تيبست بأرضها وقد تملكها دوار فتاك. في ظل تيهاتها وتربص محروس، سارع تميم نحوها ثم جذبها بشدة نحو أحد الأنفاق المظللة بالأشجار. -يلا يا غفران مش هسيبك أبدًا. وركض تحت صراخ محروس الذي بدأ في الركض خلفهم في تلك المتاهة. -غفران اقفي يا غفران، مش هسيبك، مسيرك ترجعيلي يا غفران علشان أنا إللي مسيطر عليكي. أنا عندي ليكي مفاجأة من العيار الثقيل. روحي روحي معاه بس هو مش هيستحمل جنانك.
فقد أثرهما وسط الضباب وكثافة الأشجار ليعود للفندق وهو يتوعد لعفيفة بالويلات. بينما تميم لم يكف عن الركض بعزيمة وإصرار حتى ابتعد مسافة جيدة ممسكًا بكف غفران بشدة. توقف لاهثًا عكس غفران التي لم تكن مثله وذلك لاعتيادها الركض بمشاركة ملار. استندت على أحد الأشجار واضعة كفها فوق قلبها، تنهدت والكلمات التي نثرها والدها العزيز تطوف حولها. تربدت ملامحها بالحزن وغامت عينيها الجميلتان بدموع صافية شفافة زادتها جمالًا وفتنة.
أصبحت بلا أحد. وهل كانت من قبل تنتمي لأحد! بلا أب ولا أم. لا كُنية ولا هوية. مجرد قاتلة مجرمة. مجنونة كما ينعتها والدها. كان تميم منشغلًا بفحص الموقع بهاتفه ويحسب المسافة التي تفصلهم عن الطريق العام. رفع رأسه يحدثها ليجدها بتلك الحالة، تألم قلبه لأجلها، يعلم أن القادم ليس بجيد لكن ما يهمه حاليًا سلامتها. اقترب منها مبتسمًا بينما رفع كفه بحنان يزيل دموعها طابعًا قبلة حانية فوق أعينها الدامعة.
همس لها بحب ممزوج بالغزل كانت الطريقة المثالية ليخرجها من كهف أفكارها السلبية: -عيونك يا غفران. رفعت عينيها نحوه متسائلة برقة فطرية: -مالهم! -فيهم فتنة غير طبيعية، بحبهم أوي وواقع في غرامهم، على فكرة بيكونوا حلوين أوي وإنتي بتبكي. آآه بجد. بيكونوا صافين وبيكونوا زي الزجاج ولونهم بيبقى بلون السما. حقيقي عيونك غريبة أوي. وقعت في حيرة عينيكي وأضحيت أتسائل. هل هم بلون الموج الثائر؟ أم بلون السماء الصافية؟
أم بلون حجر فيروزي عتيق؟ لكن في النهاية لا جدوى! فقد وقعت في أسرهم وانتهى الأمر. لقد تربصت بي تلك الأعين حتى لقيت مصرعي وأصبحت شهيد الحب. ضاعت وضاع حزنها من تلك الكلمات التي تسمعها لأول مرة وكان لها سلطان على قلب حيا داخل أنفاق القسوة حتى بات يعلم أن الحب وجه من وجوه القسوة لا أكثر. آنست منه الحنان والدفء فراحت تتسائل ببراءة ممزوجة بالألم: -بجد يا تميم. يعني أنا مش وحشة زي ما بابا بيقول.
وإن إنت مش هتستحملني وهبقى تقيلة عليك. يعني أنا مش قاتلة يا تميم ولا مجنونة ولا شريرة. يعني ممكن ربنا يغفرلي. أنا أتحب صح. مش إنت بتحب غفران. يعني أنا حلوة كدا. انشق قلبه مما تعانيه من ألم وضياع. كانت إجابته ضمة قوية احتوى بها وجعها، حيرتها، تشتتها وضياعها وفقدانها للحنان. -إنتي أطهر وأنقى بنوتة شافتها عيني، إنتي حبيبتي ومراتي وبنوتي ونور عيوني. تستحقي كل الحب بس مني بس. أنا بس إللي من حقي أحبك وأدوب فيكي. ليا وبس.
