في وسط دجى الليل، أناس كثيرون يتواجدون داخل ميناء في السعودية يصعدون على متن باخرة. منهم من أنهى عمرته، ومنهم من يقرر العودة بعد شهور وسنين عمل. أما "صافي"، فقد أنهت عملها بعد أسبوع في أحد المؤتمرات الصحفية.
كانت تقف تنتظر دورها وهي تتأمل هذه الباخرة. كانت باخرة مليئة بالأنوار، بها لمسة من الفخامة والجمال، تكاد تكون مدينة كبيرة متحركة على سطح الماء بسبب ضخامتها. همت بالصعود عندما جاء دورها، وبدأ البشر يتفرقون كخلية من النحل، كل منهم يذهب إلى غرفته.
دخلت "صافي" غرفتها وبدلت ثيابها وجلست على الفراش تفكر بأشياء كثيرة. أمسكت حقيبة ظهرها وأخرجت مفكرة صغيرة تدون بها بعض الملاحظات حتى شعرت بالملل. لمت شعرها، وقفت مفكرتها ووضعتها داخل الحقيبة. ارتدت ثيابها وحجابها وخرجت من الغرفة وهي تأخذ حقيبتها الصغيرة.
توجهت لأعلى طابق بالباخرة عبر ممر كبير حيث يوجد الكثير والكثير من الناس، يستعدون إلى رحلة طويلة. استقرت "صافي" على أحد المقاعد ونظرت إلى النجوم الساطعة المنثورة على السجادة السوداء بسبب عتمة الليل. شعرت وكأن الليل يعانقها بداخله كما يعانق القمر والنجوم. وبدلاً من أن يكون الليل أجمل أوقاتها التي تصفو بها روحها، غطست بأفكارها داخل بحر عميق وظلت تسبح فيه بنات أفكارها، لعل يشفى العقل من سقمه وتعبِه. لكن نيرانها الداخلية لم تهدأ، وكأن أوجاعها من رحم ذكرياتها لها قلب لا ينبض إلا ليلاً.
حاولت الهروب من ذكرياتها وتوجهت لبعض الفتيات تقريبا في سنها. جلست بحوارهن وعرفتهم على نفسها ثم قالت: "أنا كنت في مؤتمر صحفي، انتوا بقى كنتوا بتعملوا ايه هناك؟ ردت عليها واحدة منهم بعدما أطلقت تنهيدة حارة: "أنا بقالي فترة في السعودية كنت بشتغل كابتن في جيم بنات، وأخيراً هرجع بلدي وأشوف أهلي بعد غياب سنتين." وأخرى قالت بفرحة:
"وأنا كنت رايحة أعمل عمرة مع أخويا، يااا إحساس غير أي إحساس أول ما عيني جت على الكعبة، ربنا يكتبها لكل مشتاق." "وأنا كنت متزوجة واحد منه لله، بهدلني في الغربة، وأهو راجعا إيد قدام وإيد ورا." "المهم إنك راجعة بنفسك وصحتك، أي حاجة تاني شكليات، طول ما فيكي النفس هتقدري تعملي كل اللي بتحلمي بيه."
قالتها "صافي" بنبرة أمل نابع من قلبها. وظلوا يتحدثون في جو مليء بالضحك والذكريات، حتى خيم الصمت. استأذنت منهم ونزلت غرفتها، وتمددت على فراشها، وأغلقت عينيها حتى تنال قسطاً من الراحة. فتحت مقلتيها المتعبتين بعد أن شعرت بهزة داخل الباخرة، وفافت على أصوات الاستغاثة، بعد أن سمعت أحد الركاب يقول: "هناك حريق في السفينة."
فتحت باب الغرفة بعدما لبست حجابها، وجدت أشخاصاً يركضون بحركات عشوائية. حاولت فهم أي شيء لكن بدون فائدة، الكل يركض بهلع. أخذت حقيبة ظهرها ووقفت كالبلهاء، لم تعرف ما عليها فعله، ودب داخلها الخوف والقلق بعدما سمعت صوت من الميكروفون: "فيه مشكلة في العبارة، الكل يجي ناحية اليمين."
