رغم أن القرية كلها كانت تكره جدتي، ليس النساء فقط لكن الرجال أيضاً، إلا أنهم كانوا يحترمونها. كان زوجها قد توفي بعد زواجه بها بعدة أشهر، ورغم ذلك أصرت على عدم ترك منزلها، ولم يُسمع عنها إلا كل خير في تلك الأيام. كانت تعمل بالحقل وهي حامل، وتغلق باب منزلها عليها بعد غروب الشمس، فلا يُرى داخلها ولا خارجها. ولما كانت جدتي من خارج البلدة، فلم تكن تتلقى زيارات عائلية، ولم تسمح لأحد بمساعدتها، حتى وصل بها الأمر أن وضعت طفلها، والدي، بمفردها.
عندما كنت أحكي لجدتي قصة سمعتها عنها، كانت تقول وهي تبتسم: "الحمد لله أن جعلوني ساحرة ولم يجعلوني عاهرة". ثم، لكي تثير إعجابي، كانت تهمس لي: "انظر لأولئك الذين يقولون عني ساحرة، سيحضرون ليطلبوا مساعدتي قبل أن تنام". وكان يحدث ذلك كل مرة. عندما جف حليب رقيه، زوجة عبد الله، وكانت قد وضعت للتو ولم تتمكن من إرضاع طفلها، أحضروها لجدتي لتعالجها.
وعندما فشل المشايخ ولم يفلحوا في إخراج جني تلبس ابنة العمدة، ما كان منه إلا أن قصد جدتي. خاطبها باحترام وطلب منها المساعدة. كانت جدتي تقول: "الإيمان في القلب يا جاسم". فيما كان منها إلا أن حجرت الصبية في غرفة، ثم دخلت عليها بمفردها. سمعنا صراخاً، وخبطاً وزرزعة، ثم خرجت جدتي متعرقة وقالت: "الحمد لله، أخرجت الجني". أخذ العمدة ابنته ورحل من منزلنا. رغم ذلك، لم يختفِ
الهمس عن جدتي: "مخاوية، متزوجة جني يساعدها، تحضر أرواح، أبرمت عهداً مع إبليس، عجوز ملعونة". كانت جدتي غير مبالية بكل ذلك. وعندما أصررت لها أن الوالدات يمنعن أطفالهن عن اللعب معي، واني أشعر بالضيق، ما كان منها إلا أن سحبتني للقبو بين المحاصيل المخزنة، وأزاحت قماشة كانت مفرودة فوق جريدة نخل يابسة. حملتها ولف بها القبو، تمسح بها سقفه، ثم قالت: "اخرج!
من بين أجولة القمح والحنطة خرج رجل صغير بمثل طولي، لكنه ليس طفلاً، ويتحدث بطريقة غريبة، وله شارب ولحية. قالت: "يمكنك أن تلعب معه، لكن إذا أخبرت والدتك أو أي شخص، سيرحل ولن تراه مرة أخرى". كانت لا تسمح لي باللعب معه إلا وقت القيلولة، بين الظهر والعصر. كانت لغته ركيكة، يقول مثلاً: "سوف تلعبون معكم"، أو "هي نكرض"، وكان يقصد "نتسابق". عندما بلغت العاشرة، أحضرتني جدتي وأحضرت إخوتي.
قالت جدتي بحزم: "جاسم، يجب أن يتعلم كل شيء منذ الآن". وأوكلت لكل واحدة من إخوتي مهمة تعليمي شيئاً ما: الرياضة، التاريخ، الفن. وتولت جدتي تعليمي أدب التعامل، والآتيكيت. كانت صارمة جداً، ولا تسمح بأي هفوة. علمتني كيف أتناول طعامي بأدب ورق، وأن لا أستخدم يدي، الكلمات التي يجب علي قولها قبل الطعام وأثناءه، كيف أطلب الشيء، وكيف أرتدي ملابسي الغريبة التي لا
أعلم من أين أحضرتها جدتي: ستر ثقيلة وطويلة، أحذية لامعة، قمصان بياقة عنق طويلة، أوشحة وقبعات، ورابطات عنق مزركشة. كنت أتعلم ليلاً ونهاراً، ولم يكن يسمح لي باللعب إلا ساعتين مع الرجل الطفل في القبو، والذي بعد أن تعلم لغتي، راح هو الآخر يعلمني. كان مضحكاً جداً. سألني مرة وهو يدندن بموسيقى: "تعرف تلك الأغنية؟ قلت له: "يا سيدي، وكيف لي أن أعرف؟ " كنت أتحدث كما علمتني جدتي ذلك الوقت.
