الفصل 2 | من 6 فصل

رواية طيف السلطان الفصل الثاني 2 - بقلم قسمة الشبيني

المشاهدات
20
كلمة
2,116
وقت القراءة
11 د
التقدم في الرواية 33%
حجم الخط: 18

تراجعت طيف للخلف وقد رأت أن مبادلته التهديد لن تجدي نفعا، لكنها لا يجب أن تظهر بصورة المرتعبة الخائفة فيسعى لاستغلال ذلك. عادت خطوة للخلف ليتقدم منها، فتوقفه محذرة: "أبعد عني أحسن لك يا ياسر.. أنا لا يهمني أنت مين ولا ابن مين." مسد صدره بوقاحة مقتربًا: "وهي واحدة زيك إيه يهمها؟ وأنا مش عاوز يهمك أنا مين.. فكري هتكسبى من ورايا إيه؟

بدل القعدة قدام الفرن وصهد النار والحطب.. معايا هترتاحي من كل ده وكمان تتبسطي أنا هدلعك." قاطعته بتهكم: "قصدك هتوحلني وتدوس عليا برجليك.. أبعد عني يا ابن الشيخ إحنا بعيد عن داركم وهنا الناس هتصدقني أنا لأنك أنت اللي جاي ورايا." ضحك ياسر: "ناس؟ هههههه بصي حواليكي كويس. أقرب بيت بيتكم وأول من هيسمعنا أبوكي."

ولم يرتدع ياسر عنها، فهي بالنسبة له صيد سهل يحوي الكثير من المتعة بلا مشقة ولا تكلفة. فأي كان المبلغ الذي سيدفعه لها لن يوازي تكلفة المتعة المحرمة. أقبل عليها لتتراجع استعدادًا للركض والصراخ، لكنه أسرع منها فتمكن من إسقاطها أرضًا دون جهد يذكر.

ابتسم لها بتشف كما حدث صباحًا لترى تلك اللمعة البغيضة بعينه. مال عليها يبغي التمتع بما لا يحل له ليرتعد قلبها. تحسست الأرض وأمسكت أقرب حجر لكفها وضربت به رأسه بقوة كانت كافية لإبعاده عنها وإصابته بجرح غائر ليصرخ ألمًا. انتفضت واقفة والحجر لا يزال بكفها لتضربه مجددًا بحقد: "عشان تبقى تستقوى على الغلابة اللي زيي." وضربته ثالثة: "ربنا ينتقم منك على كل لمسة غصبانية وعلى كل كلمة كسرت بيها خاطري."

احتفظت بالحجر وهي تنظر له يمسك رأسه صارخًا. تلفتت حولها بفزع وأسرعت تركض محتفظة بالحجر الذي يحمل دماء هذا النجس. دخلت المنزل باندفاع ليفزع أبوها، ورغم حملها الحجر إلا أنها أخفته بحلبابها الفضفاض واتجهت تلقي على أبيها التحية متجهة نحو المرحاض حيث بزاوية بجانب الباب أخفته لتتمكن لاحقًا من إخفائه عن أبيها. غسلت وجهها وعادت إليه مبتسمة: "جيت أطل عليك قبل ما أنزل المركز.. هروح السوق هناك." رفع أبوها رأسه: "ليه يا بنتي؟

ما تجيبي أي حاجة من هنا وخلاص." جلست بجواره: "عاوزة أجيب شوية دقيق غلة من أي فلاحة في سوق المركز هعمل العيش هنا وأبيعه على السريع القريب هناك العربيات ياما وناس غراب أحسن من التلطيم في بيوت الخلق ويوم فيه ويوم مفيش." ابتسم عبيد: "يعني مش عاجبك تقعدي جاري يوم؟ يا بنتي أهو بترتاحي الحمل تقل عليكي أوي." أصرت على رأيها:

"بالعكس يا أبا كده أقعد معاك أكتر إني هخبز بالليل ومع ترقرق النهار أقف ساعة أو اتنين بالكتير وأرجع أقعد جارك طول اليوم." استسلم عبيد سريعا: "اللي يريحك يا بنتي أهم حاجة عندي ماحدش يضايقك ولا يجي عليك." وقفت بنفس الابتسامة: "ما تخافش محدش يقدر.. أنا همشي عشان ألحق أرجعلك بسرعة." واتجهت للخارج مجددًا عازمة على تنفيذ فكرتها للوذ بالنفس من خبائث الأنفس.

