صباح جديد لا يحمل للبسطاء الكثير من التجديد. مجرد يوم آخر يضيف لمعاناة حياتهم المزيد من الضغوط والمزيد من الإجهاد لأبدان أنهكت كليًا. قرية صغيرة بأحد محافظات دلتا النيل، تلك المنطقة التي تزدحم بساكنيها بشكل أرهق كليهما. زاد الفقر ومد أذرعه لتصل إلى أقصى المنازل وأكثرها بؤسًا. إن صحت تسميته بمنزل فهو ليس بمنزل، ربما يظن من يراه للوهلة الأولى أنه حظيرة للحيوانات الريفية المعروفة، لا يعلم صاحبها شيئًا عن أساسيات الأمان.
حوائط قصيرة يسهل تسلقها. باب متهالك سيسقط لدفعة قوية من الرياح دون أن يدفعه بشر. وسقف تجمعت فوقه عيدان الخوص وبعض الألواح الخشبية متعدد الفتحات لا يقي حرارة شمس ولا يمنع خزات المطر. مع الاقتراب قليلاً لن تلحظ الروائح النابعة من أماكن مشابهة. لا يسود هنا سوى رائحة عبق الصباح الصيفي المحمل برطوبة خفيفة.
سعال متواصل يصدر عن شخص ما بالداخل لتتضح الرؤية أخيرًا، فهذا المكان اللاأدمي يعيش فيه بشر. صوت يخرج من جسد أذابه المرض متحشرجًا متقطعًا: "طيف.. يا طيف." تظهر من بين الزراعات هذه. هذه طيف التي تهرول فور سماع صوت والدها المريض غير عابئة بقطرات الماء التي تتساقط من ذلك الإناء الذي تحمله فوق رأسها دون أن تؤثر الهرولة على توازنه. دفعت هذا الباب المتهالك لتجيب: "أيوه يا ابا اني جيت اهو."
ليس صعبًا على الأب رؤيتها، فالمكان كله غرفة واحدة فقط مقسمة بعدة خرق كادت أن تبلى كليًا استخدمت كحوائط بها. ومربعين صغيرين يحوي أحدهما موقدًا عفى عليه الزمن وعدة أواني، والآخر وهو المكان الوحيد الذي لازال بابه قائمًا مرحاض قديم الطراز، لكن نظافته تجعله مقبولًا. دخلت لتضع الآنية أرضًا فيتساءل: "كنت فين يا طيف؟ أشارت نحو حمولتها:
"الحكيم قال تشرب ميه نضيفة، روحت جبت ميه من الفلتر الجديد اللي عملته، اسمه إيه ده بتاع الانتخابات على أول البلد." ابتسم عبيد رغم ضعفه الشديد لتبدأ ملء المياه: "هسيبلك القلة جارك على ما أجي. مرات الشيخ يونس وأني جاية قالت لي أروح أخبز معاها وهتديني خمسين جنيه. هعدي على السوق أجيب أي طبيخ وأجي، مش هتأخر." اتجهت لذلك المطبخ لتعد بطبق يحوي قطعة من الجبن ورغيفًا من الخبز وضعتهما أمامه: "افطر علشان تاخد الدوا قبل ما أطلع."
أمسك عبيد الرغيف وكأنه يعلم أنه الأخير، قسمه نصفين مقدمًا لها نصيبًا منه: "مش هاكل لو ما أكلتيش." ردت كفه: "أنا هفطر على الخبيز، كل انت بس." وضع القسمين رافضًا لتجلس فورًا وتتناول القسم الذي رفضته للتو، فهي تعلم أنه لن يتناوله بدونها. ***
وقفت السيارة الضخمة بجوار الطريق ليطل السائق من عليائها على ذلك الجالس فوق مقعد خشبي بجوار بضاعته المكونة من العصي والسجاد وبعض مستلزمات سائقي سيارات النقل شديدة الضخامة. رفع كفه ملقيًا التحية ليقف الآخر مبادلًا تحيته ومتطلعًا لبيع بعض من بضاعته. ترجل السائق عن سيارته بيسر رغم صخامته وبدانته الواضحة ليقول: "عاوز عوجاية يا سلطان وكليم ناكل عليه وحاجة حلوة للتابلوه." تقدم سلطان نحو بضائعه المتراصة ليمسك
أحد العصي فيعترض السائق: "لاه هاتها بلوزة." تركها والتقط أخرى عائدًا إليه: "دي الخبطة منها والقبر بلاش افترا يا مرعي على الخلق." ضحك المدعو مرعي: "مابفتريش غير على المفترى، انت عارف الطريق وقرفه." أمسك العصا يلفها بين أنامله ببراعة لتتسع ابتسامته: "هو ده، أنا قولت مش هلاقِي حاجة موزونة غير عندك." بدأ يفحص كل ما يحتاجه ليتمكن سلطان من بيع بعض من بضائعه بسعر جيد، وهذا أمر مستحب له في الصباح.
