بعتمة الليل بمطار القاهرة الدولي.. هرول باسم خارج الطيارة الخاصة، وصعد لأحد السيارات التي أرسلها ماهر له. أخرج هاتفه سريعاً يحدث أسر ولكن لا يأتيه الرد، ليحدث السائق بغضب: "أسر رجع القاهرة ولا لسه؟ السائق باحترام: "أسر باشا لسه في الساحل هو والهانم سيدتك." عاود محاولة الاتصال بـ أسر والقلق يستحوذ عليه بالكامل.
كان أسر ساقطاً أرضاً بمنتصف الفيلا، قميصه الأبيض مليء بالكامل بدمائه، لا يشعر بأي شيء من حوله فقط مغلق الأعين وبالكاد يتنفس. فتح عيناه بتعب وهو يشعر بيد ناعمة تسير علي وجنته، كانت الرؤية مشوشة أمامه. سمع صوتها الناعم، نعم إنها هي، توليب.. توليب تناديه. وضحت الرؤية، ليجد توليب قريبة منه للغاية وتنظر لعيناه بابتسامة صافية وعيناها الخضراء تلتمع بالدموع. "أخيراً فتحت عينيك." أسر بتعب وعدم تصديق: "توليب، انتي كويسة؟
"لا.. أنا مش كويسة." حاول أسر النهوض لكن لم يستطع، لتقول توليب بابتسامة وهي تتلمس الجرح: "براحة.. أنت تعبان، طلع تليفونك واطلب حد يساعدك." أسر بتعب: "مش قادر يا توليب." "معلش حاول، عشان أنا ماشية." أسر بين الوعي ولا وعي: "رايحة فين؟ "معرفش بس أنت تعرف." أنهت حديثها واختفت من أمامه. فتح عيناه على وسعهما وهو يقول بصراخ: "توووليب! شعر بهاتفه يهتز بجيب بنطاله، ليمد يده بتعب وأخرجه، وجدها باسم. ليفتح الهاتف وهو يلهث بتعب.
باسم سريعاً: "أسر، أنت فين.. أنت في خطر أنت وتوليب، فهد الألفي طلع في مصر وجايب عصابة معاه عشان يخطفوا توليب." أسر بتعب: "آه، باسم... الحق توليب بسرعة، واطلب الإسعاف خليهم يجولي... أنا مصاب." باسم بلهفة: "طب فين الحرس، أنت مش مأمن الفيلا؟ أسر بتعلثم وتعب: "واضح إن... إن الكل اتصاب... الحق توليب يا باسم.. الحق توليب." أنهى حديثه ومن شدة ألمه أُغشي عليه. ^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^
هبط من السيارة مع والده، كان وجهه متهجماً فهو لا يصدق أن والده سيتزوج بعد موت والدته. سار والده لداخل الفيلا دون أن يعيره أي اهتمام. ظل هو واقفاً محله، ينظر للفيلا وللحديقة بملل بضيق. وقعت عيناه على مشتل صغير بجانب الفيلا. سار لذلك المشتل يستكشفه. تصنم مكانه وهو يرى أمامه ملاك!!
فتاة صغيرة جالسة بأحد الزوايا تبكي بشدة ونشيجها يملأ المشتل، وتحتضن إصيص وردة حمراء بينما هي ترتدي نفس اللون على شكل سلوبت قصيرة تظهر لونها الخمري المميز وشعرها البني ينسدل على الأرضية بسلاسة كالشلال. بينما ارتجف قلبه وهو يرى عيناها الواسعة الخضراء. وردة جالسة تحمل وردة أخرى، اقترب منها بلهفة وكأنه يعلم من تكون وكأنها ملاكه القادم من السماء. كانت توليب جالسة تبكي باشتياق لوالدها الذي لم يكمل، أربع أشهر متوفي.
