الفصل 7 | من 31 فصل

رواية توليب الفصل السابع 7 - بقلم سلمي سعيد

المشاهدات
22
كلمة
4,140
وقت القراءة
21 د
التقدم في الرواية 23%
حجم الخط: 18

يجلس بسيارته أمام منزلها ينتظر خروجها، فاليوم أول يوم بالمدرسة. أطلق تنهيدة قوية مشتاقًا لتلك الصغيرة، أو ملاكه الأسمر كما يطلق عليها. يعلم بقرارة نفسه أن الطريق سيكون صعبًا معها، وأنها لن تتقبله بتلك السهولة، أو تتقبل فرق العمر بينهما. لكنه اتخذ قراره ولن يتراجع عنه مهما حدث، وسيفعل ما بوسعه ليجعلها تحبه بل تعشقه، مثلما هو قتيل عشقها. ولن يتنازل عنها أبدًا.

فتحت بوابة المنزل لتخرج السيارة الخاصة باصطحاب صبا إلى المدرسة. وما أن رآها باسم حتى انطلق خلف سيارتها. كانت صبا جالسة بالمقعد الخلفي للسيارة شارده، لا تصدق أن عقد قرانها سيكون بعد يومين. تنهدت بحزن تشعر وكأنها سلعة للشراء ليس أكثر. فوالدها لم يأخذ رأيها بتلك الزيجة، كما فعل مع ابن أخيه قبلًا. يبدو أن أمرها لا يهمه أبدًا. وأيضًا لم يحاول باسم التحدث معها أو معرفة رأيها بالزواج منه، أو حتى التعرف عليها.

لا تعلم تلك الصغيرة أنه يعلم ما لا تعلمه عن نفسها، فهو عاشق لها بل يكاد يكون مهووس بها. فهي عشق عامين، ولكن من أين لها أن تعلم.

كان باسم يقود خلف سيارتها، يتمنى بداخله أن يقطع عليها الطريق ويرجلها من تلك السيارة ويأخذها معه. علا الأدرينالين بجسده يحفزه على فعل ذلك، ولكن تحدث صوت بداخله بأن عليه الانتظار قليلًا، فقط يومين. يومين ويحتضنها كما يشاء، بل ويقبلها من تلك الشفاه البارزة الفتاكة، ولن يتركها إلا وهي تنزف دماء تعبر عن مدى عشقه لها.

توقفت السيارة أمام مدرستها، لتترجل صبا من السيارة بهدوء وهي ترتدي فستانًا باللون الأزرق الغامق وحجابًا أبيض جعل وجهها مثل البدر. كان يراقبها باهتمام وشغف حتى اختفت من أمام عينيه. دقائق وانطلق بسيارته ليحضر كل ما يخص عقد القران. *** "قصر البارون"

تقف توليب أمام المرآة تتجهز للذهاب للجامعة. بعد دقائق كانت قد انتهت. ألقت نظرة أخيرة على هيئتها، فكانت ترتدي تيشرت أسود اللون بنصف كم وبنطال جينز رمادي وكوتشي أبيض وأسود، وتاركة شعرها البني حرًا، وكان ينسدل حتى خصرها بشكل مموج رائع. أخذت حقيبة ظهرها السوداء الصغيرة التي عليها صور فراشات باللون الزهري، ووضعت نظارتها الشمسية السوداء فوق رأسها، وخرجت من غرفتها قاصدة النزول للأسفل.

ولكن جذب انتباهها بعض الأصوات القادمة من غرفة الرياضة. صارت باتجاه الغرفة لترا من بالداخل. وجدت الباب الزجاجي للغرفة مفتوحًا. دلفت للغرفة لتتصنم بمكانها. كان أسر يقوم بعمل تمارين الصباحية بنشاط كبير في غرفة الرياضة. كان نائمًا أرضًا وعاري الصدر، فقط يرتدي بنطالًا قطنيًا أسود. كان ينام ويعتدل بجذعه العلوي برشاقة، واضعًا يديه خلف رأسه. كان يصعد ويهبط ويلهث بقوة وجسده يتصبب عرقًا، ويشغل عقله شيئًا واحدًا "توليب".

