الفصل 39 | من 60 فصل

رواية تربية حواري الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم ولاء حامد

المشاهدات
21
كلمة
3,850
وقت القراءة
20 د
التقدم في الرواية 65%
حجم الخط: 18

مرت الأيام في روتينها العادي. كل يوم من الورشة للبيت وتقضي طلبات البيت. نسيت جبل واللي حصل، أو أوهمت اللي حواليها بكده، بس طعنة الغدر سايبة أثر كبير في روحها صعب يتشال بسهولة. جبل اعتزل الكل واتحول لإنسان تاني، عصبي جداً من أقل حاجة. صوته يعلي وكأنه بيتمرد على حياة الضعف اللي عاشها تحت جناح أمه وتحت طوعها، واكتشف في الآخر إنه مجرد لعبة في إيديها والشر كان أساس تحركها.

ياسر أخد الصدمة وحاول يعيش، بس لسه بيحاول مع حور لأنه حاسس إنه دين في رقبته. تجنب أمه تماماً، بقى الكلام بينهم بسيط. عابد اتكسر، بس لسه صالب طوله عشان محدش يشمت فيه. بيحاول يعوض بنت أخوه عن القسوة وهجر نعمة تماماً. حتى النوم بقى بينام في فرشها كأنه غريب عنها، وما بيصدق النهار يطلع ويجري منها زي اللي نايم على شوك. كره مراته وبيته وحياته، بس مجبور عشان يقدر يلجم شرها اللي للأسف اكتشفه متأخر أوي بعد فوات الأوان.

ثريا: عايشة مذلولة في بيت أخوها. حتى ابنها بعد آخر مرة مسألش عليها تاني ولا حتى بتليفون. وكل يوم أميرة تفكرها باللي عملته في الكل وتعيد على مسامعها كل الشر اللي عملته واللي عايشة وسط ضحاياها: أخوها ومراته وبنته. وللأسف بدأت تدبل، مش من الذل ولا الكسرة لأنها متعودتش إلا إنها تكون مركز والكل يدور حولها.

همام: بيحاول يعوض أولاده عن اللي عملته فيهم أمه، واللي للأسف كان شريك فيه. وجواه متخوف ومترقب من تهديد حور وخايف إنها تأذيه هو أو أولاده، لأنه عارف إنها مدبوحة وبتعافر في الدنيا. ومع ذلك عارف إنها بنت بلد بس مبتسبش حقها. مرت أيام على وضعها متغيرش فيها إلا الضربة اللي وجهتها حور لهمام في مقتل. وبين يوم وليلة المحل اللي كان الزباين ملياه أصبح بينش، ومفيش زبون واحد يوحد ربنا خطى عتبته. همام بزعيق

وصوت مسمع سبع شوارع جمبهم: ياريت تكون ارتاحت يا بيه، أهو المحل والحمد لله جه ضلفة وشكلي هاقفله. وانت السبب، ياريت تكون ارتاحت. جبل بعصبية: عملت إيه يعني؟ أنزل أشُدلك الزباين من الشارع كده؟ ولا كده إحنا مش محتاجين، الحمد لله عندنا اللي يكفينا ويفيض. وحضرتك كنت فاتحة عشان يشغل وقتك. همام بعصبية مماثلة: والله عال، صوتك علي. وأول ما علي، أبوك هستنى إيه من تربية ثريا؟

محراك الشر. وأنا مقلتلكش أنزل شد الناس من الشارع يا محترم، أنا قولتلك ابعد عن طريق حور. اللي حصل حصل، وربنا معاها ويتولاها ويرزقها اللي يعوضها عن اللي عملته فيها إنت وأمك. مسمعتش كلامي وادي النتيجة: موت وخراب ديار. جبل بصدمة من كلام أبوه وشرد بهذيان: يعوضها؟ يعوضها؟ غيري تتجوز بعدي؟ إنت اللي بتدعيلها عشان قلبي يتحرق. وإنت أكتر واحد عارف إني بعشقها، مش بس بحبها.