وبعد ثوانٍ، شاهدت منظراً مفزعاً أيقنت أنها في حالة غرق وخطر كبير حين وجدت نيراناً كثيفة تنبعث من مخزن السفينة. أسرعت إلى أعلى السفينة. بدأ الطاقم يرمي عليهم سترات الإنقاذ. اتسعت مقلتيها وبدأ الخوف يتملكها وانكمشت بمكانها بهلع حتى سمعت: "العبارة هتغرق، الكل يأمن نفسه، البسوا سترات النجاة بسرعة."
وقفت بفزع وهي تبحث بعينيها عن شيء ينقذها بعد أن مالت السفينة وبدأت في الغرق. لم تجد شيئاً سوى طوق نجاة مرمي أرضاً واثنين يتشاجرون عليه. أمسكت به وركضت وهي تلبس حقيبة ظهرها الصغيرة. ثم لبسته حول خصرها ووقفت على سور الباخرة. ولثوانٍ، نظرت لظلمة البحر الذي أصبح كالمرآة التي تعكس ما بداخلها من كثرة تلاطم الأمواج بعضها ببعض. وقبل أن تتراجع، أمسكت بيدها نفس الفتيات وشجعوها على القفز. وبالفعل، ألقوا بأنفسهم من ارتفاع عمارة مكونة من ثمانية طوابق.
لم تشعر "صافي" بارتطام جسدها النحيل داخل البحر، لكنها شعرت بأنشودة محببة إلى نفسها افتقدت صفاءها منذ سنين. وسار جسدها يسبح فوق مياه البحار الهائجة كالورقة، وكان البحر يشبه حياتها بكل ما فيها من تقلبات. أما باقي الفتيات، فتمسكن بيد بعضهن بقوة في وسط أمواج البحر التي تتحرك كطفل غاضب يريد أن يركض في كل اتجاه.
برغم اشتداد الرياح، وهطول زخات المطر بغزارة، كان أهالي الركاب الذين يسكنون بالقرب من البحر الأحمر يقفون على ميناء البحر الأحمر بعدما انتشر خبر غرق العبارة بسرعة البرق. وأصبح الميناء مليئاً بعويل وغضب ذوي الضحايا. واحتشد مئات الرجال المصريين عند مدخل الميناء، ينتظرون أنباء عن أقاربهم. وصاح شخص قائلاً بغضب: "هو ليه مافيش حد بيطمنا؟ وقال آخر: "إحنا عايزين عيالنا حتى لو جثث."
وكان يقف شاب ثلاثيني اسمه "عمر" مع فتاة اسمها "هند" في بداية العشرين، واضعة رأسها على كتفه وهي تجهش بالبكاء. حاول تهدئتها وهو يطمئنها: "إن شاء الله ربنا هينجيها وهترجع، بالله عليكِ كفاية وارحمي نفسك، أنا مش حمل أفتقدك انتي كمان." "أختي يا عمر، هي كل ما ليا، خلاص كده مش هشوفها تاني." "ليه بتقولي كده يا هند؟ وأنا رحت فين؟ اهدي بس وإن شاء الله خير، ادعي ربنا ينجيها."
ظلت تبكي بحرقة وتدعو الله من قلبها، وندمت على عنادها معها وعلى كل شيء فعلته معها. جلس الأقارب يبكون ويتبادلون المواساة في الشارع قرب مكبرات الصوت التي كانت تعلن من خلالها أسماء الناجين.
وفي ذات الوقت، كان الكثير والكثير يستمع عبر الشاشات التواصل، ويستدفئون بموقد نار أو مدفأة كهربائية، لكن جميعهم اجتمعوا بالدعاء لينجيهم الله. رغم البرد القارس الذي يقتحم أجساد مئات الناس الذين ينتظرون كلمة نجاة لمن يخصهم، لم يشعروا بالبرد ولم يهابوا قوة الأمواج التي تغزو رمال الشاطئ التي تتقدم فيه لأطول مسافة.
وبعد وقت في ظلمة البحر، تفرقت الفتيات عن بعضهن لبعض. منهم من مات، ومنهم من فقد الوعي، ومنهم حاول التمسك بالحياة لآخر لحظة. بدأ بزوغ الفجر يشق السماء، ومن بعده ظهرت أشعة الشمس الذهبية وهدأت الرياح وسكنت الأمواج كالطفل الوديع. وأصبح الماء في البحر أزرق صافياً يحاكي زرقة السماء وصفاء البلور. وكانت "صافي" ما زالت تطفو فوق المياه فاقدة الوعي، وأصبح كل من الضحايا على حدى بعيداً عن الآخر، منهم من يتمسك بطوق نجاة، ومنهم من يرتدي سترة النجاة.