غادر السائق لينظر نحو صاحب المقهى المجاور مناديًا: "يا حكيم راعي الفرشة على ما أرجع." أشار له حكيم: "عنيا يا سلطان بس ما تغبش دي ساعة استفتاح." أومأ سلطان: "استفتحت الحمد لله، هطل على أمي بس وجاي." ***
سارت طيف بين الزراعات مجددًا حتى وصلت لطريق ممهد اتخذته مباشرة نحو بيت ذاك الشيخ الذي استأجرتها زوجته للمساعدة، فهي بحاجة ماسة للعمل. يحصل والدها على عدة مئات من الجنيهات لا تتعدى أصابع الكف الواحد ولا تصمد حتى ينتصف الشهر. مرض أبيها الذي حال دون عمله زاد بؤسهما الذي لا يحتاج لزيادة. وقفت بالباب ليفتح لها الحارس الذي أشار لها: "روحي عند الفرن على ما الحجة تنزل قرصي العجين خامر."
اتجهت في الاتجاه الذي تعرفه فعليًا فقد قامت بهذا العمل عدة مرات. نزعت غطاء رأسها وحملت الإناء الضخم لتضعه أرضًا. استقامت مجددًا لتجد من يحيطها من الخلف. انتفضت ليحكم ذراعيه حولها فتنهره بخفوت: "شيل ايدك يا ياسر احسن والله هقول لأمك ولا للشيخ يونس." ضحك الشاب بسماجة: "وهم هيصدقوا واحدة زيك بردو؟ يا بت اسمعي الكلام ده أنا هنغنغك." عادت تدفعه بيأس في التخلص منه: "قولتلَك أبعد عني لاصوت وألم عليك الخلق." عاد يضحك:
"صوتي انت اللي هتجرسِي مش أنا، أنا ابن الشيخ يونس يا بنت عبيد." دفعها للأمام نحو ركن مستتر ثم رفع كفه مكممًا فاها: "مادام مالكيش في الذوق يبقى بالغصب يا حلوة، أنا في كل الأحوال لازم آخد اللي أنا عاوزه." أدارت النشوة رأسه ليتخلى عن حرصه ويرفع كفه الذي يحتاجه بشدة للمس مفاتنها عنوة، لتجد هي فرصتها فتقف على أصابع قدميها حتى طالت رقبته لتطبق عليها أسنانها بما تملك من قوة.
نفضه الألم لينزعه من نشوته فيدفعها عنه ويبتعد للخلف. رفع كفه لرقبته متوعدًا لها: "بقى كده يا بنت عبيد، طب أنا هوريكِي." رفع الكوفية التي تزين رقبته ليخفي أثر عضتها ثم يغادر مهرولًا قبل أن تلمحه الأعين. تقدمت بأنفاس تلهث غضبًا وقلبًا يعتصره الألم.
