تم إسعاف يونس، لكن لم يعلم الأطباء أن ما أصابه اليوم يصعب الشفاء منه. غادرت طيف سريعًا بمجرد إلحاقه بالمشفى، لقد فعلت هذا إكرامًا لأبيها لا له. لم تعد للمنزل بل اتجهت إلى المقابر ووقفت أمام قبره تبكيه كأنه غادرها للتو. بحث عنها سلطان في المشفى لكنها اختفت وفشل في العثور على أثرها أيضًا. توجه وحكيم عائدين إلى منزلها الذي يقع بطريقهما المختصر، لكنها لم تكن هناك أيضًا ليعود للطريق وقد زادت هواجسه ونمت مخاوفه.
عاد سلطان للمنزل في وقت الغداء ليخبر أمه كل ما حدث، فيزداد إعجابها بهذه الفتاة التي لم تعرفها بعد وتصر على لقائها في اليوم التالي مباشرة. عادت طيف ليلاً منهكة القوى لتغرق في سباتها حتى استيقظت صباحًا على طرقات الباب. مسحت وجهها بكفيها ودون أن تتفقد مظهرها اتجهت إلى الباب، فتحته ليطالعها وجه غريب لكن بشاشته مريحة. ابتسمت تلك السمراء التي تقف ببابها متسائلة بود: كيفك يا بتي؟
قطبت طيف جبينها بدهشة لعدم قدرتها على التعرف على الزائرة الودودة أو تذكرها لتنطق بصوت مبحوح: اهلا يا حجة، عاوزة مين؟ أجابت الزائرة بثقة: رايداك انت يا طيف. أشارت إلى صدرها باستنكار: انت تعرفينى؟ اتسعت ابتسامة الزائرة: انا ام سلطان وهو واجف جريب وانى جولت له يهملنا لحالنا. عادت تلك الخفقات بصدرها تنبئ بثورة قادمة، بينما لم تبد طيف أي تأثر وهي تفسح الطريق بود: اتفضلى.. معلش البيت مش قد المقام.
تقدمت المرأة تستند لعكازين لتشعر طيف بالحرج وتسرع نحوها تساعدها حتى أجلستها. تلفتت حولها بفزع، هي لم تشتر أي طعام منذ وفاة أبيها واكتفت بتلك الأرغفة الجافة التي تقتات عليها. كما أنها لا تملك ما تضايف به الزائرة. تذكرت فورًا المشروب الذي لا يخلو منه المنزل نهائيًا وهي تتحدث بثقة: دقيقة واحدة هعملك شاى. اتجهت نحو الركن المفترض كونه مطبخها، ومن الجيد صغر المكان الذي ساعد على عدم ترك المكان لتتحدث بود: نورتينى والله.
تحدثت المرأة: البقاء لله يا طيف، ربنا يصبر جلبك. الواحدة منا بعد بوها بتبجى ريشة يلعب بيها الهوى. دارت طيف تنظر لها: ونعم بالله.. بس انا مش فاهمة ريشة ازاى يعنى؟ أومأت بإبتسامة شاحبة ثم قالت: سلطان حكى لي على كل حاچة.. اوعى تفكرى إن الولد ده هيرفع يده عنيكى.. العفش بيضل عفش مايهموش غير روحه.. واللى اتنزعت الرحمة من جلبه عمره ما يتغير.. هو وجعة بوه چت رحمة ربنا بيكى. ظهر
الغضب على طيف وتحدثت بقوة: خليه يجى جمبى تانى وانا اجيب خبره واريح الخلق من شيطان هم فاكرينه ملاك. ابتسمت المرأة: مين جال أكده!! وتضيعى عمرك على واحد مايسواش؟ لاه يا بتى حتى بوكى الله يرحمه مايرضاش بإكده. جلست طيف فوق المقعد المجاور للموقد بحيرة تنظر نحو تلك المرأة التي ابتسمت مجددًا: هو ماتشيليش همه لكن همي دلوك انت وجعدتك لحالك فى بيت بعيد عن العمار عرضه ليه ولغيره.. جعدتك اهنه ماترضيش حد واصل.
