الفصل 28 | من 48 فصل

رواية طوفان الدرة الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم سعاد محمد

المشاهدات
20
كلمة
2,944
وقت القراءة
15 د
التقدم في الرواية 58%
حجم الخط: 18

رفضت درة تتحمل الوجع إلى أن دلفت كريمان الغرفة بلهفة وقلق تقول: "درة." نظرت لها درة بألم قائلة: "ماما أنا تعبانة أوي." حاولت كريمان أن تبدو متماسكة، اقتربت منها بسرعة وجلست إلى جوارها على الفراش، أمسكت بكفها المرتجف وهمست بحنان: "حاولي تهدي وتاخدي نفس بالراحة... مش قايلة لك على شوية حاجات تعمليها لما تحسي بوجع، ولا إنتِ دايمًا كده مبتفهميش، مش عارفة دخلتي طب عيون إزاي."

رغم استهجان كريمان، درة بحالة لا تستطيع الجدال فعلت مثلما قالت لها كريمان. لم يزل الوجع وعادت تتألم. وقفت كريمان قائلة: "أنا كنت آخدت كورس في التوليد وقت ما كنت بشتغل في المستشفى، يلا يا طوفان، باسل اخرجوا بره وبلاش زحمة في الأوضة، أنا والحجة وجدان وجود والست شكرية هتساعدني." بالفعل خرج طوفان وباسل.

حاولت كريمان التعامل بحذر مع درة، تُخبّئ قلقها خلف توجيهات هادئة وهمسات حنونة، بينما كانت عيناها تراقبان وجه ابنتها الشاحب بقلق. شعرت براحة قليلة حين صدح صوت بكاء الصغير. حملته كريمان بذراعين مرتجفتين، ثم نظرت إلى درة التي شبه غابت عن الوعي إلا من بقايا أنفاس ضعيفة لا تزال تتشبث بالقوة الواهية.

أعطت كريمان الطفل إلى وجدان التي انخلع قلبها لرؤية درة بهذا الحال. ضمّت الطفل إلى صدرها كأنها وجدت كنزًا، بينما كريمان مازال قلبها قلقًا على درة ونفسها الذي ربما عاد قليلًا أفضل عن قبل أثناء الولادة. تنهدت براحة. بعد قليل جاءت الطبيبة بعد أن اتصل عليها طوفان لزيادة الاطمئنان على درة. خرجت الطبيبة من الغرفة تنظر إلى طوفان قائلة:

"الحمد لله حالة درة كويسة والبيبي كمان، هكتب لها على شوية محاليل، كمان الولد يروح بكرة يعمل الفحوصات دي، كشف روتيني مش أكتر لزيادة الاطمئنان، ومرة تانية حمدًا على سلامة المدام." أخذ طوفان الورقة من يد الطبيبة وأعطاها لباسل الذي قال: "خليك إنت هنا وأنا هروح أجيب الأدوية من الصيدلية، قربنا على الفجر ومش هتلاقي صيدلية في البلد فاتحة، هروح أجيبه من البندر." أعطاه طوفان ورقة العلاج بود مبتسمًا يقول:

"أعمل إيه أختك غاوية سهر، حتى في ولادتها تولد آخر الليل." ضحك باسل وأخذ الورقة قائلًا: "معلش ده قدرك وإنت اللي اخترت." ضحكات متبادلة خففت من التوتر السائد.

بعد قليل حمل طوفان صغيره مبتسمًا بشعور لا يوصف، نبته صغيرة من درة التي عشقها وتمناها دائمًا حتى بأصعب أوقات الفراق بينهما كان هناك أمل دائم يخبره أنها لن تكون لغيره حتى لو اضطر لخطفها وإرغامها على إنهاء عقد قرانها من حسام، وكاد يفعل ذلك لولا حادثة مقتل والدها وحسام التي بدلت القدر بشكل آخر. قبل أن تتوغل الذكريات السيئة نفضها همهمات ذلك الصغير، كأنه يقول: "أنا المستقبل." بعد وقت قليل بغرفة جود.

رغم شعورها بالإرهاق بسبب السهر، إلا أن بداخلها مشاعر أخرى تسيطر عليها، لكنها استطاعت كبتها كي لا تفسد فرحة والدتها وطوفان بذلك الصغير. وجعٌ ينهش قلبها، ظنت أنه تلاشى مع مرور الوقت، لكنه عاد يتسلل بين أنفاسها مع بكاء ذاك الصغير. وجع فقدان جنينها، ذاك الذي لم يُكتب له أن يكتمل، ولم يتمسك بالحياة بداخلها كما تمنت.

