومة ونظرة ذهول. وهيترا إنعكاس يبتعد عن باب الغرفة. ووالدها ينهار جسده أرضًا متأثرًا بتلك الرصاصة التي اخترقت منتصف رقبته. صرخت عقلها غير مستوعبة وهي تهبط جالسة جواره. تبكي، عيناها تستجدي الواقع أن يكون كابوسًا.

أن يعود الزمن لحظة للوراء، أن ينهض والدها ويمسح دموعها كما اعتاد. لكن الدماء المتدفقة على الأرض أكدت لها أن الموت لا يعيد أحدًا. ارتجفت أصابعها وهي تحاول إيقاف النزيف المستحيل. أنفاسها تتسارع، قلبها يدوي في صدرها كطبول حرب. بينما انعكاس المرآة خلفها يرسم صورة الرعب. ظل قاتم يقف عند الباب، حيث سقط والدها. رفعت رأسها ببطء، وعيناها تلتمعان بالرعب والغضب. لترى انعكاس ظل يقترب وفوهة مسدس ما زالت مصوبة.

ودخان البارود يتلاشى في الهواء. لم تتحرك، لم تصرخ. كأنها في عزلة الدموع والدماء. وفستان العروس الأبيض الذي أصبح دمويًا. وهمهمات والدها الأخيرة وهو بالكاد يحرك شفتيه. وكلماته الأخيرة كأنها وصية لها: "الأرض... طوفان... طوفان... الأرض... رجعيها" فجأة فتحت عينيها وهي تشهق. تشعر وهي تنطق بلوعة قلب: بابا. للوهلة انخضت كريمان التي كانت تمكث معها بالغرفة. نهضت حين سمعت همسها وأقتربت من الفراش.

ربتت على وجه درة حنان وعيناها تتجمع بهن الدموع. وهي تربت على وجنتي درة التي فتحت عيناها اللتان تسيل منهن الدموع دون دراية منها. جففت كريمان تلك الدموع وجلست جوارها على الفراش تضمها لصدرها. تربت على ظهرها قائلة بتحريض: ابكي يا درة هترتاحي. امتثلت لتحريضها تبكي. شهور مضت كانت تلك الدموع حبيسة بين جفنيها. لكن حتى مع تلك الدموع ما زالت لا تجد الراحة. بل زاد الأسى والقسوة في قلبها. وعقلها يعيد نهاية ذلك الكابوس: "الأرض...

طوفان... رجعيها". ذلك إشارة من والدها. تذكرت بأخر لقاء لهما قبل مقتله. لمح لتلك الرغبة استرداد تلك الأرض التي كانت هي السبب في بيعها. عادت من أجل استرداد تلك الأرض. أول أهدافها. خاين يا طوفان ما زال صدى الصوت يتردد. نظر نحو يشعر بعيونه يفيض منها الندم. لكن تجبر بالرد: عمري ما كنت خاين يا حسام. افكر كويس مين اللي خان من البداية. وكذب وانت عارف كان نتيجة كذبك. أنا اللي خسرت. فوق يا حسام بلاش تعيش دور الضحية.

نظرات عين حسام غير مبالية وهو يبتسم كأنه يتشفي بإثارة غضب طوفان. ساد الصمت بينهما. الهواء أصبح ممتلئ برائحة الخيانة والخذلان. رمش حسام ببطء. ثم رفع زاوية شفتيه بابتسامة لم تصل لعينيه. ابتسامة ساخرة كأنها نصل خنجر يغرس في صدر طوفان ببطء. ثم تهكم قائلاً ببسمة بلا مشاعر: خسرت..... أنا كنت بكسب في رأيك. تقدم طوفان خطوة. ثم همس بصوت خفيض لكنه يحمل قسوة الجبال: اللي خسر فعلًا...

هو اللي واقف قدامك دلوقتي وهو مش قادر حتى يعترف إنه اتدمر. توقف طوفان يشعر بتيار بارد يجتاحه. لكنه لم ترمش عيناه يحدق فيه بثبات. لكن بداخله يشعر بشيء ينهار. الجدران الذي ظن أنه شيدها حول قلبه بدأت في التصدع. لكن نفض عقله ذلك وتلك الابتسامة التي فوق شفتي حسام. قاسية وكلماته قاضية: "درة" رجعت وهتاخد منك تار الخيانة. انتفضت عيناه وفتحهما باتساع. يشعر كأن جسده تجمد لثوانٍ وهو يحدق في ظلام الغرفة.