همام بقرف من ابنه: فوق من وهمك. اللي بيحب مبيوجعش حبيبه، وإنت معملتش حاجة غير إنك وجعتها وبس. إنت دمرتها بمشيك أعمى ورا كلام أمك. دمرتها لما كنت شخشيخة في إيد أمك. لما معرفتش تكون راجل مستقل. يعلم ربنا إني يا ما حاولت معاك سنين وسنين وإنت ماشي في ظلها وماسك في ديلها زي العيل الصغير اللي ماسك في أمه في مولد خايف يتوه. قولتلك دي بنت متربية في حارة شعبية وتربية أصول. بينت بميت راجل. عملت إيه؟

قولي كده عملت إيه غير كسرتها ودمرتها نفسياً وجسمانياً. والنتيجة عيل لو نسيته دفنته حتة لحمة في قبر. ذنبك كبير يا ابن همام. ودلوقتي جاي تقولي بعشقها؟ أي عشق اللي يخليك تتفشخر وتقول عملت وسويت فيها قدام ابن عمها؟ فضحتها بدل المرة اتنين. جبل بصدمة: أنا؟ ده أنا بعشقها. أنا عملت كده من حرقتي لما قالي إنه خطيبها. النار مسكت في قلبي بتحرقه وتكويه. ومحدش حاسس بيا. همام بسخرية: آه، إنت يا جبل؟

مرة لما سمحت لنفسك تاخد حق قبل أوانه. ومن تعجل شيئ قبل أوانه عوقب بحرمانه. اتعجلت وهي في الأساس مراتك وعلى اسمك. اتعجلت قبل كام شهر من فرحكم اللي كان هايجمعكم بعديه بيت واحد. والتانية لما فضحتها قدام ابن عمها. ما يقول. وحتى لو كان حقيقة، حقها إيه؟ هاتحرم اللي ربنا حلاله؟ ولا إيه؟ من حقها تتجوز وتعيش تخلف وتكون أسرة. إيه جبروت أمك بهت عليك؟ لا ترحم ولا تشيب رحمة ربنا بعباده. إيه؟

فوق لأن من هنا وجاي يا ابن ثريا أنا اللي هاقفلك وأعرفك معني الرجولة اللي أمك دفنتها فيك سنين وسنين وأنا بحاول وربنا يعيني على ما ابتلى. روح يا ابني ربنا يحميك من شر نفسك. سابه همام ودخل أوضته مخنوق. هو حاطط عذر لحور في اللي بتعمله، حتى لو وصل إنها تأذيه شخصياً مش ممانع. اللي واجعه إنه مش قادر يعملها حاجة ومتكتف من إيديه ورجليه.

جبل فضل قاعد مكانه يعيد في كلام أبوه. هو صحيح غلط، بس ندم. وطلب فرصة واحدة بس ليه. حور قلبها قاسي كده ليه؟ رافضة؟ لو كانت بتحبه ربع حبة ليها كانت أدته فرصة واحدة يعوضها. معقول هايفضل بعيد عنها؟ معقول تتجوز راجل غيره؟ معقول بطنها تشيل طفل تاني مش منه ولا ابنه؟ في اللحظة دي اتحولت الصدمة لوجع، والوجع لدموع وعقل محتار بيحاول يدور على أي طريق يقدر يوصل بيه الود بينه وبين حور مرة تانية.

حور شغالة في الورشة وبتدفن نفسها فيها من كل اللي بيحصل حواليها. هي مش وحشة، بس متعودتش حد يدوسلها على طرف وتسكت. أكتر ناس أذوها جبل وأهله، وكان لازم تلجم شرهم. وفي عز انشغالها وحيرتها ما بين العربية اللي في إيدها وعقلها اللي هايشت من حصار أمها اللي كل يوم تفتح موضوع ياسر. واللي بدأ يدخل الشك لقلبها إن أمها ممكن تكون هي اللي طلبت من ياسر إنه يتجوزها. وما بين ياسر نفسه اللي كل يوم يسألها رأيها وتبلغه بالرفض، يرجع ويقولها فكري تاني وماتستسلميش. سمعت آخر صوت تتخيل إنها تسمعه دلوقتي.