لم تجب طيف، فهي لا تملك مكان يمكنها النزوح إليه ولا تقبل أن تنزل ببيت أحد أقاربها والذين تعلم جيدًا رقة حالهم جميعًا وضيق منازلهم مثلها تمامًا. شردت قليلاً لتنتبه لصوت زائرتها الذي علا قليلاً: ها جولتى إيه؟ هزت رأسها: نعم!! عادت المرأة تتحدث: انى افهم فى الأصول زين، ماهنعجدش دلوك لكن نطمن عليك. تساءلت طيف بدهشة: نعقد إيه؟ ضحكت المرأة: انت ماسمعتيش حديتى خالص. وضعت طيف الكوب الساخن فوق صينية متواضعة واتجهت
نحوها لتجلس بجوارها فتقول: معلهش انت معذورة.. انى جولت إن سلطان ولدى رايدك فى الحلال وكنا متفجين ناچو جبل اللى حصل ده كلاته.. بس كله نصيب.. انى شوفت لك اوضة فى البيت اللى چارنا، هي اوضة على السطح بس أمان ماتخافيش. شعرت طيف بالهذيان ولم تجد ما تجيب به على تلك المرأة التي أتتها صباحًا تريد أن تأخذها من كل ما تملك، وليس البيت هو ما يحزنها فراقه بل الذكريات.
لقد قضت عمرها كله في هذا المنزل المتهالك الذي كان لها ستراً ومأوى وملاذاً. عادت المرأة تتحدث: اتكلمى يا بتى، بتفكرى فى إيه؟ تاهت منها الكلمات لتفتح فمها عدة مرات بلا جدوى. الغريب أن المرأة لم تتحدث مرة أخرى بل فتحت ذراعيها وقالت بود: تعى يا بتي. وكأن هذه الدعوة هي ما كانت تنتظره منذ فقدت أبيها. كانت بحاجة لمن يضمها وأحزانها وتخبطها وحيرتها وكل الألم الذي يمزق صدرها.
احتوت تلك الغريبة في لحظات ما عجزت هي عن التعبير عنه. طال الوقت بها حتى شعرت أنها أثقلت على صدر تلك التي لم ترها إلا هذا الصباح، ورغم ذلك لم تتذمر من تحمل تلك المشاعر التي عجزت هي عن التعبير عنها. لم يحاول أي ممن خدمتهم طيلة عمرها أن يتفقدها أو يواسيها أو يرفع عنها الغربة والوحدة. تلك القرية التي تبكي على الذكريات بها!! أولئك الناس الذين قضت بينهم عمرها!! رفعت رأسها أخيرًا
تكفف دموعها: حاضر، انا هسيب البيت بس مش علشان خايفة من حد لكن علشان البلد دي بقت تخنقني.. بكرهها وبكره ناسها. ربتت فوق كفها وتفهمت تعليقها، كل الأمور لوقت لاحق، فهي تقدر التخبط الذي هي واقعة به ولن ترغمها على اتخاذ قرار مصيري وهي بهذه الحالة. جمعت طيف الملابس التي تملكها وجمعت أغراض أبيها أيضًا وحملتهم لخارج المنزل قبل أن تدخل مجددًا تساعد ام سلطان على الخروج، حين خرجتا معًا كان هناك يحمل كل ما أخرجته سابقًا.
تقابلت الأعين لتصرخ اللهفة بالأشواق المنكرة والمستترة والخجلة من الإعلان عن وجودها. تحرك ثلاثتهم نحو سيارة قريبة أتى بها سلطان فأمه عاجزة عن السير بشكل كبير. لم يكن طريقهم طويلاً ووصلوا لمنزل بالنسبة لـ طيف فخم للغاية مكون من أربعة طوابق والأخير يحوي الحجرة التي ستسكنها. دخلت الحجرة بصحبة صاحبة المنزل التي تساءلت: عجبتك الاوضة؟ أومأت طيف: حلوة اوى، بس أجرتها كام؟ أجابت المرأة: مية وخمسين جنية علشان خاطر ام سلطان.
كانت طيف في تلك اللحظة لا تملك مالاً ولا تملك من تعتمد عليه، لذا تنهدت وأعلنت عن موافقتها على أن تبحث عن عمل بداية من اليوم. أغلقت الباب وبعد ساعة واحدة قضتها في تفريغ ملابسها وتنظيف الحجرة طرق الباب مجددًا، وكانت تلك المرأة تلهث بإرهاق لصعودها الدرج بحالتها الصحية تلك لتقول طيف: تعبتى نفسك ليه بس؟ نادى عليا وانا اجيلك. ابتسمت المرأة ونظرت للخلف فإذا بشابين يضعان فوق السطح موقداً غازياً للخبز واسطوانة أيضاً.