جثى على ركبتيه بجانبها لتشهق هي بفزع، وضع يده على كتفها، لتنفض يده سريعاً وحاولت النهوض لكن هو أمسكها من معصمها بعنف جعلها تجلس مكانها. "أنتِ بتعيطي ليه يا ملاكي؟ قالها فهد بلهفة وذهول وهو يتأمل جمالها الفتاك. تحدثت توليب بزعر: "أنت مين، ابعد عني." فهد بذهول: "صوتك حلو أوي، أنتِ اسمك إيه؟
نظرت له توليب بخوف، فهيبته مخيفة للغاية بالنسبة لطفلة بعمرها، يرتدي ملابس سوداء جينز، وعيناه الزرقاء حادة للغاية وتطالعها بتركيز شديد. توليب: "أنت مجنون بقولك سيبني." تركته وهربت لداخل الفيلا تبحث عن والدتها. لتفتح عيناها على وسعهما وهي ترى ذلك الرجل الذي يقبل والدتها. شهقت بصوت عالٍ، لتبتعد جيلان عن عادل سريعاً تنظر لابنتها الصغيرة بارتباك. اقتربت منها وهي تقول بغضب: "بنت انتِ إزاي تقفي هنا بالشكل ده؟
كانت توليب صامتة تناظر والدتها وعادل بعدم فهم وتساؤل بنفس الوقت. اقترب عادل بابتسامة مصطنعة، وجهه على ركبته أمام توليب ومشط على ظهرها وهو يقول: "معلش يا جيلان هي صغيرة ومش فاهمة إن كده عيب." كان يربت على ظهرها بعنف وعيناه بهم نظرة مخيفة ميزتها هي سريعاً، لكن والدتها لم تلاحظها. دلف فهد بنفس الوقت بلهفة يبحث عن تلك الصغيرة، ليرا والده يربت على ظهرها. اقترب سريعاً منها، وأزال يد والده بعنف وجذب توليب من معصمها لجانبه.
تحدثت جيلان بذهول: "إيه ده، أنت مين؟ عادل بتوضيح: "ده ابني فهد يا جيلان، اللي كان عايش في ألمانيا مع أمه." نظر فهد لوالده بغضب. تجاهله عادل. تحدثت توليب بفزع: "ماما.. خليه يسيب إيدي عشان وجعتني." وقبل أن تنطق جيلان، كان فهد جالساً على ركبتيه أمام توليب وهو يقول بتملك شديد ونظرات حادة: "مطلبيش حاجة من حد طول ما أنا هنا، فاهمة؟ انتفضت توليب أثر صوته، لتبدأ في البكاء. اقتربت جيلان من ابنتها وبغضب أردفت
وهي تبعد يد فهد عن توليب: "أنت إزاي تكلم بنتي بالشكل ده؟ أنت اتجننت؟ زاد غضب فهد وهو يرى جيلان تضع توليب خلف ظهرها، وتوليب تتمسك بملابس أمها بخوف شديد. عادل بارتباك: "فيه إيه يا جيلان، ده فهد بيهزر، مش كده يا فهد!؟ نظر فهد لجيلان بغضب، ما لبث حتى ابتسم لها باتساع وهو يقول: "طبعاً بهزر مع حضرتك، ومع أختي الجديدة." خرجت توليب من خلف أمها وهي تقول بذهول: "أختك الجديدة؟ جثت جيلان من ابنتها وهي تقول بسعادة:
"أيوة يا تولي.. أخوكي، أنا وجيلان عادل هنتجوز كمان كام يوم ولحد الفرح هيقعدوا معانا هنا." نظرت توليب لعادل وفهد وقلبها ينبض بفزع وجسدها يرتجف، لتجد فهد ينظر لها بتركيز وعيناه تأكلها أكلاً بينما عادل يناظرها بخبث وابتسامة مصطنعة. وهنا بدأت اللعنة الحقيقية، عندما عاش فهد مع توليب.. وبدأ يمارس جنونه وهوسه عليها.
يعاقبها ويؤلمها عندما تفعل شيئاً غير الذي أراده، فهو يراها ملكية خاصة به منذ أن وقعت عيناه عليها، ليقرر في نفسه ما إن تكبر توليب وتكون بالـ 18 سيتزوجها، وحتى هذا الوقت لن يتركها أبداً وسيكون مثل ظلها. ثلاثة أشهر جعلوا تلك الصغيرة تصاب فيهم باكتئاب حاد وتلعثم بالحديث ودرجة من الخوف لا يستوعبها عقل. ليبعث لها الله منقذاً ينتشلها بعيداً عن كل هذا الخراب.
ليثير هذا جنون فهد، وبكل ما يحمل من جنون حاول قتل والده الذي أرسلها لماهر. حاول قتله هو وجيلان، وبصعوبة شديدة أنقذ عادل نفسه وجيلان من غضب ابنه، ليرسله بعدها لأحد المصحات خارج البلاد ظناً منه أنه هكذا ينقذ ابنه ولكن لا يعلم أن فهد وصل لتلك المرحلة من الهوس بـ توليب ولن ينساها أبداً مهما أبعدوه عنها. ^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^ استيقظت صبا على صوت أذان الفجر.