اتخذت نفس الطريق ولم تر ياسر في طريق عودتها، ربما أنقذه أحدهم أو تحرك هو هربًا. لا يهمها في الواقع ما حدث له فهي تتمنى له الأسوأ وعدم النجاة بأفعاله القذرة. لابد أنه يقوم بالمثل مع غيرها من الفتيات. كم تتمنى أن يزج به وبأمثاله لأشد العقوبة. لكن للأسف فهو وأمثاله يرتدون ثياب الفضيلة أمام الناس وينأون بدناءة نفوسهم للخفاء. هل الخفاء يمحو ذنبهم؟ هل التفضل أمام الناس يغفر خطيئتهم؟ كيف يفكر هؤلاء الأقذار؟

اتخذت طريقًا جانبيًا خرجت منه مباشرة أمام العربة التي ينادي صاحبها الركاب ليقلهم للمركز. جلست بمقعد منفرد حيث يمكنها أن تبتعد عمن يجاورها، فهي لم تعد تشعر بالأمان لأي ذكر وإن رأته أمام الناس داعيًا مدعيًا. الجولة بالسوق مرهقة، لكنها لم تعد إلا بما أرادت وزادت بعض الخضر حيث يمكنها إعداد حسائها لأبيها المريض وإعداد وجبة غنية لها.

حملت مشترواتها فوق رأسها وسارت عائدة تجاه العربات تبحث عن سيارة لتعيدها لمشارف القرية وهذا يكفيها. **** أنهت الممرضة سريان المحلول بعروقه وسحبت الخرطوم من كفه لتبتسم بتكلف: "ألف سلامة." أجابها أبيه بإكرامية ممتازة دستها بجيبها وسارت نحو فراش مريض آخر. ورغم شعوره بالدوار وتورم عينيه تابع انصرافها مميزًا تمايل خصرها الذي تبالغ فيه.

لقد نجى من موت أو إصابة بالعمى كما قال طبيب المشفى الذي حمله إليه الأهالي فور رؤيته مضرجا بدمائه قرب الزراعات. أبيه يفخر به لصموده أمام ذلك اللص الذي ادعى أنه ضربه بعصى رغبة في سرقته، وأمه تتضرع إلى الله أن ينزل بهذا اللص أشد أنواع العقاب.

وصل ضابط شرطة لسؤاله حول واقعة إصابته ليدعي بثبات أن اللص ضربه من الخلف ولم ير ملامحه، لتأتي شهادة الطبيب مكذبة لإدعائه، فقد أكد الأخير أن الضربات جاءته من الأمام وأنه يعلم جيدا شخصية الفاعل ويتستر عليه لسبب مجهول. ************** عليها توفير الحطب لتضمن خبزًا جيدًا يمكنها بيعه بمقابل مرضى. تحتاج لأخشاب لا تخبو جذوتها بسهولة. أمسكت إناءً كبيرًا وسارت نحو الاتجاه المعاكس، بالقرب من الطريق الذي سيكون مورد رزقها قريبًا.

عمليات الإنشاء هنا مكثفة لتطوير المنطقة، تتعجب لما يكون التطوير دائمًا قرب الطرقات الرئيسية؟ ربما لأنها محط أنظار الجميع!! ماذا إن تعمق هؤلاء المطورون قليلا في الداخل؟ لوجدوا حتمًا منزلهم المتهالك والذي هو أحق بالتطوير من تلك البنايات الضخمة. سارت بالقرب بتؤدة لتتوقف إثر نداء أحدهم: "بتعملي إيه الناحية دي يا حرمة؟

دارت تنظر لمحدثها والذي كان في عقده الخامس تقريبًا. غزا الشيب مفارقه بكثافة وله من حدة الملامح نصيب كبير، لكنها لم ترهبه بل أجابت بثبات: "هعمل إيه يا عم الحج عاوزة شوية رايش أخبز بيه." رفعت إناءها: "هملي الطشت وامشي ما أنتو بترموه مالوش عوزة." نظر لها الرجل ولم تتغير حدة قسماته: "ما تيجي يوم الجمعة والرجالة إجازة بدل ما الكل يتفرج عليكي كده! هو لازمك الخبيز أوي؟ هزت رأسها: "أكل عيشي أنا هبيع العيش مش هأكله."

أعاد النظر لها ولبساطة ملابسها ليرى الحاجة تستتر خلف تلك البساطة. أشار نحو اتجاه جانبي: "طب روحي خدي من اللي الرجالة لموه على جنب ده.. خدي يكفيكي ليوم الجمعة." تهللت ملامحها وهي تطالع تلك الكومة من قطع الأخشاب الممتازة لتأجج نيران مرجلها البسيط. لقد رأتها وخجلت من الاقتراب منها ظنا أنها جمعت لغرض تجهله. "تسلم يا حج."

