كانت مهتارة وبتلاحه لم يفيقا بعد. فكرت أن أستغل ذلك الوقت بالغوص نحو كهف جنية بحيرة يزخ المسحور. كان باب الكهف مفتوحًا، والجنيه راقدة على الأرض، يطوح الماء شعرها الطويل. بيضاء كالعاج، رقيقة الملامح، نائمة كملاك. "استيقظي يا أميرة؟
فتحت عينيها بوهن. أخرجت الكريستالة التي تحوي القطرة الرمادية وسكبتها في فمها. شهقت جنية البحيرة وأدركت أنها لا تستطيع التنفس، فوضعت العشبة الزرقاء في فمها. لاكت العشبة وجلست في مكانها تمسك رأسها بين يديها. لها جمال ملائكي. "قل لي كيف أشكرك؟ " خاطبتني بأدب. بادرتها بقول: "ألا تعرفيني؟ بخجل قالت: "لا! "أنا جاسم." تورّد خدها بألوان الطيف. "آسفة، لكن أنا لا أعرفك!
شعرت بالضيق والغيظ، لا أعرف لماذا. كنت أطالبها بأكثر مما تعرف، وكنت أنتظر أجوبة. "لقد حضرت من أرض البشر لأنقذك! "جنية بحيرة يزخ! أين أنا؟ "كنتِ محبوسة في كهف مسحور في عمق البحيرة. قطعت كل تلك المسافة من أجلك! "جنية بحيرة يزخ! لماذا؟ لم أجد بعقلي ردًا مقنعًا. كانت اللحظة التي أدركت خلالها تفاهتي وعدم منطقيتي. لماذا خضت تلك الرحلة من الأساس؟ قلت: "لا أعرف." وسبحت نحو فوهة الكهف.
"اسبحي لفوق، تحت، اصلي السطح، ثم اسبحي نحو الشاطئ! "جنية بحيرة يزخ! وأنت إلى أين تذهب؟ "غير مهم إلى أين أذهب. صدفة قادتني لكهفك فأنقذتك! تركت جنية بحيرة يزخ ودمي يغلي. كل ما فعلته في حياتي حتى الآن غير مقنع. تمخضت فكرة حمقاء في عقلي أن أصبح ما لا أرغب به حتى أصل لما أرغب به. سبحت داخل فوهة الكهف الضيقة وأيقظت بتلاحه ومهتارة. "بتلاحه، وهي تنظر ناحية مهتارة: من هذه؟ "مهتارة، بضيق وهي تهز ذيلها وتنظر: إلى من هذه؟
"بتلاحه، بسخرية: ذيلك بشع، مع أن وجهك متوسط الجمال! "مهتارة: أنا لم أطلب رأيك يا جنيه! جعلت أضرب جدران الكهف بيدي. "سأذهب لمنطقة الجان مرة أخرى! "مهتارة: لماذا؟ "ستصبح الكائن الذي يرغبون به؟ "أجل! "مهتارة: وماذا ستفعل بعد ذلك؟ "بلا مبالاة قلت لها: سأفعل ما يحلو لي! "مهتارة، وهي تبتسم: أنا معك! "مهتارة: لن أشارك في تلك الجريمة. أنت ليس لديك خطة حتى. إذا أخبرتني لماذا ترغب في التحول، سأتبعك!