تلك الوردة العجيبة التي ألقت سحرها عليه وجعلته يفكر بها بكل الأوقات، وأيضًا خلقت بداخله شيئًا لم يكن لديه أبدًا، "الفضول". يريد أن يعلم كل شيء عنها، رغم أنها تثير غضبه بسبب شخصيتها الضعيفة، وهذا أكثر شيء يكرهه بالحياة. ولكن هناك بذلك الجزء النابض بداخله يريد التقرب منها بشدة واستنشاق رائحتها المسكرة المميزة، وملامسة جسدها اللين لجسده الصلب كما حدث بعنقها سابقًا. يريد ملامسة شفتيها المنتفخة الناعمة للغاية وتقبيلها كما فعل ذلك اليوم بغرفتها.

علت وتيرة أنفاسه وهو يفكر بذلك الشكل بها. يبدو أن الأمر تخطى الإعجاب وتحول لشيء آخر يرفض عقله الاعتراف به. صعد بجسده ولكن توقف عندما وجد تلك التوليب واقفة أمامه وكأنها تعلم أنه يفكر بها. كانت تنظر توليب له ببلاهة، وهو جالس هكذا يقوم بتمارينه عاري الصدر وعروق رقبته وصدره متشنجة بشدة. كل هذا أعطاه مظهرًا رجوليًا جذابًا أذاب قلبها الذي يعشقه. فاقت سريعًا على حالها وخفضت رأسها بخجل وارتباك عندما وجدته ينظر لها،

وخرج صوته القوي: "أنتِ بتعملي إيه هنا؟

عضت شفتيها بارتباك، لا تعلم ماذا تقول. لينهض أسر من على الأرضية وسار خطوتين حتى أصبح أمامها مباشرًة، لا يفصل بينهما سوى بضع إنشات. تأمل هيئتها بعينيه. بدأ من خصلاتها الحرة الطويلة ثم إلى باقي جسدها، ونظر لذلك البنطال الذي يحدد فخذيها بشكل جذاب للغاية. ضم شفتيه ببعض الضيق، ثم عاد ينظر لوجهها المصبوغ باللون الأحمر وعينها التي تبقيهم ناظرين للأسفل. وشفتيها التي تضغط عليهم بقوة. وهنا توقف.

ظل ينظر لشفتيها قليلًا، ثم رفع إصبعه يحرر تشفيها من بين أسنانها متحدثًا بهدوء: "بس متعمليش كدا.. بطلي! كان يحذرها من عض شفتيها حتى لا يطلق ذلك الشعور القوي المطالب بتقبيلها. بالكاد هو يلجمه بصعوبة. ابتعد عنها خطوتين ونظر لها نظرة شاملة وتحدث متسائلًا: "أنتِ رايحة فين كدا.. توليب.. توليب.. أنتِ سامعانى؟

كانت تقف ترتجف، حابسة أنفاسها من قربه. بالكاد كانت متماسكة حتى لا تسقط أرضًا. حاولت إخراج صوتها عندما ناداها ولكنها لم تستطع. أغمضت عينيها بقوة وتنفست بعمق. كان ينظر أسر لها باستغراب وبعض القلق من عدم ردها عليه.

زفرت توليب بهدوء ثم رفعت رأسها لتنظر له، وما إن تقابلت عيناها بخصته شعرت بالأرض تهتز أسفلها. لم عليه أن يكون بكل تلك الجاذبية التي تأسرها بثوانٍ دون عناء منه. خفضت رأسها مرة أخرى متحررة من ذلك الحصار لعينيها، وأيضًا متجنبة النظر لجسده العاري. تحدثت تجيبه على سؤاله بصوتها الرقيق: "أنا رايحة الجامعة." تحدث أسر بتعجب قائلًا: "ومقولتليش ليه امبارح؟ لم تفهم سؤاله ولكن ردت وهي تحرك كتفيها بعدم فهم:

"ما أنا قولت لبابا وهو أصلًا عارف." لكنه هو يسأل لماذا لم تخبره هو وليس والده. تحدث بحنق: "أنا بقولك مقولتليش أنا ليه." "عادي مجتش مناسبة أقول قدامك." زفر بضيق ثم أشار على ملابسها متحدثًا بتربص: "هو انتي هتروحي الجامعة بالبنطلون ده؟ ردت بعدم فهم وهي تنظر للبنطال: "ماله؟ فيه حاجة؟ تحدث وهو يجز على أسنانه بغيظ: "لا أبدًا دا حلو خالص..