لحظات، نهض من فوق الفراش يشعر بمشاعر غير مفهومة. لما تلك المواجهة بينه وبين حسام. أزاح الستائر قليلًا. ما زال ظلام أول الليل. همس عقله بلا وعي: "درة... الاسم وحده كان كفيلاً بإشعال دوامة كاملة من الذكريات. من الندم. من ذلك الألم الذي أقنع نفسه أنه دفنه منذ زمن بعيد. لكن لا... لم يدفن شيء. كل ما فعله هو أنه دفن نفسه بداخله. وترك الزمن يمر ليغطيه بطبقة زائفة من النسيان. والآن... ها هو الماضي يعود.

ليس كذكرى، بل كحقيقة حية تتنفس وتستعد للانتقام. وكأن عقله يتمرد يرفض الاستسلام لفكرة أن الزمن قد يكون طوى صفحة الماضي. أو ربما لم يكن يرغب في المواجهة الثانية. باليوم التالي صباحًا بمنزل طوفان على طاولة الفطور. نظرت وجدان إلى يد طوفان المضمدة. ما زالت لا تصدق أنها مجرد إصابة بالخطأ. بنفس الوقت دلف عليهم عزمي باسمًا يلقي الصباح. تبسمت له وجدان. ظل يتجاذب الحديث معهم إلى أن وصل إلى قوله:

سمعتوا الخبر اللي داير في البلد من عشية امبارح. باستفهام سألته وجدان: خير. أجابها مستهزئًا: بيقولوا بت "مختار غنيم" رجعت للبلد. خفق قلب وجدان بقلق. وبشكل تلقائي نظرت نحو طوفان الذي كأن الحديث لا يهمه. بينما استطرد عزمي الحديث بنبرة شماتة: تجيلي النحس راجع معاها. بيقولوا عملت حادثة على أول الطريق الترابي اللي أول البلد. كانت جاية سايقة عربية لحالها. عاوزة تبين إنها متفرقش عن الرجال وبتسوق عربيات.

يظهر جنانها في مصر وحدها دخل براسها إنها كده تبجي كيف الرجال. أها جت على راسها وبيقولوا بايته في المستشفى. لوهلة غص قلب وجدان. وسألته: وحالتها خطرة. هز عزمي رأسه بنفي قائلاً: مش عارف والله ده الكلام اللي وصلني. كمان في حديث تاني وصلني عنها مش عارف ده صح ولا إشاعات. نظر له طوفان بصمت. بينما سألته وجدان: وإيه هو الحديث التاني ده. أجابها ببساطة: بيقولوا إنها هتتجوز من سلفها أخو جوزها. قصدي اللي كان خطيبها.

انتفض طوفان ونهض بغضب قائلاً بتعسف: أنا رايح المكتب. لما تخلص رغي (رغي) في حديث النسوان أبقى حصلني حدانا شغل أهم من حديث الحريم اللي ملوش لازمة. غادر طوفان. بينما نظر عزمي لوجدان التي تتبع طوفان بعينيها. وجلس بعقلها خاطر سرعان ما نفضته وانتبهت لبقية حديث عزمي السافر. بالمشفى عصرًا بالاستقبال. استغرب كل من باسل وحاتم حين أخبرهم أن تكاليف المستشفى بالكامل سُددت. تساءل الاثنان معًا عن هوية من دفع التكاليف. رد المسؤول:

بصراحة مقالش اسمه. هو دفع التكاليف كاش وقال الفاتورة تطلع باسم المصابة. استغرب الاثنان. ثم سأل حاتم: مش فاهم ليه هو مش عاوز يقول هو مين حتى عشان نرد له التكاليف. كمان نشكره إنه ساعد المصابة. أجابه المسؤول: معرفش والله. سأل باسل: طب هو شكله إيه، مش ممكن توصفه لينا. أجابه المسؤول: للأسف أنا جديد في المستشفى ومش من النواحي دي، وبصراحة مركّزتش معاه. زفر حاتم نفسه وهو يرفع رأسه يتجول بعينيه بالمكان.