السلام عليكم. حور رفعت عينيها عن العربية وشدت فوطة من جمبها تمسح بيها إيديها: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. خير؟ العربية فيها حاجة ولا إيه؟ يونس بهزة راس: لأ خالص، دي ماشية زي الساعة وكأنها رجعت جديدة. حور بهدوء حذر: طيب تمام، العربية تمام. خير؟ إيه الطلة دي؟ أصلي ملاحظة كده إن رجلك خدت على الورشة. يونس ببرود: اهدي على نفسك شوية، إيه بوقك ده؟ عربية بومب كل ما تفتحه تفرقعي في وش الناس. حور ببرود موازي: خير؟

إيه سبب التشريفة اللي لا على البال ولا على الخاطر دي؟ يونس بإبتسامة لزجة: جاي أتعلم الميكانيكا هنا. حور برفعة حاجب: نعم؟ يونس: أنعم الله عليك. أصل يا ستي إيه؟ خير اللهم اجعله خير. جيلي شغل في سينا في الصحراء مدة طويلة وخايف العربية تعملها فيا وأحتاس أنا والوُص معاها. ودي صحرا يعني موت على طول، مبتهزرش. فقولت أعمل يا واد يا يونس، تعمل إيه يا بشمهندس يونس؟

قولت أتعلم الميكانيكا. اهو منها أأمن نفسي لو العربية حصلها حاجة، ومنها تنفعني في حياتي بعد كده. وكمل بصوت واطي: وبيني وبينك سألت واطّقست، ملقتش أحسن من ورشة الأسطى عامر الله يرحمه ويحسن إليه، أتعلم فيها. حور بمطة شفايف جعلت منهم أيقونة إغراء: امممممم، قولتلي. ويا ترى إيه اللي خلاك واثق إنك قدها؟ ولا ليه غير الشو اللي مدخلش دماغي بنكلة داه؟ وكملت بسخرية: ويا ترى يا واد يا بشمهندس يونس هاتقدر على الميكانيكا؟

أصلها ملهاش في الراجل الطري. يونس بهدوء لأنه قارئ حور وعارف لسانها واستفزازها: امممم، مظنش إن اللي ليه في الطوب والزلط يبقى طري. ثانياً في مقولة أنا مؤمن بيها جداً بتقول: من الأفضل أن تعرف شيئ عن كل شيئ، ولا تعرف كل شيئ عن مجرد شيئ. فهمتي حاجة؟

حور بإنصات: طبعاً. يعني الأحسن ليك إنك تتعلم حاجة عن كل حاجة محيطة بيك، أفضل من إنك تعرف وتلم بكل حاجة عن حاجة واحدة بس. يعني بالبلدي كده تتخصص في كله مش في حاجة واحدة. تمام ولا إيه؟ يونس بإنبهار وابتسامة ثقة: فعلاً، وضحتيه وشرحتيه صح الصح. تمام، يبقى نقول على بركة الله. حور بتركيز ومكر: على بركة الله. يونس بحماس: نبدأ من إمتى؟

حور بمكر: من بكرة. وأه، اعمل حسابك في عفريته. أصل اللبس الغالي والأبهة دي مكانها مش هنا. يلا، طريق وسكة وطريقك أخضر لحد بكرة. يونس: تمام. يا وغمض عينيه لثواني وكأنه بيفكر، وفتحها: يا أسطى حور. وسابها ومشي وهو بيصفر ببرود. حور قفلت العربية وطلعت قعدت على الكبوت ومرسوم على وشها ابتسامة بسيطة هي نفسها محسّتش بيها، ولنفسها: لما نشوف يا واد يا بشمهندس يونس هاتتحمل لامتى.

