اختبأت خلف تميم بحماية، تتمسك بقميصه، فلمرتها الأولى تواجه موقفًا مع فرد في مجتمع. لا تعلم ما نوع شعور تلك السيدة تجاهها. هل هذا حُب أم سيكون بُغض؟ تعجب تميم من ردة فعل والدته ولهفتها تلك، فتساءل باستغراب: -في إيه يا أمي؟ قصدك مين؟ أظن إنك متلخبطة أو بتشبهي على غفران. حركت رأسها بنفي بينما اندفعت دموعها من عينيها وهي تقول مشيرة نحو غفران: -لا لا يا ابني إزاي أتلخبط، إنتوا فاكرين عفيفة صاحبتي اللي حكيتلكم عليها؟
لما انقطعت أخبارها وكان عندها بنوتة. فاكر الجواب اللي وريتهولك يا تميم؟ وكانت بتطلب مننا ندور على بنتها لغاية ما نوصلها. وأبوك الله يرحمه دور كتير ومكانش ليها أي أثر وإنت كمان دورت كتير عليها. البنوتة دي نسخة تانية من عفيفة، كمان اسمها غفران ودا الاسم اللي كانت عفيفة متفقة معايا تسميه لما تتجوز وتجيب بنت. أنا واثقة ومتأكدة إن دي بنت عفيفة .. متيقنة.
اقترب تميم من والدته وهو ممسك بيد غفران الذي طمأنها بنظراته، ثم وضع يديه على أكتاف والدته وقال بهدوء: -إهدي يا أمي خلينا نتكلم بهدوء ونفهم كل حاجة. غفران لها ظروفها الخاصة واللي مرت بيه كان صعب جدًا متتصورهوش .. أنا تقريبًا عارف كل حاجة عنها وأبدًا مش شوفت والدتها جنبها. سحب غفران من يدها برفق وأمسك والدته يجلسها على الأريكة، ونظر لشقيقته تالين وقال بمرح لغفران:
-إيه يا أميرة غفران مش عايزة تتعرفي على تالين وترغوا سوا؟ متأكد إن دماغك هتصدع من رغي البت توتو كمان هي هتحبك جدًا. وبالمرة تغيري هدومك وتفرجيها على الحاجات اللي جبناها. ضحكت تالين بمرح وقد فطنت ما يريد تميم، واقتربت من غفران تمسكها من يدها ثم سرعان ما احتضنتها وهي تقول بمزاح: -والله البيت نور يا أميرة غفران يا مرات أخويا الغالي.
تعالي بقا علشان أصدعك وأشوف سي تميم جاب إيه واللي هيطلع على مقاسي نتقاسم فيه أنا وإنتِ يا حبيبة قلبي، كمان تعالي أفرجك على بيتنا المتواضع يا سمو الأميرة. ابتسمت غفران من لُطف تلك الفتاة وبدأت تشعر بالارتياح قليلًا، نظرت لتميم الذي أشار لها بتشجيع لتقف وتذهب بصحبة تالين التي سحبتها بمرح راكضة وهم يحملان الأكياس ليختفوا خلف الأبواب. تنهد تميم براحة فهو لا يريد ذِكر أي تفاصيل أمامها كي لا تزداد حالتها سوءًا. نظرت
له والدته بتساؤل قائلة: -في إيه يا تميم .. احكيلي. بدأ تميم يسرد لها كل شيء من بداية الحكاية، من فور ما وطأت أقدامه هذا المكان مرورًا بالأشياء الغريبة التي شعر بها، وتخبط غفران وحالتها، والدواء الغريب الذي كان يسيطر عليها والدها به. ومخططات هذا الرجل القذرة في قَتل كل من يمر بالمكان وتجارته بالأعضاء البشرية. ثم زواجه بغفران وهروبهم. لم يترك شيئًا إلا وسرده.
تصنمت والدته وهي لا تصدق ما سمعته، أهذه الأشياء موجودة في حياتنا؟ كيف يفرط المرء بولده هكذا. ولدها كان على شفا الموت ولولا لُطف الله وحمايته. نعم لقد ساق الله تميم إلى هذه البقعة لأجل غفران. الفتاة مُحطمة من كل جانب بسبب والدها. لقد أصبحت تعاني من رُهاب أي شيء! شهقت ببكاء وهي تتخيل حال غفران وسط هذه الذئاب، نعم لقد تيقنت أنها ابنة عفيفة. وهذا القذر يكون زوجها الملعون. همست ببكاء والدموع تغرق عينيها:
-يا حبيبتي يا بنتي ... ليه القسوة دي كلها يا تميم. أنا مش مصدقة إن ممكن حاجة زي دي تحصل يا ابني، ليه الدنيا اتقلب خيرها كدا. يا ترى عاشت السنين دي كلها إزاي وسط المجرمين دول .. حسبي الله ونعم الوكيل ربنا ينتقم منهم قادر يا كريم. حرك تميم رأسه بتأكيد حزين، وقال بألم: -غفران شافت كتير أوي يا أمي، كون إن هي متحملة لغاية دلوقتي فهي بطلة، وربنا يعيني إن أقدر أعافيها من كل اللي مرت بيه وأعوضها عن كل حاجة يا أمي.
ابتسمت سوسن وهي تمسح دموعها وقالت: -إنت حبيتها يا تميم .. حبيتها بالرغم من كل ده. قال تميم بلهفة ونبرة مليئة بالشغف والعشق: -غفران جواها أبيض أوي يا أمي، جواها لسه طفلة، لسه نضيف مش ملوث .. لا تعرف كره ولا حقد ولا غِل. عيونها بتنطق بالبراءة واللي جواها ملامحها بتنطق بيه .. يا أمي أنا قلبي وقع أسير لها وكانت حاجة غريبة بتشدني لها .. حتى مشاعرها نقية أوي ومميزة جدًا يا أمي .. حُبها ليا مُميز جدًا.
طاهرة والطُهر عنوانها بالرغم من كل اللي مرت بيه والقذارة اللي عاشت جواها بس دا مقدرش يتغلب على طُهر قلبها. هفضل جنبها وهعلمها كل حاجة وأدعمها لغاية ما تقف على رجليها وتقدر تواجه العالم كله. وربنا يعيني وأعوضها عن كل اللي فاتها. ابتسمت سوسن بفرحة ظاهرة وهي تهتف بحنان: -لو تعرفي كبرت في عيني قد إيه يا تميم. وإنت يا حبيبي تستاهل قلب غفران النقي، فخورة بيك يا تميم وربنا يهنيك يا حبيبي ويكتبلك كل الخير. وتابعت بحنين:
-مش متعجبة إن غفران تكون كدا، عفيفة كانت بتملك نفس القلب الطاهر الطيب ده ونفس الروح الجميلة، كل اللي بيشوفها بيحبها .. علشان كدا عمك إسماعيل كان بيحبها أوي كان مهووس بيها وانتظر على أحر من الجمر إنها تكبر شوية وتخلص جامعتها علشان يتقدملها ويخطبها بس الله لا يسامحها مرات أبوها .. دَمرت حياتها ورموها لواحد ظالم ميعرفش للرحمة طريق واحد مريض طلع كل عُقده فيها باسم الحُب المريض.