طوقت عنقه بتعب وهي تتشرب من حنانه وتنعم بدفئه، ابتسمت براحة وبعض آلامها تبرح عنها. ابتعدت عنه قليلًا وهي تقول بلهفة بينما تتحرك ممسكة يده: -يلا بسرعة نمشي من هنا قبل ما يلحقنا. نظر لقدميها الحافية والتي تنزف مليئة بالجروح نتيجة للعطوب التي تملأ المكان. -غفران استني. التفتت له قائلة: -نعم في إيه. انحنى وحملها برفق ثم قال: -الجروح مالية رجلك. قالت باعتراض: -تميم. لا كدا تقيل عليك والطريق كله منحنيات.
أنا كويسة نزلني متعودة على كدا. هتف وهو يسير حاملها: -مش عايز أسمع اعتراض يا غفران خلص الكلام. ********************** كان يحطم كل ما تطوله يداه، يجأر بصوت مرتفع هز الأرجاء، فنكمشت وهي تتيقن أنها ربما تكون النهاية. -بنتك هربت يا عفيفة، مهما حاولت معاها جيناتك الوسخة لازقة فيها، نفس الهطل إللي بتسموه طيبة. انحنى نحوها يجذبها من شعرها وهو يكمل بشر: -بس تعرفي هجيبها وهخلص عليها، لو مش هتبقى تحت طوعي مش هتعيش يا عفيفة.
إنتي الورقة الرابحة الأخيرة إللي معايا. لازم تعرف إنك عايشة. هرجعها وأخلص عليكم إنتوا الاتنين كفاية عليكم كدا. تعرفي يا عفيفة أنا غلطان إن مخلصتش عليكي وإنتي حامل فيها بس أعمل إيه في قلبي الغبي إللي بيحبك ومهووس بيكي. زاد نحيبها رغم سعادتها من تمكن ابنتها من الهرب. ابنتها التي لا تعلم بوجودها، غفران صغيرتها التي لم تراها منذ أن كان عمرها ثلاث سنوات رغم وجودهما في نفس المكان. أي عذاب هذا!
-لا يا شهاب. سيبها في طريقها حرام عليك دي بنتك أنا موجودة أعمل إللي إنت عايزه فيا بس بلاش غفران. أشرق وجهه واقترب منها ثم جذبها عنوة لأحضانه وهو يهمس بفحيح: -شهاب. ياااه مسمعتش اسمي من زمان منك أوي يا عفيفة بعد ما عشت عشرين سنة باسم محروس. حاسس إن مجرد ما تنطقي بس اسمي إنك جددتي كل حبك إللي مش بينتهي جوايا. متعرفيش بحبك قد إيه يا عفيفة. واقترب أكثر منها يمسد على ذراعها بخبث بينما انكمشت على نفسها بخوف جلي.
-عفيفة حبيبتي أنا مستعد نفتح صفحة جديدة مع بعض ونبدأ من جديد. أنا وإنتي وغفران بنتنا. هنبعد عن هنا خالص نروح مكان بعيد وهعوضك يا روحي. ابتعدت تزحف للخلف وهي تحرك رأسها بنفي هامسة بضعف: -المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين يا شهاب، وأنا مش هكرر غلطة زمان لما قبلت أتجوزك وأسمع كلام عمي ومراته إللي دمروني بجوازي منك. مستحيل. أنا الموت أهون عليا من إني أعيش معاك تاني.
