حلّت اللعنة على القرية الصغيرة، بدأت بوشوشات طيور، ثم استحالت فحيح أفاعٍ. لا تتزوج فتاة، وإن تزوجت لا تحمل، وإن حملت يسقط حملها. جف حليب الأمهات، وبات سماع صراخ الأطفال معتاداً ببيوت الأهالي. رحلت الحمام بعد أن وجدت العشرات منها ميتة بالجهة الشمالية من القرية، وتبعتها الزرازير والقمري وأبو قردان. سكنت الأشجار غربان سوداء تنهش ما تبقى من أعشاش العصافير. رفضت النخيل طلعها، فلم تحمل ولا نخلة بلحة.
كثرت العقارب والحيات تسعى تحت القش وفي جدران المنازل المشققة. كان الأهالي يقومون بقتل العشرات منها، لكنها كانت تتكاثر بطريقة مريبة. لم نكن بعيدين عن كل ذلك، وكانت جدتي أكثرنا هماً. كانت تقول إن المصائب لن تنتهي بسهولة. ارتفع صوت القرآن في بعض منازل القرية حتى يبعث الطمأنينة في قلوب الناس. في ذلك الوقت، كنت معتكفاً على كتبي لا أبرحها، فقد أعجبتني كتب السحر ورحت أنهل منها وأروي ظمأي المتلهف لذلك العالم الخرافي الغريب.
حان وقت رحيل جاسم! ماذا تقولين يا خالة؟ يا بنيتي، مؤكد أنك تعلمين أن كل ما حل بالقرية من عمل الوسطاء. لقد علموا مكانه، تلك أساليبهم. يرسلون الحيات والعقارب قبل أن يحلوا بأنفسهم بيننا. لن يتوقف كل ذلك إلا برحيل جاسم أو اختفائه. لكن جاسم لا يزال صغيراً يا خالة. سيمون لن يتركه أبداً، إنه رفيقه في الرحلة! تعلمين مثلي أن سيمون مجرد جني ضعيف ولا يستطيع مقارعة المردة والغيلان. صمتت جدتي لحظات تفكر بشرود.
هناك شيء آخر أريد أن أخبرك به. قولي يا خالة! لا أعلم لماذا تأخر النازع في الظهور، ذلك هو وقته. وقبل أن تنطق والدتي بحرف، قالت جدتي: جاسم لابد أن يحفظ القرآن. كان شيخ ضرير هو الذي اختارته جدتي لتحفيظي القرآن. يقطن منزلاً متهالكاً جوار المقابر. كنت أذهب إليه بعد صلاة الفجر، كان ذلك شرطه، ورفض أن يتلقى أجراً نظير تحفيظي القرآن. كنت أبجل الشيخ وأقدره، وكما أوصتني جدتي، لم أنطق له حرفاً مما تعلمته من كتب السحر.
من جهته، الشيخ نفسه لم يطالبني أن أحكي عن نفسي. لم نبدأ من سورة البقرة، قال الشيخ إنه سيعلمني آيات طرد السحر في البداية. من سورة النور ويونس ويس، النازعات، الذاريات، والبقرة وبعض السور الصغيرة. كنت أحفظ كل ما يرتله الشيخ من أول مرة وأرتله عليه كل صباح، ثم نفترق وقت الظهر ولا أعود حتى صباح اليوم التالي. كان سيمون يطلب مني أن أرتل عليه ما حفظته، والذي كان يحفظ بعضه، فقد كان جني مسلماً موحداً بالله مثلي.
بعد أن تمكنت من حفظ ما طلبه مني الشيخ، بدأ يألفني. وكان يطلب مني أحياناً أن أقوده في الطريق لأحد بيوت أهل القرية من أجل قراءة الرقية الشرعية أو طرد جني أو معالجة مس. كان غير مرحب بي، لذلك لم أحاول ولا مرة الدخول معه. كنت أنتظره بالخارج حتى ينتهي. وكان الأهالي يرمقوني بعدائية، وتهمس النساء: جدته ساحرة، إنها سبب ظهور كل تلك المصائب التي حلت بنا. كنت أحفظ ما يرتله الشيخ بسرعة كبيرة، حيث كان عقلي يعمل بطريقة سريعة.
إلا أن وقتي مع الشيخ راح يقل كل يوم مع كثرة طلبه لمعالجة نساء ورجال وصبية القرية. ورغم أنه ليس الشيخ الوحيد في القرية، إلا أنه كان يتمتع بسمعة طيبة، علاوة أنه كان ضريراً والحريم لن تنكشف عليه. ثم حدث ذات يوم وأنا ذاهب للشيخ بعد صلاة الفجر، إن تخيلت أن هناك من يتبعني في طريقي بين الحقول، لكنه لم يحاول اللحاق بي. وقلت لشيخي ما رأيته، فصمت لدقيقة وطلب مني وصفه، فوصفته له.