هبت من فوق الفراش، ثم ذهبت للمرحاض وتوضأت وأخذت تؤدي فريضتها. ما إن انتهت حتى وجدت باب الغرفة يفتح بهدوء، وبالهفة هبت واقفة ظناً منها أنه باسم. لكن خاب أملها وهي ترى إسعاد بوجهها البشوش تدلف للغرفة. تقدمت إسعاد من صبا وربتت على ظهرها بحنان قائلة: "خلصتي صلاة يا بنتي؟ أومأت صبا وبهدوء قالت: "الحمد لله." إسعاد: "طب تعالي عايزة أتكلم معاكي في كلمتين كده، على ما بكر يرجع من الجامع."
جلست إسعاد على حافة الفراش، وجذبت صبا بجانبها. عادت تربت على ظهرها بحنان وابتسامة بشوشة، لتبتسم لها صبا بارتباك. إسعاد بهدوء: "طب إيه بقي هتفضلي على الحال ده كتير؟ نظرت صبا لـ إسعاد بخجل شديد وأخذت تفرك يديها وتحدثت قائلة: "أنا عارفة إني قاعدة عندكم بقالي أسبوع، بس والله أنتي عارفة اللي حصل وعارفة إن... بلعت تلك الغصة سريعاً، وأكملت: "إن بابا حالف عليا مدخلش البيت إلا مع باسم." ردت إسعاد بعتاب:
"أخص عليكي يا صبا، دا أنتي منوراني ومأنساني وبعدين ده بيت جوزك يعني بيتك، تقعدي فيه زي ما انتي عايزة، أنا بتكلم على حالك ده يا بنتي." صبا بابتسامة حزينة: "ماله حالي؟ إسعاد بحنان: "أقصد حزنك ده وعياطك على طول، ده يا حبيبت عيني دمعتك مبتنشفش حتى وإنتي نايمة بتعيطي، وكمان مبتأكليش خالص.. أنتي عايزة باسم لما يرجع يقولي انتي مجموعة البت ياما." انهارت دموعها ببطء وهي تقول بصوت مرتعش:
"هو ييجي بس وهاخليه يعاتبني أنا.. بس يرجع." أنهت حديثها وأجهشت في البكاء، أخذتها إسعاد سريعاً بأحضانها وهي تربت على ظهرها بحنان شديد جداً: "بس بس متعيطيش يا بنتي، اهدي عشان خاطري." ابتعدت صبا عنها قليلاً، وتحدثت بنشيج وبكاء: "شفتي بابا عمل معايا إيه، ده مسمعش حتى.. ضربني وكان هيموتني لولاكم، قالي أفضل قاعدة في الشارع لحد ما جوزك يرجع ويسامحك."
تألم قلب إسعاد على تلك الصغيرة، تتذكر كيف أتى عوني لمنزلهم بعد ذهاب باسم، وجذب صبا من حجابها وأخذ يهوي على وجهها بالصفعات، وأخيراً كاد يخنقها لولا تدخل بكر السريع. تتذكر كيف وقف زوجها الوقور ضرباً بعصاه أرضاً وهو يقول بثبات: "صبا بنتنا وأمانة باسم، ومش هتخرج من البيت ده إلا لما باسم يرجع." فكرت قليلاً، إن لم يكن بكر قال هذا الحديث، هل كان عوني سيترك ابنته الصغيرة بالشارع حقاً إلى أن يأتي وحيدها؟
هل هناك أحد بتلك القسوة على أولاده حقاً؟ فاقت من شرودها، ونظرت لصبا وهي تقول بابتسامة بشوشة: "هيرجع هيرجع متخفيش، هو باسم كده لما بيبقى مدايق بيحب يبقى لوحده." ثم أكملت حديثها لتطمئنها: "متخفيش، بكرة ولا بعده هتلاقيه هنا، فبلاش دموع وزعل." صبا بخفوت: "تفتكري هيسامحني لما يرجع؟ تنهدت إسعاد وبرزانة تحدثت:
"بصي يا بنتي، خليكي عارفة إن الرجالة بالذات مبسمحوش بسرعة وخصوصاً في مواضيع زي دي، أنا عارفة إنك معملتيش حاجة وواثقة في أخلاقك، وكمان باسم عارف كده، بس برضه هو راجل صعيدي ودمه حامي ده غير إنه بيحبك أوي.. فديله وقته وهو هيسامحك في الآخر متخفيش.. وكمان باسم قلبه طيب." ابتسمت صبا بامتنان لتلك المرأة الطيبة: "أنا بجد مش عارفة أقولك إيه." إسعاد:
"متقوليش حاجة، كفاية حزن بس وكل حاجة هتبقى كويسة، يلا بقى تعالي افطري معايا أنا وبكر." نهضت وأخذت يدها ولكن تحدثت صبا بارتباك: "لا معلش.. أنا عايزة أنام شوية." فهمت إسعاد، فصبا تتجنب مقابلة بكر فهي لا تعلم إن كان غاضب منها أم لا، ولكن هي في الحالتين لا تستطيع مواجهتها. إسعاد بتفهم: "ماشي يا بنتي، تصبحي على خير، ولما تصحي ابقي كلي براحتك."