فضلت على وضعها دقايق لحد ما استوعبت إنها في نص الورشة. قامت من مكانها وعملت نفسها بتنفض هدومها وفتحت العربية اللي كانت شغالة فيها تكمل شغل وتلهي نفسها عن حمل جديد اتضاف فوق حملها وهمومها. مر اليوم ومفيهوش حاجة جديدة غير اللي جد من زيارة يونس، واللي استحوذت كلياً على عقل حور، واللي خلتها طول الطريق شارده وهي سايقة. حور بسرحان: ياترى حكايتك إيه؟ إنت لآخر مهي المشرحة مش ناقصة قتلة عشان تيجي ونتط إنت كمان؟

كلامك وراه ألف باب وباب وألف معنى ومعنى. شكلك ليك نية. أنا مش مستريحالها. اللي في الدست هاتطلعه. المغرفة. اهدي وسيبي الأيام تجيب اللي في جوفها. فضلت طول الطريق تفكر وترد على روحها لحد ما وصلت وركبت عربيتها ودخلت البيت. هدي بلهفة: حمد الله على السلامة يا ضنايا. حور بحب صادق: الله يسلمك يا هدهد الجناين. هدي بقلبه وش: يا أدي أم الاسم المعفّر بتاعك ده يا بت، مش ناوية تبطليّه؟ خاتخليه يلزق في ديلي؟ دانا حتى أمك.

حور بترقص حواجب: أمي كين؟ بس يا هدي، صلي على النبي في قلبك كده. دحنا لما بنمشي مع بعض محدش بيصدق إنك أمي. خلي الطابق مستور يا هدي. إنتي لحد دلوقتي بيجيلك عرسان؟ هدي بسخرية: اتوكسي. لما أجوزك إنتي الأول. هناخد زمننا وزمن غيرنا. ربنا يا بنتي يسعدك يارب ويديني العمر أشوفك عروسة وألبسك الطرحة بإيدي وأشوفك كده متهنية في بيت الرجل الزين اللي يسعدك كده. حور أخدت نفس طويل وكتمته ثواني وطلعته بهدوووء.

وفي سرها: امممممم، عارفة الدخلة دي كده. ثانيتين وتفتح موضوع ياسر. أسترها يارب عشان أنا على آخري. ماتخلينيش أنفجر فيها. هي هي في الأول والآخر أمي وملهاش ذنب تشوف الوش ده. هدي خلصت دعائها وسكتت ثواني: أيوه، اللا بالحق يا حور. عملتي إيه في موضوع ابن عمك؟ حور غمضت عينيها جامد. هي كانت متوقعة وعارفة أمها هاتفتحه آجلاً عاجلاً.

فتحت عينيها وبهدوء: أما الله يخليك، إحنا مش بنشعر في قصة أبو زيد. هي كلمة "لأ" ليها كام معنى. أنا مش شايفة ياسر غير أخويا وابن عمي وبس. غير كده، شيلي الموضوع ده من راسك وراسه. لأنك أكتر واحدة عارفاني. لما بقول كلمة مابرجعش فيها. فبالله عليكي يا شيخة، ورحمة أبويا لو غالي على قلبك، بلاش كل ما تحطي وشك في وشي تفتحي الموضوع ده. أنا بقيت بسمعه بعدد فروض الصلاة. وكلمة مرة بردوا بقول "لأ"، يبقى خلصنا. أنا أكتر واحدة عارفاك. مبدأ الدوي على الودان أمر من السحر ده. بلاش معايا لأني متربية إن ربنا عطاني ودنين بيدخل من واحدة وبيطلع من التانية. متحسسنيش إني عبء عليك وعايزة تخلصي مني.

هدي بوجع من كلام بنتها المبطن، ولكن أتمالكت نفسها: يووووه، إنتي حرة. لاهو إنتي هاتجيبيه من بره؟ نفس دماغ أبوكي الله يرحمه. صحيح اللي خلف مماتش. حور بإبتسامة باردة مستفزة: عندك حق. يلا بقى. هادخل أغير وأغسل جسمي من الشحم والبلك اللي عليه. وناكل لقمة عشان أريح جتتي شوية. هدي بهزة رأس: مفيش فايدة. بقيتي دكر حتى في كلامك. روحي ربنا يهديكي يا حور يا بنت هدي. قادر يا كريم.