ثم أكمل بحدة وأمر: احنا هنستعبط روحي غيري البنطلون دا حالا، دا مبين تفاصيل جسمك كلها." تفاجأت توليب من حدته وحديثه الأمر لها. لترد عليه وهي تعض شفتيها بارتباك: "بس البنطلون حلو ومفيهوش حاجة."

أغمض عينيه يتنفس بهدوء حتى لا يكسر رأسها الآن. ضغط على عظمة أنفه محاولًا تمالك أعصابه. أطلق تنهيدة قوية ثم سار لأحد الآلات الملقي عليها الجاكيت الرياضي الأسود الخاص به. عاد إليها يقف أمامها مباشرة. لتعود هي خطوة للخلف ولكنه قبض على خصرها سريعًا يقربها منه للغايه حتى التصق جسدها اللين الصغير بجسده الرياضي الصلب، وهذا جعل قلب توليب ينبض بجنون وجسدها يرتعش بخجل وارتباك من ذلك القرب. أغمضت عيناها تستشعر قربه ورائحته بهيام.

ظل أسر مسلط عينيه على وجهها المصبوغ باللون الأحمر. كان يريد أن يقبل وجنتها بشدة ولكن الجم نفسه بصعوبة. لف ذلك الجاكت حول خصرها يداري منحنيات جسدها قدر المستطاع. ربطه بأحكام وبعض العنف جعل توليب تغمض عينيها بألم، رآه هو على ملامح وجهها، ليرخي الربطة قليلًا ثم اقترب من أذنها متحدثًا بهمس جعلها لا تقوى على الوقوف: "كدا أحلى.. أوعي تقلعيه، فهمة؟ مثل المغيبة هزت رأسها بنعم.

ابتعد عنها قليلًا، نظر لها بضيق من جمالها الملفت ذلك وشعرها الطويل المموج، بالتأكيد يجعل أعين الجميع عليها وبالذات الشباب. انتفضت عروق رقبته بغضب بالتفكير بالأمر فقط، وأن هناك من ينظر لها ولجسدها القصير الأنثوي كما ينظر هو لها. قبض على كفه بقوة محاولًا الهدوء وعدم التحدث ومنعها من الخروج.

فتحت توليب عينيها عندما شعرت بابتعاده عنها. رفعت عينيها تنظر له لتجد ملامحه منكمشة بضيق، فاستغربت كثيرًا تحوله المفاجئ. كاد يتحدث ولكن قاطعه شهقتها القوية وهي تنظر لساعة يدها: "يا نهاري أنا اتأخرت خالص.. عن إذنك أنا لازم أمشي، باي." وقبل أن يتحدث كانت ركضت من أمامه. في الحقيقة هي لم تتأخر بل فرت هاربة بعدما شعرت بأنها ستقع أرضًا من شدة خجلها وارتباكها الزائد عن الحد.