ذهبت إسعاد وأغلقت الباب خلفها، نهضت صبا ونزعت الإسدال الذي ترتديه، ليظهر جسدها الأنثوي الصغير، وهي ترتدي تلك الكنزة السوداء الخاصة به. فما بها أن تفعل غير أن ترتدي ملابسه حتى تخفف عن قلبها المشتاق والملتاع عشقاً. وقفت أمام المرآة، تطالع تلك العلامات التي مازالت على رقبتها أثر خنق والدها لها. أغلقت عيناها بقوة تكبح دموعها، وتبتلع تلك الغصة بصمت. ^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^ "ها يا إسعاد عملتي إيه، اتكلمتي معاها؟
جلست إسعاد على حافة الفراش بجانبه، تنهدت بحزن قائلة: "البت حبيبت عيني عليها، حالها يصعب على الكافر يا بكر، ابنك قسى عليها أوي، مكنش لازم يعمل كده ويسيبها ويمشي." تنهد بكر: "معلش هي الدنيا كده لازم تحطهم في اختبارات." إسعاد: "بس يا بكر البت صغيرة، وباسم غلطان كان لازم يعمل حساب كده، أكيد البنت خافت تتكلم، ومميزتش إذا كان لازم تقول ولا لأ." بكر:
"بصي أنا مأغلط الاتنين، باسم كان لازم يبقى هادي عن كده ويقدر إنها صغيرة، ويميز إزاي يتعامل معاها، وكمان مغلطها، كان لازم تحكيله مكنش هيعمل كل ده وكنش شالها الغلط." إسعاد: "طب يا بكر هنعمل إيه دلوقتي، الواد مشي ومنعرفش هو فين، والبت بتموت نفسها." بكر: "بصي باسم بكرة أو بعده بالكتير هيبقى هنا، أنا كلمته وهو قالي." إسعاد بلهفة: "يعني هو راجع يا بكر؟ بكر بابتسامة:
"أيوا يا ستي راجع، بس أنا عايزك متقوليش حاجة لصبا، خليها مفاجأة." إسعاد: "طب ما أقولها عشان أطمنها، ومتخفيش هحلفها تعمل نفسها متفاجأة." قهقه بكر عليها، ثم نظر لها قائلاً: "بيقولوا إنك كبرتي يا إسعاد بس عقلك لسه صغير." قوست إسعاد فمها بعبوس: "إني عقلي صغير يا بكر، ربنا يسامحك." اقترب منها بكر للغاية حتى التصق بها، وقال بحنان وعشق:
"بس قلبك كبير أوي يا إسعاد، وطيب أوي أبيض زي البفتة البيضة كده، بتشيلي هم الكل فوق قلبك، عشان كده أنا بحبك أوي." نظرت له إسعاد بعينين دامعتين بسعادة، ها هو كالعادة ينهل عليها بكلماته الطيبة والجميلة للغاية، ما يجعلها تعود فتاة صغيرة. تحدث بكر بخبث قائلاً: "بقولك إيه، ما تسيبك من العيال النكدية دي وتعالي أحطلك القطرة." ابتسمت له بخجل ووجنتيها السمراء اشتعلتا بالحمرة: "بكر اتلم، أنت عمرك ما هتكبر." بكر بهيام:
"هو أنا أقدر أكبر طول ما أنتي في قلبي يا إسعاد." ^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^ بخمول وتعب شديد فتحت توليب عيناها، أخذت قليل من الوقت حتى استطاعت الإفاقة بشكل كامل، فهي تشعر بثقل شديد برأسها. أغمضت عيناها لثوانٍ، لترا أمامها أسر يسقط أرضاً وصدره مليء بالدماء. فتحت عيناها واعتدلت بزعر وقلبها يكاد يتوقف، نظرت حولها بذهول لتجد نفسها بغرفة كبيرة للغاية جدرانها جميعها تحتوي على صورها.