لاحظ وجود بعض الكاميرات الخاصة بالمراقبة. فتنهد قائلاً: كاميرات لمستشفى أكيد بتسجل... اللي بيحصل، يعني كل حاجة موثقة. توقف للحظات وهو يمرر يده في شعره بتفكير. قبل أن يلتفت إلى الموظف وسأله: ممكن أشوف التسجيلات. لم يتردد المسؤول قليلًا قبل أن يرد: دي حاجة لازم إدارة المستشفى توافق عليها. شدد حاتم من نبرة صوته قائلاً: أنا ضابط شرطة، والأمر ضروري، ولو الإدارة محتاجة إذن رسمي، أنا ممكن أوفرّه.

أومأ المسؤول بتوتر قبل أن يشير له إلى مكتب المسؤول عن الأمن في المستشفى. غادر باسل وحاتم. بينما ترقب المسؤول حتى ابتعدا ودخلا إلى غرفة الأمن. وقام باتصال خاص. بينما دخل باسل وحاتم الذي أخرج هويته وأعطاها للمسؤول الذي رحب به. كذلك فعل له ما طلبه وأخرج سجلات الكاميرات الخاصة بذلك الوقت. استغرب بل ذُهل الاثنان. تسجيلات الكاميرات لا توضح سوى صورة غير واضحة تمامًا.

كأن هناك تشويشًا متعمدًا أو خللًا تقنيًا أصاب الكاميرات في تلك اللحظة تحديدًا. تبادل باسل وحاتم نظرات سريعة قبل أن يسأل باسل بصوت منخفض: ده طبيعي. نفي حاتم رأسه باستغراب. بينما أوضح المسؤول عن الأمن متحدثًا بتوتر غير ملحوظ: بصراحة لأ، الكاميرات بتشتغل كويس طول الوقت، وده مش مرة يحصل فيها عطل بالشكل ده... بيبقى عطل بسيط. ضيق حاتم عينيه بتفكير قبل أن يسأل: مين آخر شخص كان له وصول مباشر للكاميرات أو لغرفة المراقبة.

المسؤول ابتلع ريقه قائلاً بثبات: الأمن الداخلي بيتابعها، لكن أي تعديل أو مراجعة بتكون عن طريق الإدارة الفنية للمستشفى. قاطعه باسل بحدة: عايز قائمة بأسماء أي حد كان له تعامل مع الكاميرات امبارح. أومأ المسؤول سريعًا وبدأ في البحث عن الأسماء. بينما تبادل باسل وحاتم نظرة أخرى. هناك شيء غير طبيعي يحدث هنا. لو بظروف أخرى لكان تقبل ذلك. بعد قليل بغرفة درة. انتهت الطبيبة من معاينة درة وتبسمت لها قائلة بخطأ غير مقصود:

واضح إن زوج حضرتك مهتم بيكي جدًا. تفاجأت درة. وتحدثت لتصحح الموقف: بس أنا مش متزوجة، قصدي زوجي توفي من فترة. تعجبت الطبيبة من ذلك وتحدثت معتذرة: آسفة، بس الاهتمام اللي شفته في عيونه كان واضح أوي، افتكرت إنه جوزك. عالعموم حمد الله على سلامتك يا مدام. أومأت درة رأسها بشعور متداخل بين الدهشة والاستفسار. لكنها تماسكت سريعًا حين دخلت كريمان للغرفة. التي شعرت بضيق من نعت الطبيبة لدرة بـ "مدام".

ودت أن تقول لها أنها لم تتزوج. بينما ردت درة بصوت هادئ: شكرًا، الله يسلمك. راقبت الطبيبة وهي تبتعد. لكن كلماتها ظلت تتردد في ذهنها، تثير بداخلها مشاعر متناقضة. تود معرفة ذلك الشخص الذي يبدو اهتمامه بها كان واضحًا لهذه الدرجة. نفضت ذلك ورجحت أن الطبيبة قد تكون أساءت الفهم. تنفست بعمق وهي تحاول تهدئة دقات قلبها التي تسارعت دون سبب واضح. ثم استدارت نحو كريمان التي نظرت ليد درة.