عادت بعينيها لـ طيف وقالت: اشتريته بحر مالى وهتسدى تمنه بنص اللى ربنا يچود عليكى بيه، ولما يكمل تمنه يبجى حلال عليك.. والطحين ده هدية منى. اقترب الشاب الذي صعد للتو متسائلاً: هنا يا اما؟ أشارت له ليضع الچوال الذي يحمله، ثم عادت تنظر لتلك التي تغلبها الدهشة: من الصبح بدى اشوفك نازلة بالعيش. أشارت بالعكاز: هبجى جاعدة فى الشباك ده.
كانت طيف جائعة لدرجة الإعياء لذا فضلت أن تعمل فورًا حيث يمكنها تناول بعضاً من الخبز الذي ستصنعه. أكلت ثلاثة أرغفة من شدة جوعها قبل أن تشعر بتحسن. هذه الحجرة فخمة تحوي صنبوراً للماء لن تضطر لملء الماء وحمله مجدداً. اغتسلت وارتدت جلباباً أسود وحملت خبزها متجهة إلى الطريق. وقفت أمام الباب ونظرت نحو الشباك الذي أشارت له ام سلطان لتجدها هناك.
تلك الابتسامة المشجعة والتي تمنحها القدرة على المتابعة، أشارت لها لتبدأ السير نحو الطريق. كان الوقت عصراً وظلت حتى أرخى الليل ستارا اسود دون أن تنفد أرغفتها وكان هناك.. يراقبها لتشعر بالأمان. أخيراً أنهت بيع حمولتها لتقفل عائدة ولم تصعد لغرفتها بل اتجهت إلى ام سلطان واقتسمت معها المال الذي جنته، لكن منحتها ثلثيه واحتفظت بثلث فقط.
فهي لا تحتاج للكثير من المال، ستحتفظ بما تبقى لتغير اسطوانة الغاز، ويمكنها أن تتناول الخبز فقط لفترة أطول، كما يمكنها الحصول على وجبة من الفول أو الفلافل حيث يعتبران وجبة متوفرة ورخيصة الثمن. مرت الأيام وبدأت طيف تجمع مبلغا كافياً لدفع الإيجار ومتابعة الحياة وتناست ما حدث بالقرية دون أن تهمل زيارة قبر أبيها الذي لم يعد يربطها بهذه القرية سواه.
يجتمع شباب القرية بذلك المقهى الذي يجدون فيه الملذات المحرمة في خيفة عن الأعين، فتهوى بهم إلى البؤس دون أن يدرك أحدهم سبب بؤسه. دخل من الباب ليجد من يقصده بأحد الأركان مستلذاً بما يتجرعه وما يستمع إليه من فجور رفاقه. كانت أمه محقة، فهذا الوضيع جاهر بفجوره بعد أن كشفه أبيه ولم يعد يهتم سوى لملذاته. كان يخاف أبيه فقط!! الفكرة وحدها تدعو لاحتقاره. اقترب سلطان بخطى ثابتة ووقف مستنداً لعصاه ليسأله أحدهم: في حاجة يا اخينا؟
أقبل العامل نحوه مسرعاً: انت مين ودخلت ازاى؟ محدش هنا يعرفك. دار سلطان بعينيه في المكان: انا مااعرفش الأشكال دي. وجه عصاه لصدر ياسر الذي نظر له دون أن يتعرف عليه: انت اتعديت على حد يخصنى وانا هاخد حقى وقتى. دفع ياسر العصا التي لم تتزحزح بغضب: اوعى يا جدع انت.. انت مش عارف انا مين؟ أجاب سلطان بثقة: عارف طبعاً.. ياسر ابن الشيخ يونس.. اوطى نفر فى الجيهة.
انتفض ياسر ورفاقه وبدأت مشاجرة، كانت عصى سلطان تقوم فيها بدور البطولة وكان ترنح ياسر ورفاقه هو اعظم مساعد لهزيمتهم. وقف سلطان بينهم بعد أن أسقطهم جميعاً ليقول: الكلام ليك وللكل، طيف السلطان تخصنى واى حد هيفكر يدوس على خيالها هجيبه تحت رجلى. تحدث ياسر أخيراً: كل ده علشان بنت عبيد؟ يا عم بالراحة على نفسك شوية، الحكاية مش مستاهلة. جذبه سلطان ليقف أمامه: انت قولت ايه؟ تلعثم ياسر لتلقمه قبضة سلطان بعضاً من دمائه.