ذات نبض قلبها فزعاً وانهمرت دموعها وهي تحرك رأسها بعدم تصديق وهي تتذكر آخر شيء رأته قبل أن تسقط مغشياً عليها بجانب أسر. "فهد." ما إن نطق عقلها باسمه حتى وجدت باب الغرفة يفتح على مصرعيه وفهد يشرف عليها بجسده الضخم المخيف، وعيناه الزرقاء مسلطة عليها. تلقائياً تكورت على نفسها وبدأت في تحريك رأسها برفض: "لا لا مستحيل أن يكون هو." تقدم فهد منها بلهفة لتزيد هي من تكورها على نفسها. فهد بلهفة وتعلثم:
"تو.. توليب.. أنتي صحيتي يا روحي." اقترب منها أكثر تحت ذهولها وصمتها وصدرها يعلو ويهبط فزعاً، ما إن لامس قدمها حتى أطلقت توليب صرخة دموية تشنجت أحبالها الصوتية على أثرها. توليب بهذيان وصراخ: "لا لا لا... آااسرررر... آااسرررر... لا لا ابعد عني... آااسرررر الحقني." ظلت تصرخ بشدة، ليبتعد عنها فهد سريعاً وأخذ ينادي عليها ليجعلها تهدأ ولكن ظلت توليب تصرخ بشدة والزعر مسيطر عليها بالكامل. توليب بزعر: "ابعددد عني...
ابعددد... يا أسر، فين أسر.. يااا أسر." استشاط فهد غضباً من منادتها لـ أسر، ليقول بصوت عالٍ قريب لصراخها: "آااسرر مااات." صمتت توليب ونظرت له بصدمة، لا تستوعب تلك الكلمات، ماذا!!! بماذا يهذي هذا المجنون، مستحيل أسر لم يمت.. مغمغم قلبها لم يمت بالتأكيد. أتت أمامه هيئته وهو ساقط أرضاً والدماء تملأ ملابسه. رفعت عيناها التي تنهمر منها الدموع دون توقف، تناظر فهد الذي تحدث بحنان ونظرات مريضة:
"مت.. متعيطيش يا تولي.. متعيطيش يا روحي.. متخافيش أنا هنا معاكي." ظلت توليب تنظر له بصمت، دون خوف دون أي شيء، هي حتى لا تشعر بنفسها مظهر أسر ثابت أمام عيناها، لا تقوى على فعل أي شيء من شدة ألم قلبها الذي لا يستوعب أن أسر قد مات. اقترب منها فهد وجلس على حافة الفراش وهو يناظرها بابتسامة مجنونة. تحدث بسعادة كالطفل الصغير: "تولي، مالك يا روحي... أنا عارف إنك مصدومة لما شوفتيني قدامك، مفاجأة مش كده." لم تجيبه أيضاً،
ليكمل بسعادة غامرة: "أنا.. أنا ظبطت كل حاجة يا روحي وكمان كام ساعة هنبقى في ألمانيا سوا.. بعيد عن أي حد عايز يفرقنا عن بعض." أخرج من جيب بنطاله خاتم ماس كبيرة وضع أمام أعين توليب وقال بلهفة: "شوفتي جبتلك إيه عشان جوازنا." نظرت له توليب وبخفوت وبكاء قالت: "بس أنا متجوزة؟ نهض فهد و بغضب هدر بها:
"لا انتي مش متجوزة، انتي دلوقتي أرملة، والجوازة دي انتي كنتي مجبورة عليها إنما دلوقتي هتتجوزيني بمزاجك عشان انتي بتحبيني أنا." لا تعلم من أين لها تلك الجرأة، ولكنها قالت بصوت متحشرج: "لا أنا متجوزة، وجوزي عايش وأنا بحبه هو بس وعمري ما حبيت غيره." جن جنونه ليذهب لها سريعاً جاذبها من خصلاتها، أغمضت توليب عيناها بألم ولكن ليس بخوف.. فقط الألم يستحوذ على قلبها وجسدها الآن. جثت على ركبتيها، ليتفرس فهد وجهها الفاتن
وهو يقول بجنون وتملك: "لا لا.. انتي.. انتي بتاعتي أنا يا توليب.. بتاعتي أنا." "وهما.. هما سرقوكي مني أنا." فتحت خضرتيها تنظر لعيناه الزرقاء التي تحولت للون الأحمر، كم، كرهته وكم كان هو عذاب حياتها وطفولتها. سلط فهد عيناه على شفتيها الشهية، آه كم تمنى تقبيلها، اقترب برأسه منها قاصداً تقبيلها، فهمت توليب ماذا سيفعل. وبدون ذرة تفكير واحدة وقبل أن يلمسها وجد فهد صفعة قوية تهوي على وجنته.
