وقف تميم مصدومًا من صراحتها وتلقائيتها، إنها طفلة تائهة، عيناها زائغة في كافة الأرجاء تترجى إنقاذًا. لكن بالنسبة له، هي بؤرة من الغموض وعلامات الاستفهام ومجموعة من الأحجية. تنحنح تميم وهتف بتعقل: "إنتِ مش فاهمة اللي بتقوليه يا غفران، إنتِ مش ملمة بكل مصطلحات الحياة وفي كتير أوي غايب عنك. قوليلي ليه عايزاني أمشي من هنا وإيه اللي إنتِ مخبياه؟
في هذا الحين شعرت بخيبة أمل شديدة وألم تشعب بروحها، هي مجرد بائسة مجردة من الإحساس ومنبوذة من العالم أجمع، حتى تميم لم يتقبلها على حسب مفهومها، لم يحبها! تراجعت للخلف تزامنًا مع سقوط دمعة حارة، وقالت بلامبالاة تفتت القلب: "لا ولا حاجة.. بس أنا ساعات بقول حاجات مش حاسة بيها ومعرفش أنا بقول إيه.. عندك حق. أنا آسفة إني تطفلت عليك.. تصبح على خير."
وانسحبت من الغرفة بهدوء مسرعة تحت أنظار تميم الذي شعر بالانزعاج والوجع لأجلها. عيناها الشفافة كأصفى المياه نالت منه وأصبحت لا تفارق عقله بتاتًا، يا ترى ما سر تلك الأعين! لو بات سهم من الأعداء في كبدي ما نال مني ما نالته عيناك جلس تميم بحيرة لا يعلم ما يفعل، وثب وسار بحيرة واقفًا في الشرفة وهو يتأمل الظلام الذي انغمست به عيناه. حقًا الأفراد الذين في هذا المكان جميعًا غريبو الأطوار.
والد غفران العابس.. والسيدة التي ليست كما تبدو أبدًا. لماذا هؤلاء في ظل التقدم والتكنولوجيا منزلهم خالي من أي معالم المعرفة؟ تلك التقاليد والأساليب التي يتخذونها انتهت منذ مائة عام! والأغرب من هذا، لم يصرون على العيش بهذا المكان المهجور الذي لا يصله الأحياء ولا الحياة، منعزلين بمفردهم؟!
وأخيرًا محاولة قتله بتلك المادة الفتاكة، لولا أنه خبير بشتى أنواع الأعشاب وخاصة النادرة، لم يستطع تمييز رائحتها الخفيفة المبطنة بمحتوى الطعام! وما دخل غفران بكل هذا، ولما التقلبات التي تطرأ عليها وهذا الغضب الغريب الذي ينبثق من عينيها رغم هدوئها! أهي ضحية أم ماكرة؟! لا لا هناك شيء خاطئ وحلقة مفقودة! ووسط شروده تسرب لأسماعه صوت خطوات حذرة وهمهمات غريبة أسفل الشرفة خلف المبنى.
سارع للداخل وأطفأ الشمعة التي تنير الغرفة وخرج على أطراف أصابعه مرة أخرى. زادت حدة الظلام وزاد هو التدقيق وهو يلمح بصعوبة ثلاثة رجال على مقربة من المبنى أسفل بعض الأشجار يحدثون حفرة عميقة وهم يلتفتون بين الفينة والأخرى بحذر. آلمته عيناه من التدقيق لكنه صمم معرفة الأمر والمشاهدة حتى النهاية. تعجب وتملكته الحيرة وهو يراهم يسكبون أشياء لم يتعرف عليها أو لم تتضح له، أهي عظام أم أجزاء حيوانات لا يعلم!
لكن الأمر به شيء هذا ما تأكد منه وذلك بسبب هذه السرية والحذر والتوتر المحيط بهم. سيعلم المخبأ هنا حتمًا. في الحقيقة راودته فكرة لا يعلم صحتها لكن هذا التفسير الأقرب للصواب. محاولة التخلص منه.. مكان معزول.. غريبو الأطوار.. أشياء تدفن. إنهم قتلة! جلس بتشتت وهو يهمس بحيرة: "يا ترى غفران تعرف السر ده ولا بيستغلوها.. وليه عزلوها عن العالم كدا.. يمكن متكونش بنت الراجل ده أصلًا." الحقنة!
"هي تعبانة، أو بتعاني من حاجة.. ليه الحقنة دي بتاعة إيه! جاء بعقله فكرة ما، وثب سريعًا وجذب الهاتف الخاص به ثم أخذ يبحث في خانة البحث عن حالات الاختفاء التي حدثت مؤخرًا. خرجت أمامه قائمة من الأسماء التي كان الشائع بينهم أنهم شباب طائش ومنهم أيضًا فتيات. أخذ يقرأ حالة اختفاء واحدة تلو الأخرى ومع الانتهاء منهم لم يسعه سوى الصدمة والتأكد أن هذا المكان الملعون وراء كل تلك الاختفاءات.
فمن خلال ما كتب عن طريق سير رحلة هؤلاء الشباب فإنه يمر من هنا ومن المؤكد أنهم سقطوا في تلك المصيدة كما حدث معه تمامًا. نظر للسماء متنهدًا وهمس بيقين: "أنا متأكد إنك وصلتني لهنا علشان هدف معين وحكمة إنت تعلمها وواثق إنك هتحميني للنهاية. وصلتني علشان أكشف الجرائم اللي بتحصل هنا وأوقف السلسلة دي. كن معايا يا الله ومد لي يد القوة والعون ويسر لي كل عسير يا أرحم الراحمين."
بسط سجادة الصلاة وأخذ يصلي ركعتين قضاء الحاجة بيقين وثقة وإلحاح على الله تعالى. *************** حين اشتدت ظلمة الليل قبيل الفجر الصادق، سارت خائرة القوة حافية القدمين وثوبها الأسود يرفرف من حولها، هبطت الدرج بهدوء مخيف مرتدية ثوبًا من طبقات الشيفون الأسود يصل لكعبيها بل ويجر خلفها. ملامح وجهها تنافس برودة الثلج وعيناها ثابتة في اللاشيء.
وقفت في الردهة الواسعة تنظر حولها بصمت وواصلت السير حتى جاءت تخرج من المنزل لكن جذب انتباهها أصوات منخفضة بعض الشيء لكن استطاعت تمييزها. إنه والدها وفتحية. لكن لماذا إلى الآن مستيقظون! اقتربت من الغرفة بهدوء لم تكن تعلم أن ما تسمعه سيغير مجرى الحكاية. صدمة لم تكن أبدًا بالحسبان!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!