ومع ذلك عمك إسماعيل لسه وفي ليها وعايش على ذكراها لغاية دلوقتي، لو تعرف كسرته كانت إزاي يا تميم. أنا اتخطبت لأبوك وهو كان طاير من الفرحة وأخد أبوك وراح يتقدملها بس اترفض ومكانش عارف ليه، بس عرفت إن كان بسبب الظالمة مرات أبوها حسبي الله ونعم الوكيل. وفضل عايش عمك على ذِكراها... لقد اتضح لتميم كل شيء، ألهذا بقي عمه إلى الآن أعزب؟ شقيق والده الأصغر أربعيني أعزب، يقيم وحيدًا في أحد الشُقق السكنية مُنعزل عن العالم.
كان يتساءل كثيرًا حول هذا العم الذي كان بمثابة صديق له، لقد اتضح أنه ضحية الحُب والقدر. قال تميم بشرود وحزن: -يعني سبب اللي هو فيه دلوقتي الموضوع ده. ياااه دا بيحبها أوي ووفي جدًا لحبها .. حقيقي مش موجود حد كدا دلوقتي. بس للأسف يا أمي اللي عرفت عن موضوع أم غفران مش يبشر أبدًا. لأن غفران سمعت عن طريق الصدفة بالحقيقة، المجرم ده قَتلها وباع أعضاءها لما اعترضت على أفعاله. وكان مستعد يعمل أي حاجة ويأذي غفران.
شهقت سوسن ببكاء وهي تتذكر صديقتها التي كانت بمثابة شقيقتها وقالت بألم: -يا حبيبتي يا عفيفة .. شوفتي كتير يا حبيبتي. ربنا ينتقم منه ويحرق قلبه يارب.... وظلت تبكي ليجذبها تميم لأحضانها ليهدأها برفق. أما في الداخل نجحت تالين في كسر حاجز الرهبة الذي لدى غفران وهي تتحدث معها في شتى الأمور بينما يرتبون ملابسها الجديدة.
وفي هذه الأثناء جعلتها تالين تأخذ حمام دافئ تزيل به إرهاقها ثم أخذت تجفف خصلاتها النارية بحنان ورفق تحت نظرات غفران الممتنة وهي ترى أن شقيقة تميم تحمل بدمائها نفس طيبته ورفقه. أجلستها أمام المرآة وأخذت تمشط خصلاتها لتقول لها بصدق: -إنتِ حقيقي جميلة أوي يا غفران .. جميلة من جوا قبل جمالك الخارجي. ابتسمت غفران بخجل وقالت وهي تفرك يديها على هذا الإطراء الذي يقابلها للمرة الأولى: -شكرًا .. شكرًا يا توتو. -عيون توتو إنتِ.
وأكملت تالين بمرح أكبر وهي تُمسك فساتين غفران: -إيه رأيك تلبسي إيه .. ده ولااااا ده .. ولااااا ده. حركت غفران أكتافها وقالت بحيرة: -بصراحة مش عارفة هم كلهم حلوين. نظرت لهم تالين نظرة تقييمية ثم قالت: -بصراحة عندك حق، من رأيي خليكِ في الأبيض اللي في ورد سماوي ده .. مريح أكتر ومناسب للبيت ولا إنتِ إيه رأيك؟ تلمسته غفران بحنان وهي تتذكر أنه اختيار تميم، ابتسمت بحب وهي تهمس: -عندك حق .. جميل فعلًا. قبلتها
تالين على رأسها وقالت: -طب يلا يا جميل إلبسيه علشان بصي عندنا غدوة إنما إيه .. هتاكلي النهاردة أكل لما تتنفخي. هناكل محشي الست سوسو والكُفتة بتاعت الشيف تالين والبسبوسة اللي تميم بيعشقها. بس بصي عايزه رأيك مُفصل في كل حاجة .. أحبتها غفران لبساطتها ومرحها، وحقًا استطاعت أن تخرجها من بؤرة أفكارها السيئة وظنونها. ابتسمت لها غفران بامتنان وقالت: -أكيد حلوين علشان من إيدك يا توتو. -حبيبتي إنتِ.
وخرجت تالين حتى تتركها تبدل ملابسها. أخذت ترتدي الفستان وهي تتلمسه بنعومة، فستان رقيق أبيض منثور عليه ورود بلون السماء من القطن، ذا أكمام تصل لمنتصف ساعديها وطويل يصل لكعبيها، ضيق من الخصر وينتهي باتساع. تركت لخصلاتها المتموجة العنان خلف ظهرها، فكانت في غاية الجمال والرقة والنقاء. جلست على طرف الفراش بتردد وهي لا تعلم ماذا تفعل سوى الانتظار، تخجل أن تخرج.
بعد مرور بعض الدقائق سمعت طرقات على الباب، انكمشت على نفسها لتنفرج أساريرها حين وجدته تميم، وقفت وركضت نحوه وهي تهمس بلهفة: -تميم. تأملها بافتتان وعشق، أمسك يدها بلطف ثم أخذ يقبلهما بحب وحنان هامسًا: -عيون تميم وروحه يا حبيبتي. تخضب وجهها بخجل فوضع إصبعه أسفل ذقنها وجذبها نحو أحضانه ثم همس عاشقًا: -إنتِ جميلة أوي يا غفران، قلبك جميل أوي يا حبيبتي، وروحك أجمل. إنتِ نعمة ربنا عليا وعوضي الجميل. بحبك يا غفران...
بحبك خليكِ معايا وخليكِ بخير علشان أنا.. لم تصدق أن غفران صاحبة اليد الملوثة بالدماء من يُقال لها هذه الكلمات، كل هذا الحب لها! كل هذا الحنان والدفء لها! تميم وقلب تميم لها! ماذا فعلت في حياتها خيرًا لتجازى عليه هكذا!! رفعت عينيها المليئة بالدموع تنظر إليه وقالت له: -وأنا بحبك يا تميم. روحي فداك يا تميم. إنت منقذي والجندي اللي ربنا بعته ليا، إنت الإيد اللي اتمدت لي في وسط الضلمة وأنا مستحيل أسيبها بس إنت مش تسيبني.
إنت اللي أعرفه من وسط كل العالم ده يا تميم. إنت عالمي. طبع قبلة على رأسها ثم أخرى على وجنتها وأخرى على وجنتها الأخرى... وأخرى على أنفها. ووضع جبينه على جبينها متنهدًا وقال: -أبدًا يا غفران أبدًا يا أميرة قلبي مفيش حد بيسيب روحه، ويلا تعالي عندنا كلام كتير نقوله كمان تعالي علشان تدوقي أكل البت توتا والبسبوسة بتاعتها. ابتسمت بهدوء وقالت بصدق: -بصراحة أنا حبيتها أوي، لطيفة جدًا وقلبها طيب شبه قلبك.
ضحك بشغف ثم قرص وجنتها بمرح قائلًا: -اممم دا اعتراف منك يعني إن قلبي طيب بس أنا ساعات بكون شرير... واصبري الأيام قدامنا وهتعرفي تميم بيكون إمتى شرير. ثم أمسك يدها برفق وخرجا من الغرفة بينما هي متمسكة به بقوة فهو سبيلها لكل شيء في هذه الحياة الجديدة، ظلت منكسة الرأس تشعر بالتذبذب والخجل. كانت سوسن تتأمل غفران بعيون حانية تكابد عدم البكاء كي لا تتسبب في هلعها. وقفت بجانب تميم بالكاد تختفي خلفه، ابتسمت
سوسن بهدوء وهتفت برفق: -غفران... حبيبتي ممكن أسلم عليكِ، مش عايزة تتعرفي عليا ولا إيه؟ رفعت عينيها الصافيتين لتميم فحرك رأسه بإيجاب يشجعها في التحرك، وبالفعل سارت باتجاه سوسن التي تناظرها بلهفة ووقفت أمامها لتتأملها بعدم تصديق وهي لا تصدق هذا الشبه المماثل، تكاد ترى أمامها رفيقتها عفيفة. رفعت كفيها تكوب وجهها بحنان وهمست بحنو: -إنتِ جميلة أوي يا غفران شبهها. لو تعرفي دورت عليكِ قد إيه يا حبيبتي.