نظر أسر من الشرفة ليرا السائق يفتح باب السيارة الخلفي لتوليب تدلف إلى السيارة وسيارة الحرس تتجهز للانطلاق خلفها. شعر ببعض الراحة لأن معها حراسة ولن يستطيع أحد الاقتراب منها، وإن فعل أحد سيكون أول من يعلم بهذا. بينما توليب جلست بالسيارة تلتقط أنفاسها المسلوبة. هذا الأسر لديه حضور قوي يؤثر على كل خلية بجسدها ويجعل قلبها يغرق ببحر عشقه أكثر. آه كم تتمنى أن يبادلها تلك المشاعر، ولكن كيف!!! ***

كان أسر واقفًا بمكتبه يستند على الحائط الزجاجي المطل على الشارع ويتناول الإسبريسو الخاص به، ويفكر بتلك المشاعر المتخبطة التي يشعر بها تجاه توليب. لم يشعر بتلك المشاعر تجاه أي امرأة يومًا، ولم تأخذ أي أنثى أي وقت من تفكيره. تذكر أول مرة رآها عندما كانت جالسة على تلك الأرجوحة بمنتصف المشتل. شعر بقلبه القاسي ينبض بقوة ما أن تذكر هيئتها بذلك الفستان الأحمر. يجب ألا يجعلها ترتدي ذلك اللون مرة أخرى لأنه حقًا يجعلها مهلكة للغاية وفاتنة حد اللعنة.

استفاق من شروده على صوت هاتفه. أخرج الهاتف من جيب بنطاله ليجده باسم ليرد عليه بنبرته الباردة: "عايز إيه يا حيوان؟ ليأتيه رد الآخر المبتسم بسعادة: "في حد يقول لحد عايز إيه يا حيوان؟ واضح أن ماهر معرفش يربي." "اخلص يا زفت عايز إيه؟ ليتحدث باسم بجدية: "عايزك تركب أول طيارة لأسوان وتيجي تشهد على عقد جوازي." ليرد عليه أسر بابتسامة: "بس كدا. أول طيارة لأسوان. الخميس الصبح هبقى قدامك يا عم." تحدث باسم بخبث:

"وكمان هات البنت دي اللي بتعصبك، كان اسمها إيه صحيح؟ "توليب." قالها ببطء وهيام جعل باسم يبتسم باتساع. لقد تأكد الآن أن صديقه على مشارف الوقوع بالحب. بينما أسر شرد بتوليب، تلك الفتاة التي تجعل جليد قلبه ينهار فور رؤيتها وتشعل النيران بقلبه. ***

دلف أسر من بوابة القصر بسيارته متوقفًا أمام البوابة الداخلية. هبط من السيارة بإرهاق، فاليوم كان مليئًا بالاجتماعات. صعد درجتين بطريقه للداخل ولكن توقف فجأة، والتفت ينظر على المشتل ليجد توليب واقفة تسقي الزهور وتتحدث معهم كعادتها. سار بخطوات ثابتة ذاهبًا لها. بينما توليب لم تلاحظ وصول أسر، فكانت تسقي أزهارها وتتحدث معهم كعادته ولم تنتبه:

"آه بقي لو كنتو شفتوا هرقل الصبح وهو بيتمرن، كان حاجة كدا استغفر الله العظيم. معرفش هو ماشي بالعضلات دي كلها إزاي ولا طوله، بحس إني محتاجة سلم عشان أعرف أتكلم معاه كلمتين على بعض." كانت تتحدث ولم تلاحظ ذلك المتكئ على باب المشتل يراقبها وعلى وجهه ابتسامة متعجبة من حديثها عنه. اعتدل بوقفته وصال بهدوء حتى وقف خلفها مباشرة، انحنى على أوزنها يتحدث بخبث: "يعني انتي شايفةني هرقل؟

انتفض جسد توليب بخضة والتفت سريعًا تنظر خلفها لتجد أسر أمامها مباشرًة، حتى أنها بين أحضانه. كادت تسقط من شدة خوفها لكن أسر كان أسرع واحتضن جسدها بذراعيه سريعًا. تمسكت توليب بقميصه بقوة وجسدها يرتعش بخوف وخضة. رغم استغراب أسر من زعرها الشديد هذا، إلا أنه شعر بالخوف عليها خصوصًا وهو يشعر بجسدها يرتعش هكذا. تحدث بقلق: "توليب أنتِ كويسة؟

كانت توليب مخبأة وجهها بصدره العريض بخوف. هدأت من حالة الذعر تلك، لترفع رأسها عندما ناداها تنظر له، كانت عيناها ممتلئة بالدموع وخصلة كثيفة من شعرها ساقطة على وجهها. تقابلت عيونه القلقة بعيناها الخائفة. ابتسم لها باطمئنان ورفع يده يزيل تلك الخصلة عن وجهها متحدثًا بمرح: "كل دا من خضة، دا انتي خرعة خالص." ابتعدت توليب عنه سريعًا عندما فاقت على حالها. وتحدثت وهي تفرك يدها بارتباك: "آسفة بس كنت سرحانة ومخدتش بالي."