كان رجل وامرأة في منتصف الخمسين لهما رأي آخر. لم ينتظروا مع باقي الناس بعد علمهم بغرق العبارة. استقلوا سفينة صغيرة خاصة بهم وتحركوا في المياه وظلوا ساعات يبحثون بأعينهم حتى رأوا من تتأرجح فوق المياه. وقفت المرأة تهلل وتشير عليها بفرحة: "بنتي بنتي." ثم نظرت إلى زوجها بسعادة غامرة: "بنتي أهي يا صلاح."
ذهل الزوج ولم يصدق عينه، فكان حقاً يوجد قرش صغير يحوم حول الفتاة. صرخت الأم وكادت أن ترمي بنفسها حتى تنقذها. فلا شيء أوجع من فقدان غالي، فشعورها بفراق ابنتها مؤلم حد الموت. فنزولها مع القرش أرحم من أن تبقى بدون كلمة حانية منها أو لمسة يدها التي تربت عليها بعد نهار طويل. أمسكها زوجها بقلب ينبض كالطبول من رعبه على الفتاة، لكنه عليه التصرف بحكمة. أمر من يعمل على سفينته بجلب بندقية، لكن الزوجة صرخت
من قلبها وقالت بقهر ودموع: "انت هتقف تتفرج عليها لحد ما ياكلها القرش؟ وسع، سيبني أنقذ أنا بنتي بروحي وطلعها هي." ضمها الزوج حتى تهدأ بقلب يتمزق وقال بنبرة هامسة: "اهدي بالله عليكِ، انتي عارفة إنك النفس بالنسبة ليا، أوعي تجيبي سيرة الموت تاني، صدقيني هطلعها. القرش طول ما هي ثابتة مش واخد باله منها، هنبعده من غير أي ضرر ليها."
كانت سفينة أخرى تبع القوات الحكومية اقتربت من نفس المكان وأمرهم القبطان أن يبعدوا وهم سيسيطرون على الموقف. رفض الزوج وأخبره أنه يعرف جيداً كيف يتعامل مع القرش. ساعدوا بعضهم وكل منهم يرمي سهمه على القرش حتى فر هارباً عندما شعر بالخطر. ولم ينتظر الزوج، وقفز وخلفه اثنان. ومن السفينة الثانية قفز منها المنقذ المسؤول حتى أنقذوها. وقبل أن يسحبوها على سفينة القوات الحكومية، صرخت بهم الأم بقلب ينفطر بصوت باكي مبحوح:
"هاتي بنتي يا صلاح، هاتلي بنتي." وبالفعل، رفعها صلاح على متن سفينته. كانت الأم قلبها ينبض يكاد يخرج من مكانه من سرعة خفقاته وجسدها يرتعش. مدت يدها تقبلها بلهفة وتقول: "براحة عليها، حطوها بشويش." وعندما وضعوها على أرض اللنش، كان دكتور تبع السفينة الحكومية يكشف عليها. بصَّرتها والدتها، وجدت ملامحها باهتة وجسدها مثلج وشفاها زرقاء. صرخت من قلبها وهي تبكي بحرقة وهي تتمسك بمن يتفحصها: "طمني عليها، هي فيها الروح صح؟
رد عليا، طمني على بنتي." ثم صرخت بقهر: "يعني بعد العمر ده كله يوم ما أوصل لكِ تكوني بالحال ده." قامت من الأرض وهي تتشبث بيد زوجها: "انقذها يا صلاح، اتصرف... خد روحي مش خسارة فيها، المهم هي تعيش، بالله عليك يا صلاح، أنا أموت لو هي حصلها حاجة، بدل ما نموت إحنا الاتنين، خليها هي وأنا اللي أموت."
كانت كلمتها بمثابة غرفة مظلمة باردة وهو عاري الجسد ويُجلد من جلاده الذي يتلذذ بجلد ضحيته. أبكى من قلبه وهو يأخذها بحضنه حتى تشعر بأوجاعه ويرحمه من جلدها حتى لو دقائق. دفنت برأسها داخل صدره وظلت شهقاتها تمزق قلبه. وقف الطبيب وقال بعملية: "هي الحمد لله فيها نبض، بس خفيف جداً، لازم يتعلق لها أكسجين لحد ما توصل المستشفى." وأمر من يعمل معه بنقلها على السفينة الأخرى. بعدت يسرا عن صلاح كمن لدغتها عقرب سمها سريع،
وقالت وهي تتشبث بابنتها: "محدش هياخد بنتي مني، اوعوا، سيبوها، مستحيل أفرط فيها تاني، اوعوا."
