بصرتها وهي تهز رأسها بنفي وصدمة وصوت فازع: -أنا مش فاكرة حاجة خالص. أنا فين وأنتم مين؟ وإيه اللي حصل؟ وأنا فين؟ ثم تمسكت برأسها من شدة الصداع: -أنا مين... طيب أنتوا مين؟ لم تجد أحدًا منهما يجيبها، الكل يرمقها بصدمة، فقالت بعصبية: -أنا ليه هنا؟ أخذتها الأم داخل حضنها وجعلتها تتمدد حتى تستريح، وأبلغتها بعطف: -اهدي يا تولاي، المهم أنك فوقتي. أي حاجة بعد كده سهلة. بكت تولاي وهي ترمقهما: -أنا مش فاكرة حاجة خالص خالص.
-ارتاحي يا قلب أمك وأنا هفكرك بكل حاجة. خرج حكيم من الغرفة وذهب للطبيب المعالج: -دكتور بنتي فاقت بس بتقول مش فاكرة حاجة خالص. وقف الطبيب واستعد للذهاب لغرفتها: -دي حاجة متوقعة بسبب اللي اتعرضت ليه. حكيم: -يعني فيه أمل الذاكرة ترجع؟ -قادر اللي نجدها من البحر يرجع لها ذكرتها. استغفر ربه صلاح ودخلا سويا الغرفة، كشف عليها الطبيب وأعطاها حقنة مهدئة وطمنهم على صحتها وخرج.
وضعت تولاي رأسها على الوسادة وأغمضت عينيها وهي ما زالت ترتعش. قبلتها يسرا على جبينها، وابتعدت قليلا، أمسكت بيد صلاح بقوة وهي تدمع بفرح وعلى شفتيها ابتسامة تظهر جمالها: -أنا مش مصدقة كابوس فقدان بنتي انتهى. بنتي معايا أهي يا صلاح وفيها الروح. ياااااه أخيرًا بعد غياب سنتين ترجع لي... كويس أنك اقتنعت بكلامي ونزلنا بنفسنا ندور عليها. اشتد صلاح بعناقها وهو يربت عليها:
-الحمد لله أنها رجعت، ورجعت لكِ الضحكة من جديد. ممكن تأكلي بقى؟ أومأت برأسها وعلى ثغرها ابتسامة وخرجوا من الغرفة وهم يمشون بخطى هامسة فوق الأرض حتى لا يزعجوها. ***
وبعد مرور ساعات، وجدت هند فتاة تم إنقاذها للتو محملة على سرير الإسعاف. ركضت نحوها وهي تدعو الله من قلبها أن تكون أختها. أمسكت بيد الرجال أوقفتهم ثم رمقت الفتاة النائمة. كانت ملامحها باهتة. دقت النظر بها أكثر وفي داخلها أمل، لكن تبخر سريعًا عندما لم تكن أختها. دق قلبها بحرقة وهي تهز رأسها بنفي. بدأ رجال الإسعاف بالرحيل، لكن ترجتهم أن تكلمها. سمح لها وهو يبلغها: -بعد إذنك يا أستاذة الحالة محتاجة إنقاذ.
رفعت الفتاة يدها اليسرى مشيرة لهم أن يتركوها. توقف الرجال واقتربت هند أكثر منها وهي ترفع أمام أعين الفتاة هاتفها بصورة أختها تسألها بضعف: -تعرفي أختي؟ شوفتيها؟ بلعت الفتاة ريقها وهي تحاول فتح عينيها وردت بأسنان تتراطم ببعضها من شدة البرد: -إحنا كنا أربعة. واحدة أول ما نزلت البحر ماتت والتانية... بكت من هول ما رأته وبدأ جسدها ينتفض بقوة:
-أكلها القرش قدام عيني. ومن الخوف التالتة اللي كانت معايا تقريبًا اغمى عليها وسابت إيدي والموج فرقنا. جلبت لها صورة تالية أوضح. أبصرتها الفتاة جيدًا وتأكدت أنها هي التي فارقت الحياة بمجرد لمس جسدها الماء، لكنها نفت أنها كانت معهم حتى لا تحرق قلبها على فراقها. وبدأت تسأل بهلع وهي تنظر يمينًا ويسارًا عن أخيها الذي كان معها في العمرة. بدأ رجال الإسعاف بالتحرك حتى لا تسوء حالتها الصحية أكثر.