رفع رأسه ينظر لتوليب بشر، ليجدها تنظر له بتحدٍ ولاول مرة بحياته يرى تلك النظرة بعينيها. وقبل أن يفعل أي شيء.. ضربته توليب بقوة بركبتها في معدته، ليبتعد فهد بألم. نهضت توليب سريعاً، وذهبت باتجاه الباب المفتوح على مصراعيه. وجدت نفسها بمنزل خشبي كبير والأبواب جميعها مغلقة، ركضت للباب الكبير حاولت فتحه لكن كان موصد بإحكام. خرج فهد بغضب خلفها، وهو ينادي عليها بأعلى صوت لديه.
نظرت توليب حولها وصدرها يعلو ويهبط، وعقلها يعمل سريعاً، يجب عليها أن تهرب من هنا... أبداً لن تكون لهذا المسخ.. إما أن تكون لـ أسر.. أو الموت!! وقعت عيناها على الطاولة الخشبية الموضوع عليها مسدس. لم تفكر مرتين وركضت تأخذ هذا السلاح من فوق الطاولة، نظرت لفهد بكره شديد. نظر فهد لها بخوف وهو يقول: "توليب.. أنتي بتعملي إيه.. ارمي السلاح ده حالا." وضعت توليب فوهة السلاح فوق قلبها، لتقول بانهيار شديد:
"ابعد عني.. لو قربت مني هقتل نفسي.. بقولك ابعد." عاد فهد خطوتين للوراء خائفاً عليها للغاية، تحدث بمهاودة: "طب اهدي.. اهدي يا روحي وبلاش تأذي نفسك..". تحدثت توليب بصراخ: "فين المفتاح بتاع الباب؟ فهد بهدوء: "توليب.. اهدي يا روحي مالك في إيه، أنا فهد حبيبك." صرخت توليب بجنون: "حبيبي إيه يا مجنون أنت، أنا بكرهك، عارف يعني إيه بكرهك، أنت أكتر شخص بكرهه في الدنيا دي."
نظر لها فهد بقلب مكسور وبدأ في البكاء مثل الأطفال، لينظر لها ويقول ببكاء شديد: "بس أنا بحبك، والله بحبك أوي.. أنتي بتاعتي يا توليب... بتاعتي أنا وبس." نظرت له توليب وبغضب قالت: "بقولك هات المفتاح لأما هقتل نفسي." نظر لها بلهفة: "لا.. لا.. متعمليش كده يا توليب." أخرج المفتاح من جيب بنطاله، واقترب منها بحرص، لتزيد توليب من قرب المسدس على قلبها. انتشلت المفتاح من يد فهد وقالت بتهديد: "لو خرجت ورايا، هقتل نفسي يا فهد."