مال "صلاح" حتى يفهمها، لكنها أبت ورفضت حتى أن تسمعه، وظلت تحتضنها كالمجنونة. رق قلب الطبيب ونظر للقبطان، فأمر القبطان أن يتركوها ويجلبوا معدات الأكسجين وينتظروا الطبيب معها. أدخلوها غرفة صغيرة في اللنش، وقامت الزوجة بخلع ملابس ابنتها وألبستها ثياباً كانت معها ووضعت غطاء ثقيلاً عليها ليدفئها. ثم دخل الطبيب وعمل لها كل ما تحتاجه. كانت "يسرا" جالسة بجوارها تقبلها وتربت عليها وتمسك يدها تدفئها لها، و"صلاح" جالس أسفل قدمها يربت عليها بحنان.
كان أهالي الركاب في المحافظات الأخرى وصلوا وأصبحت الميناء أكثر تكدساً وازدحاماً، في الوقت الذي تواصل فيه فرق الإنقاذ والطوافات والسفن والطائرات عملها. تبقى عيون ذوي الركاب تنظر إلى كل شخص قاموا بإنقاذه، يترقبوا شعاع أمل يحمل لهم أنباء رغم مرارته، حتى لو بالعثور على جثث ذويهم. والناجون لم يفيقوا بعد من هول الصدمة الكبيرة التي قد تعيش معهم سنين طويلة، حتى الأيام تعجز عن محو هذه الذكرى الأليمة بعد أن فقدوا الأهل والأحبة، وأصبحت الفاجعة تفعل فعلها أمام أعينهم بموت أسرهم أمام أعينهم وهم لا حول لهم ولا قوة. تم إنقاذ المئات من البشر وتعود الابتسامة إلى ذويهم بعد أن كتب لهم أعمار جديدة.
أما "هند"، كانت كالمجنونة تركض وتقع على الأرض وتنهض من جديد تركض يميناً ويساراً مع إنقاذ كل شخص جديد، حتى قالوا: "تم العثور على جثث سيدات."
ترجلت بخوف لمكان الجثث، كانت أوصالها مرتعشة تختبئ خلف زوج أختها من هول المنظر. فكانت جثث كثيرة متمددة أرضاً، بأجساد باليحة من كثرة تواجدهم داخل المياه وبأوجه باهتة زرقاء خالية من الدم، وبعض الجثث نقرها الأسماك، وأجسادهم منتفخة. دعت الله من قلبها ألا تكون أختها من ضمنهم. كان "عمر" يساندها وهو يحتاج من يسنده على فقدانه زوجته. برغم كل الخلافات بينهما، كان لا يتمنى لها كل ما حدث حتى بأحلامه. كان يبصر كل جثة برهبة داخلية ويدعو الله أن يصبر ذويهم.
شعر بدوخة وسخونة داخل جسده، مسك بيد هند وبعد عن الجثث وظل يتقيأ حتى أن فقد توازنه وجلس أرضاً يستغفر ربه. جلست هند بجواره وهي تبكي بنار لا مثيل لها.
عندما وصل قارب "صلاح" على البر، حملوها وذهبوا بها لأقرب مشفى. ظلت يومين ابنتهم فقدت الوعي، وكانت الأم برغم سنها أصبحت كالفراشة وهي تخدم ابنتها بحب نابع من قلبها حتى أن حركت أهدابها الفتاة وظلت تربش حتى فتحت عينيها بتعب. لاحظت والدتها، ضمتها بفرحة. أمسكت الفتاة برأسها وهي دائخة. دخل "صلاح" على صوت يسرا، لكنها لم تتعرف عليهما. كانت ترمقهما وهي تنتفض. ربت عليها "صلاح" وقبل أن يبلغها ببنت شفة، قالت "يسرا"
بحنان وهي تحتضنها: "أنا ماما يا قلبي، معقول مش عارفة أمك." بصَّرتها وهي تهز رأسها بالنفي وصدمة وصوت فازع: "أنا مش فاكرة حاجة خالص، أنا فين وأنتم مين؟ وهو إيه اللي حصل؟ وأنا فين؟!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!