وقفت هند ووضعت يدها على صدرها تدعو الله من قلبها أن ينجدها من ظلمة البحار. اقترب منها عمر الذي كان يبحث في كشف الناجين عن اسم زوجته بوجه يعكس ما بداخله من ألم وحزن. وبعد يومين، أعلنت السلطات أنهم قد أنقذوا كل من كان له نفس في البحر وأخرجوا كل الجثث التي عثروا عليها طافية على وجه الماء. صرخت هند بقهر على فقدان أختها للأبد، وظلت تركض تترجى كل من يكون مسؤولًا بالنزول مرة ثانية يبحثون عن أختها، لكن كان الرد:
-للأسف أي جثة في البحر طلعت. لطمت هند على وجهها، وقال عمر بتساؤل: -ومراتي فين؟ رد عليه بأسف وهو يستعد للرحيل: -ممكن تكون أكلتها الأسماك. صرخت هند ووقعت أرضًا، فأخذها زوج أختها وذهب بها إلى المشفى العام بالغردقة. كان كل العاملين مشغولين بحالات الغرق، فوضعها على سرير وركض يبحث عن طبيب. أبلغته الممرضة يبحث عن دكتور رامي. تركها واستعد للبحث عنه. خبط وهو يتحرك بـ صلاح قال معتذرًا منه:
-متأسف جدًا، بعد إذنك تعرف مكان دكتور رامي؟ ربت عليه صلاح بعطف: -ولا يهمك يابني ربنا يصبرنا كلنا على المصيبة اللي حصلت. كان لسه طالع من عند بنتي. عمر استغفر ربه وهو يمسح وجهه: -أنا مش عارف أعمل إيه. فقدت مراتي، وأختها فاقدة الوعي جوه مكنش ليها حد غيرها. يارب صبرني يارب. -اهدا يابني ربنا ليه حكمة في كل شيء. احمد ربك. -محمود والله يا حج.
قال جملته ورحل حتى وجد الدكتور وذهب معه. وكان نبضها ودقات قلبها سريعة، فأبلغه أنها عندها انهيار عصبي. أعطاها حقنة مهدئة وتركه. أخذها عمر وتوجه على بلده السويس. عندما وصلا كانت في استقبالهما جارتهم. حزنت جدًا على ما حدث لصافي وأخذتها معها إلى بيتها، وهو توجه إلى شقته. رمى مفتاحه وجلس على أقرب مقعد متذكرًا كل شيء. كم كان قاسيًا معها لا يلبي لها طلبًا. كم كانت رومانسية بأفعالها وهو كان لا يفرق معه. تحملت من أجله الكثير والكثير وهو كان يرمي كل أعباء الحياة عليها.
*** -تولاي حبيبتي إنتي حاسة بحاجة؟ قالتها يسرا وهي تطعمها بعدما كانت تتفحصها تولاي بنظرتها التائهة. أومأت تولاي برأسها أنها بخير ومسكت يدها تأخذ منها الأمان وهي تضع رأسها على قدم والدتها.
وبعدما اطمأنت على تولاي، سمح لهم الطبيب بالخروج، فأخذا ابنتهما وذهبا لفيلتهما بالغردقة. سعدت جدًا من هدوء البلد وجمال وتناسق الألوان داخل الفيلا. دخلت غرفتها وهي تمرر عينيها على كل إنش بالغرفة. لم تهاجمها أية ذكريات بداخلها. جلست على الفراش، فتحت كتابًا عن علوم البحار، كان موضوعًا على المكتب. ثم أغلقت بعد قراءة بعض الصفحات وخرجت لوالديها طلبت منهم يعرفونها على نفسها. فتحت والدتها حضنها لها وبدأت تقص عليها مغامراتهم
على الجبال ومتعتها بصيد العقارب. وحبها للسباحة وعلى إصرارها أن تعمل غواصة. وبالفعل كانت تعمل على لنش والدها بعدما أخذت محاضرات عملي ونظري وحصلت على ثلاث نجوم. كانت مستمتعة جدًا من حديثهما وكانت تحب أن تسمعهما باستمرار حتى أن شعرت أن كل ما يقصونه ليس غريبًا عنها بالفعل.
*** -يا ريان قوم بقى حرام عليك، نفسي تشيل المسؤولية وتريح قلبي. هذا كان صوت إيمان التي تبلغ من العمر ٥٠ عامًا في تمام الساعة الخامسة عصرًا. كانت توقظ ابنها بتعب من عدم مبالاته لأي شيء. فهو شخص خالٍ من الذوق والمسؤولية. قام من نومه بنعاس يكمل حديثها اليومي: -هتفضل طول عمرك كده سهر للصبح ونوم للمغرب. حرام عليك اشتغل بقى عشان تظبط مواعيد نومك... -طيب بلاها شغل...