كم تمنت لو احتضنته كما تحتضن وجدان الآن هذا الملاك، لو سُمح له بالبقاء، لو قاوم الرحيل. لكن لم يُكتب له البقاء. رحل في صمت، دون بكاء، دون أن تمنحها الحياة لحظة واحدة لتلمس دفء نبضه، أو تسمع صرخته الأولى. رغم مرور الوقت، ظنت أنها تجاوزت ذلك الألم، دفنته مع الدموع المكبوتة فوق وسادتها، لكنها الآن تشعر أن شيئًا ما بداخلها قد تمزق من جديد.

لحظات تمر أمام عينيها ووالدتها تحمل ذلك الطفل بعيون تشع فرحًا، وطوفان الذي حمل طفله قبل أن تحمله درة، يبتسم، يهمس للرضيع بكلمات لا تسمعها. تساءلت في صمت موجع: "هل لو ظل كانت اختلفت مشاعري الآن؟ شعرت بوخزة خفيفة أسفل بطنها، لم تكن وجعًا جسديًا، بل ذاكرة تعود بجسدها إليها، تذكرها بالفراغ، بالوحدة التي شعرت بها وقتها. تنهدت، ثم همست لنفسها: "مش وقته... مش وقته أضعف، لازم أفرح لهم... ولو من بعيد." لكن قلبها، رغم كتمانه،

كان يصرخ في صمت: "ابني... كان من حقي أعيش فرحتي بيك... بس انت ما استنيتنيش... اعتدلت في جلستها حين سمعت صوت طرق على باب الغرفة، مسحت دمعة خائنة قبل أن تراها وجدان التي دلفت إلى الغرفة. داخلها تتناقض المشاعر بين فرح من أجل طفل طوفان، وحزن وبؤس من كسرة قلب جود التي مازال قلبها يئن ليس من خسارتها لجنينها، ربما دفنت ذلك الحزن في قلبها وباتت تبتسم، لكن لحظة كفيلة بعودة نفس الشعور بل وأقسى. ارتسمت بسمة مغصوبة على

وجه جود وبصوت شبه محشرج: "ماما أنا قولت هتروحي تنامي، إنتِ مش متعودة عالسهر، واللّيلة كانت طويلة." بغصة قلب اقتربت وجدان من الفراش وهي تتثاءب قائلة: "فعلاً كانت طويلة، ومرهقة، الحمد لله عدت على خير." ابتسمت جود رغم وجع قلبها بنية صافية قائلة: "شرف ابن طوفان، ربنا يبارك له فيه." "آمين." قالتها وجدان وهي تتمدد على الفراش قائلة: "هنام هنا جنبك مش هقدر أقوم أو أتحرك من مكاني."

ضحكت جود، وتمددت جوار وجدان التي جذبتها على صدرها بلا حديث. شعرت جود بدفء حضن والدتها، وكأن قلبها المكسور وجد الضماد. لم تتكلم، فقط أغمضت عينيها وهي تستمع إلى دقات قلب وجدان، تسترجع معها لحظات الطفولة، حين كانت تنام هاربة من الأحزان الصغيرة، غير أن وجع الليلة مختلف، وجع لا يليق بطفلة، ولا حتى بامرأة.

ربتت وجدان على كتفها، ولم ترد، فقط شدتها أكثر، كأنها تحاول لملمة بقايا جود الهشة بصدرها الصامد. وفي الصمت، كانت الطمأنينة الوحيدة هي حضن أم، وراحة يعرفها القلب حتى وهو موجوع. بمرسى مطروح.

رغم إرهاق العمل بهذه المنطقة، لكن أصبحت لياليه جافة، بل قاحلة، مثل هذا المكان البعيد. يشعر بخواء يمتد بداخله كصحراء لا يمر بها أحد، لا صوت فيها سوى صوت أنفاسه المجهدة، ولا ضوء سوى عينيه المرهقتين. كل شيء أصبح رتيبًا بلا روح. الروتين ينهش أيامه، والوحدة تطرق على قلبه بقسوة كل مساء. حتى النجوم، كانت هناك، بعيدة كعادتها، لا طمأنينة ولا حتى وعدًا بغدٍ مختلف. هذا المكان لا يستهلك جسده فقط، بل يسحب من روحه شيئًا فشيئًا. يعلقه بين سماء عالية لا يسمعها، وأرض جرداء لا تحتضنه. يعلم أن المكان ليس السبب في هذا الشعور، فهو سبق وقام بالعمل في أماكن أشد قسوة، لكن كان خالي الفكر والقلب. الآن الاثنان يسيطران عليه.