ثم جذبتها برفق تحتضنها بحنان أم لم تتذوقه غفران يومًا ما. حرمت من عناق الأم، ليس فقط الأم بل وكل عناق يعبر عن أي تحنان. في الحقيقة لم تستطع غفران مقاومة هذا الدفء وبادلتها عناقها منغمسة به باستمتاع تجرب هذا الشعور لمرتها الأولى، وفاضت عينيها بعبرات الحرمان. طوقتها سوسن بقوة وأخذت تربت على ظهرها بترفق. تأثرت تالين بهذا المشهد بينما قبض تميم على يديه بشدة وهو يدرك حجم الحرمان الذي عانته غفران، لقد حرمت كل شيء...
حتى حرمت حقها في الحرية والعيش!! لكنه أقسم بأشد الأيمان الواجبة البر أن يعوضها كل ما فاتها. تنحنحت تالين وهي تقول بمرحها المعتاد محاولة إخراجهم من هذه الحالة: -إيه يا جماعة الخير مش هناكل ولا إيه؟ الأكل برد وأنا جعانة يا ناس. ضحكوا جميعًا والتفوا حول المائدة لتلزم غفران جانب تميم فيبتسم لها بحب وتبتسم والدته بسعادة. قالت تالين بحماس:
-يلا يا غفران ذوقي كدا اللحمة دي أنا عاملاها بطريقة مختلفة جدًا تختلف عن أي حاجة ذوقتيها صدقيني. نظرت غفران لقطعة اللحم بنفور شديد وذكريات أليمة تداهم عقلها، فهي نظرًا لما كانت تراه من تمزيق الجثث لم تتذوق اللحم في حياتها يومًا ما، لديها رهاب منه وتشمئز منه نفسها. تطلعت بها غفران بحرج ولا تعلم كيف ترفض أو كيف تفسر لهم!! أدرك تميم الموقف ليقول بهدوء لشقيقته دون أن يتطرق لأي شيء:
-غفران معدتها تعبانة شوية يا توتا والدكتور مانعها من أكل اللحوم لمدة معينة. شعرت تالين بالخيبة وتنهدت غفران براحة لتقول لتالين بتقدير: -أنا متأكدة إنها جميلة زيك يا تالين. ولما أخف لازم توعديني إنك هتعمليهالي علشان أذوقها. وبعدين النهاردة عندي أكلات كتير أذوقها وفي بسبوسة ولا إيه؟ حركت تالين رأسها بإيجاب وهي تقول برضا: -طبعًا طبعًا أكيد. وفي جو أسري هادئ دافئ لم تحظَ به غفران يومًا ما أخذت تتناول طعامها بشهية.
حل الظلام وظلوا يتسامرون بشتى الطرق المرحة مخرجين غفران من كبوتها. قالت سوسن بفرحة: -إن شاء الله نعملك أحسن حفلة زفاف يا غفران والدنيا كلها تعرف إنك خلاص بقيتِ زوجة تميم حسين نعمان. ابتسم تميم وقال بتأكيد: -إن شاء الله يا أمي. تأخر الوقت وداهم النوم أعين غفران إرهاقًا. قالت سوسن بابتسامة بشوش: -يلا علشان نسيب غفران ترتاح. غفران هتنام مع تالين لغاية ما يبقى في إشهار وإنت تنام في أوضتك يا تميم.
وعندما سمعت غفران هذا وقبل أن يجيبها تميم تمسكت به بلهفة وخوف تحت تعجب تالين، ربت تميم على يدها وهو ينظر لعينيها المذعورة بطمأنينة وهمس لها: -متخافيش أنا معاكِ يا غفران مش هسيبك. تشبثت به أكثر وهي تقول برجاء وأعين دامعة: -تميم مش تسيبني... مش إنت وعدتني؟ قبل رأسها برفق وقال بحنان: -حبيبتي اهدي أنا معاكِ يا نور عيني. نظر لوالدته وقال لها وهو ينظر نظرة ذات مغزى: -مفيش داعي يا أمي... غفران هتنام معايا في أوضتنا.
تفهمت والدته على الفور مقصده وحركت رأسها بإيجاب قائلة وهي تتوقف: -خلاص مفيش مشكلة يا تميم... يلا تصبحي على خير يا غفران. وأشارت لتالين قائلة: -يلا يا تالين متتأخريش في السهرة. وثبت تالين وهي تتمطأ وقالت: -أيوا أنا تعبت النهاردة... يلا تصبحي على خير يا غفران... تصبح على خير يا تميم. اكتفت غفران بتحريك رأسها مبتسمة بينما هتف تميم بحنان: -وإنتِ بخير يا توتا. التفت لغفران وابتسم لها بحب وهو ينتصب وهتف بصوت دافئ:
-يلا إحنا ننام يا غفران. أردفت بصوت مهتز وهي تلتفت حولها فتلك الليلة الأولى لها في هذا المكان الغريب، لكن كل البقاع بتميم تصبح أوطان: -يلا... أنا عايزة أنام. دلف لغرفته وهو يصطحبها لتقف في منتصف الغرفة تتأملها، غرفة شبابية باللون الأبيض وأثاثها باللون العسلي. فركت يدها بتوتر لاحظه تميم فاقترب منها وهمس وهو يرفع خصلة شاردة عن عينيها: -غفران حبيبتي عايزك تطمني...
هنا المكان آمن ومحدش يقدر يأذيكِ عايزك تاخدي راحتك لإن بيتي هو بيتك يا قطتي... اتفقنا؟ حركت رأسها، فقرص وجنتها وقال بمرح: -لا أنا عايز أسمع صوتك الجميل يا قطة. ابتسمت وقالت: -مش خايفة أبدًا وأنا معاك يا تميم، متحمسة لحياتي معاك. قبل رأسها وتركها ليبدل ملابسه بينما جلست على الفراش تتأمل الغرفة وهناك قلق خفي تشعر به لا تعلم سببه.
بسط تميم سجادة الصلاة وأخذ يصلي ركعتين قبل خلوده للنوم لتظل تتأمله بشوق وفضول داخلها أن تتعلم ما يعلمه. انتهى من صلاته ليجدها تنظر له بشدة وتقول بلهفة: -تميم أنا عايزة أصلي زيك... علمني ممكن؟ انتصب واقفًا وسار نحوها لتطرق برأسها خجلًا فمن بمثل عمرها يعلم كل هذه الأشياء وهي إلى الآن تجهل كل شيء عن دينها. جلس بجانبها وأمسك يدها بحنان وقال: -دا شيء أكيد يا غفران... هعلمك كل حاجة.