قطعها وهو يرفع الغطاء من عليه ويقوم بطوله الفارع. كان نصفه الأعلى عاريًا يظهر جسده الرياضي. يردد كلامها المحفوظ: -حرام عليك عايزة أفرح بيك وأشوف لك عيل. جزت إيمان على أسنانها وهي تمشي خلفه: -أنت برضو... أجابها على سؤالها قبل أن تسأله كمن يسكن عقلها: -آه أنا برضو نايم من غير هدوم ومش هلبس...
قلتلك ميت مرة مش بحب أنام بهدوم، أنا بتخنق بسرعة مش بستحمل أي حاجة تفضل معايا ساعة. وحضرتك تقوليلي أتجوز، عايزاني في الصباحية أرميها لك من البلكونة وأدخل السجن... ردّي هترتاحي أبقى رد سجون؟ تأففت من تصرفاته الهوجائية: -ماشي يا ريان. دخل ريان المرحاض وهو يفك رابطة شعره وقبل أن يغلق الباب: -كده خلصنا درس اللي بفتح عيني عليه كل يوم. أغمضت عينيها بغيظ من غلظته وقالت وهو يغلق الباب ويفتح صنبور المياه:
-جارنا الأستاذ صلاح ومدام يسرا بنتهم رجعت من السعودية. وقفت تنتظر رده حتى أنهى دشّه سريعًا وأغلق المياه ولف على خصره منشفة وخرج يصفق لها: -ده بقى الجديد. هما كان عندهم بنت أصلًا؟ إيمان دخلت وراءه غرفته وهي تقول بحزن: -آه قبل ما يجوا يسكنوا هنا من سنتين بنتهم سافرت السعودية تشتغل هناك وأخيرًا رجعت، بس كانت في العبارة اللي غرقت. -تؤ تؤ تؤ لا حول ولا قوة إلا بالله. وكمان فقر يوم ما قررت ترجع العبارة كلها غرقت.
قال جملته وهو يهز رأسه يمينًا ويسارًا ووضع يديه على بعضهم يمثل الحزن. ضربته والدته على صدره العاري: -احترم نفسك وحس بالناس اللي حواليك إنت مش عايش لوحدك. أزاحها جانبًا وهو يدخل غرفة ملابسه يغلق خلفه الباب الزجاجي ليرتدي ثيابه وأبلغها: -الله يخليكي فكك مني، انجزي وهاتي من الآخر إنتى عايزة إيه من الفرح اللي نصبتهولي ده كله. -تيجي معايا نسلم على البنت. فتح ريان باب الغرفة وهو يصفف شعره الذي ما زال مبتل وضحك:
-اممممم، وماله، فكرة حلوة برضو... يلا بالأذن. -هتروح فين؟ وقف وهو يرفع يده قليلًا وظل يحركهما بالهواء بحركات عشوائية يبلغها ما تريد تقوله: -روح يا ريان وقابل أصحابك الصيع... يارب وقعهم في بعض وكل واحد يروح لحال سبيله. رمت عليه وسادة من غيظها منه. لف سريعًا أمسكها وهو يقول: -كده المخدة اللي بتستحملني في كل أوقاتي تهينيها بالشكل ده. -امشي من وشاااااي. قالها بصوت مايع جعلها تصرخ وهي تتركه وترحل قبل أن تجلط المسكينة.
ظل يضحك المشاكس، ثم نزل يركض صعد سيارته الاسبور. أبصر نفسه في صوته المنعكسة في المرآة ولم شعره الطويل بإحكام. ثم مد يده يفتح التابلو ويخرج منه علكة وضعها داخل فمه بعدما رفع صوت المسجل وانطلق سريعًا متوجهًا إلى الصالة الرياضية. دخل وضع شنطته في دولابه الخاص، ثم توجه إلى أحد الأجهزة الرياضية حتى أتت إليه فتاة ممشوقة القوام رياضية تعمل بالصالة: -نورت يا كابتن ريان. أجابها من غير اهتمام وهو يمسك كبل
بين كفيه ويحركهما بقوة: -شكرًا. ابتسمت بملامح بها دلع وأردفت بعدما فكرت في أي حديث: -بقالك كام يوم مبتجيش. ترك ريان ما يفعله وحمل أوزان ثقيلة وهو يرمقها باستغراب وقال باستهجان وهو يتفحصها جيدًا: -سوري نسيت أبلغك، أوعى تكوني سجلتيني غياب؟ أنهى جملته وتركها خلفه تتصبب العرق بإحراج كمن أكلت فلفل حار، واحترقت في آخر حلقها ولم يكن هناك ما يمكنها فعله لإزالته. وما عليها إلا أن تعاني منه، حتى تهدأ من ما أصابها.