"لأكون أقوى كائن في كل البحار والمحيطات، أقوى من القروش والحيتان والجان نفسهم! "مهتارة: ثم ماذا؟ أطلقت ابتسامة خبيثة. "أحكم كل بحار الأرض، ومن يعترض سأقوم بقتله! "بتلاحه، وهي تنظر تجاه مهتارة بسخرية: أنا معك يا جاسم. أعتقد أن تحكم العالم أمر جميل ومحبب! "مهتارة، وقد تغير لون وجهها: متى سترحل؟ "الجان سيقررون ذلك. على أن أجمع العناصر ثم بعد ذلك أقرر." "مهتارة: ألم تسأل نفسك لماذا فك إبليس تعويذة الكهف المسحور؟
لماذا سمح لك بمقابلة جنية بحيرة يزخ الآن فقط؟ وأنا أولّيها ظهري صرخت: "كان من الغباء أن أحاول مساعدة تلك الجنية المغرورة. علي الآن أن أفكر في نفسي! "مهتارة، وهي تجز على أسنانها: بأن تتحول سمكة؟ "بل كائن خارق، أقوى مخلوق في كل البحار! "مهتارة: أنت لا تفهم شيئًا! "لست بحاجة لفهم إلا ما أرغب بفهمه." سبحت خارج الكهف وتبعتني بتلاحه.
وصلت الخندق البحري العميق المظلم. قبل أن أغوص، طلبت من بتلاحه أن تنتظرني وأن ترحل إذا تأخرت. غصت نحو العمق حتى وصلت القاع. "انظروا من عاد بسرعة؟ " قال صوت رفيع شاذ. "هل أنت مستعد يا بشري للمقايضة؟ "أجل! صوت غليظ وعجوز: جمجمة من بقايا أهل إيله الذين اعتدوا في السبت! صوت أنثوي ناعم: سن من حوت يونس! صوت غامض: ياقوتة من البحر الغربي الأعظم. صوت طفولي: عين الحبار الأعظم من مياه الهلاك! صوت صاخب شيطاني: خاتم فرعون.
لم أتمالك نفسي. صرخت بغضب: "أنتم تنوون القضاء علي! كيف أجمع كل تلك العناصر؟ "لا تسألنا، ليس لدينا أجوبة لك الآن يا إنسي. ليس هناك شيء بلا مقابل." بالوقت الحالي، وظهرت الجنية الجميلة التي قابلتها في أول مرة. "اشربي ذلك الخليط لتستطيعي العيش في الماء وتنجزي مهمتك. لكن حذاري أن تشربيه قبل أن تتركي البحيرة. حذاري يا إنسي."
ألقت قارورة استقرت على القاع واختفت قبل أن أمسكها. رحت أبحث بيدي خلال الظلام حتى وجدت القارورة ثم سبحت لفوق. سبحت حتى وصلت بتلاحه التي كانت تنتظرني خارج الخندق كما طلبت منها. "بتلاحه، وهي تنظر إلي: هل تعتقد أن خطتنا نجحت؟ "وأنا أمسح المكان بعيني: هل لاحظتِ شيئًا غريبًا؟ "بتلاحه، وهي تنظر للخلف وتشير بأصبعها حيث كان أخطبوط متخفي بين الصخور ينظر إلينا! "اقتلِيه! سبحت بتلاحه بسرعة وقتلت الأخطبوط ثم عادت إلي.
"بتلاحه: والآن؟ "وأنا أبتلع الحبة التي منحتها لي السلحفاة وأشرب محتوى قارورة الجان. الأمر متروك لله! شربت محتوى القارورة بعد أن ابتلعت الحبة الحمراء وسبحت نحو السطح تتبعني بتلاحه. أسفل منا حيث معقل الجان، تفجرت المياه مثل النافورة وسمعنا أصواتًا غاضبة تسبح نحونا. "بتلاحه، وهي تنظر إلي: أعتقد أنه الوقت المناسب؟ "وأنا أحدق ببتلاحه: قلت وأنا أيضًا! أطلقنا الطلسم في وقت واحد والذي نقلنا للبر.
كنت أشعر بألم خارق في معدتي يهز كل شبر في جسدي. عضلات تنمو في كل مكان. ألقيت بجسدي على الأرض. جلست بتلاحه بجواري. قلت لها: "الحقي بالأميرة يا بتلاحه. إنها لا تعرف ما حل بها قبل أن تقترف حماقة تنسف كل خططنا." "جان البحر ليس لهم سلطان على اليابسة، رغم ذلك رأيت ألف رأس غاضبة تطل من المياه نحوي! كيف تتجرأ على خيانتنا؟ "طلبت منكم مساعدة إخوتكم ورفضتم. ألا تعد تلك خيانة؟ "لا يوجد عداء بيننا وبين الشيطان الأكبر!