زفرت نفسها بهدوء عكسي حين رأت خاتم الزواج بيدها اليسرى. يحق للطبيبة نعتها بذلك اللقب. لكن أرجأت حديثها لوقت آخر وتحدثت: خليني أساعدك تلبسي الطرحة، باسل وحاتم زمانهم خلصوا إجراءات خروجك من المستشفى. أومأت لها بقبول. بينما باستفسار سألت كريمان رغم لومها: عملتي اللي في دماغك وجيتي بالعربية كمان. يا ريت بالنهار، الحمد لله إنها عدت على خير.

الله أعلم لو كان الشخص اللي جابك المستشفى كان شخص غير أمين كان عمل فيكِ إيه، ويمكن كمان كان خاف من المسؤولية وسابك تنزفي لحد ما. توقفت تنفض التفكير السيء. لكن استطردت حديثها: متعرفيش هو مين. تقبلت لوم كاريمان تعلم أن ذلك نابع من قلقها. وهزت رأسها بنفي: لأ... هعرفه منين، أنا مش فاكرة غير مطب ورا المصنع. ماخدتش بالي منه وهو اتسبب في فقد السيطرة على العربية وبعدها مش فاكرة غير شوية غشاوة مش متفسرة.

عالعموم زمان باسل وحاتم عرفوا مين البطل اللي أنقذني وأبقى أقدم له شكر خاص. نظرت لها كاريمان بغضب وكزتها في كتفها بغيظ قائلة: بتتريقي عليا وماله. غصبًا تبسمت درة وهي تتأوه بألم بسبب وجع ضلوع صدرها. خفق قلب كاريمان من ذلك. بينما قالت درة بتطمين: ده وجع بسيط بسبب كدمة يمكن بسبب الدريكسيون خبط في ضلوعي. تنهدت كريمان بقلق واضح وهي تنظر إليها بحنو. ثم قالت بصوت محذر:

الموضوع مش هزار يا درة، انتِ كنتِ بين الحياة والموت، وأنا مش قادرة أتصور لو كان حصل لك حاجة. قاطعتها درة بابتسامة مطمئنة، رغم الألم الذي كان يضغط على صدرها: أنا بخير يا ماما، وعدت على خير. المهم دلوقتي نخرج من هنا ونرجع البيت. رغم أنها حاولت تهدئتها، إلا أن كريمان لم تفوت الحيرة والفضول الذي مر في عينيها. هل كان بسبب حديث الطبيبة؟ أم بسبب ذكر الرجل الذي أنقذها؟ تنهدت كريمان مجددًا وهي تساعدها في ضبط حجابها.

وتحدثت بفضول: أنا عندي فضول أعرف مين البطل ده، مش بس عشان أشكر، مش عارفة ليه قلبي مش مطمئن. تنهدت درة ببساطة قائلة: عادي يا ماما، معرفش إيه سبب قلقك. شخص شاف حد في أزمة وساعده، مجرد مساعدة. ليه مكبرة الموضوع. لكن كريمان لم تقتنع بسهولة. لكن تقبلت ذلك. بينما درة استنشقت قدر الهواء لثوانٍ. تحاول أن تبدو غير مبالية. لكن عقلها لم يستطع الهروب من الفكرة. هل يعقل أن يكون شخصًا تعرفه؟ أم أن والدتها تبالغ كعادتها.

بعد مرور يومين صباحًا بمنزل طوفان. انتهت من ارتداء ثيابها. وترجلت لأسفل. ذهبت نحو تلك الغرفة التي تجلس بها وجدان. دَلفت مُبتسمة حين رأت كوثر تجلس مع والدتها. رحبت بها قائلة: كيفك يا خالتي منورة. نظرت لها كوثر ببسمة مصطنعة سائلة: لابسة كده ليه انتِ خارجة. إبتسمت لها قائلة: أيوه يا خالتي، المحل اللي بشتري منه أدوات الرسم اتصل عليا وقالي إن وصلهم الألوان والفرش اللي كنت طلبتهم منه. قاطعتها كوثر بنبرة اهتمام:

طب ما كنتِ طلبتي منه يوصلهم لهنا بدل ما تروحي بنفسك. ضحكت جود برقة وهي تجلس بجوارها: طب ليه المحل مش بعيد، كمان بس أنا بحب أشوف الألوان بعيني، وأحس بيها قبل ما أشتريها. ده غير إني كنت محتاجة أخرج شوية وأغير جو. من وقت امتحانات الجامعة مخرجتش. هزت كوثر رأسها بتفهم. ثم تأملتها بنظرة متفحصة قبل أن تعلق بمرح يطوي الخبث: بس لبسك شيك أوي، تحسي كأنك رايحة تقابلي حد مش رايحة تشتري ألوان وفرش. ضحكت جود وهي تتظاهر بالاندهاش:

وهو لما أروح أجيب ألوان أبقى لازم أبقى بهدوم البيت؟ يعني لازم أكون مهملة في لبسي. قهقهت كوثر بنزق. ثم قالت بمكر: مش قصدي كده، بس يعني... هو في سبب تاني للخروج غير الألوان. شعرت جود بالخبث من أسئلة كوثر. فقالت: لأ مفيش سبب غير الألوان، أنا كنت جاية أستأذن من ماما. تبسمت لها وجدان بنظرات متفهمة مليئة بالدفء قائلة: خدي العربية بالسواقة معاكِ عشان متتأخريش. إبتسمت جود وغادرت. بينما كوثر راقبت مغادرتها. ثم نظرت لوجدان

بلوم قائلة بنبرة تشكيك: بسهولة كده تسبيها تخرج، إحنا في زمن بنسمع بلاوي. الله أعلم صحيح خارجة بسبب حقيقي. ولا يمكن رايحة تقابل حد تاني. وبتتحجج بالألوان. بنتك مش بنت أي حد، دي أخت "طوفان مهران" والناس بقت نفوسهم طماعة. نظرت لها وجدان باستهوال قائلة: حديثك صح، بس برضك أنا واثقة في جود، مش بتكذب عليا. نظرت لها كوثر ولوت شفتيها بسخط. ثم أدارت دفة الحديث قائلة:

كمان طوفان وعيشته كده في مصر كتير مش خايفة تلوف عليه مصراوية تتميلق جدامه وتشغل عقله وتخطفه ويعيش هناك، وينسي أهله. لازم تكوني ذكية، هو مبقاش صغير، المفروض تشغليه بصبيّة من هنا عشان تضمني إنه يرجع لأهله دايمًا. تنهدت وجدان قائلة: والله فاتحته بالأمر ده، وجالي إنه مشغول الفترة دي. قاطعتها كوثر بتصميم: هو جالك كده وانتِ استسلمتي، يبقى متزعليش بقى لما تلاقيه داخل عليكي بمصراوية ويقولك مرتي.

اسمعي حديثي واشغليه بصبيّة من هنا. تنهدت وجدان بقلق قائلة: يعني أخطب له من وراه وأفرض طوفان موافقش أصغر نفسي قدام الناس. تفوهت كوثر ببساطة: تصغري نفسك ليه، انتِ هتروحي لحد غريب. ضيقت وجدان عينيها باستفهام سائلة: قصدك مين. أجابتها كوثر: بنتِ سجى. نظرت لها وجدان بذهول مرددة: سجى. نظرت لها كوثر قائلة بتأكيد: أيوه سجى بنتي، ولا تلق لملائم. نفضت وجدان الذهول وأجابتها:

سجى مجامها عالي، بس دي صغيرة قوي على طوفان، ده أكبر منها بأكثر من اتناشر سنة كمان. يدوب خلصت الثانوية العامة ولسه قدامها الجامعة. تهكمت كوثر قائلة: وماله ده كلياته مش عيب، اها يشكلها على كيفه، والجامعة مش صعبة تدخل أي كلية نظرية أربع سنين وتتخرج. نظرت لها وجدان بذم قائلة: بس سجى شاطرة في المدرسة وبتجول نفسها تبقى دكتورة، بلاش تهدمي أحلامها، كمان متأكدة إن طوفان مش هيوافق هو بيعتبرها زي جود أخته الصغيرة.

حاولت كوثر التظاهر بعدم التأثر. فردت بصوت هادئ لكنها تحمل نبرة دفاعية: أنا مجلتش حاجة وحشة، بس بنقول اللي شايفينه. طوفان راجل، وسجى بنت صغيرة، بس الأيام بتغير كل حاجة. رفعت وجدان حاجبًا بسخرية، وأجابت بثقة: الأيام بتغير حاجات، بس مش كل حاجة، خصوصًا اللي متأسس على الاحترام والأخوة. قطبت كوثر جبينها قليلاً، لكنها لم تجد ما ترد به. فاكتفت بزفرة صغيرة وهي تلتفت للجهة الأخرى.