سابتها ودخلت المطبخ، وحور دخلت أوضتها وهي بتضرب كف بكف من عمايل أمها. تلت ساعة وكانوا قاعدين ياكلوا ومحدش نطق بكلمة تانية. حور خلصت وساعدت أمها تخلص تنضيف المطبخ وعملت كوبايتين شاي وطلعت الدفاتر والفواتير اللي جابتهم معاها من الورشة تراجعهم عشان تهرب بيهم من تفكيرها في كل الدوشة اللي زاحمة دماغها. حور فتحت الورق وبدأت تركز وتدقق فيه، ولكن غصب عنها عقلها شرد في الزيارة الغريبة. وإيه اللي شايلاه ليها الأيام من بكرة؟

بقت عينيها في الورق وعقلها في مكان تاني. وفضلت على وضعها وقت محسّتش هو طويل ولا قصير. فاقت وهي بتتنفض على إيد بتهزها. حور ببرقة عين وهي حاطة على قلبها وبتنهج من الخضة: هاهاهاها، يا أما حرام عليكي. قلي كان هايقف. هدي بإستغراب: في إيه يا مهبوشة؟ بقالي ساعة عمالة أنادم عليكي وإنتي ولا الطرشة. حور غمضت عينيها وبتحاول تاخد

نفسها اللي وقف من الخضة: معلش يا أما، كنت بس مركزة براجع الدفاتر وبضيف الفواتير الجديدة في الدفاتر عشان الضرايب. هدي بنفخة: هو الهم ده ورانا ورانا. يعني شغل في الورشة وشغل هنا. يعني بدل ما تيجي تريحي جتتك تيجي تمققي عينيكي. حور بهدوء: أكل العيش يا أما. والمال السايب يعلم السرقة. وإنتي ست العارفين اللي جرا قبل كده. هدي بخنقة: آه. وبعدين في وجع القلب ده عليكي بيها؟ في إيه يا بنتي؟

حور: عليا فيه. إسم أبويا ليا فيها. ناس شغالة في رقبتي وبيوت مفتوحة. يبقى حرام عليا لما أكون سبب في قطع عيشهم وتشريدهم. وهما كل اللي عايزينه لقمة حلال جاية بطفح دم. ده بيقولك يا أما: قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق. هدي سكتت وهي عارفة إن كلام بنتها هو عين العقل، وإن جوزها الله يرحمه تعب وشقي سنين عشان يعمل اسم ويكبره في السوق بين الناس. بس هي في الأول والآخر أم وكل اللي عايزاه تشوف بنتها سعيدة.

سكتت وانسحبت بهدوء وسابت بنتها تكمل شغلها. ولكن حور عقلها كان وقف عن الشغل. قفلت الدفاتر وانسحبت بهدوء على أوضتها. جسمها طالب الراحة وعقلها رافض الاستسلام لسلطان النوم. حاولت تشغل نفسها بحاجة تلهيها. فتحت فيديو على اليوتيوب على صيانة العربيات اللي هي أصلاً مهووسة بيهم، وكان بيشرح بدقة ويسر وكل التفاصيل الدقيقة التي لم تغفل حول عنها، وكأنها تنفصل عن الواقع بطريقة مختلفة. ظلت على وضعها إلى استسلم العقل والجسد معاً لتأثير سلطان النوم وذهب في نوم عميق جداً جداً. ولكن ظل التابلت شغال طوال الليل.

يونس رجع شقته وهو مزاجه رايق وبيصفر. مازن كان واقف منتظره قدام عربيته تحت العمارة. وأول ما شافه نادى عليه. يونس بإستغراب: خير يا مازن؟ مش لسه سايبك الصبح في المكتب؟ مازن بغمزة عين: إيه؟ عيني عليك باردة. وكمل بغناء: إيه الغزالة رايقة؟ يونس بضحك: والناس الحلوة سايقة. وكمل بجدية: خيّر؟ مازن بجدية: طمني، عملت إيه؟ يونس بإبتسامة بسيطة: كل خير. رايح أستلم شغلي من بكرة. مازن بعينين مبرقة: يونس، هو أنا كنت بتتكلم جد؟

أصلي فكرتك بتهزر. يونس: وأهزر ليه؟ إيه المشكلة؟ كل شيئ مباح في الحب والحرب. وأنا مستخدمتش شيئ خبيث ولا ضار ومؤذي لحد. مازن: تمام. بس مش شايف طريقة غير دي توصل بيها ليها.