اقترب منه شاب أبيض البشرة عينه خضراء متوسط الطول يبتسم له، واحتضنه حتى لا يلفت انتباه أحد وهمس بأذنه: -أبو تقل دمك، مالك ومال الحريم يا عدو الطف الكائنات. ضحك ريان بصوت مرتفع والتف بيده حول عنق صديقه: -وأنا مالي ومالها يا زينهم مش شايفها لازقة فيا إزاي كل ما آجي لاب لاب لاب، وأنا أساسًا بستحمل رغي أمي بالعافية، إنما دي مالها ومالي؟ -اعتبرها زي البنات اللي تعرفهم.
ألقى ريان عليه وزنًا خفيفًا تلتقطه زين بيده متأكدًا مهما قال لم يقنعه بعضهما إطلاقًا: -دي واحدة عايزة مهاتيه وخروج وسهر وهداية ولف وصرمحة، وأنا قلبي الضعيف ميستحملش. وغمز له بحركة هوجائية: -بحب اللي تجيب من الأخر. -يا جامد يا بتاع الأخر أنت. -آمال، هو أنا لسه هأتي عشان أوصل لك لكلمة للنهاية. تدخلت صديقتها رنا وهي تسحبها من يدها قائلة بحدة: -ممكن بقى يا نور تسيبك منه وتركزي في شغلك.
أومأت برأسها وزفرت أنفاسها وأكملت عملها وهي تتمنى أن توصل إلى قلبه. *** شعر عمر بلوعة خاصة لم يشعر بها من قبل؛ أصبح فراقها يكوي قلبه بنار تعذبه على كل شيء فعله من قبل. ندم كثيرًا، لكن بماذا يفيد الندم الآن، فاق على الحقيقة المرة أنها فارقت الحياة بأكملها ولن تعود مهما ندم، لكن عليه إرضاء روحها بأنه يهتم بكل شيء كانت تهتم به. نهض ينظر على كل شيء يخصها: حوض سمكها الذي أصبح ملئ بالرواسب، قطتها التي تشعر بفقدانها...
أختها... أفاق من تفكيره سريعا متذكرًا أهم شيء أختها؟ أين هي أختها التي كانت تعتبرها ابنتها؟ ضرب رأسه بقوة، فهو تركها عند جارته عندما وطئت قدمه المنزل. توجه سريعًا إلى باب الشقة ليبدأ بها، وطرق على باب جارته التي تسكن أمام بيته بخفة. فتحت على الفور بملامح حزينة على حال الجالسة معها. بدأ هو بالحديث بصوت ضعيف: -مساء الخير... ممكن أتكلم مع هند؟ فتحت الباب على آخره مشيرة بيدها بالدخول:
-آه طبعًا اتفضل، دي يا حبة عيني ولا بتنام ولا بتاكل. ربنا يصبركم يارب. ثواني هدخل أديها خبر. دخل عمر عدة خطوات باستحياء وهو يقول: -اتفضلي. دخلت لها تبلغها بأن زوج أختها بالخارج ينتظرها. تبدلت خطوط الحزن بملامحها بشعاع أمل: -فيه جديد صح... لقوها؟
هزت الجارة رأسها بنفي وأسف، جعلتها تبكي بكاء هستيري، يقطع نياط القلوب. حاولت تهدئتها بشتى الحيل، لكنها استمرت في النحيب، فمسحت لها عبراتها وأبلغتها أنه سيدخل لها. أومأت برأسها. ربتت عليها جارتها قبل أن تغادر الغرفة وسمحت له بالدخول لها. هم بالدخول وجدها تجلس على الأريكة في استكانة وضعف. كانت نظراتها شاخصة إلى الفراغ، وملامح وجهها تشيع بالحزن العميق، وكانت تهمس بصوت شبه مسموع، في مناجاة يائسة: -صافي ممتتش...