دار سلطان على عقبيه ناظراً إلى العامل: انت شوفت حاجة؟ هز الشاب رأسه نفياً ليغادر سلطان، فهذا المكان يغلق بابه على كل ما يحدث بالداخل، فليس من مصلحة صاحب المكان أو رواده أن يعلم من بخارجه ما يحدث فيه. بعد عدة أيام جلست طيف برفقة ام سلطان التي قالت: انت خلصت اللى عليكى دلوك، الفرن حلال عليك. تهلل وجه طيف، فقد حصلت على مأوى ومصدر رزق، وأهم من ذلك حصلت على قلب حنون يحنو عليها ويهتم لكل تفاصيلها.
طرق الباب ليدخل سلطان الذي توقفت خطواته لتتعانق النظرات. بدلت نظرها بينهما وابتسمت ثم تساءلت: ما تتچوزى الواد ده وتريحينى منيه. نظر لها سلطان بصدمة: بدك ترتاحى منى يا اما؟ ضحكت: ايوه، عنديك مانع؟ توجهت طيف في الصباح التالي لزيارة قبر أبيها كما اعتادت، وقفت بجواره تقص عليه ما استجد في حياتها الخاوية وتحدثه عن سلطان وعن طلب أمه الذي تكرر مراراً دون ضغط.
ثم تحدثه عن مخاوفها من الزواج ومن العقبات التي قد لا تتمكن من تذليلها وهي بدون رعايته وأمها. غادرت بعد فترة تلاحظ اقتراب بعض الشباب، هيأت نفسها لصد تحرشهم بها الذي هو مؤكد لها. أصبحت بمحاذاتهم لتسمع همس أحدهم: امشى يا عم بعيد عن البت دي. رأته يجذب رفيقه الذي هم بالاقتراب منها لترهف السمع، واحدهم يقول: دي بنت عبيد يا عم، تعالى نتسلى عليها. ليعلو
صوت الشاب بفزع دون تعمد: دي طيف السلطان.. ده عدم ياسر العافية علشانها ومحدش قدر يقوله بتعمل ايه. نظرت للأمام واشرق وجهها الذي عبر عن إشراق الأمان بصدرها. رفعت رأسها وسارت بشموخ، لقد انتهت من عمرها المخاوف. اتجهت فوراً إلى ام سلطان لتعلن عن موافقتها التي أعلنت عنها العجوز بسرب من الزغاريد حلق من شباكها الذي طال صمته ليرفرف في عنان السماء يحمل نبأ السعادة المرتقبة التي ستظلل بأجنحتها هذا المنزل قريباً. بعد شهرين
دخلت طيف لغرفة حماتها التي تجلس بقرب الشباك: صباح الخير يا ام. نظرت لها ببشاشة معهودة منها، ترى تفتح براعم السعادة بثناياها لتبتسم: صباح الفل يا مرت الغالي.. تعالي اجعدي چاراي. جلست طيف وقبل أن تبدأ حماتها حديثها جاء ندائه الناعس: طيف. ابتسمت أم سلطان: روحي شوفى چوزك وماتغبيش عليا. تحركت بخجل نحو غرفتهما حيث كان متسطحاً بالفراش، لم يزل أثر نعاسه أو أثرها هي.
أغلقت الباب برفق: وبعدين يا سلطان، قولت لك بطل تنادي وانا مع امك، بتكسف. رفع حاجبًا واحدًا: يعني مااصبحش عليكى.. خلاص ابقى أصبح عليك قدام امى. كتمت شهقتها بكفها ليتحرك فيجذبها نحوه. رفعت كفها محذرة: امى قالت لي مااغبش عليها. تحركت شفتيه تقتطفان ما تصلا إليه من ينع قسماتها ليهمس بدفء: يعني امى ماتهونش عليك وانا اهون؟ يرضيكى انزل وقلبى ملهوف كده؟ يرضيكى أقصى طول اليوم من غير ما ادوق حضنك؟
دفعته بتمنع ليس بمانعه، تعلم أن أمه لن تغضب لغيابها عنها مادامت برفقته، بل لن تشير إلى غيابها من قريب أو بعيد. لحظات وكانت تستزيد أشواقه لها التي لا تنتهي لتروي أشواقها له التي تنمو، فعمله الشاق يمنعه عنها طيلة النهار وهي لم تكتف من فيض شغفه بها ولا تظن أنها ستفعل.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!