كانت جدتي تعقص شعرها على شكل قرنين وتلفهما بالقماش بطول ربع ذراع لتمتد عرضياً كقرون شيطان نحيف وعجوز، تكحل عينيها وتضع فراشة صغيرة فوق جبهتها بالحناء. قالوا إنها ضحت بوالدي وقتلته لإبرام اتفاق مع ملك جان السبع البحار السوداء التي تنبع من الجحيم، وأن والدتي التي تلاحق جدتي في كل مكان في المنزل وترفع ثوبها أحياناً قبل أن يتلطخ بالتراب مسلوبة الإرادة وأن جدتي سخرتها لخدمتها.
يقولون أيضاً إن أخواتي الفتيات البكر يساعدن جدتي في سحرها، يجتمعن في إحدى غرف المنزل مع جدتي ووالدتي، يطلقن التمائم والتعاويذ، يضعن في وعاء مملوء بالدم أقمشة يعصرنها ويثقبونها بالإبرة، يحركن قطع عظم الحيوانات على رقعة من الخشب، يطفئن الأنوار ويعصبن عيونهن حتى لا يرين شيئاً.
كانت رغبتها في بقاء أخواتي بكراً سبب رفضها لكل الشبان الذين تقدموا لخطبتهم، ليساعدوها في السحر وليس لأنهم غير لائقين. كانت تجتمع مع الخطاب في غرفة منعزلة ثم لا يلبثون أن يخرجوا مرتاعبين ولا يعودون مرة أخرى حتى لم يعد أحد يحضر للتقدم للزواج منهن. إنهم حتى يقولون إن عيون أخواتي الخضر، وجوههم البيضاء، وجمالهم الآخاذ غير طبيعي بالمرة، كانت النسوة يتمتمن أنهن بنات الجان بشعورهن الطويلة وبشرتهن التي تشبه بياض اللبن.
كل قريتنا تخشى جدتي ولا يجرؤون الاقتراب منها أو حتى ذكرها بسوء، كل ما يستطيعون فعله أنهم يمنعون أطفالهم عن اللعب معي، يحرصون أن يبدو كل ذلك بطريقة غير مباشرة، مثلاً كلما ذهبت للعب مع ابن جارنا صرخت والدته: "حسن! هيا أنت لم تنهِ دروسك"، فينصرف ويتركني، أو تقول والدة محسن: "أنت لم تتناول طعامك بعد". اعتدت كل ذلك، لم أعد أذهب للعب معهم طالما أنهم سيتركوني لوحدي في الطريق.
منزلنا كبير جداً، فيه باحة فسيحة وغرف كثيرة، يوجد أيضاً قبو لتخزين الحبوب التي نحضرها من أراضينا التي تعمل جدتي على زراعتها. تنتج حقولنا أكثر من أي أرض في القرية، إن جدتي فلاحة ماهرة ولا تعزق الحقول إلا ليلاً عندما يكون الناس نيام، يقولون إن الجان يعزقون لها الأرض ويقومون بريها، قبل أن تشرق الشمس تكون أرضنا مفلحة ومروية وجدتي في المنزل تحلب الأبقار.
أحب جدتي كثيراً رغم كل الأساطير التي أسمعها عنها، فإنها رائعة وطيبة جداً، تقبلني، تحتضنني، تقول: "كل شيء أفعله في حياتي من أجلك ومن أجل إخوتك".
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!