هي قالت عمرها ماهتسبني... قالت أنها هتحميني من كل العالم... قالت مش هتتخلى عني... هي فين دلوقتي من وعدها، سابتني ليييه؟ اقترب منها عمر على مهل وكلما اقترب من الأريكة الجالسة عليها تبطئ قدمه. لم يعرف ماذا يقول وما عليه فعله. استغفر ربه ودعا أن يلهمه الصواب. جلس على الكرسي القريب منها وانحنى إلى الأمام وهمس بنبرة بها حنان:
-اسمعيني يا هند، صافي شهيدة، يعني حية ترزق عند الله. هي فازت بكل شيء يتمناه كل مسلم. هي في مكان أحسن من هنا. بلاش تزعلي عشان هي شايفاكي ومش هتكون مبسوطة وإنتِ كده. حاولي تخرجي من اللي انتِ فيه عشان هي تكون مرتاحة. مسحت هند دموعها وهي تأخذ أنفاسها. وضع عمر يده على كف يدها الصغيرة وساعدها على النهوض: -يلا يا هند نروح البيت. -مش هقدر أدخله وصافي مش فيه.
-اجمدي يا هند ده قضاء الله، يلا يا حبيبتي وراكِ كتير، كفاية الوقت اللي راح. نهضت من مكانها بضعف، شكر عمر جارته كثيرًا وتوجها إلى بيته. وحين لمست قدم هند أعتاب المنزل تركت عبراتها تسيل على وجنتها، حتى تطفئ حرارة حسرتها. مد يده على كتفها شجعها على الدخول وهو يربت عليها بعطف وقال: -هند عايزك قوية. إنتِ هتفضلي هنا لحد ما تطلعي عروسة على بيت جوزك، سمعة.
أومأت برأسها وهي تقف بجوار مصلاها. توقفت عن البكاء فجأة ومسحت دموعها بظهر كفها، متذكرة موقفًا جمعها بـ صافي حين أهدتها بها من فترة. سألته ذاتها كيف سهت عن ذلك. توجهت في اتجاه المرحاض توضأت وصّلت وهي تدعو الله أن يلهمها الصبر. وبعد أن انتهت اقترب منها عمر بحماس: -ياريت ترجعي تذاكري تاني وتلحقي اللي فاتك، وأنا جنبك دايما في أي وقت هتحتاجيني هتلاقيني.
شكرته كثيرًا ثم توجهت لغرفتها تستعد للمذاكرة. جلست على مقعدها أمام مكتبها الخشبي ترتب ما عليها أن تفعله في ذهنها وهي تتحسس كتابًا موضوعًا أمامها وحين لامس كفها جسمًا صلبًا حشر بين صفحات الكتاب، سرت في جسدها قشعريرة باردة وهي تخرجه بيد مرتعشة. فكان قلم!
القلم الذي أهداتها إياه صافي حين نجحت بالثانوية. لا تتذكر أنها وضعته بين طيات الكتاب، لكنها سعدت بوجود قطعة من ذكرياتها. أصرت على ملازمتها عنوة رغم محاولة الفرار من أحزانها، تأثرت وأجهشت بالبكاء، وتأكدت أنها لم تستطع الهروب من الحقيقة أبدًا، وعليها أن تتأقلم مع الواقع حتى تمضي الأيام.
قامت أغلقت الضوء المشغل واقتربت من فراشها وهي تأخذ نفسًا عميقًا. ثم تحرك بؤبؤ عينيها على الكومود. ابتسمت ومدت يدها تأخذ هاتفها. رمقته بحزن، فهي لم تسمع صوت رنينه من وقت فراق أختها الحياة. شعرت بيأس وإحباط لكن سريعًا تذكرت سيف صديقها وحبيبها. دق قلبها بلهفة وفتحت شاشة الهاتف وسريعًا بحثت على رقمه وضغطت على زر الاتصال وهي تبتسم. انتظرت حتى انتهى صوت الرنين، لكن بدون فائدة. تركت هاتفها وأغلقت جفونها تركه لنفسها السباحة والغوص في أحلامها.
*** في الساعة العاشرة مساءً قالت يسرا لابنتها: -إنتِ صحتك الحمد لله بقت أحسن. -الحمد لله يا ماما ده بفضلكم بعد ربنا. ابتسمت لها وهي تعرض عليها تنزل معهما صباحًا تركض كما كانت تفعل من قبل، فقالت تولاي: -على الساعة كام. -على خمسة ونص. -اوكي، هروح أوضتي أقرأ شوية تصبحوا على خير. قالت جملتها قبل أن تتوجه لغرفتها. ابتسم لها والداها وقالا: -وانتي من أهل الجنة. ***
في ملهى ليلي أضاءة زاهية الألوان وأصوات مكبر الصوت تصدح بكل أنش بصوت مرتفع. وكان ريان وأصدقائه يسهرون مع بنات يشربون ويرقصون، حتى أن اقتربت من ريان فتاة ترتدي فستان أحمر يثير كل الحاضرين وحجاب بيج وتضع مسحيق الجمال تخفي ملامحها من كثرتها وقالت بغنج: -هاي. عض على شفتيه بقوة وأغمض عينيه ثم قال بقرف: -بقولك إيه يا حلوة أوعي تكوني فاكرة نفسك ذكية.