بنت عبيد. هذا هو اللقب الذي تنادى به في مواقف مشابهة تتعرض لها بشكل شبه يومي، ورغم أنها تتصدى للجميع بقوة إلا أن الألم يترك أثرًا بقلبها الذي تشوه من كثرة طعناتهم الغادرة. الجميع ينهش فيها طمعًا في جمالها لضيق حالها وفقرها الذي زاد ذلها ذلًا ومرض أبيها الذي أقعده لتهون بأعينهم أكثر من ذي قبل. أقبلت امرأة في عقدها الخامس، وكانت طيف تجلس أرضًا وقد بدأت العمل دون التوقف عن البكاء. تساءلت المرأة:
"إيه يا بنتي أبوكِي جرى له حاجة؟ هزت رأسها نفيًا لتجلس المرأة: "يبقى واحد من البهايم اترازل عليكِ وانت جاية، ما أنا عارفة البلد واللي بيحصل فيها." رفعت طيف رأسها تنوي أخبارها بفعلة ابنها لتتابع هي: "الحمد لله ياسر ابني متعلم ومتنور وعارف ربنا، أما لو الشباب يعملوا زيه البلد هينصلح حالها."
نكسَت طيف رأسها مجددًا واكتفت بالاستماع طيلة الساعات التالية عن محاسن أخلاق هذا التالف الذي أحسن ارتداء ثوب الفضيلة أمام الجميع مثل الكثيرين من أهل القرية دون أن تتفوه بكلمة واحدة. *** صعد سلطان الدرج نحو شقة في الدور الثاني من بناية جيدة الحال. فتح الباب يحمل عدة أرغفة وفطورًا تقليديًا. المنزل مكون من ثلاث غرف، اتجه نحو إحداها وفتح الباب بهدوء، يعلم أنها مستيقظة وتجلس بجوار الشرفة تراقب صخب الصباح الذي تعشقه.
تقدم منها بودًا ليرفع كفها يقبله: "اصباح الخير يا أماي، كيفك النهاردة؟ ابتسمت لتظهر تجاعيد وجهها الأسمر وهي تربت فوق رأسه: "بخير يا ولدي طول ما انت وخواتك بخير." وضع الطعام أمامها ثم اتجه للخارج. عاد بصحن خزفي ليفرغ فيه محتويات كيس الفول الذي يتناولاه يوميًا، ثم بسط قرطاس ورقي يحوي حبات الفلافل المصري الشهير. قدم لها رغيفًا: "افطري لأجل أرجع للنصبة."
تناولت الرغيف بود لتبدأ ككل يوم تقص عليه ذكريات حياتها بالماضي حين كان والده حيًا يرزق وكانت تعيش مكرمة برعايته، ثم تتخذ القصة مجراها الحزين بعد وفاته ونزوحها بأبنائها إلى الوجه البحري هربًا من ضغوط الأسرة لزواجها مجددًا. يعلم سلطان القصة كاملة فقد عاشها منذ كان بالسابعة من عمره، ورغم ذلك لا يمانع مشاركة أمه ذكرياتها خاصة بعد زواج شقيقاته الأربع ووحدتها الشديدة لظروف عمله الشاقة. ***
أنهت طيف عملها وكانت الظهيرة شديدة الحر وتشعر بصداع شديد لبكائها المتواصل. حاولت زوجة الشيخ منحها بعض الطعام لكنها رفضت بشدة، فهي لا تأخذ إلا أجر عملها. غادرت عازمة على عدم العودة لهذا المنزل مهما اشتدت بها الحاجة. هناك بعض الخيارات التي قد تحفظ كرامتها وتقيها تحرش هذا الحقير وأمثاله.
فكرت في تفقد أبيها قبل التوجه لسوق المركز فقد تراءت لها فكرة يمكنها أن تجرب القيام بها، وإن أصابت فستعف نفسها من التردد على المنازل التي تضم بين جدرانها كلابًا تترصد بها. سارت وسط الزراعات ستتفقده وتخبره أنها ستتوجه للسوق ويمكنها العودة قبل حلول الظلام. تلفتت حولها وقد تيقنت من متابعة أحدهم من خطواته وكان خلفها بعدة خطوات بالفعل. ابتسم لها بتشفٍّ واضح:
"نعقل بقا انت رسيتِي على الدور، خليها بمزاجك احسن وهنا هتضربي. هتصرخي. محدش هيغيثك مني. الوحيد اللي ممكن يسمع أبوكِي وأنا ماعنديش مانع إنه يسمع ويتفرج كمان." شعرت بالعجز والفزع فما تراه بعينيه وقسماته هلاكها المؤكد.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!