رفع أسر حاجبه بتعجب وبمرح تحدث: "كل دا عشان خضيتك، اومال لو هقتلك هتعملي إيه؟ ابتسمت له وتحدثت بطفولية: "متقدرش.. بابا ماهر هيعلقك من رجلك زي الكتكوت المبلول." "نعم.. كتكوت مبلول؟ قالها بذهول. "أيوا بابا قالي أي حد هيأذيكي هعلقه زي الكتكوت المبلول.. وانت بتقول إنك عايز تقتلني." "أنا مقلتش إني هقتلك على فكرة." "عارفة بس أنا قولت أحذرك عشان لو فكرت في الموضوع."

صدح صوت ضحكاته الرجولية بأرجاء المشتل. شردت توليب بابتسامته تلك. يا إلهي كم يبدو وسيمًا. لاحظ أسر تأملها له ليتحدث بخبث وغمزة: "عارف إني حلو على فكرة." خفضت رأسها سريعا بخجل وارتباك.

تأمل أسر خجلها قليلًا وأخذ يفكر بذلك القرار الذي اتخذه منذ يومين، بأن يجعل تلك التوليب امرأة قوية حرة، ويقتل بداخلها ذلك الرهاب والزعر من كل شيء سيجعلها تعيش ما يمنعها خوفها من أن تعيشه. ولكن من أين سيبدأ. فكر قليلًا ثم لمعت عيناه عندما وجد ما سيفعله. رفعت توليب عيناها عندما طال صمته، وتحدثت برقة وخجل: "انت مش هتدخل القصر زمان الغدا جهز." اقترب منها للغايه حتى أصبح ملتصقًا بها وانحنى على أذنها متحدثًا بخبث:

"متناميش بالليل عندي ليكي مفاجأة." ابتعد عنها قليلًا معتدلًا بوقفته مهندمًا بدلته ومتحدثًا ببعض الحدة: "يلا بينا عشان الغدا.. ومتنسيش اللي قلتهولك." أنهى حديثه بغمزة كادت توقف قلب تلك المسكينة. تركها وذهب بخطوات ثابتة تاركًا خلفه قلبًا ينبض بجنون. وضعت توليب يدها فوق قلبها وعيناها تراقبه وهو يدلف إلى الداخل القصر لتحدث نفسها في حيرة وزهول:

"مفاجأة ليا أنا.. هو قال كدا بجد ولا أنا بيتهيألي.. وانت كمان اهدي شوية عمال تنبض كدا ليه متبقاش خرعة أومال.. دا بيقولك لسه في مفاجأة وفر نبضاتك دي لليل ربنا يستر." أنهت حديثها وألقت نظرة أخيرة على أزهارها ثم خرجت من المشتل بخطوات سريعة للداخل. ***

حل المساء والظلام الدامس يسود المنزل معلنًا أن الجميع نيام. تسللت على أطراف أصابعها الصغيرة ممسكة طرف فستانها المنزلي. ظلت تتسلل وتنظر حولها بقلق. تنهدت براحة عندما وصلت للاسطبل الموجود خلف المنزل. وما أن دلفت للداخل حتى أتاها صوت صهيل حصانها العزيز. ذهبت إليه تحتضن عنقه متحدثة بحب وأسف:

"وحشتني خالص يا زاهي.. أنا عارفة إن بقالنا يومين مبنخرجش بالليل زي عادتنا.. والله غصب عني ماما مش بتسبني خالص عمالة تلف بيا طول اليوم تجيب هدوم عشان كتب الكتاب.. وكان النهاردة أول يوم في المدرسة." نظرت له وأصبحت تداعب خصلاته السوداء بأصابعها مكملة حديثها: "أوعدك بعد كتب الكتاب هنخرج سوا نجري للصبح." تلمعت عيناها السوداء بالدموع وتحدثت بغصة أليمة: "وهنجري ونبقى أحرار."

