وحده نور الله قادر على اختراق ظلمات قلبك أن يجعل جنان صدرك تزهر مرة أخرى. افتح قلبك ولا تقل إن الوقت فات أو أنك لا تستحق. الموت مثل النوم لا يأتي حين نطلبه. كم مرة ضاقت بنا الحياة وتمنينا الموت؟ إذا كنت مثلي، مؤكد أنك طلبت الموت مرة واحدة على الأقل في حياتك.
ظلمات، أنا لا أسمع هنا إلا صوت الحشرات. أشك أنني حي، فأنا لا أرى أطرافي. لا يمكنك أن تطالب شخص يمتلك عينين وغير قادر على رؤية أطرافه، بالوثوق أنه حي وأن ما يمر به تهيؤات نفسية وانهيار مؤقت. إن حشرة كبيرة لها رأس وعينين بلا أطراف. أنا إنسان في قاع جحيم مظلم يشرب بوله ويأكل أشياء لا يعرفها.
أنا بحار في سفينة بلا شراع في أوسع محيطات العالم المنسية، تلعب الأمواج بسفينته، تتقاذفها لأعلى ثم لأسفل. يضع يده على صدره كل دقيقة معتقداً أنها النهاية. من أنت؟ أنا إنسان! من أنت؟ أنا لا شيء! من أنت؟ أنا كل شيء ولا شيء! من أنت؟ أنا كل شيء! لم يكن صوتي بعد عدة ليالٍ في التيه. معتقداً أنه صوتي، لاحظت أنه ليس صوتي، وأنه هناك صوت يخترق كل تلك الصخور نحو عمق الأرض حيث زنزانتي النارية يسألني: من أنت؟
على بعد آلاف الأمتار تحت سطح الأرض، سمعت صوت قدم تضرب الأرض. أسمعها قريبة على بعد أمتار مني. لا تنام الليلة، سأحضر لك قبل الفجر، كن مستعداً. أنا لا أعرف متى يأتي الفجر هنا، كل الأوقات متشابهة. لكن يمكنني بالطبع أن أتخلى عن النوم وأظل مستيقظاً إلى ما شاء الله، بذلك أدرك الفجر. افتح عينيك يا جاسم! عيني مفتوحة لكني لا أرى! افتح عينيك يا جاسم! على بعد أنشات، كان هناك إنسان يجلس بجواري. أقول إنسان كما أتذكر.
وضع يده على كتفي وقال: جاسم، أنت هنا؟! أنا أسمع صوتك! الآن تسمع صوتي، بعد وقت قليل ستراني. من أنت؟ سجين مثلي، أوقع بك إبليس؟ أنا منقذك، أنا الذي سيخرجك من هنا بأمر الله. والشيطان؟ إبليس سيتركك تفعل ذلك؟ لا سلطان لإبليس على قلب موحد بالله يا جاسم! من أنت؟ عندما تفتح عينيك ستراني يا جاسم، ستعرفني. لكن الدنيا ظلام! ستراني بأمر الله يا جاسم! افتح عينيك بأمر الله!
فتحت عيني، أنا مبصر، أرى. شيخ مهيب، عجوز، حسن الوجه والهيئة، يعتمر وشاحاً أخضر، لحيته بيضاء طويلة. من أنت؟ سألته. لا تتعجل يا ولدي! سأحضر إليك كل ليلة، سنهيم أنا وأنت في حب الله! لكنك قلت إنك ستخرجني من هنا؟ الذي سيخرجك من هنا هو الله، ربي وربك عندما يشاء سبحانه. والآن اتلُ علي ما تحفظه من القرآن!