أغمض عينيه مستمتعاً بنطقها باسمه، نظر لها بعينين باكيتين، ليقول بضعف: "أنتي ليه عايزة تمشي.. أنا بحبك لا لا أنا مهووس بيكي يا توليب." لم تجبه توليب بل فتحت ذلك الباب وهمت بالخروج، لكن، صرخت بفزع وهي تجد فهد ضمها من الخلف سريعاً، سارقاً المسدس من بين يديها. عاد سريعاً للداخل وهي بين ذراعيه، أسقطها أرضاً بعنف. نظرت له توليب بفزع من نظراته التي تحولت لنظرات متوحشة. فهد بغضب حارق:
"عايزة تسبيني يا توليب، ده الموت أسهل لك." صرخت توليب بأعلى صوتها: "حد يلحقني، ياا أسر الحقني." فهد بجنون: "بااااس بطلي تنادي عليه، أسر مااات يا توليب مااات." هزت توليب رأسها بالرفض: "لا.. أسر عايش وهايجي ينقذني منك يا حيوان." أثارت جنونه، لم يشعر بنفسه وهو ينزع التيشيرت الخاص به، نظرت توليب له بفزع وعينين جاحظة وهي ترى جسده العملاق موشوم باسمها بالكامل. هادت للخلف زاحفة وهي تقول بفزع وهي تراه يتقدم منها:
"أنت هتعمل إيه، ابعد عني.. ابعد عني." يجذبها فهد من قدمها إليه، ليرتفع جزء من فستانها حاولت أن تداريه لكن قبض هو على يديها بيد واحدة. نظر لها وبجنون قال: "توليب، أنا بعشقك.. أنتي لازم تعرفي كده كويس." كاد يقترب منها لتغلق هي عيناها سريعاً وهي تبكي بحرقة شديدة. ولكن وجدت باب الكوخ يفتح بعنف، نظرت هي وفهد للشخص الذي دلف لتجد أمامها عادل، ذلك الرجل الذي لم تراه لسنوات طويلة.
لم تشعر بأي شيء سوى بدوار قوي يضرب رأسها وعتمة أُغشت على عيناها لتسقط فاقدة الوعي. ^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^ أسر.. رجل عنيف قاسٍ وبارد القلب، امرأة واحدة فقط من جعلت قلبه يلين وجعلته يهيم بها عشقاً، تلك الزهرة النادرة ذات اللون الأحمر والرائحة الخلابة. توليب.. تلك الوردة ذات الشفاه الكرزية والأعين بلون غابات الزيتون، من تخاف من ظلها. عشقها رغم كرهه للضعفاء، وقع أسيراً لها رغم مقاومته الواهية.
ها هو الآن ساقطاً في سبات عميق وأحلامه عبارة عن تلك الجميلة تقف تسقي أزهارها وتعتني بهم جيداً بابتسامة مشرقة جذابة للغاية. بألم شديد فتح عيناه وهو ينطق اسمها بخفوت: "توليب." كان باسم وماهر يقفان مع الطبيب الذي سيُجري لـ أسر العملية، استمع ماهر لهمسه وحيداً ليلتفت إليه سريعاً.. ليجده يحاول فتح عيناه. اقترب منه بلهفة مردفاً: "أسر.. ابني."
فتح أسر عيناه بصعوبة وهو يشعر بألم يفتك بصدره، وجد ماهر أمامه ثم بجواره باسم والاثنين ينظرون إليه بلهفة. تحدث بخفوت: "فين.. توليب؟ تحدث ماهر بلهفة: "متخافش يا حبيبي، مصر كلها بتدور على توليب دلوقتي وفي أقل من 24 ساعة هتبقى في حضنك." تحدث باسم: "متخافش يا أسر، توليب هترجع..". نظر أسر لولده وقال بقوة رغم ألمه: "أنا عايز أروح أدور عليها، ساعدني يا بابا أقوم." ماهر بحدة وذهول:
"أسر.. أنت بتقول إيه.. الطلقة لسه في جسمك، والدكتور بيحضر أوضة العمليات." أسر بتعب شديد: "أنا كويس يا بابا.. خليهم بس يشيلوا الرصاصة ويدوني مسكن." تدخل باسم قائلاً بغضب: "أسر أنت سامع أنت بتقول إيه.. اللي أنت عايزه ده جنان ومستحيل يحصل، اهدا يا أسر وإحنا هنرجع توليب." بغضب وخوف ينهش قلبه تحدث أسر رغم تعبه: "أنا جسمي هيستحمل، بس هاتوا دكتور يشيل الرصاصة، أنا مستحيل أسيب توليب للحيوان ده." نظر باسم وماهر لبعضهما بذهول.
وبالفعل خلال نصف ساعة كان أسر بغرفة العمليات، وحوله طاقم كامل من الممرضين والأطباء. بدأ الأطباء في إزالة الرصاصة الموضوعة بجانب قلب أسر، بتركيز شديد وهو بكامل وعيه ودون أي تخدير فقط يضغط على يد باسم الذي أصر أن يدلف مع صديقه غرفة العمليات. صرخة مثل زئير الأسد خرجت من أسر، والطبيب يجذب تلك الرصاصة خارج جسده. تحدثت الممرضة بقلق: "يا دكتور إحنا لازم بنجه كده هيموت من الألم." قبل أن يجيب الطبيب كان
أسر يتحدث بحدة رغم تعبها: "أنا لو اتخدرت أول حاجة هعملها أول لما أفوق، هو إني هقتلكم كلكم." تحدث باسم بقلق وهو يرى صديقه يتصبب عرقاً بغزارة شديدة: "يلا يا دكتور.. خلص بسرعة أسر مش هيستحمل أكتر من كده." تحدث أسر بخفوت وتعب قبل أن يبدأ الطبيب بخياطة الجرح: "باسم، خليهم يدولي أي مسكن قوي." أغمض عينيه وبألم وغصة قال: "لازم أقوم، عشان أرجع توليب." بعد ساعة أخرى.. كانت الشمس قد أشرقت.