عقدت ما بين حاجبيها مستغربة ما يقوله، وأشارت بيدها أن يوضح أكثر. هز رأسه ووضع يده داخل جيب بنطاله وهو يبلغها: -انتي عارفة كويس إن مش بعرف البنت غير ليلة واحدة. تحمحمت بحرج وادعت عدم معرفته: -أنا أول مرة أشوفك هعرف من فين اللي بتقوله. انفرجت شفتيه وهو يتطلعها وأخبرها بتهكم: -آه، طيب بصي أنا احترمت ذكائك يوم الساحل لما دخلتي بدور المطلقة وأكلتها بمزاجي مع أن دي كانت تاني مقابلة ما بينا بس عدتها تدري ليش...
عشان حاولت تغيري من نفسك... والمرة التالتة برضو عدتها عشان كنتي عاملة استيل وشم وحركات غريبة. إنما يغرك شيطانك إني معرفتكيش يبقى لسه معرفتنيش. بربشت بعينيها وقالت بتلعثم: -هو انت عرفت؟ -شوفتي؟ وعدتها بس التالتة ثابتة وخلاص قرفت منك، وإيه جو الفستان اللي هيفرقع عليكي بالحجاب. امشي امشي كاتك القرف.
فهو شخص دائمًا يهوى العرض الحصري فقط ومن ثم يضع حبلًا يفصل بينه وبين أولئك حتى لا يمكنهم الوصول إلى الحبل المخملي بداخله، لمعرفة مشاعره. ظلوا جميعهم يرقصون حتى أن أتى الفجر برائحة الرمال النادية وصوت الهواء والأشجار يعزفون سنفونية. تركهم ريان متوجهًا إلى سيارته حتى يذهب ل فيلته وهو يتطوح من كثرة شربه الكحل. *** استيقظت يسرا بنشاط صبية صغيرة وعلى الفور دخلت غرفة ابنتها فتحت النافذة وقالت: -يلا يا تولاي. ردت عليها
بكسل وهي تتمسك بغطائها: -يا ماما سيبيني أنام شوية. -يا روحي قومي الساعة خمسة، قومي يلا خدي دش عشان ننزل. قالت بتعجب بعيون ناعسة: -ننزل فين يا ماما الفجر؟ -مش قولتي هتنزلي معانا نجري. -الفجر. -آه. قامت جلست على فراشها وهي تتثاءب: -أنا قلتلك ماشي. -آه. -يقطعني كنت بفتكرك بتتكلمي على المغرب. قالتها بمسكنة حتى تصعب عليها، لكن يسرا ضحكت وهي تحمسها: -قومي وبطلي كسل. -بالله عليكي سيبيني أنام. -أبدا يلا.
قامت دخلت المرحاض ورفعت كمها وتوضأت وهي نائمة على نفسها وعند غسل قدميها أفاقت وهي تستغرب ما تفعله، وقالت لنفسها: أكيد أنا متعودة على الصلاة وعقلي الباطل اشتغل لوحده. خرجت صلّت فرضها ولبست ثيابًا تساعدها على الركض وخرجوا ثلاثتهم وظلت تركض جانب والدتها حتى أن أسرعت وبعدت قليلًا عنهم. نادت يسرا عليها، التفتت تولاي بجسدها وهي ترد: -هجري شوية وهرجع. ظلت تركض وهي تأخذ الهواء النقي تملأ ريقتها به ثم تخرجه بهدوء من فمها.
شعرت أنها بعدت كثيرًا عن مسكنها نزلت من على الرصيف تعبر الطريق حتى ترجع من الناحية الثانية. لكنها لم تأخذ بالها من العربة التي كانت تسير في نفس الوقت. حاول السائق أن ينبهها بآلات التنبيه وهو يفرمل، لكنها لم تسمعه بسبب السماعات الكبيرة الموضوعة فوق رأسها تغطي أذنها بالكامل. وعندما اقتربت منها السيارة التفتت تولاي بمقابلتها ووقعت على الأرض فاقدة الوعي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!