بصي يا أميرتي قبل الصلاة وشرط علشان تكون صلاتك صحيحة لازم الوضوء والطهارة فهماني؟ يلا تعالي معايا علشان نتوضى. قفزت بحماس وهي تسحب يده وتقول: -يلا يلا بينا يا تميم... علمني. ابتسم على حماسها وسار حتى وقف أمام حوض غسيل الوجه، أوقفها أمامه ووقف خلفها وهو يفتح الصنبور ثم أمسك يدها يضعها تحت الماء وهو يقول بخفة كي لا تخجل من جهلها: -أول حاجة نغسل الإيدين الحلوين دول كدا ونخلل الصوابع الجميلة دي.
وبعدين المضمضة كدا وبعدين نستنشق ونغسل الوجه الجميل ده. وفعل كل شيء أمامها لتفعل مثله، ثم أكمل يقول: -وبعدين نغسل الذراع لغاية الكوع، ونمسح الشعر الجميل ده كمان الودن اللي عايزة الأكل دي. كانت تضحك بسعادة من مرحه وهي تشعر براحة عجيبة، بينما قبل تميم رأسها وهو يكمل: -وأخيرًا نغسل الرجلين الصغيرة دي، وكدا نبقى اتوضينا. أيه رأيك سهل ولا صعب وحفظتي الترتيب؟ رددت بأعين مليئة بالحماس:
-لا سهل جدًا، وحفظت كمان، أغسل إيدي وبعدين المضمضة وبعدين الاستنشاق وبعدين أغسل وشي وأمسح شعري وودني.. وأغسل إيدي للكوع ورجليا.. شوفت أنا شطورة إزاي وهسمع الكلام. حملها يدور بها وقال: -بارك الله فيكِ يا قطتي، متأكد إنك هتبقي طالبة شطورة جدًا ولكِ عندي هدية هتعجبك أوي. قفزت بمرح وهي تشعر بالسعادة هذه للمرة الأولى، تشعر أنها تُحلق في السماء، هتفت بفضول وهي تتعلق بذراعه: -قولي أيه.. وريني. ضحك على فضولها ثم
قال وهو يبسط سجادة الصلاة: -الأول نصلي وهديهالك.. علشان نصلي لازم تحفظي الفاتحة وفي البداية سورة من قِصار الصور... مستعدة تحفظي أول آيات القرآن؟ رفرفت بأهدابها وصاحت بحماس: -جدًا جدًا يلا يلا بسرعة. بدأ تميم يردد آيات الفاتحة وغفران تُردد خلفه بتركيز ثم تبعها بترديد سورة الإخلاص والمعوذتين لتُدهشه غفران بسرعة حفظها وقبل أن يُعيد للمرة الثالثة أخذت تتلوها هي عليه.
يبدو أنه يوجد طفلة تمتلك من النباهة والذكاء ما سيجعلها مُميزة. طبع تميم قُبلة على رأسها وقال بتحفيز: -ربنا يبارك فيكِ يا غفران ما شاء الله تبارك الرحمن، متأكد إن ربنا هيمدك بعون كبير. الأول إحنا عندنا خمس فروض في اليوم والليلة، اليوم بيبدأ بصلاة الفجر وبتكون ركعتين، وبعدين الظهر وبيكون أربع ركعات، والعصر أربعة بردوه، وبعدين المغرب تلاته، والعشا أربعة.
دي الفروض طبعًا كل فرض بيبقى ليه سُنة، والسُنة دي الرسول صلاها وإحنا بنصليها تقرُبًا منه واقتداءً به.. وواحدة وواحدة هقولك عليها. قالت بتصميم وهي تسحب يده: -لا لا قولي عليهم يلا.. عايزة أعرفهم من الأول كدا. ابتسم لها وأخبرها: -الفجر ليه ركعتين سنة قبله، الظهر ليه أربعة قبله واتنين بعد الفرض، والعصر مش ليه سُنة مؤكدة، المغرب ليه اتنين بعده، والعشا ليها اتنين بعدها.
وبكدا يبقوا ١٢ ركعة، والرسول بيقول إللي بيصلي ١٢ ركعة في اليوم والليلة ربنا بيبني ليه بيت في الجنة. وخطوة بخطوة هتبدأي تلتزمي بيهم إن شاء الله، وأنا معاكِ هعلمك كل حاجة. كانت تستمع له بإنصات وفضول شديدين وقالت: -طب يلا علمني أصلي إزاي. بدأ يُصلي أمامها بصوت مرتفع ويتأنى لتحفظ كل شيء ويعلو صوته بدعاء السجود والركوع والتحيات التي أخذ يكررها لها إلى أن حفظتها. نظر لها وقال: -كدا عرفتيها ولا أكرر؟
-لا لا فهمت جدًا وأعرف أصلي لوحدي خلاص. ابتسم لها وأخبرها بهدوء: -تعرفي وإنتِ بتصلي بتكوني في أي وضعية أقرب إلى الله؟ تساءلت باهتمام: -إمتى؟ -وإنتِ ساجدة، علشان كدا الرسول بيقولنا أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا من الدعاء. تقدري وإنتِ ساجدة تطلبي من ربنا أي حاجة وتدعيه بكل إللي بتتمنيه، كمان عودي نفسك قبل ما تسلمي من الصلاة وبعد التحيات يكون لكِ دعوة، لأن لكِ دعوة مُجابة قبل الفراغ من الصلاة.
حركت رأسها بلهفة ليسحب الرداء الخاص بالصلاة الذي ابتاعه لها وقال: -طبعًا المرأة وهي بتصلي لازم تكون مُستترة وساترة لكل العورة.. وجسد المرأة عورة كله ماعدا الوجه والكفين، تقدري تلبسيه وتصلي وكدا تمام. حركت رأسها وأخذت ترتديه فوق ملابسها، ثم جمعت شعرها ووضعت غطاء الرأس، ليقترب تميم ويقوم بلفِّه لها وإحكامه، نظر لها بحُب وقد زانها وزاد جمالها. لثم جبهتها وهمس لها: -جميلة يا غفران والحجاب بيزيدك جمال.
وقفت أمام المرآة مندهشة غير مصدقة ما تراه، تشعر أنها ترى أخرى غيرها. دارت حول نفسها بسعادة وأمسكت يد تميم قائلة بامتنان: -شكرًا يا تميم.. بجد شكرًا على كل حاجة. قبل يدها وقال بأعين مليئة بالحُب: -مش أنا إللي لازم تشكريه يا غفران. وأشار نحو سجادة الصلاة وقال: -يلا اشكريه هو صاحب الفضل. حركت رأسها وهي تسير حتى وقفت على سجادة الصلاة برهبة وشعور غريب لكنه جميل ينتابها وهي تستدرك أنها الآن بين يدي الرحمن.
رفعت يدها للأعلى مثل ما علمها تميم وقالت بقلب ينتفض وهي تستشعر معاني هاتين الكلمتين: -الله أكبر. وبمجرد ما شرعت في الصلاة ودون أن تشعر فاضت عيناها بالدموع وهي تستدرك رحمات وحنان لم تشعر به من قبل.. عِناية فائقة.. كانت ترتعش مثل الورقة أسفل شتاء فبراير وهي تُردد آيات الله. وعندما انحنت تسجد انفجرت في بكاء عنيف يصحبه شهقات مكتومة. احترم تميم لحظاتها فخرج للشرفة ليتركها براحة أكثر.