شكرته وهي تتجه نحوها فعليًا لتملأ هذا الوعاء. كل الأخشاب برأيها قيمة، فهي ستوقدها نيرانًا ولا يهم حجمها أو شكلها، لذا ملأت الوعاء في دقائق وكان هذا الرجل لا يزال بالقرب وهي لا تعلم أنه يتعجب حصولها على هذه الكمية. اقترب منها حين وقفت إعلانًا بانتهاء ما تقوم به ليتساءل: "هتخدي كل ده إزاي؟ ابتسمت بثقة: "هشيله.. عين عليا بس وكتر خيرك." انحنى يرفع الوعاء فوق رأسها لتقف بثبات تضبطه قبل أن تتحرك مغادرة:

"كتر خيرك يا عم الحج." أوقفها متسائلاً: "إنت بتبيعي الرغيف بكام؟ وقفت تنظر له: "صراحة أول يوم ليا بكرة.. مش عارفة اللي يدفعه الناس هاخده." رفع حاجبيه وابتسم لتلين حدة قسماته: "يبقى هتتسرقي من أول يوم.. عدّي عليا الصبح عشرين رغيف وأنا أقولك بيعي بكام." زاد تهلل وجهها وهي تغادر مجددًا: "بس كده من عنيا.. بالإذن." غادرت ليتجه عائدًا لمراقبة عماله وسير العمل هامسًا لنفسه: "ملعونة الحوجة اللي تبهدل الحريم بالشكل ده."

*********** كان العمل شاقًا، فهي تعمل بمفردها. حصلت على قسط من الراحة ببداية الليل ثم نهضت بحماس للعمل الذي سيكفيها شر السؤال. كانت تعمل بجوار المنزل حيث أقيم ذلك الفرن الفلاحي الذي بناه أبيها منذ سنوات طويلة. حين كان أبوها يملك من الصحة ما يكفيها شر الحاجة.

تعترف أنه بحاجة للترميم، لكن لا بأس به حاليًا. ربما راج عملها وتمكنت من شراء ذلك الفرن الحديث الذي يعمل بالغاز. حقًا سيلزم شراء أسطوانة غاز أيضًا، لكنها تحلم أن تتمكن يومًا ما من حلمها البسيط ذا. مع انشقاق الصباح كانت تعمل على التعبئة. ألقت نظرة على أبيها آملة أن تعود سريعًا بفضل دعواته التي لم تتوقف مطلقًا. حملت نفس الوعاء وقد جمعت به أكياس الخبز واتجهت نحو ذلك المكان مجددًا. وقفت تبحث بعينيها عنه

ليأتيها صوته من الأعلى: "نازل أهوه." نظرت لتشهق بفزع لذلك الارتفاع الذي يطل منه ببساطة. دقائق وكان أمامها متعجبًا: "ما شاء الله الرغيف ده يتباع باتنين جنيه أوعى حد يضحك عليكي." حذرها وهو يخرج ماله لينقدها أربعين جنيها كاملة لقاء الأرغفة التي طلبها فعليًا. سارت بعد قليل غير مصدقة أنها ستجني المال الوفير ببساطة.

وقفت بجانب الطريق الذي تمر عليه السيارات مسرعة. وضعت حمولتها أرضًا وحملت كيسا واحدًا أثناء وقوفها على أحدهم يطلب منها بعضًا منه. بعد نصف ساعة تقريبًا وقفت سيارة حديثة ليتساءل صاحبها: "بكام يا شاطرة؟ أجابت دون أن تتقدم: "الرغيف باتنين جنيه يا بيه." "طب هات لي خمسة." سعدت بطلبه ونفذته فورًا وسرعان ما تحركت السيارة وحين عادت نحو خبزها كان أحدهم يقف بجواره: "إنت مين يا بت ومين سمح لك تقفي هنا؟ اقتربت تبعد خبزها عن مرمى:

"وانت مالك إنت!! أنا واقفة على طريق عمومي مش في بيتكم." رأت الغضب يستعر بملامحه ليصيح: "وهتمشي من هنا حالا بدل ما أمرمطك وأفرج عليكي الرايح والجاى." هيئته مخيفة، لكنها لا تملك رفاهية الخوف. عليها أن تحمي نفسها منه ومن غيره. لا مجال للتراجع. لقد جمعت ببيع ربع الكمية رأس المال الذي تكلفته ولن تتخلى عن هذه الفرصة. اقترب منها لتصيح: "لو قربت مني هصوت وألم عليك الخلق." ابتسم بتهكم وقد نزع حمولتها كاملة: "صوتي حد ماسكك؟

تمسكت بمصدر رزقها: "سيب العيش بقولك هي بلطجة وخلاص." جذب الإناء بقوة لينزعه عن كفيها: "أيوة بلطجة." "ومفيش بلطجة وأنا واقف يا نجم." نظرت بإتجاه الصوت الذي تابع: "رجع لها العيش بالذوق أحسن لك."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...