أنهت بيع أرغفتها جميعًا، وصارت نقودها الغالية التي فاقت أمس. بدأت تجمع متعلقاتها استعدادًا للرحيل. اقترب منها فورًا: "أنا جاي أوصلك." ابتسمت له وهي تستشعر مشاعره القلقة من نبرة صوته، لتجيب بثقة: "ماتخافش عليا، أنا بفوت في الحديد. خليك جنب فرشتك." اتسعت ابتسامة سلطان وهو يؤكد بثقة: "عارف يا طيف، بس عاوز أطمن عليك بنفسي."
نظرت أرضًا لتظهر احمرار وجهها الذي يزيدها فتنة ويزيده انبهارًا. فهم أنها تخجل من صحبته لها، كما أنها محقة في ذلك. تسربت بشاشته وهو يتراجع: "ماشي يا طيف، بس خلي بالك من نفسك." حملت وعاءها الخاوي وعادت تبتسم وهي تتجاوزه، ليدور مع خطواتها مراقبًا مغادرتها. عبرت الطريق لتغيب عن ناظريه دون أن تغيب صورتها عنه.
اقترب منه حكيم الذي كان يراقبهما معًا طيلة اليوم. وقف بمحاذاة سلطان الذي لم ينتبه له، ليبتسم هو شاعرًا بالراحة لأجل صديقه. دفعه بكتفه ليلتفت له: "في حاجة يا حكيم؟ أجابه مبتسمًا: "أيوه، في حاجة ضاعت منك. ماتخافش، طيف هتجيبها معاها الصبح." قطب جبينه ليضحك حكيم: "يا عم، يا تروح وراها، يا تروح وراها بردو. هههههه." وكزه سلطان ليضحك مغادرًا، فيوقفه: "خد بالك من الفرشة على ما أتغدى مع أمي وأرجع." ***
دخلت طيف المنزل بوجه بشوش وقلب راضٍ، لينقلب حالها بلحظة واحدة وهي ترى أباها منكباً على وجهه أرضًا. ألقت ما تحمله وأسرعت تتفقده بفزع: "أبا.. مالك يا أبا؟ أبا رد عليا." كان شاحبًا، وقد خلا صدره من أنفاسه. هزته مرات ونادته مرات أخرى، لكنه لم يعد قادرًا على إجابتها. ضمته لصدرها وهي تصرخ ألمًا. انشق له هذا الصدر الذي يرفض التخلي عن الجسد الذي بلى.
ظلت تبكي، لا تعلم كم مر عليها من وقت. لكنها في النهاية حملته لفراشه كما اعتادت في سنواته الأخيرة التي كان رفيقه فيها المرض العضال. نظرت لوجهه نظرة أخيرة وغادرت فورًا نحو مسجد القرية لتسأل شيخ المسجد عن اللازم فعله، فهي رغم أن الحياة قد طحنت عظامها شقاءً، إلا أن مصيبة الموت تدركها لأول مرة. حين غادرت أمها كانت أصغر من أن تعي ذلك.
عادت بعد وقت يرافقها الشيخ ورجلان من القرية، قام الأخير بطلبهما. دخلا لغرفة أبيها البالية يتفقدوه، ثم أعلنوا لها ما كانت ترفض تصديقه وتتمنى أن يكون وهمًا من نسج خيالها.