أخذت تبث له كل ما مرت به وتروي له ما حدث وتسأله إن كانت تستحق الغفران، وتخبره أنها تريد أن تصبح إنسانة جيدة وتُكثر من الدعاء. همست في سجودها ببكاء: -أنا مكونتش عايزة أعمل حاجات غلط، مكونتش عايزة أبقى وحشة وأزعلك مني، أنا مكونتش عايزة أأذيهم وأعمل حاجات إنت قولت عليها لا. وظلت غفران بقلبها المتلعثم تبث لله كل ما يعيقها، وأصبحت متيقنة أن لها ملجأ دافئ تهرول نحوه وقوي لن يتركها وسيظل مددًا لها.. إنه الله.
انتهت ليبتسم لها تميم ويُشير نحو فراشه ويُجلسها فوقه وهو يرتبه لها وقال: -نامي يا غفران.. إنتِ تعبتي النهاردة كتير. وسحب وسادة وهو يقول: -أنا هنام جنبك على الكنبة هنا.. نامي براحتك. قالت باعتراض: -طب سيبني أنام على الكنبة وتعالى نام هنا. قضم وجنتها وهو يدثرها وقال لائمًا: -عيب كدا يا قطتي.. ويلا تصبحي على خير. ***** صفعة تليها الأخرى وقد تناثر الدم من فمها وأنفها وأصبحت حالتها مزرية. صرخ بغضب أعمى:
-بنتك هربت يا عفيفة... هربت مع الواد إللي كان هنا، كنت عارف إن الواد ده مش ساهل. طوى شعرها حول يده وجذبها بعنف بينما أطبق على فمها بقوة وهو يقول بفحيح أفعى: -بس أنا عارف هاجيبها إزاي يا عفيفة.. عارف هتيجي جري إزاي.. إنتِ الكارت الأخير معايا يا عفيفة، لازم تعرف إن أمها إللي متعرفهاش عايشة. هبطت دموعها وأمسكت ذراعه تتراجاه:
-لا لا يا شهاب.. سيبها في حالها حرام عليك، كفاية عليها سيبها تعيش حياتها دي بنتك يا شهاب.. أنا هنا اقتلني خلص عليا وبيع أعضائي زي ما كنت عايز تعمل زمان بس سيب غفران بالله عليك ما تأذيها. ألقاها بعنف لتصتدم بالأرض بقوة وضربها بقدمه وهو يصيح: -هدفنك إنتِ وبنتك في قبر واحد يا عفيفة. وخرج وهو ينادي: -فتحية... زايد... بركااااات.. إنتِ يا فتحية. ظل ينادي لكن لا أحد ولا مُجيب.
هرول يبحث في جميع الأركان ثم هرول نحو غرفته، وقف مصدومًا وقد علم لماذا لا يُجيب الجميع وأين ذهبوا. وجد الخزنة تم كسرها وقد سُرقت كل محتوياتها. لقد تمت خيانته. اتقدت أعينه بالنار وهو يتوعدهم بالكثير. -والله لأصفيكم يا خونة وهدفعك تمن الخيانة دي غالي أوي. ***** ظلت تتلوى في الفراش وتعرّق وجهها وهي تتحرك بعنف...
بين الظلام.. وجُثث من تم التخلص منهم يلفونها.. ثم والدها الذي يقف لها بسكين طويل ويبتسم لها بخبث بينما يُشير لها.. الدماء تُغرق المكان.. الجُثث فارغة من أعضائها تسير نحوها للفتك بها بينما هي تعود للخلف بخوف، لتسقط في شيءٍ دافئ، نظرت على جسدها لترى ملابسها البيضاء تصبغت بلون الدماء، رفعت يديها أمام وجهها بصدمة لتشهق وهي تراها ممتلئة بالدماء...
جاءت تنهض لتركض لكن لم تستطع كأن جسدها التصق بالأرض.. ظلت تحاول وتحاول وهي ترى اقتراب الجُثث منها بذعر.. وضعت يدها على وجهها محتمية بها بينما ينهالون فوقها لتصرخ بصوتها كله وهي تبكي بعنف. كان هناك صوت يأتي من بعيد كان بمثابة الضوء وسط دُجى الظلام: -غفران.. فوقي يا حبيبتي.. دا كابوس.. فوقي يا غفران.. إهدي.. إهدي. شهقت بقوة وهي تقفز مستيقظة لتلتقفها أحضان تميم الذي طوقها بحنان يربت على ظهرها يبثها الطمأنينة وهو يهمس:
-دا كابوس.. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.. إهدي يا غفران دا كابوس يا حبيبتي. كانت ترتعش بينما وجهها متعرق وقالت دون وعي من بين شهقاتها والرعب يتملكها: -مش هيسبوني... هيموتوني.. دم.. هما كتير.. بابا. مسح العرق البارد المُتجمع فوق جبينها وربت على خصلاتها يُعيدها للخلف ومال بها وهي بأحضانه على الفراش ويده تسير على جسدها محاولًا بث الطمأنينة إليها.. سحب الغطاء فوقهم لتتشبث به بلهفة وتقول برجاء من بين بكائها:
-لا.. متسبنيش يا تميم... خليك معايا. زاد من احتضانها إليه وقبل رأسها قائلًا: -أنا هنا يا عيون تميم.. خلاص انتهى، أنتِ في أمان. وظل يتلو آيات القرآن وهو يمسد على جسدها بحنان حتى غفت وذهبت في سبات عميق بين أحضانه. هذا ما كان متيقنًا منه تميم؛ أمامه طريق طويل حتى تتعافى غفران، لذلك لم يرد أن يجعلها تنام في غرفة شقيقتها. *****
تشرق الشمس في كل العالم باستثناء تلك الغرفة التي سكنها الظلام عشرين عامًا. جسدها ازداد نحولًا من سوء التغذية، وشحب وجهها شحوب الأموات، والجروح تملأ جسدها ووجهها. آثار القيود على قدميها ويديها دامية. استندت على الأرض وهي تشجع نفسها، فهي لن تترك ابنتها لهذا المريض... ستعافر لحمايتها حتى وإن كانت روحها الثمن. وقفت خلف الباب ثم همست برجاء وهي تنظر لأعلى:
-عشرين سنة مقصرة في حقك يا رب، بس كنت معاك بقلبي وأنت عالم باللي أنا فيه، أنا مش معترضة على قضاءك يا رب ولا زعلانة وأكيد ده لحكمة أنت تعلمها. بس بترجاك يا رب ساعدني... وأحمي بنتي... أحمي غفران يا رب أنت أحن عليها مني. يا رب ساعدني أخرج من هنا علشان ألحقها يا رب.
وشرعت وقد تلاشى ضعفها رغم هزلها تسحب الباب القديم بمثابرة وعزم تحاول فتحه. جلست في الأسفل وملابسها البالية تتكوم حولها ثم أخذت تسحب الباب من عقبه بقوة رغم جروح يديها. -يا رب... يا رب... بسم الله.
وقفت مصدومة ولم تصدق ما رأته حين انخلع مقبض الباب وانفتح على مصراعيه. خرجت بهدوء وهي تسير بقدميها الحافية ببطء بينما تنظر حولها بحذر. كان الهدوء يعم الأرجاء ولا يبدو وجود أحد. هرولت للخارج وحين صدمتها نور الشمس وضعت يديها على عينها متألمة. لكن لا وقت للألم... هرولت بتعثر وتعرج نتيجة جروح قدميها وأيضًا كانت حافية.