"انتظر، أنا سيمون، سأعلمك كل أغنيات العوالم السبعة". أمرني أن أغلق عيني، ووضع إصبعه في أذني، قال: "لا تتحرك، سأبدأ". سمعت نغمات تنساب في أذني، كانت بطيئة، ثم أصبحت سريعة جداً ومختلفة.
بعد عشرة دقائق، لم أعد قادراً على الاحتمال. كان كل جسدي يتعرق، بذهني دوار، وجسدي لا يكاد يحملني. عندما تركني سيمون، سقطت أرضاً. لكن بعد أن أُفقت، كنت شخصاً آخر. كان لدي ألف أغنية أغنيها، أغاني أجمل من كل ما قاله الشعراء، أغاني بلغتنا وبلغات أخرى لا أعرفها. "الآن، ما اسم تلك الأغنية؟
" سيمون يسألك. "البحار العائد"، قلت. كنت أتحدث بلغة غريبة. "ها ها"، ضحك سيمون، "لا أتمنى لك أن تقابل حورية بحيرة يزخ المهجورة التي غنت تلك الأغنية لفقدان حبيبها". "إذا كانت مهجورة، كيف وصلت إليك سيد سيمون؟
" "أها، في عالم البحار السبعة، الأغاني تسافر لبعيد، تحملها الرياح المسافرة لبلاد لم ترها عين. سمعها الأمير مشعاز، ملك أقرب مملكة من بحيرة يزخ، وطلب من وصيفاته أن تغنيها له، ثم انتشرت الأغنية في كل ممالك العالم السبعة". كان علي أن أرحل. ودعت سيمون، الذي ما لبث أن اختفى. قالت لي جدتي عندما رأتني: "لقد تغير وجهك يا جاسم، ماذا حدث بالقبو؟ " "سيمون علمني أغاني ممالك العوالم السبع!
". تنهدت جدتي بعمق، زمّت شفتيها، "ربما حان الوقت، لكن ذلك سابق لأوانه، سأتحدث معهم". تلك الليلة، غنيت لأخواتي أكثر من أغنية، كن لا يعرفن عنها شيئاً. وحدها شيماء كانت تحفظ بعضها. جعلتني جدتي أتعامل بالطريقة التي تعلمتها، فلا أقول إلا "من فضلك" أو "لو سمحت"، أو "أعتذر، أنا آسف". كانت تقول: "لا تخجل أبداً من اثنتين: قول الحقيقة، والاعتذار إذا كنت مخطئاً. تلك أخلاق الفرسان".
"حينما يحين وقتك، ستحتاج الشجاعة والشرف. من الممكن أن يكون الإنسان شجاعاً، لكن أن يكون شريفاً، ذلك أمر لا يُكتسب. الشرف يا جاسم، يقبع هنا وينبع من الضمير. إياك أن تنسى ذلك أبداً، وإياك أن تستحقر أحداً". كنت أغني بلغات لا أعرفها، وكان يمنع علي أن أنطق بكلمة مما تعلمتها خارج المنزل. بعد عدة أشهر، عندما نزلت للقبو، رمقني سيمون بتركيز. "جاسم، أنت مستعد؟ " "مستعد لماذا؟
" سألته. أخرج سيفين ضخمين وألقى إلي واحد منهم. كان ثقيلاً، فحملته بصعوبة. قال سيمون: "ستتعلم المبارزة! ". "أنا لا أحتاج ذلك، أكره سفك الدماء يا سيمون". صرخ سيمون: "ارفع سيفك يا جاسم، أنت لا تعلم كيف يتبدل قدرك". أطعت سيمون، كانت جدتي أوصتني أن أطيعه. جعلت ألوح بالسيف دون فائدة. أنزل سيمون سيفه، اقترب مني، وضع يده على يدي. "عضلاتك ضعيفة يا جاسم، منذ اليوم ستمارس تمارين قوية كل يوم".
كنت أكره عندما أنزل للقبو. توقفنا عن اللعب، عن الغناء. أمارس تمارين صعبة كل يوم تكسر عظمي. رغم ذلك، أصبحت ألوح بالسيف الثقيل بسهولة، وبدأت المتعة تعود إلي. أبارز سيمون، كنت أخسر، لكني كنت سعيداً. راحت القوة تعود إلي حتى أصبحت ندّاً لسيمون. كان يهزمني بصعوبة، لكنه كان مسروراً بتقدمي.