تربع الشيخ أمامي. على وجهه ابتسامة رحيمة. قرأت عليه القرآن مما أحفظ. قضينا ساعات طويلة نقرأ القرآن. في هذه الظلمات كانت لقمات القرآن حلاوة وطراوة. قال الشيخ: سأرحل الآن وسأحضر إليك غداً! لا ترحل أرجوك! طالبته بتوسل! لدي مهام أخرى علي القيام بها يا ولدي! ودعته بلوعة في النفس وضيق في الروح ودمعة على العين. واصل الشيخ حضوره كل ليلة، نتدارس القرآن ويحفظني أجزاء منه. أعيدها عليه بعد أن أتقنها.
راح الأمل يدب في صدري، لكن كلما اقتربت من أسياخ الزنزانة لسعتني نارها. أكثر من مرة كلما ظننت أن الفرج قريب ولمست الحديد، انكويت بناره. لم أخبر الشيخ بذلك، جعلته سراً، خشيت أن يغضب مني، لكن لم أحاول مرة أخرى مع حضوره كل ليلة! شعرت بالونس والألفة وبدأ الخواء يرحل رويداً رويداً. في أوقات غيابه كنت أراجع ما أحفظه، وتعلقت الزنزانة بنور إلهي بعث الطمأنينة في صدري.
بت أراه فور حضوره ولا أحتاج لوقت من أجل رؤيته. كنت حفظت أغلب القرآن وكنت أرتل عليه من وقت حضوره حتى وقت رحيله. الغريب أنني لم أتعرض لمضايقات من إبليس ولا من الجان، وكأن حضوره مخفي لا يشعر به أحد. في ليلة لم يحضر الشيخ، وعندما افتقدته، جعلت أرتل القرآن ليلة كاملة. أرتل ما أحفظه ثم نمت ولساني يردد اسم الله. فتحت عيني على وجه الشيخ. لم يكن جالساً تلك المرة، كان واقفاً متكئاً على عصا خضراء يبتسم. عندما رأيته ابتسمت.
سألني: هل افتقدتني؟ قلت: نعم! قال: وماذا فعلت حينها؟ قلت: تلوت القرآن حتى نمت! بماذا شعرت؟ سألني. شعرت أنني مطمئن ومكتفٍ، وأنني في معية الله! قال الشيخ: انهض يا جاسم! نهضت. وضع يده على كتفي وقال: أنت مستعد الآن! أولاني ظهره وخرج من بين الأسياخ الحديدية التنرة. صرخت: من أنت؟ قال: أنا عبد من عباد الله. لا تتركني!
زعقت وأنا أركض خلفه لألحق به. عبرت من بين الحديد المشتعل دون أن يؤذيني. خارج الزنزانة وقفت مندهشاً واختفى الخضر. قلت: سبحان الله العظيم! فتصدع الحجر والصخر وآنت الأرض وماجت. ثم رأيتني أرتقي نحو السطح كطائر يمتلك جناحين. عندما بلغت سطح الأرض ورأيت الجزيرة والأشجار، قلت: الحمد لله! وسجدت لله شكراً. كنت أجر شعري خلفي ولحيتي بطول ذراع، أقدامي نحيفة كعيدان القمح وأرى عروق يدي.
نعقت الغربان من فوقي، ناحت البوم، وهاجمني الجان من كل اتجاه. كل من اقترب مني هرب أو احترق. فروا من حولي هاربين وقصدت أنا نبعاً صافياً يسقط من الجبل. ألقيت بجسدي في الماء، فقد كانت رائحتي لا تطاق. الأوساخ على جلدي بعمق إنش. كان الكهف فوقي على ارتفاع شاهق وأدركت أنني بتلك الحالة لن أستطيع بلوغ الكهف واعتقدت أن كل من كان بالكهف ماتوا أو رحلوا. افتقدتني؟
سمعت صوت طائر الرخ قبل أن أره، فأنا أعرف صوته. كان يحلق من فوق نحوي. طائر الرخ، اركب بسرعة! أنا لا أمتلك القوة! رفعني طائر الرخ فوق ظهره وحلق بي نحو الكهف. اعتقدت أنك مت يا صديقي!؟ كدت أن أموت يا جاسم بعد أن تخليت عني، لكن الأمور تبدلت بطريقة عجيبة. يقطينة وجدتني على وشك الموت وتمكنت من معالجتي. لدي مفاجأة لك بالداخل، قال طائر الرخ وهو يهبط عند فوهة الكهف. وجدت سيمون يركض نحوي بكل سرعة ويحتضنني وهو يبكي.