يونس: للأسف يا مازن، حور زي اللغز. حاجة كده شبه المتاهة. عشان أقدر أحلها لازم أدخلها برجليا. تركيبة غريبة تشدك وفي الوقت نفسه غامضة. عاملة حواليها أسوار شائكة ملغمة بأسلحة غريبة. وهنا أحسن وسيلة هي الهجوم التكتيكي عشان تقدر تعرف نقط ضعف الحصون دي إيه وتقدر تهدها بسهولة. وأول نقطة هي شغلها. والبقية تأتي تباعاً. مازن: معاك. وكلام موزون. بس ده كلام عاشق يا يونس. وطول عمرك بتقول إن قرار المشاعر قرار متهور.

يونس: يمكن لآني مكنتش لسه حبيت. مكنتش عشقت. مكنتش شفت حور. بس بردوا قراري نابع من يقين واقناع عقلي مش إرضاء قلبي. بس أنا طالب الحلال. بس اللي واثق منه إنها مش هاتقبل بسهولة. مازن بعقلانية: في نقطة غايبة عنك ومفكرتش فيها اطلاقاً. واظن إنها سقطت من حسباتك. يونس بإستغراب وهو كاشش وشه وحواجبه قربت تلزق في بعض: إيه هي بقى؟ مازن أخد نفس بسيط وطلعه مرة واحدة: أهلك. أبوك وأمك. هاتقولهم إيه؟

هاتعرفهم إن يونس اللباد اللي طول عمره عاقل يوم ما قلبه دق دق لبنت دون المستوى؟ بنت شغالة ميكانيكي، لاء ومطلقة كمان؟ متخيل إنهم هايتقبلوا بسهولة؟ يونس بعصبية وعروق نافرة تدل على شدة غضبه: إيه؟ دون المستوى دي؟ حسباتكم للناس إزاي بالفلوس؟ طيب يا سيدي للعلم بس، حور مليونيرة. يعني لو على المستوى المادي فيعتبر مفيش فرق. تمام. و... وقبل ما يكمل قاطعه مازن: إزاي وهي ساكنة في حارة؟

يونس بكز سنان: لأن حور عاملة زي السمك. لو طلع من الميه يموت. واحدة اتولدت وعاشت واتربت في المكان ده اتطبعت بطباعه. ثانياً يا مازن، حور خريجة كلية تجارة. ثالثاً، هي مش شغالة شغلانة بطالة. هي بتدير مكان يعجز إنت الرجال إنه يقدر يديره بنفس الكفاءة والقوة دي. والشغل لا هو عيب ولا حرام. رابعاً، وده الأهم. يعني إيه مطلقة؟ إمتى المجتمع هايبطل النظرة العقيمة المتخلفة للمطلقة كأنها شيئ موبوء؟ سعلة مستعملة ملهاش الحق تعيش؟

المطلقة لا أذنبت ولا كفرت. كل الحكاية اتنين متفقوش في حياتهم، كل واحد راح لحاله. ليه دايماً جايين على الست؟

بلاش النظرة دي يا بشمهندس يا متعلم. وللعلم والتوضيح بس، حور كان مكتوب كتابها. وحور من عيلة كبيرة، سواء أهل أبوها أو أهل أمها. العيلتين تجار كبار في السوق وليهم اسمهم. يعني مش واحدة من الشارع والسلام. وده توضيح بس. وبالنسبة لأهلي، أنا مش صغير. وأظن عندي العقل والقوة الكافية إني أقنعهم بوجهة نظري. بس أنا منتظر أضمن موافقة حور وأهلها. وأنا طفيل. أتحدى العالم كله عشانها. لأنها جوهرة نادرة تستحق التعب. دي اللي يوم أتعب تشيلني، يوم ما أقع تسندني. دي ضلعي اللي اتخلقت عشان دي ضلعي اللي اتاخد مني عشان بيها تكمل حياتي. فهمت؟

مازن سامعه وهو مصدوم من كمية المشاعر اللي يكنها يونس لحور.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...