ولجت الغابة تركض بكل عزمها متجاهلة آلامها تحاول أن تبتعد أكبر قدر ممكن قبل أن يكتشف هروبها. استندت على ركبتيها تلهث بشدة محاولة التقاط أنفاسها لمواصلة الركض. لكنها جزعت مصدومة حين سمعت صوت سير على أوراق الأشجار مصحوبة بصوت غريب متقطع. وثبت واقفة وهي تنظر خلفها برعب لكن سرعان ما انفرجت أساريرها وهي تقول بحنين: -ملار. أشارت له مبتسمة ليتوقف الذئب برهة ينظر إليها فتقول: -ملار أنت نسيتني... أنا عفيفة أم غفران.
وكأنه فهم ما تقول فركض نحوها لتسقط محتضنة عنقه وهي تمسد على فروه بينما هو يشم في رائحتها ليطمئن أنها هي. -ملار كبرت قوي زي ما غفران كبرت... وحشتيني قوي يا ملار. مسدت على رأسه بينما يصدر صوتًا متألمًا لتنظر داخل عينيه وتقول: -متعرفش مكان غفران يا ملار؟ ممكن توديني ليها؟ ملار عايزاك تفضل معاها وتحميها. لوى رأسه كأنه يفهم ما تقول. وسار مسرعًا لتركض خلفه وهي تقول له:
-هتعرف تخرجني من هنا يا ملار قبل ما غفران تيجي علشان الفيديو اللي الحقير بعته؟ ***** باعدت جفنيها عن فيروزتيها الصافية لتجد نفسها تنام فوق صدر تميم براحة وهو يحيطها بحنان. تنهدت بعمق وهي تتذكر أحداث كابوسها المعتاد، هذه ليست المرة الأولى وبالتأكيد ليست الأخيرة، لكن المختلف هذه المرة وجود تميم بجانبها. رفعت رأسها تتأمله بحب...
الكلمات غير جديرة بوصفه. لقد أصبحت روحها معلقة به، ولم يكن تعلقها به تعلق حبيبة بحبيبها، إنما تعلق مقيم بوطنه. كانت تعاني العمى... وهو من كان دليلها. جذب انتباهها صوت تنبيهات متتالية من هاتف تميم الموضوع بجانب الفراش، مدت يدها تلتقطه محاولة إصماته كي لا يزعج تميم في نومته، لكن لا فائدة بطلت محاولتها. تململ تميم في نومته ليستيقظ... قبل رأسها الموضوع على صدره بحنان وهو يهمس: -صباح الورد على قطتي. رفعت
رأسها مبتسمة بهدوء وقالت: -صباح الخير يا تميمي. مد يده يدغدغها كالأطفال لتنطلق ضحكاتها وقال: -إيه الصباح الرايق ده يا عيون تميم؟ قالت من بين ضحكاتها: -تميم... خلاص ما عدتش قادرة يا تيمو. ضحك بصخب وجذبها لأحضانه مقبلًا جبينها. مدت يدها له بهاتفه وقالت: -موبايلك من ساعتها بيعمل صوت كتير، شوف فيه إيه. أخذه ليفتحه وهو يقول: -أما نشوف يا ستي الموبايل.
استندت على كتفه تنظر بفضول لكن تجمد كلاهما وهم يرون مقطع فيديو مرسل لتميم به امرأة معذبة ليظهر والدها وهو يقول: -غفران بنوتي حبيبتي... كنت عايز أعرفك على حد مهم يا حبيبة بابا. تعرفي مين دي؟ هتتفاجئي... دي أمك يا غفران. حبيبتي عفيفة... هي كده كده محسوبة إنها ماتت، قدامك ساعة زمن تكوني قدامي... أو هخلص عليكِ. زي ما الكلب اللي اسمه تميم خرجك من هنا... يجيبك تاني...
ولازم يجي معاكِ. وإياكم تلعبوا بديلكم وإلا هتكون أمك الغالية مع الأموات. سلاااام يا حلوين... وعفيفة المكممة الفم تحرك رأسها بلا بجنون لكنه سارع بإغلاق الفيديو. قفزت غفران من فوق الفراش وانفجرت في بكاء عنيف وهي تسير ذهابًا وإيابًا في الغرفة: -ماما... ماما... ماما عايشة أيوه أيوه هي أمي. ماما عايشة يا تميم... لا هو هيقتلها لازم ألحقها... لازم أروح. قفز تميم نحوها وهو يلتقفها بين ذراعيه يحاول السيطرة عليها لتضربه
بجنون وهي تصرخ ببكاء: -مااااماااا... سيبني أروح عند ماااامااا يا تميم. -اهدي يا غفران... اهدي يا حبيبتي... هيأذيكِ يا غفران هيأذيكِ... هنشوف حل وأنا مش هسيبها هنقذها بس بلاش أنتِ. صرخت ببكاء وهي تتمسك به بانهيار وهو يجاهد في ضمها إليه. بينما في الخارج كانت سوسن وتالين سعيدة بسماع ضحكاتهما ليتفاجآ بصراخ وبكاء غفران. هرعت سوسن إلى الغرفة خلفها تالين ليصدموا بهذا المشهد. ركضت نحوهم وتساءلت بصدمة:
-فيه إيه يا تميم مالها غفران؟ أوعى تكون أذيتها يا تميم. حرك رأسه بنفي ومد يده بالهاتف بينما يطوق غفران بذراعه الأخرى.
ارتعش جسد سوسن وهي ترى أمامها رفيقتها عفيفة التي بهتت ملامحها وأصبحت في حالة يرثى لها، لو لم تكن تحفظها عن ظهر قلب ما تعرفت عليها. انهارت ساقطة على الفراش واضعة كفيها على وجهها بصدمة. اقتربت تالين تنظر للهاتف بعد أن سردت لها والدتها كل شيء يتعلق بغفران ووالدتها لتصعق من هذا المنظر هي الأخرى. جلست بجانب والدتها تدعمها، لترفع سوسن رأسها بقوة وقالت بحسم: -تميم أنت لازم تبلغ الشرطة...
لازم تنقذ عفيفة، لازم القذر ده ياخد جزاءه. بلغ الشرطة يا تميم. صرخ تميم بعذاب: -مينفعش يا أمي... غفران هتتأذى لما يحققوا في موت الضحايا ولما يعرفوا كان إيه اللي بيحصل في المكان، محدش هيصدق إنه كان بيرغمها وبيعطيها عقار يخليها تفقد السيطرة على نفسها. هتتأذى يا أمي. صاحت به غفران وهي تتمسك بملابسه برجاء: -مش ليك دعوة بيا يا تميم... بلغ ومش مهم أنا، المهم أنقذ ماما... أنا لازم أروح علشان أضيع وقت وأنت بلغ الشرطة...