قلت: كان يمشي نحوي ثم يتوقف كأن هناك شيئاً يمنعه. غير معقول، قال شيخي. ثم وضع يده فوق شعر رأسي وراح يرتل القرآن عليّ لبعض الوقت. فعاودت سؤالي له عن ذلك الشيء. قال شيخي: إذا كان ما وصفته حقيقياً، إنه الجن الأحمر، من أشر أنواع الجن، مشهور بالخيانة والفسق وإبرام العقود النجسة. فلا يخدم ساحرة إلا إذا ضاجعها، ولا ساحر إلا إذا أخذ منه دماً. لكنه قليل الظهور ببلاد البشر، إنه يتكبر عن تلبس شخص أو مسه.
طوال حياتي أسمع عنه لكني لم أقابله ولا مرة، ولا أتمنى مقابلته. لكن ما الذي أحضره لبلدتنا ودفعه لترك عالم الجن؟ علينا أن نسرع أكثر يا جاسم، أشعر أن وقتي بدأ ينفذ. منذ ذلك اليوم، بدأت أحفظ جزء كل يومين. كان الشيخ يعتذر عن الذهاب لبيوت القرية ويعمل على تحفيظي القرآن. حتى اضطر للذهاب لأحد المنازل. كانت هناك حالة تلبس واضحة من جني قوي، وكانت الفتاة التي قام أهلها بتقييدها تحفر التراب بيدها وتأكله.
اقتربنا من المنزل ولم أشعر بالراحة. كانت هناك هالة سوداء في الحجاب المنتاري غير المرئي. لا تدخل! قال شيخي. عفواً، ماذا تقول؟ لا تدخل يا شيخي، أشعر أن هناك شيئاً شريراً يحدث بالداخل. أنت ساحر؟ مازحني شيخي وهو يربت على كتفي. دلني على الباب. جلست خارج المنزل على الأرض أخط بفرع شجرة رسوماً على التراب. سمعت صراخاً بالداخل، صوت خبط وضرب مدوي. لحظات ورأيت أهل البيت يندفعون للخارج هاربين وهم يصرخون. الشيخ يموت، قال أحدهم.
انسللت للداخل، كانت الغرفة مفتوحة. الفتاة التي حل قيدها جالسة على السرير تضحك، وشيخي الضرير ينزف دماً من كل جسده الذي يصطدم بجدران المنزل بقوة. لما لمحتني الفتاة صوبت بصرها نحوي، لم تكن عيون بشرية، كانت عيون تقدح شرراً. كانت تحرك إبهامها فيتعلق الشيخ في الجو قبل أن تحركه مرة أخرى فترزعه في الجدار. سيموت، قلت في نفسي، جسده العجوز لن يتحمل الضرب. أفرجت شفتي الفتاة عن ابتسامة،
وسمعت صوتها يدوي في أذني: انظر إليه وهو يموت! قلت لا، وأطلقت طلسم الإغماء. سقطت الفتاة أرضاً. ساعدت الشيخ على النهوض، وخرجنا من المنزل نحو بيته. كان معظم أهل البلدة تجمعوا خارج المنزل دون محاولة دخوله. عندما وصلنا منزل الشيخ، كان على وشك الموت. نظفت جسده من الدماء وجلست بجواره. لما فتح فمه قال: كيف أنقذتني؟ صمت ولم أرد. لما قلت للشيخ الحقيقة، طلب مني أن أرحل وأن لا أعود لرؤيته مرة أخرى.
كان الليل انتصف عندما غادرت منزل الشيخ. بطريقي عودتي لم أقابل أي شخص. عندما وصلت المنزل، حكيت لجدتي ما حدث. وبختني لأنني خنت العهد. طلبت مني أن أستعد للرحيل من البلدة مع أول شعاع للشمس. لكن الليلة لم تمض هكذا. هرعت امرأة غريبة تصرخ في طرقات القرية. الصبي وجدته الساحرة، قتلوه! الشيخ الضرير! تجمع كل رجال القرية وقصدوا منزل الشيخ الضرير. وجدوه مقتولاً، مقطوع الرأس. قالت المرأة الغربية: علينا أن نقتل الساحرة وعائلتها.
حاصر الأهالي منزلنا، وسمعت صراخ إخوتي بعد أن أشعلوا النار بمنزلنا. هبطت من غرفتي لأجد جدتي بالباحة تكافح النيران. قلت لجدتي: سأحاربهم معك، سألقي الطلاسم التي أحفظها. صرخت جدتي: لا تفعل شيئاً. استعرت النيران وطالت إخوتي. وقبل أن أفتح فمي، تمتمت جدتي بكلمات، فوجدتني ملقى في وسط صحراء والشمس تحرق جسدي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!