علمني سيمون حركات كثيرة جداً بالسيف، كان يقول إنها مهارات الممالك السبعة وما وراء البحار، وكان لكل مملكة فن خاص بها. احتجت شهوراً أخرى لأتقن كل ذلك. وقتها، كنت أتحدث بلغة كل مملكة، أشبه بحديث أهاليها. ثم علمني المصارعة بالطريقة الإغريقية، وطريقة زيخون، وأرض بابل، وأرض فروع النهر الأحمر الذي ينبع من الجحيم. ليالٍ طويلة قضيتها مقيد اليدين والقدمين، تلهبني أسواط سيمون وتلسعني النيران التي يكوي بها.
كان يصرخ: "قل: أنا أكره جدتي! ". "محال"، كنت أردد. "سأمنع عنك الطعام، سأقطع شرايينك؟ " "افعل ما شئت يا سيمون، لن أقول ذلك". كان سيمون يعلمني أن لا أستسلم أبداً. قال إنه ليس هناك أي شرف في الاستسلام يا جاسم. تعلمت الدرس الذي كان يقصده سيمون. كنت أسأله كثيراً: "لماذا نفعل كل ذلك؟ " "ليس بعد"، كان يردد. بكل مرة كنت أخرج فيها من القبو منهكاً أو مصاباً، كنت أتوقع من جدتي أن تركض نحوي وتسألني: "ما بك؟
" لكنها أبداً لم تفعل، رغم أنني كنت أتعمد أن أعرج على قدمي وأجرها خلفي أمامها. كانت جدتي تشيح وجهها ولا تتكلم. كنت في الحادية عشرة من عمري، أتحدث ثماني لغات غريبة وأغني أغانيها، جسدي محفور كالحجر، وأتعامل مثل كونت برجوازي. لدي مهارات الضرب بالسيف والمصارعة، وذهني يعمل بطريقة مبهرة. بتلك الفترة، لم أكن أبرح المنزل مطلقاً، لا أنا ولا أخواتي. حياتي كانت منغلقة داخل منزلنا، حتى الحقل كانت جدتي لا تسمح لي بالذهاب إليه.
سمعتها تهمس لوالدتي: "الوضع بالخارج خطير وغير مطمئن". فتسألها والدتي: "هل حان الوقت؟ ترد جدتي بكآبة: "لا أعلم، لا أعلم". عندما رحل والده، جده من قبله، كانت هناك إشارات، لكن بالنسبة لجاسم، الوضع مبهم. الضباب يغطي كل شيء. الأغاني البعيدة تصل إليه، لكن كلها سوداء وحزينة. قالت والدتي: "أنا خائفة يا خالة!! ". بيأس تحاول أن تخفي رعبها وتطمئنها، قالت جدتي: "لا يمكن أن نسمح للخوف أن يمنعنا من أخذ ثأرنا".
كل تلك الكلمات الغريبة والمبهمة صرحت بها لسيمون. همست له بسعادة أنني تلصصت على جدتي وسمعت كذا وكذا! عاقبني سيمون اللعين بقسوة. منع عني الطعام وحبسني بالقبو المظلم، حيث تطن بأذني فحيح الثعابين ونعيق الغربان. "الرجل الذي يمتلك شرفاً لا يتلصص يا جاسم، لقد فشلت في تعليمك! "كنت أقول لك سراً، فتفعل كل ذلك؟
يا جاسم،" قال سيمون بنبرة حزينة. "الآن أنت في منزلك بين عائلتك ولديك صديق هو أنا، لكن بعد مدة ستكون وحيداً تمشي خلال عاصفة يتساقط منها ثلج غارق في الضباب، ولا وجهة لك. من سيرشدك حينها؟ " صرخ سيمون! "لم أرد! قال سيمون بحزن: "فقط قلبك يا جاسم! "كل هذا الهراء من أجل كلمة؟ " تمتمت في نفسي، لكن بؤس سيمون وحزنه دفعني أن أعتذر وأن أتعهد أن لا أكررها مرة أخرى.
أخواتي بغاية الجمال. أقول ذلك بعد أن أدركت أني جميل أيضاً. قالت لي جارتي وردة، التي بنفس عمري، أني "تروقني يا جاسم". لما قلت لأختي سمية ذلك، وكانت أقربهن إلي، راحت تضحك حتى قمت بضربها. "إذا كنا نحن بارعات الجمال، فأنت مثلنا أيضاً". كانت لدي عيون بخضرة الحقول واسعة، أنف صغير، وشعر رأس ذهبي لامع. جعلتني التمارين التي كنت أمارسها فتى القامة.