بينما تركت وجدان الحوار وهي تشعر بأنها وضعت حدًا لهذا الحديث الذي لم يعجبها من البداية. شعرت كوثر بالحرج لكن أخفت ذلك. بينما شعرت وجدان بالأسف من تفكير كوثر القديم. بأحد المحلات الخاصة بأدوات الرسم والألوان. فرحت جود بتلك المجموعة التي حصلت عليها سواء من الألوان والفرش. كذلك الأوراق الفاخرة التي اختارتها بعناية. كانت تشعر بسعادة غامرة وهي تمرر أصابعها فوق ملمسها الناعم.

وكأنها تلامس أحلامها التي بدأت تأخذ شكلًا ملموسًا. ابتسمت بحماس وهي تضع المشتريات في صندوق ورقي. التفتت إلى البائع قائلة: عندكم ألوان زيتية جديدة؟ سمعت إن فيه درجات جديدة نزلت. أومأ البائع برأسه وأخرج لها علب صغيرة قائلاً: أيوه، دي مجموعة درجات مميزة، وبتناسب كل أنواع القماش والخشب. أخذتها جود بحماس. وتفحصت الألوان بعينين لامعتين قبل أن تقول: دي بالضبط اللي كنت بدور عليها. تبسم لها البائع من لمعة عينيها.

شعر الرسم بالنسبة لها أكثر من مجرد هواية. هو بالفعل ذلك هو وسيلتها للتعبير عن مشاعرها التي لا تستطيع صياغتها بالكلمات. اليوم، وهي تحمل تلك الأدوات الجديدة، شعرت كأنها طفلة وحصلت على هدية ذات قيمة عالية. تبسمت للبائع قائلة: تمام شوف لي حساب المواد دي قد إيه. قال لها قيمة الحساب. فتحت حقيبتها، لكن تفاجأت المبلغ المتبقي معها أقل بكثير. أخرجت تلك البطاقة البنكية قائلة:

للأسف مش معايا المبلغ اللي قلت عليه بس معايا كريدت ممكن تسحب قيمة المشتريات دي. تنهد البائع بآسف قائلاً: للأسف مش بنقبل غير كاش، بس في ماكينة سحب فلوس على أول الشارع تقدري تروحي تسحبي منها وترجعي تدفعي. أومأت له مبتسمة قائلة: تمام مش هتأخر. سارت لبضع دقائق وتوقفت أمام تلك الماكينة الخاصة بسحب النقود. لكن لسوء الحظ كان هناك زحام بعض الشيء. إضطرت للوقوف، حتى اقتربت من الماكينة. لكن دلف أحدهم أمامها وقف.

لحظات قبل أن يتهجم أحد الواقفين بغضب. إضطر ليقول: معلش يا جماعة أنا ضابط في الداخلية ومرتبى كبير هاخده على مراحل بس متقلقوش أكيد الماكنة فيها فلوس هتكفينا كلنا. لم تخفِ جود بسمتها حين التزم ذلك الشخص الذي كاد يتهجم. لكن زفرت نفسها، بسبب الحرارة كذلك الوقت. نظر لها ثم ابتسم قائلاً بمساعدة: هاتي البطاقة بتاعتك أدخلها الماكنة. ببساطة أعطت له تلك البطاقة. بالفعل أدخلها بالماكينة ثم تجنب لها قائلاً:

اتفضلي اكتبي رقمك السري، والمبلغ المطلوب. بالفعل كتبت الرقم السري. لحظات وخرجت النقود. سحب البطاقة وأعطاها لها مبتسمًا. أخذتها منه وغادرت دون النظر للبطاقة. بينما هو تتبعها بعينيه. قبل أن يغضب أحدهم. عاد إلى الماكينة لكن تفاجأ أن البطاقة لا تعمل. أخرجها ليتفاجأ لقد تم تبديل البطاقات. نظر حوله لكن كانت اختفت. خرج من التجمع. ونظر للبطاقة وقرأ الاسم: "جود نوح مهران". سرعان ما اقترب منه أحدهم قائلاً:

حاتم باشا البيه رئيس القسم بيتصل على حضرتك وبيقول أنه موبايلك مقفول. انتبه له قائلاً: أيوه فاصل شحن نسيت أشحنه في البيت دلوقتي أشحنه في العربية. عالعموم احنا راجعين القسم تاني. لحظات وهو بداخل السيارة. عاد ينظر لتلك البطاقة وبداخله حيرة عقل. أهذا صدفة أم قدر. بعد مرور عدة أيام صباحًا. بالكاد تحسنت صحتها. بعد حصار كريمان لها. لكن اليوم قررت الهروب من ذلك الحصار. تهربت بصعوبة وخرجت من المنزل دون شعور منها.

ذهبت تتجول بتلك الأرض الخاصة بهم تشم رائحة الليمون. حتى اقتربت من ذلك النبع الموجود على رأس الأرض. توقفت لحظات. كعادته الصباحية يتجول بجواده. لكن اليوم قرر التجول بين تلك الأشجار حتى وصل إلى ذلك النبع. ترجل من فوق الجواد تركه يشرب المياه من ذلك النبع. ثم أشعل سيجارة نفث دخانها. لكن سرعان ما دهسها أسفل قدمه حين سمع لتلك التي خرجت من خلف إحدى الأشجار قائلة بتهكم: السجاير مضرة بالصحة بالأخص لو كانت على الريق.

نظر نحوها وابتسم باستهزاء وعلى شفتيه ابتسامة استخفاف. قبل أن يرد بنبرة واثقة: أكيد صحتي آخر شيء يهمك. ويمكن بتتمني موتي. ضحكت بسخرية ونبرة لا مبالاة استخفاف من شأنه: لا حياتك تهمني ولا موتك يفرق معايا. انت بالنسبة لي ولا شيء. بس ليا عندك حاجة مهمة وعايزة أستردها. وده كل اللي يهمني. تقبل طريقتها الجافة. ونظر إليها بتتمعن. عيناه تضيقان قبل أن يميل برأسه قليلًا مستفسرًا: وأيه هو الشيء اللي يهمك تسترديه.

عقدت ذراعيها أمام صدرها. ورمته بنظرة متحدية قبل أن تجيبه بتملك: أرضي... قصدي أرض أبويا اللي سبق واشتريتها منه. قهقه بسخرية. متعمدًا استفزازها: ومين قالك إني عرضتها للبيع أساسًا. تقدمت نحوه خطوة. والغضب يشتعل في عينيها. لكنها تماسكت وتحدثت بحزم: من غير ما تعرضها، دي أرض أبويا وأنا عايزة أرجعها تاني. راقبها بصمت للحظات. ثم ابتسم بمكر وهو يميل نحوها قليلًا قائلاً بصوت خافت: ولو رفضت أبيعها. توعدت له دون تردد. وعيناها

تتوهجان بالتحدي قائلة: ساعتها مش هسيبك في حالك. ضحك من نبرة التحدي بصوت خافت. وكأن كلامها لم يكن سوى مزحة عابرة. سائلاً ببرود: وإنتِ ناوية تعملي إيه بالظبط. رفعت ذقنها بعناد. وحدقت في عينيه بثبات قائلة: هخليك تندم إنك رفضت العرض بالتراضي. ضاقت عيناه قليلًا وهو يتأملها. ثم قال بنبرة تسلية: كبيرة أوي على تهديداتك دي، بس خليني أشوف هتعملي إيه غير الكلام. تقدمت خطوة أخرى. حتى صار بينهما مسافة ضئيلة. ثم تفوهت بحدة:

متستهونش بيا يا طوفان، الأرض دي هترجع لي مهما كلفني الأمر. حتى لو اتنازلت عن مبادئي وتربيتي. ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة. وحك ذقنه بأنامله يفكر للحظات. ثم اقترب منها خطوة قائلاً بمكر وتحدي: ممكن أوافق أبيعلك الأرض بس في حالة واحدة بس. نظرت له توهجت عينيها بفضول واستفسار سائلة: وإيه هي الحالة دي بقى. لمعت عيناه بخباثة ومكر كأنه يتلذذ بفضولها قبل أن ينطق بتحدي: تتجوزيني.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...