وخليك أنت علشان هو عايز يأذيك... عايز يخلص عليك. هتف بجنون: -لا... لا يا غفران مش تبقي أنانية، أنتِ وعدتني إنك هتكوني بخير... مقدرش يا غفران. هنروح سوا وكل حاجة هتبقى تمام، متنسيش إن ربنا موجود وهو الحافظ... وأنا واثق إن هينقذها ويحميكِ. عادت للخلف وهي تقول بانهزامية بينما وجهها غارق بالدموع:
-الظاهر إن لازم أدفع التمن يا تميم. اللي زيي ملوش إن يعيش سعيد، في الحكاية دي لازم اللي ينتهي أنا. أمي لازم تعيش علشان ربنا يعوضها لأنها اتعذبت كتير. مسحت دموعها وقالت بإصرار: -أنا همشي... لازم أروح لأمي. قال هو بقوة: -وأنا معاكِ يا غفران ومن غير ولا كلمة. قالت سوسن بهلع: -كده غلط... مش لازم تروحوا للمجرم ده لوحدكم. لازم تبلغ الشرطة يا تميم. سحب تميم مفاتيح سيارته الإضافية ثم خرج وهو يجذب غفران وقال بيقين صادق:
-أنا واثق إن ربنا هينصر الحق يا أمي، وواثق إن هيقف معايا النهاردة، وإن شاء الله نرجع ومعانا أمي عفيفة كلنا سالمين. بس دعواتك يا أمي. وخرج لتسقط وهي تبتهل إلى الله وترجوه ببكاء عنيف أن يحفظهم ويعودوا سالمين. أضاءت بعقلها فكرة ما لتنتصب وهي تمسك هاتفها وتسأل المولى أن ييسر لهم العسير. *****
اخترق الغابة يقود السيارة بأعصاب مشدودة لم يتوقف لسانه عن الدعاء ليحفظها الله ويمر هذا الموقف على خير، مجرد فكرة أنها سيصيبها مكروه تفقده صوابه. بينما غفران فكانت جالسة تقبض على فستانها وهي جامدة، ترسم بعقلها ألف سيناريو لما سيحدث. تتخيل لقاءها بوالدتها... وكيف سيكون عناقها!! تخاف أن يحدث لها شيء أو أن يصيب تميم مكروه بسببها. تنهدت بثقل وقالت بثبات: -تقدر توقفني هنا وأنا هعرف أوصل يا تميم وترجع أنت. صاح
بغضب منفلت بسبب إصرارها: -كفاية يا غفران أنا مستحيل أرجع ومستحيل أسيبك ريحي نفسك. هتفت باعتراض: -بس أنا خايفة يأذيك. -لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا. كان ينظر لها وحين جاء يستدير ينظر للأمام ضغط على المكابح بقوة حين رأى ركض الذئب أمام سيارته. صرخت غفران بفرحة وهي تهبط من السيارة: -ملار... "ملار، إنتَ كويس؟
مسَّد عنقه ليصدر أصواتًا غريبة وهو يسحبها من ملابسها ويسير بها بين الأشجار، تعجبت من حالته تلك وبكونها تعلم كل سلوكه تؤكد وجود أمر ما مهم جدًّا. ركض تميم خلفهم بتعجب لتجحظ أعينه بصدمة حين رأى تلك السيدة الهزيلة تستند على أحد الأشجار تتنفس بصعوبة وللوهلة الأولى تأكد بأنها عفيفة. أسرعت نحوها غفران لتقف أمامها بجسد يرتعش وقد أيقنت بأنها والدتها، لا كلمات تصف هذا الموقف. همست بصوت مرتعش بكلمة تمنت نطقها وكانت
تبحث عن صاحبتها كالمجنونة: "ماما." فتحت عفيفة أعينها بصدمة وهي لا تصدق ما سمعت، رفعت أعينها التي حاوطتها هالاتها السوداء فكانت كالقمر الفيروزي وسط دجنة السماء. ارتعشت أقدامها وسقطت بأقدام هلامية بينما فاضت أعينها بدموع حارة، ارتعشت شفتيها وأخذت تتمتم بجنون وعدم تصديق: "غفران... غفران... بنتي... صح غفران... لا لا جيتي ليه هيأذيكِ." ألقت غفران جسدها بأحضان والدتها تنعم بعناق دافئ للمرة الأولى وهي تشهق باكية: "ماما...
أمي... ماما أنا مش مصدقة، أنا عندي أم أنا عندي أم... ماما عايشة، أنا كنت... وسقطت الكلمات منها لتشدد عفيفة من عناقها وهي تمسد على رأسها وجسدها بينما تقبلها بلهفة: "نور عيوني يا بنتي... أنا هنا... أفديكِ بعمري يا غفران أفديكِ بروحي يا بنتي." وظلوا على هذا الحال أكثر من العشر دقائق بينما يشاهدهم تميم بقلب موجوع لكنه شعر بالخطر لوجودهم في هذا المكان أكثر من هذا. وحمد الله بداخله على هذا التيسير. اقترب منهم وقال بهدوء:
"أمي عفيفة... غفران لازم نمشي من هنا في أسرع وقت." رفعت عفيفة رأسها له لتضيق عينيها برهة بينما قالت: "الشكل ده حاسه إني شوفته قبل كدا... مش غريب عليا." ابتسم بهدوء بينما جلس على أعقابه أمامه وقال: "أنا تميم... ابن أختك وصاحبة عمرك سوسن." ونظر لغفران وقال بحب: "وزوج بنتك غفران." شهقت بفرحة وجذبته لأحضانها وهي تقول بسعادة تعانق السماء وامتنان: "تميم... حبيب أمك يا تميم...
إنت نجدتي أنا وبنتي من السماء يا حبيبي، شكرًا يا ابني على كل حاجة عملتها... كنت واثقة إن علاقتي بسوسن عمرها ما يكون لها آخر. شكرًا يا رب اللهم لك الحمد على فضلك وسترك ده." قبل رأسها وقال: "ده من حب ربنا ليا يا أمي عفيفة، أنا اللي بحمد ربنا على نعمة وجودك إنتِ وغفران في حياتنا." التفتت حولها تقول بقلق وخوف وأمسكت بيد غفران: "أنا هربت يا ولاد وهتلاقي شاهين عرف بهروبي، لازم نمشي من هنا بسرعة قبل ما يجي ويأذي حد."
أيدها تميم وهو يقف بينما يساندها: "كلامك صح يلا بسرعة من هنا." لكنهم تجمدوا عندما سمعوا هذا الصوت الذي تردد صداه بالأرجاء: "عفيفة... إنتِ مفكراني مش هعرف أوصلك وتقدري تهربي مني... قدرك معايا إنتِ وبنتك يا عفيفة... غفران حبيبة بابا... تعالي لحضن بابا يا روحي." انكمشت غفران واختبأت خلف تميم الذي وقف أمامهم بحماية ليظهر شهاب (محروس) أمامهم وهو يبتسم بخبث بينما يمسك بيده سكين طويلة وهتف:
"تفتكروا العيل ده يقدر يحميكم مني ولا يمنعني عنكم، ده أنا هخلص عليه قبلكم." وأكمل بقذارة: "يلا يا عفيفة يلا يا حبي إيدك في إيد بنتنا وتعالي هنا." حركت رأسها بجنون نافية بينما تخبئ غفران خلفها وجأرت بقوة: "لا يا شهاب مش هيحصل كفاية كدا، كفاية ذل وقهره... دمرت بنتي ودمرتني... دفنتنا بالحيا... وجه الوقت اللي تاخد جزاتك فيه... ربنا ينتقم منك يا شهاب هو الأقوى وأقوى منك." اقترب منهم خطوتين بينما يصرخ:
"ومين هيمنعني عنك يا عفيفة... خلاص وقعتي بين إيدي وكل مرة بتقعي بين إيديا." وجاء يهجم عليهم لكنه تجمد وأصوات سيارات الشرطة تهاجم المكان والكثير من أفراد الشرطة تنتشر في الأرجاء. انفرجت أسارير عفيفة، بينما شعر تميم بالخوف من أن يصيب غفران مكروه. وقف شهاب يدور حول نفسه بصدمة وجنون وأفراد الشرطة تطالبه بالاستسلام، صاح بجنون وهو يضحك كالمجذوب: "دي حكايتي وزي ما بدأتها هنهيها...