كان أسر يجلس بالسيارة، وباسم بجانبه يقود بوجه متهجم لا يصدق ما يفعله صديقه. تحدث بغضب قائلاً: "أنت مجنون يا أسر... أنت عايز تموت نفسك." نظر له أسر بتعب ووجهه يتصبب عرقاً وبتعب تحدث: "باسم، المخطوفة دي مراتي.. فاهم يعني إيه مراتي." نظر له باسم بضيق ثم عاد يقود السيارة في صمت. نظر أسر لخارج الطريق وهو يقول بخفوت وحزن: "أما كنت عملتلها مفاجأة عشان أقولها إن أنا بعشقها." نظر لباسم وقال بغصة:
"أنا حتى ملحقتش أقولها أنا بحبها قد إيه يا باسم." ربت باسم على فخذ صديقه وقال بثقة: "بإذن الله هترجع.. وهتقولها كل اللي في قلبك." أومأ أسر له وقد تألم ألماً جسدياً وروحياً، قليلاً وصَدَح هاتف باسم. وجد باسم ماهر من يتصل به: "لقيتوا حاجة؟ ماهر بعملية: "البوليس لقوا المكان اللي فهد خطف فيه توليب، كاميرات المراقبة جابتهم من على الطريق." تحدث أسر بلهفة: "هات العنوان يا باسم." باسم سريعاً:
"طب يا باشا.. ابعتلي العنوان.. هروح أنا وأسر." أغلق باسم الهاتف ليقول بسعادة: "شوفت الحمد لله وصلنا للمكان." نظر له أسر بابتسامة مقتضبة، لا يعلم لما ولكن يشعر بشيء سيء للغاية بانتظاره هناك. أغمض عينيه وهو يتمنى بداخله أن تكون حبيبته بخير وألا يصيبها مكروه. ^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^ بعد ساعتين من القيادة.. وصل أسر وباسم لذلك الكوخ الموجود بأحد المزارع المهجورة. لم يجد أحد أمام الباب وهذا جعلهم يقلقون كثيراً.
أخرج باسم سلاحين، أخذ واحد والآخر اتخذه أسر الذي تحدث بعملية واحدة متناسقة مع ألمه: "باسم أنا هبقى في الوش وأنت احمي ظهري." جاء باسم ليعترض لكن تحدث أسر بحدة: "توليب مراتي أنا.. وأنا اللي لازم أبقى قدام الخطر مش حد تاني." انصاع باسم له بضيق، هبطوا من السيارة، وجدو الباب الكبير مفتوح لينظروا لبعض باستغراب وشك. دلف أسر أولاً للداخل وخلفه باسم وكل منهم رافعاً سلاحه، لم يجدوا شيئاً سوى غرفة واحدة مغلقة.
وقف كل منهم بجهة، أشار أسر لباسم بأنه سيفتح الغرفة، أومأ باسم له. فتح أسر الباب سريعاً وهو رافعاً سلاحه، وخلفه مباشرة باسم. تصنم أسر مكانه وكان هناك من أسقط عليه ماء مثلج، بينما باسم استدار سريعاً.. ذاهباً للخارج. بذهول يقف هو.. لا يصدق ما يراه أمام عيناه. توليب حبيبته تلك الوردة الجميلة، نائمة في الفراش عارية.. فقط موضوع عليها ملاءة بيضاء وفستانها الأحمر ساقطاً أمام الفراش.
بخطوات مرتعشة تقدم أسر من الفراش، لم يتحمل ليسقط جالساً على حافته. نظر لها، نائمة وشعرها مبعثر حول وجهها ويظهر مقدمة صدرها بسخاء!!! لا لا.. لم يفعل ذلك الحقير شيئاً سيئاً بحبيبته أليس كذلك!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!