بعد أن قالت لي وردة: "أنت تروقني"، وقفت أمام المرآة وأدركت أني جذاب حقاً. أكمل من كل فتيان القرية. اليوم، رفضت جدتي عريساً جديداً تقدم لخطبة سمية. كان أول شاب يقصد باب منزلنا منذ فترة بعيدة. ورغم أن الأمر معتاد، إلا أن جدتي كانت مغتمة على غير العادة. انزوت بغرفتها، ولما خرجت، وكنا وقتها نتناول طعام العشاء، قالت: "علينا أن نستعد لما هو قادم".
تركت والدتي لقمتها وحلقت بجدتي. "الإشاعات تملأ القرية علينا أن نتوخى الحذر، ربما تتم مهاجمتنا! ". "وهل يجرؤون على ذلك؟ " "الكلام كثير، النساء لا تتوقف عن تحريض رجالها، يقولون: هذه العجوز، يعني أنا، مجنونة تحبس حفيداتها ووالدتهم بسحرها. يجمعون المشايخ لفك الطلاسم الذي أحمي به منزلنا! قالت جدتي: "سيمنحنا ذلك بعض الوقت، فليس لدينا طلسم ولا تعويذة، لكنا علينا أن نجعلهم يعتقدون ذلك! قلت: "متى سيتزوج إخوتي يا جده؟
" حل الصمت على طاولة الطعام. تنهدت جدتي وهي ترمقني. "بدأت تسأل يا صغيري؟ " أطلقت والدتي ابتسامة وضحكت أخواتي البنات. "ليس قبل أن نفرح بك"، قالوا. في القبو، قلت لسيمون ما حدث، كنت أبوح له لا أكثر. قال سيمون: "إن جدتك لا تعلم حقاً حجم الخطر الذي يتربص بها! ". كنت أشعر بالضيق، فغيرت مجرى الحديث. قلت: "سيمون، حدثني عن حورية بحيرة يزخ، هل صوتها جميل؟ وأين تعيش؟ "صوتها جميل جداً، عذب، إنها أرق جنية غنت للحب!
". "لكنك قلت في المرة السابقة إنها حورية؟ " "إنها جنية وأميرة من أميرات الجان الأزرق، تقطن جزيرة صغيرة ببحيرة يزخ، لذلك يطلقون عليها حورية البحيرة! "هل رأيتها يا سيمون؟ " "ولا أنا ولا أي جني رآها أو تمكن من الحديث إليها! قلت لك إن نسيم الريح يحمل غناءها لبلاد بعيدة، يسافر لأميال. يقولون أيضاً إن الريح سعيد لخدمتها من أجل ذلك ينقل أغانيها لممالك الجان". "لكن الريح لا يفهم ولا يتحدث؟
" "في بلاد الجان يا جاسم، لكل عنصر لغته. يقولون في جزيرة أزوخ، القمر يلمع كل ليلة فوق صخور جزيرتها، وإنه يتحدث معها ويتسامر حتى طلوع الشمس، لأنها وحيدة. القمر يحبها، فالقمر يحب كل الذين يشعرون بالوحدة والذين يتألمون من هجر الحبيب، فينظرون إليه منذ طلوعه وحتى اختفائه! "ولماذا لم يحاول ذلك الأمير صاحب المملكة القريبة منها أن ينقذها ويتزوجها؟
" "لا جان ولا بشر يستطيع كسر تعويذة إبليس التي حبسها داخلها. العديد حاولوا من قبل، كان مصيرهم الموت على حدود البحيرة! لماذا فعل ذلك؟
لأنها رفضت الزواج منه، ولأن قومها من قبيلة الجان الأزرق شرفاء ويرفضون الخضوع له. الحرب بينهم مستعرة حتى الآن، لكنه تمكن من خطف الأميرة وإلقائها في تلك الجزيرة البعيدة، وتركها وحيدة منعزلة عن العالم كعقاب أبدي لأنها رفضته. ورغم الطلاسم التي ألقى بها اللعين، إلا أنه لم يكتفِ بذلك، وزع حراسه من المردة والغيلان حول البحيرة حتى لا يقترب أحد منها". "أتتعلم يا جاسم؟
" وخفض سيمون صوته. "عندما تحل عاصفة أو إعصار، فإن الريح يكون غاضباً لبكاء الأميرة ونحيبها!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!