أنا شهاب عطوان محدش يقدر يوقفني ولا يعاقبني إنتوا فاهمين... أنا أكبر من الشرطة والحكومة." وركض مسرعًا حتى وصل لحافة التلة المرتفعة وألقى بنفسه من فوقها لتشهق غفران برعب وسقطت فاقدة ثباتها وهي ترى والدها بأم عينيها يلقي بحدفه، دعمها تميم من جانب ووالدتها من جانب. انتشر أفراد الشرطة وهم يرون جثة شهاب التي تمزقت إربًا إربًا... ليكفيه عقاب أن يحيا عاصيًا ويموت كافرًا ليقتص المولى منه. جاء الضابط لتميم وقال بثبات:
"الحمد لله على سلامة المدام عفيفة، إحنا وصلنا بلاغ من المدام سوسن والدة حضرتك بحالة الخطف... وكان لازم حضرتك تبلغ علشان حمايتكم، لأن لو ماجيناش في الوقت المناسب كانت العواقب هتبقى وخيمة يا دكتور تميم." شكره تميم بامتنان: "شكرًا جدًّا لحضرتك يا حضرة الضابط، أنا خوفت لو بلغت يأذيها... والحمد لله عدت على خير." "الحمد لله على سلامتها اتفضلوا معانا علشان نسأل مدام عفيفة شوية أسئلة." *****
وقفت عفيفة أمام سوسن التي هرعت نحوها بلهفة تعانقها ببكاء عنيف: "عفيفة... حبيتي الحمد لله على سلامتك نورتي بيتك يا حبيبتي، دورت عليكِ كتير قوي يا عفيفة." ابتسمت عفيفة باطمئنان وقد شعرت أخيرًا أنها وصلت لبر الأمان: "كنت عارفة وواثقة إن لطف ربنا هيطولني يا سوسن... كنت واثقة إنه هيجمع شملنا من تاني." أخذت سوسن تتأملها بأعين حانية، تتأمل شحوب وجهها والكدمات التي تملأه والجروح المتفرقة بأنحاء جسدها الهزيل.
همست بحرقة تملأ قلبها: "ربنا ينتقم منه... وياخد جزاءه على كل اللي عمله فيكِ وفي غفران." ثم سحبتها لغرفتها بصمت واحترم الجميع لحظة لقائهم. بدأت سوسن تملأ حوض الاستحمام بالماء الدافئ وتضيف لهم الرائحة الزكية وأخرجت ملابس نظيفة من ملابسها ثم سحبت عفيفة كأنها والدتها وقالت: "يلا يا عفيفة." ساعدتها في إزالة ملابسها الرثة، وجلست خلفها تغسل شعرها بحنان في حالة من الصمت البالغ.
ساعدتها في ارتداء الملابس النظيفة ثم بدأت تمشط لها شعرها بحنان وتجففه لها. وأخذت تضمد جروحها. كانت غفران تقف على باب الغرفة تتأمل والدتها بأعين مليئة بالدموع بينما يجلس تميم على المقعد يبتسم لها بحنان.
التفتت عفيفة فوجدتها بهذه الحالة فابتسمت ومدت ذراعها لها وهي تشير لها بالقدوم، سارت غفران حتى وضعت يدها بيد والدتها واقتربت حتى غرزت نفسها بأحضانها لتطبق ذراعيها حولها بدفء وقبلت رأسها بحنان، لتغمض غفران عينيها براحة لتبتسم سوسن وهي تحمد الله على نعمه الكثيرة. خرج تميم ووقف أمام الشقة المقابلة لهم وطرق بخفة فوق بابها وانتظر الإجابة ليزف إليه الخبر الذي سيعيد قلبه للحياة.
ظهر من خلف الباب رجل أربعيني، رأسه مزيج من الشيب والشعر الأسود، أنيق ووسيم رغم هذه التجاعيد التي جاورت عينيه لكن ملامحه ينطلي عليها الحزن وأعينه خالية من الحياة بعد أن انطفأت برحيل حبيبته. قال تميم بمرح وهو يتخطاه ليلج للداخل حيث عزلته: "سمعة... فينك يا راجل هو أنا لو مسألتش عليك متسألش عليا مكونتش زي ابن أخوك." زفر الآخر وهو يرمي بجسده على الأريكة وهتف بلامبالاة: "خير يا تميم عايز إيه."
جلس تميم واضعًا قدمًا فوق الأخرى بينما وضع ذراعيه خلف عنقه قائلًا: "يا باي عليك يا راجل مالك جامد ليه كدا، جاي أدردش معاك شوية هتطردني يا سمعة." فتح إسماعيل حاسوبه النقال بينما يهتف: "مش فاضي... مشغول." "اممم... مشغول بالتفكير، مش عرفت أخيرًا يا عم قصة الحب القديمة... إيه الوفاء ده كله يا سمعة والله وطلعت دنجوان كبير يا كبير." رفع أعينه ورمقه شزرًا ثم تمتم ببرود: "شكلك فاضي يا تميم...
روح اتساهر مع سوسن أنا مش فاضي... يلا على بيتك." "لا يا عم أصل عندنا ضيفة غايبة بقالها سنين وأنا قولت أسيبهم على راحتهم، ضيفة غالية عليك قوي... ألا صحيح مش تباركلي... أنا اتجوزت ومش هتصدق مين! اندهش إسماعيل قليلًا وقد نجح تميم في جذب انتباهه ليقول بضجر: "لا تقول عالطول اللي عندك لتتكل على الله يا تميم... إيه موضوع جوازك ده... وإزاي اتجوزت فجأة كدا! أراح تميم ظهره بينما يقول: "دي حكاية طويلة قوي يا سمعة...
هختصرها لما أقولك مين هي ضيفتنا... حد هيرجع الحياة لقلبك." ضيق إسماعيل عينيه بتساؤل بينما أخذ قلبه يدق بعنف، ليسقط خبر تميم عليه كالإعصار شتت كل كيانه: "خالتي عفيفة... أو بالأحرى أمي عفيفة." ***** بعد مرور عام ترتدي فستانًا رقيقًا أبيض من قماش الستان الناعم يصل لكاحلها، وقفت غفران التي أشرقت ملامحها أمامها تعقد حجابها بابتسامة متسعة وأعين لامعة. قالت أخيرًا وهي تقيمها بنظرة شمولية: "عروسة زي القمر."
عفيفة وهي فعلًا عفيفة. أنا محظوظة أوي يا فيفو علشان أنا البنت الوحيدة اللي قدرت تحضر فرح أمها. احتضنتها عفيفة بحنان وأعين سعيدة وقالت: أنا اللي محظوظة إنك بنتي يا غفران، أنتِ عوضي عن كل حاجة شوفتها. ابتسمت غفران بينما هتفت بخبث: طب وسِمعة. ركضت خلفها بشغب كفتاة عشرينية بينما فرت من أمامها غفران راكضة بمرح طفولي لتعلو ضحكاتهم بأرجاء المنزل. التقط تميم غفران بأحضانه بينما يحملها بعيدًا عن مرمى يدي عفيفة.
عملت فيكِ إيه بس يا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!