طلب شيخ المسجد الطبيب الشرعي للقرية ليستخرج تصريحًا للدفن، ثم سمعته يطلب من صاحبيه العودة للمسجد والاتيان بلوازم الغسل والكفن، لتنتفض وتضع بين يديه كل ما جمعت من مال. حاول الرجل أثناءها عن ذلك ليفشل، فيرضخ لها بقلب متألم للحال الذي ستؤول إليه. ورغم أنها تعلم أنها تفقد مع هذا المال مقومات الحياة، إلا أن هذا لن يدفعها لتقبل تصدق أحدهم على أبيها بالكفن. ***
وضع بكف أمه كوب الشاي الذي تشربه بعد الغداء يوميًا، لتبتسم له بود. جلس بالقرب منها يشرب كوبه أيضًا، لتتساءل: "مالك يا سلطان؟ حاول أن يبتسم: "ولا حاجة يا أمي، أنا بخير." شردت ببصرها عنه: "خابرة إنك بخير، بس كأن حاجة ناقصاك؟ نظر لها لتعد بنظرها نحوه، فتتابع: "ما أنش الأوان تتجوز يا سلطان؟ ابتسم مرغمًا، فها هي أمه ترى دواخله كما كانت تفعل طيلة عمره. نظر أرضًا ثم نظر لها: "كأنك زهجتي من سلطان، يا أمي؟
ضحكت لتبرز تجاعيد وجهها التي يعشق. كل خط من تلك الخطوط شاهد على ألم تحملته، على أيامها السعيدة، على كفاحها الطويل. ارتشفت بعضًا من كوبها لتنظر نحوه بحنو، منتظرة إفصاحه عن مكنون قلبه. ولم يطل انتظارها، فقد تحدث فورًا: "اسمها طيف.. بتبيع عيش على الطريق. شوفت دارهم امبارح، شكلهم ناس على قد حالهم." تابع حديثه عن رؤيته طيف وعما حدث بالأمس، دون أن تغب بشاشة أمه لوهلة، ودون أن تهتز ثقة عينيها التي تخترق رأسه. أخيرًا تحدثت
بعد أن صمت منذ لحظات: "ابجى جولها ونروحوا نخطبوها. الراجل الزين ما يبصش لحرمة مش حلاله يا سلطان." *** مر الوقت عليها سريعًا، لتجد الرجال يحملون جسد أبيها بعد تكفينه إلى المسجد. كان وقت الصلاة، ونودي لصلاة الجنازة، فاجتمع أهل القرية أجمع لتشيع أباها الذي رحل عنها في غفلة منها. بعد دفنه، غادر الجميع. وحاول إمام المسجد أن يعيدها للمنزل، لكنها رفضت وظلت واقفة أمام قبره بإجلال حتى رحل الجميع، لتبدأ تحدثه وكأنه أمامها.
لم تحصِ الوقت الذي قضته بجوار القبر، لكنها شعرت بالخدر يسري ببدنها من شدة الإجهاد. نظرت نحوه نظرة أخيرة مودعة وغادرت تجر قدميها جراً. كانت أطول لياليها على الإطلاق. استمعت لحفيف الأشجار وأصوات الحشرات، حتى الحيوانات الضالة شاركتها ليلتها الحزينة التي غاب عنها البشر أجمع. سكبت احتراقها دموعًا، ناعية أباها وحياتها التي ستتشح بالسواد مستقبلًا. كانت تعاني بوجوده مرات، وستعاني بغيابه آلاف المرات.
رأت الشمس تشق قلب الظلام معلنة عن يوم جديد، وما الجديد؟ الجديد أنها زادت وحدة، زادت غربة، زادت بؤسا. *** بعد يومين.. وقف سلطان يتأكل قلبه قلقًا. ثلاثة أيام لم ير طيفها. اقترب حكيم شاعرًا بالأسف لأجل صديقه الوفي. ربت فوق كتفه ليلتفت له بأعين فزعة كما كانت منذ غيابها: "وبعدين يا سلطان؟ ما أنت عارف بيتها. تعالى نروح نعرف على الأقل حصل إيه؟ ردد سلطان:
"خايف يا حكيم. أول مرة في حياتي أخاف بالشكل ده. خايف تكون في ضيقة ومحتاجاني جنبها، وخايف أروح أقول لأبوها إيه!! تنهد حكيم: "نصاية ونروح. ولو على أبوها، أنت كنت هتحدد معاد وتروح تخطبها. قوله الكلمتين دول وخد منه معاك تاخد الحجة وتروح. استنى شوية وجاي." غاب حكيم وظل هو بين أفكاره المتوحشة التي تمزقه بين براثن الاحتمالات التي يراها سوداوية ومقبضة. ***
طرق بابها لترفع رأسها المثقل بالهم والحزن عن وسادة أبيها التي تضمها منذ رحيله. تحركت بتثاقل؛ لابد أنه إمام المسجد جاء يحاول منحها مالًا لا تحتاجه وسترفضه، ورغم ذلك لم ينقطع عن المحاولة. فتحت الباب لتطالع وجهًا بغيضًا بأعين تلمع شماتة وتصرخ حقداً. تخصرت تنظر له بتحدٍ: "انت ما حرمتش من بطحة راسك يا ابن الشيخ يونس؟ ولا فكرت أبويا مات انكسرت وهتقدر عليا؟ عقد ذراعيه وحاجبيه:
"أبوك مات، والدور عليك يا طيف، ومش هسيبك غير لما أخلص منك حقي، وبعدين أدهسك برجلي زي الحشرة." علا صوتها: "حقي!! حق إيه يا واطي يا خسيس؟ دا أنا اللي ليا حق هاخده من حباب عينيك." ضحك ياسر على غير عادته ونظر بعينيها مباشرة ونفث أحقاده: "أنا قلت لأبوكي إنك مرافقاني وبترمي عليا عشان أتجوزك.. أنا قتلته، ودلوقتي حالا هكسرك واقتلك." اتسعت عينيها فزعًا وضربت صدرها، وظلت عينيها متعلقة بعينيه لحظات. ***
اقترب سلطان برفقة حكيم الذي يتلفت حوله مستنكرًا المكان. مد سلطان ذراعه ليتوقف حكيم، بينما يهمس سلطان متسائلاً: "مين اللي واقف مع طيف ده؟ اقتربا بحذر ليهمس حكيم: "سلطان، في واحد تاني مستخبي هناك أهو." نظر سلطان بالاتجاه الذي أشار إليه حكيم ليرى شخصًا يقف يستمع للحوار بين طيف وهذا الغريب، الذي أشعلت كلماته نيرانًا بصدر سلطان لن تخمد إلا بدماء هذا الحقير. عاد حكيم يهمس: "انت مستني إيه؟ بينا نلحقها من الواطي ده."