بينما على الجانب الآخر كان يقف باسم يستعد للقفز من على ذلك السور. ثوانٍ وكان يقفز برشاقة عالية للجانب الآخر ساقطًا على إحدى ركبتيه. نهض ينفض الغبار من على ملابسه الكاجوال وهو يلتفت بعينيه بالمكان ليرا إن كان هناك أحد. سار بخطوات حذرة قاصدًا الاسطبل، هو يعلم أنها بالتأكيد هناك تستعد للخروج. وصل أمام الاسطبل. مد يده ليفتح الباب ولكن توقف عندما استمع لكلماتها الأخيرة. تريد الركض بحصانها معلنة حريتها. ابتسم بألم ظنًا منه أنها تريد الهرب من تلك الزيجة. لا يعلم أنها تريد الهرب من ذلك السجن الذي تعيش به، فوالدها يعتبرها سلعة للبيع من يدفع أكثر يأخذها، والوحيدة التي تهون عليها هي والدتها التي لا حول لها ولا قوة.

كانت الدموع قد أغرقت عيناها وهي تحدث حصانها الأبيض الكبير. شعرت بصوت خلفها، التفت سريعًا ترا من هنا. شهقت بذهول عندما وجدت ذلك الباسم يقف أمامها بابتسامة مرحة و متحدثًا بتعب وهو يقترب منها: "كل دا مجهود عشان أوصلك.. والحمد لله لقيتك في الاسطبل، كنت فاكرتك في أوضتك والله. يلا الحمد لله وفرت عليا طلوع ونزول السلم."

أنهى حديثه وهو يقفز جالسًا فوق حصانها. وهي فقط واقفة تنظر له ببلاهة وذهول. من أين ظهر هذا الرجل فجأة يا الله؟ هل هذا حلم أم أنه جالس على حصانها الآن؟ تأملته ببلاهة بداية من شعره الفاحم نزولًا لملامحه الرجولية القوية ولحيته الخفيفة. وكتفيه العارضان وجسده الرياضي الممشوق. نظر لها ليجدها تقف مكانها وتتأمله ببلاهة. ليابتسم بخبث ويشير لها بأصبعه لتقترب منه.

وفعلاً تقدمت ببلاهة وصدمة. وقفت بجانبه وهو جالس فوق الحصان. رفعت سبابتها بارتعاش تؤكد بزراعه. هنا فتحت عيناه بصدمة حقيقية. هو هنا حقًا. رفعت عيناها تنظر له برعب لتجده يبتسم لها ابتسامة سمجة. كادت تصرخ من شدة ذهولها ولكن كان هو أسرع. بحركة سريعة منه كان رافعها من خصرها يجلسها أمامه على الحصان ويكتم ثغرها بكف يده مما زاد ذهولها أكثر. تحدث بهمس: "شششش بس يا فضيحة..

ثم أكمل بمرح وغرور مصطنع: بذمتك يا شيخة عمرك شفتي حد عمل اللي أنا عملته دا، إلا في الأفلام والروايات. يلا يا ستي عشان انتي غالية عليا بس مردتش أحرمك من حاجة وبعيشك أجواء العشاق أهو، أي خدمة. بس مقولتيش إيه رأيك في الرفعة اللي رفعتها لك دي، حلوة صح؟ قولي متتكسفيش، حلوة أنا عارف. انتي مبتتكلميش ليه؟ أشارت بعينيها المذهولة ليده التي تغلق ثغرها. تفهم نظراتها فأزال يده من على ثغرها لتتحدث.