إنت أسوء إنسان شوفته في حياتي، إنت الصفات السيئة إللي في الدنيا كلها اتجمعت فيك يا شهاب. دمرت شبابي وحياتي وبسببك اتحرمت من نزه الدنيا كلها وعملت مع بنتي كدا بس ربنا بيحبها واستجاب لدعواتي وبعت إللي ينجدها وهيعوضها عن إللي فات. أنا كارت ملهوش أي لازمة معاك يا شهاب لأن دي نهاية الطريق خلاص. دي نهايتك.
تبقى غبي لو فاكرني خايفة من الموت أو منك، أنا كنت خايفة في وجود غفران بس خلاص غفران هربت وأنا واثقة إنك مش هتوصلها أبدًا. لقد فتحت على نفسها أبواب من الجحيم سيحرق الأخضر واليابس. اندفعت نار السعير بعينيه واقترب منها ثم انحنى نحوها وقد أيقنت أنها النهاية. وداعًا صغيرتي غفران. ********************* كتب الله لهم النجاة. خرج تميم الذي يحمل غفران إلى الطريق العام بعد مكابدة ومشقة شديدة.
وضعها برفق على أحد الأحجار ثم قال بغيرة وهو يقبل رأسها بينما يحكم وثاق الحجاب حول خصلاتها البرتقالية: -نتعود كدا الحجاب يفضل ملفوف بإحكام مش هستحمل مخلوق يلمح شعرة واحدة منك. مستعدة نبدأ حياة جديدة وتواجهي العالم وأنا دليلك. هنصلح كل حاجة وأنا معاكي. نظرت له بتيهة ثم قالت بتوتر: -خايفة أوي يا تميم. أنا تايهة. -قولتلك أنا دليلك. جلس على عقبيه أمامها ممسكًا يدها بلطف وهتف وهو ينظر لداخل عينيها:
-عايز أقولك على حاجة أو بالأصح أوريكي حاجة. أخرج من حقيبته الظهرية بعض الأوراق وقال موضحًا: -دي شهادة ميلادك يا ست غفران. ودي كمان بطاقتك الشخصية. تساءلت بصدمة: -وصلتلهم إزاي. أنا عمري ما شوفتهم. تنهد قائلًا: -أنا مكونتش في الجحر ده ساكت يا غفران من أول ما عرفت إن في حاجة غلط في الحكاية دي بدأت إن أدور ورا كل واحد موجود. ولما قررت نهرب.
مشروب المهدئ بتاع المعلم محروس وفتحية إللي بيشربوه قبل النوم حطيت فيه منوم بعد معاناة. ولما عمل مفعوله دخلت أوضة أبوكي إللي عامل عليها حصار وبدأت أفتش فيها عن أي حاجة تفيدنا أو توصلنا لحاجة، وأنا بدور لقيت شهادة ميلادك وبطاقتك الشخصية. والبطاقة دي. أظن إنها لوالدتك. أخذتها غفران بلهفة وهي تتأمل صورة والدتها التي تجهل ملامحها بشوق وحب، ترقرق الدمع بأعينها وقالت بحنين: -أمي. ياريتك كنت معايا يا ماما ليه سبتيني لوحدي.
ليه سيبتي غفران للمجرم ده. تعرف يا تميم هو قتل ماما. أنا سمعته بودني. حرمني منها. جذبها لأحضانه ثم همس لها بحنان وهو يمسد على ظهرها: -إهدي يا غفران. إهدي يا عمري. هيتحاسب على أفعاله صدقيني. أنا معاكي ومش هسيبك أبدًا. انكمشت أكثر داخل أحضانه وهي تتشبث به قائلة من بين دموعها: -تميم أنا بحبك أوي ماتسبنيش. ضمها أكثر يقبل رأسها وهو يهمس: -إنتي حبي الحلال يا غفران، إنتي إللي ربنا ساقني ليكي. قدري وعوضي الجميل.
وعلشان كدا أول حاجة هنعملها يا حبيبتي إننا هنتمم جوازنا علشان محدش يقدر ياخدك مني تاني. رفعت رأسها متسائلة بتعجب: -يعني إيه نتمم جوازنا يا تميم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!