هز سلطان رأسه: "ده عاوز اللي يلحقه منها." وفي اللحظة التالية، قفزت طيف متخطية فرق الطول بينها وبين ياسر لتمسك برأسه الذي انخفض معها بتلقائية لوهلة، قبل أن يحاول المقاومة. لكنها كانت أسرع منه، وقفزت فوق ظهره لتتمكن منه أكثر، صارخة: "أنا هشرب من دمك.. موتك على إيدي النهاردة يا ابن الشيخ." لوح بذراعيه للخلف محاولاً إمساك ملابسها أو إسقاطها، لتصرخ وتغرز أسنانها برقته، ليصرخ هو فورًا.
سقط شيئًا ما بالقرب، لتتجه الأنظار جميعها إليه. صرخ ياسر وألجمت الصدمة طيف، لينفلت من قبضتها مع تقدم سلطان وحكيم نحو الرجل الذي سقط. كانت عيناه شاخصتين وأنفاسه لاهثة، يعاني اختناقًا واضحًا. ليرجوه ياسر: "بابا، رد عليا.. قوم معايا، قوم." حاول رفعه ليحول رفض الشيخ دون ذلك، ويتحدث بألم: "يا خسارة تربيتي فيك.. هو ده العلام اللي اتعلمته؟
تنهش أعراض الخلق وتجور عليهم.. ربنا ينتقم منك.. آه.. آه.. غور من وشي.. آه.. أنا متبري منك.. آه.. قالوا لي في المركز إنك عارف اللي ضربك.. اااه.. ما كنتش فاكرك.. اااه." جلس حكيم: "بالراحة يا عم، خد نفسك، بالراحة. ماتخافش، هنسيك مستشفى. ايدك معايا يا سلطان." لكن سلطان اكتفى بالوقوف في الخلفية، فهو إن اقترب أكثر سيطبق على رقبة هذا الحقير حتى يلفظ أنفاسه.
رفعت عينيها الباكية نحوه، لتذبح دمعاتها قلبه، فينعى دموعها بدمائه. لم ير السواد الذي اتشحت به، بل رأى السواد الذي يلتهم روحها، مهددًا بتدنيس براءة تصدعت من كثرة لطمات الحياة. اقترب متناسياً كل ما يحدث ليقف أمامها مباشرة: "ماتخافيش، هو في دار الحق وإحنا في دار الباطل. هو عرف كل حاجة. ماتضيعيش تربيته ليكِ يا طيف.. ماتضيعيش عمره وأضيع حقه." تساءلت بقهر، ليشير بإبهامه للخلف: "حقه ربنا ماسابوش."
نظرت نحو يونس لتصمت وهي تراه يعاني ولا أحد قادر على مساعدته. رأت صورة أبيها حين عانى أيضًا، لكنها لم تكن بالجوار. علا صوتها: "هاته يا حكيم بسرعة. الوحدة عشر دقايق، أنا عارفة الطريق من هنا." حمله حكيم وسلطان، بينما ظل ياسر في موضعه عاجزًا عن اللحاق بأبيه الذي أعلن أمامها تبرؤه منه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!