تنهيدة خرجت من صدره أعقبها لسانه حين نطق باشتياق: "جود." والجواب مفقود. هي أصبحت بعيدة، ليس آلاف الأميال، بل بمسافة وجع لا تُقاس. أصبحت بعيدة كأنها من زمن آخر. المسافات ليست ما يفصله عنها، بل الفقد، والندم. همس باسمها مرة أخرى، كأن نطق اسمها يجعله يشعر براحته الوحيدة، لكن الصدى وحده رد عليه، باردًا، مثل جدران وحدته. "جود... جود... جود."

كررها، هذه المرة أغمض عينيه، يحاول استحضار ملامحها، صوتها، دفء نظراتها حين كانت تناديه باسمه وكأنها تعيد الحياة إلى صدره. هو لا يفتقدها فقط، بل يشعر أن روحه عالقة معها، حيثما كانت. لم يكن خالي القلب كما ظن، بل كان محمّلًا بها، بحكايتها معه التي لم تنتهِ بألم فراقها. كل شيء مضى أصبح يكفّر عنه. بعذاب الفقد، تمنى لو كان ذلك الجنين التي كان برحم جود ظل متمسكًا بالحياة، ربما كان جعل الطريق بينهما ممهدًا للعودة، لكنه رحل. ليت ذلك لم يحدث، ربما كان أصبح رابطًا بينهما، ربما كان الآن أداة وصل. لكن الآن للأسف، كل ما تبقى له ليل قاحل، ونفس ثقيل لا يواسيه فيه أحد.

صباح اليوم التالي. بدأت درة تستعيد وعيها، بعد غفوة إرهاق بعدما وضعت صغيرها التي لم تره إلا لوهلة قبل أن تغيب عن الإدراك بسبب إرهاق الولادة. ملامحها قد عادت قليلًا. تبسمت حين نظرت نحو والدتها التي تجلس جوارها تحمل صغيرها. شعور لا مثيل له مطلقًا ولا وصف غير أن تلك القطعة الصغيرة حياة جديدة لها. ابتسمت كريمان قائلة بمرح: "أخيرًا صحيتي، أنا قولت هتواصلي نوم للضهر. أومال لو كنت والدة قيصري بقى ما كنتيش صحيتي."

ضحكت درة بخفوت، وراحت تمرر يدها برقة على رأس صغيرها، ثم تمتمت بعينين نصف مغمضتين: "معرفش ليه حاسة إني في حلم... بس كل حاجة فيه وجع وجمال مع بعض." ردت كريمان وهي تعدل من وضع الطفل كي تعطيه لدرة، لكن درة خافت أن تحمله بين يديها فيتأذى. كلما حاولت حمله فشلت. تعصبت كريمان قائلة: "عدّلي إيدك وخذي ابنك شيليه، إيه دي كمان صعبة عليكِ." بتردد من درة فعلت مثلما قالت كريمان وحملت صغيرها بحذر شديد. تهكمت عليها كريمان حين قالت:

"ده حجمه صغير أوي يا ماما." تهكمت كريمان قائلة: "السبب سوء التغذية طبعًا ما كنتيش بتاكلي كويس، على العموم بكرة حجمه يكبر." تبسمت درة وهي تنظر لصغيرها قائلة: "حاسة بشعور مش... قاطعتها كريمان قائلة: "ده شعور الأمومة يا ستي... وجع لذيذ، ومشاعر مالهاش اسم... بس على فكرة، أول يومين دول أسهل، استني بقى لما السهر يبتدي رسمي." قهقهت درة رغم تعبها، وقالت: "يعني هنام واقفة زي الخيل." أجابت كريمان بخبث:

"ده لو عرفتي تنامي أصلًا." نظرت درة إلى صغيرها وكأنها تكتشفه لأول مرة، ثم قالت بهمس: "هو شبهي... مش كده؟ رفعت كريمان حاجبيها بدهشة، ثم نظرت للصغير جيدًا قائلة بتأكيد: "لأ، كله باباه طوفان، نسخة منه." نظرت درةتمعن لصغيرها دون اقتناع قائلة: "لأ... ده أحلى من طوفان بكتير."

على تلك الجملة دلفت طوفان بعد أن طرق على باب الغرفة ودخل بعدما سمع سماح كريمان له بالدخول. ضحك من قول درة. اقترب من الفراش وجلس جوار درة، وضع قبلة على جبين صغيره، مبتسمًا لدرة قائلًا: "حمدًا على سلامتك يا أم نوح." للوهلة ظنت أنها قد تعترض على اسم صغيرهما، فهي ووالده لم يكن بينهما ود. لكن تبسمت درة بسمة موافقة، انشرح قلب طوفان لها.