تنفست الصعداء عندما أزال يده. نظرت له وتحدثت بذهول ولكن بصوت منخفض هالع: "انت بجد.. انت بتعمل إيه هنا.. يا نهار أسود.. انت دخلت إزاي أصلًا؟ كانت ستقفز من على الحصان ولكن باغتها هو باحتضانه لخصرها مثبتًا إياها أمامه. تحدثت بخوف وهي على وشك البكاء: "أبوس إيدك سيبني. لو حد جه ولقاك هنا هتبقى مصيبة." باسم بهدوء: "طب أهدي، بتترعشي كدا ليه؟ متخافيش مني." ثم أكمل بمرح: "دا أنا حتى هبقى جوزك كمان يومين."

كانت تلتفت حولها ولكن حديثه جذب انتباهها لتلتفت تنظر له بعيون مليئة بالدموع وتحدثت بألم: "وانت دفعت كام بقي في الجوازة دي.. اشتريتني بكام؟ هنا والصدمة كانت من نصيبه هو. ماذا اشتراها؟ من أين لها هذا الحديث؟ هم يتحدث يشرح لها كل شيء لكن أوقفه صوت بكائه الشديد وهي تتحدث بقهر: "لو سمحت نزلني وامشي.. أنا لسه مبقتتش الجارية بتاعتك.. ابعد عني بقي."

أنهت حديثها وقفزت من فوق الحصان هاربة من الاسطبل، بينما باسم يبدو وكأن هناك عقرب لدغه. اصفر وجهه بالكامل وتشنجت عضلاته وبرزت عروقه. أغلق قبضة يده بعنف محاولًا عدم الركض خلفها وكسر رأسها الصغير هذا. فعن أي شراء تتحدث. لقد تعذب لسنتين خائفًا من الاقتراب منها حتى لا ترفضه، ولكن عندما علم برغبة ذلك الحقير عزيز بالزواج منها جن جنونه وفعل كل شيء ليوافق والدها على تلك الزيجة.

أغمض عينيه بألم فيبدو أن طريقه مع تلك الصغيرة سيكون صعبًا للغاية.

بينما صبا ركضت لغرفتها مغلقة الباب خلفها. نزعت حجابها بإهمال وسقطت على فراشها تبكي بقهر، ليس من زواجها من باسم. بل من أجل ذلك الرجل المسمى والدها والذي يتعامل معها على أنها سلعة يقبض ثمنها. شعرت بالذنب من حديثها الكاره لباسم، ولكن هذا خارج إرادتها، فهي بسبب فعل والدها الطامع أصبحت تمقت كل شيئ، حتى باسم التي كانت تفكر به دائمًا تشعر بالحزن تجاهه لأنه اشتراها بماله ولم يطلب أن يعرف رأيها الشخصي أولاً. بل أخذ الطريق السهل وهو شراءها بماله.

*** كانت توليب جالسة على فراشها ترتدي سولبت جينز واسعة وأسفلها تيشرت أبيض وكوتشي أبيض أيضًا وتاركة شعرها حرًا. كانت تفرك يدها بارتباك وتفكر، ترى لماذا أخبرها أسر أن تنتظر وما هي تلك المفاجأة.

ثوانٍ ووجدت باب غرفتها يطرق بخفة. هبت واقفة وذهبت لتفتح الباب سريعًا، ليخفق قلبها بجنون وهي ترى أسر مستندًا بجذعه على الحائط بجانب الباب. تأملت هيئته بتلك الملابس الكاجوال التي تجعله وسيمًا حد الهلاك. فكان يرتدي بنطالًا من الجينز الأسود وتيشرت وكوتشي نفس اللون وبيده جاكت جلدي أسود أيضًا، فهو يعشق ذلك اللون. اعتدل أسر بوقفته ينظر لها نظرة شاملة. ابتسم برضا وتحدث بتقييم: "حلو دا قوي.. هو دا المطلوب."

وقبل أن تسأل عن ماذا يتحدث جذبها من يدها وسار بخطوات واسعة سريعة. تحدثت توليب بتفاجئ وفضول: "إحنا رايحين فين؟ التفت لها وتحدث بجمود: "هخطفك."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...