قلت: مهلاً يا سيمون، ستقتلني! أنت أيضاً حي؟ سيمون لا يموت بسهولة يا جاسم، لا تنسَ أنني معلمك! بتلاحة، يقطينة، زهرنينا، الكل بالداخل. كيف ذلك؟ تناول طعامك أولاً، أنت على وشك الموت يا جاسم. قضيت أسبوعين أتناول الطعام باستمرار حتى استعدت صحتي. علمت خلال ذلك الوقت أن يقطينة حصنت الكهف بتعويذة الموت، أن يظلوا محبوسين داخل الكهف دون قدرة على الخروج حتى الموت، ولا يستطيع أي كائن أن يخترق الكهف مهما كان، حتى الشيطان نفسه.
قالت يقطينة: اخترنا الموت هنا على أن نسمح لإبليس أن يستعبدنا، حتى أتى ذلك الشيخ بالأمس. أخبرنا أنك بخير. أزال التعويذة بسهولة، حصن الكهف وقال: لن يصيبكم أي شر مهما طال الزمن حتى يأتي إليكم جاسم. كنت أسألهم لماذا لا يهاجمنا الجان، وكنت بذلك الوقت أقضي معظم وقتي في النوم. كانوا ينظرون إليّ باندهاش ويكتفون بالصمت والابتسام.
كان الجان يحاولون مهاجمة الكهف كل يوم، وكانوا بأمر الله كلما اقتربوا، يهربون مرتاعبين نحو الخلف. هناك معارك لا تكسب بالقوة ولا الحنكة ولا البراعة، بل بالثقة بالله والتوكل عليه.
قررنا النزول من الكهف. قلنا إننا لن نقبل أن نكون مسجونين مرة أخرى. الآخرون من يليق بهم ذلك. نزلنا فعلاً من الكهف نحو الجيش الرابط في الوادي. كنا كتلة واحدة، كل يقاتل بطريقته. ورغم أن سيفي كان بيدي إلا أنني لم أستعمله، كنت أتلو القرآن وكان الجان يهرب من أمامي. المرده والغيلان التي كنت أخشاها كانت تفر من أمامي ولم تواجهنا إلا بعض الحيوانات التي تكفلت بها يقطينة وأميرات الجان. صرخت وسط الجيش المرتعب أمامي: أين كبيركم؟
لماذا لا يظهر لي ويترككم للموت هكذا! قلت: بل إبليس لا يستطيع مجابهة إنسان مؤمن موحد بالله! هراء! صرخ الشياطين! زعيمنا ينتصر في كل حرب! ويخسر أيضاً بأمر الله. أحرقَت الشياطين التي لم تهرب بالقرآن. لم أعتدِ، كنت أؤذن ثلاثاً وأكبر. من لا يستجيب يلقى عقابه.
انزاح الحصار عن الجزيرة بهروب إبليس أو اختياره عدم مواجهتي في الوقت الحاضر. تركتنا يقطينة مرة أخرى وقرر طائر الرخ ملازمتي حتى موته. بتلاحة قررت الرحيل لمملكتها كأميرة منتصرة تسبقها أخبار الفوز في المعركة. بدأت أنا وزهرنينا التحضير لزفافنا الذي كان مقدراً له من قديم الأزل. أرسلنا دعوات لكل ممالك الجان لحضور العرس. كلفنا سيمون بنقلها لكل الممالك السبع.
النظرة الحزينة على وجه زهرنينا انزاحت أخيراً وأغرقتني بطلبات لا تنتهي كان علي تنفيذها قبل العرس.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!