لحظات مرت بمشاغبة طوفان وكريمان عن ملامح الصغير، واعتراض من درة، حتى دلفت باسل يحمل بيده كيس ورقي مبتسمًا يقول: "جبت لك الدوم اللي كنت بتتوحمي عليه... وجيت أشوف وحمة الدومة طلعت فين في جسم أبو دومة ابنك." زجرته درة بغضب قائلة: "متقولش كده على ابني حبيبي... وخلاص مبقاش ليا نفس ليه." ضحك باسل، وكذلك ضحكت كريمان بسخط قائلة باستهزاء: "ابني حبيبي... ابنك اللي مش عارفه تشيله إزاي." نظرت لها درة بغيظ مبررة:

"هو اللي حجمه صغير أشيله إزاي ده." ضحك طوفان أيضًا حين نظر باسل إلى الصغير قائلًا: "الولد شبه طوفان... بس فين وحمة الدومة؟ دا أنا اتسحلت على ما عرفت أجيبها لك وإنتِ حامل، وأهو النهاردة لقيت التاجر اللي كنت جبتها منه قبل كده اتصل عليا وروحت جبت لك كذا واحدة." ضحك طوفان، كذلك كريمان التي تهكمت على درة قائلة: "عشان كده دايمًا كانت تقول سناني بتوجعني، طبعًا من أكل الدوم... تصدق لايق عليها تقول لها يا أم دومة."

ضحك باسل قائلًا: "والله التاجر لما اتصل عليا كنت هقول له دي ولدت، بس خوفت تطلع الوحمة في وشه أو يطلع شبهها." ضحك الجميع، بينما اعترضت درة قائلة: "مفيش وحمة، وبعدين الولد فيه شبه كتير مني." نظر باسل للطفل بتمعن، وكذلك لدرة معترضًا يضحك يؤكد: "هو بس شعره." زفرت درة قائلة باعتراض: "غلطان، وبكرة ملامحه هتظهر أكتر ويوضح هو شبه مين بالظبط."

تنفس طوفان بقوة، نظر نحو درة. رفعت درة وجهها، تلاقت نظراتهما معًا، كأن الزمن توقف للحظة. ثم نظرا إلى الصغير الذي يعبث بيده الصغيرة في الهواء، يهمهم بصوت ضعيف لكن صداه في قلبيهما قوي، فهو الرابط المتين بينهما. بعد مرور أسبوع.

ضج البيت بالحياة من أول النهار. مظاهر سبوع الحفيد كانت طاغية، بين النساء واستقبال وجدان لهن وتلقي المباركات والأماني السعيدة للصغير، منها برياء ومنها ما صدق مشاعره، ومنهم غير مهتم سوى لأخذ الأشياء العينية. باليوم التالي. منزل عزمي. على طاولة الفطور، كانت سامية تشعر بسعادة من مشاركة وليد لهما للعشاء. تفوهت بنزق وهي تنظر إلى عزمي قائلة: "الناس في البلد ملهاش سيرة غير سبوع ابن طوفان، كأنه كان سبع السبوع... مظاهر فارغة."

نظر لها عزمي بسخط قائلًا: "ولما هي في نظرك مظاهر فارغة ليه مضايقة منها؟ نظرت له بغضب قائلة: "مين قالك إني مضايقة، دي مظاهر عادية، ده أقل سبوع في عيلتي بيقعد البلد تتحاكي عليه لحد العيل ما يمشي." تهكم عزمي ساخطًا بصمت. بينما شعر وليد بالغيظ والغضب. تبسمت له سامية قائلة: "الحمد لله قرار نقلك تكمل بقية خدمتك في الجيش هنا في ثكنة قريبة من هنا."

أومأ لها برأسه، بينما بداخله يشعر بحقد يهمس لنفسه بعدما علم من أحد القادة أنه هنالك من بلغ عنه وقام بالتوصية عليه ليدخل إلى الجيش عنوة عنه. لا داعي للتخمين بمن، بالتأكيد ذلك الشخص هو طوفان، أراد إبعاده عن هنا لراحة زوجته، لكن الآن اقتربت عودته لهنا مرة أخرى وسيكون هنالك حضور خاص لعودته. بالأمس كان سبوع ابن أخيها، واليوم هو يوم التخرج لها. بإحدى قاعات الجامعة كان احتفالًا خاصًا بالطلاب.

كانت تمرح وسط زملائها، سعيدة بحضور طوفان السند الداعم لها دائمًا. انتهى الاحتفال، خرج طوفان ينتظرها بالسيارة، بينما هي وقفت مع زملائها لالتقاط صور تذكارية حتى انتهوا من ذلك. خرجت تسير عبر أحد ممرات الجامعة كي تذهب إلى طوفان، لكن أثناء سيرها لعدم انتباهها كادت تتعثر. اختل توازنها وكادت تسقط أرضًا، لولا أن أمسك أحدهم يدها. نظرت نحوه بذهول.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...