لكن الدور سيأتي عليكم يومًا ما! "توقف عن منحنا مواعظك. لعنتنا ستتبعك في كل أرض وزمان. عندما تبتل قدمك بالماء، سوف لن ترى النور مرة أخرى! "انظر إلى كل من قام بمساعدتك." رأيت رأس مهتارة يقذف نحوي. صدفة السلحفاة هي الأخرى. احتضنت رأس مهتارة وأنا أبكي. حتى الحق أحيانًا يُراق من أجله الدم. ليرحمك الله يا مهتارة! صوت ضحكات مع أمواج البحيرة التي راحت ترتطم بالشاطئ. ما فائدة الكلمات بعد أن فقدت روحها؟
هل تستطيع أن تحييها مرة أخرى؟ "تعتقد أنك تستطيع هزيمة إبليس؟ ألا تعلم أنه خطط لك ذلك منذ البداية؟ "وهذا ما اعتمدت عليه بالضبط. كانت تنقصني قوة جان البحر. إبليس ليس له سلطان عليكم." "عليكم أن تواجهوا غضب اللعين الآن بعد أن قمتم بخيانته! غاصت الرؤوس مبتعدة. "بتلاحه! جاسم، تتبقى آخر خطوة. هل أنت مستعد لها؟ "أجل. لنفعلها يا بتلاحه!
طارت بي بتلاحه تجاه جنية بحيرة يزخ والتي كانت متكورة على نفسها تبكي والدها وإخوتها الذين ماتوا بسببها. "يا أميرة، هذا ليس وقت البكاء! "الأميرة، وهي ترفع رأسها: قضيت كل حياتي محبوسة، وعندما ينفتح الطريق أفقد أهلي! "بتلاحه، بتردد: عادت إليك ذاكرتك؟ "الأميرة: نعم! أنت جاسم؟ "أجل، أنا جاسم! أرجو أن تكون غير غاضب مني؟ "تقصدين عندما قابلتك في الكهف المسحور؟ "نعم!
"لا أنكر أنني في البداية لم أفهم. قبل أن تفقد وعيها، بتلاحه أطلقت طلسم التخاطر الذهني. ثم حضرت السلحفاة وأخبرتني أن إبليس رفع اللعنة عن الكهف. قلت في بالي كيف عرفت تلك المعلومة، لكني لم أسألها. تركتها تقول ما ترغب به. في تلك اللحظة، أصدر عقل بتلاحه ذبذبات طارئة بغية التواصل معي. عندما فتحت الباب لها، أخبرتني أنها تشعر بوجود اللعين على مقربة منها، جسدها يشعر بذلك. قالت أيضًا: هناك جواسيس يخدمونه في كل مكان، وأنا أحدهم. وكان يعرف والدها من قديم الزمان. قال لها أن جنية البحيرة فاقدة للذاكرة!
رغم ذلك، كان علي أن أكون طبيعيًا حتى لا يتفطن اللعين أنني أعرف شيئًا. ذلك سمح لي التفاوض مع جان البحيرة. هناك شيء آخر علي أن أخبركم به. يقطينة كانت حاضرة معي رغم بعدها. هي التي أخبرتني بالطلسم المناسب الذي علي أن أطلقه قبل ابتلاع الحبة الحمراء وشرب خليط الجان! "بتلاحه! الساحرة الشريرة؟ "داخل كل إنسان يوجد خير مهما كان سيئًا. ولا تنسي يا بتلاحه
أن يقطينة قالت في آخر مرة: بلغ تحياتي لجنية بحيرة يزخ. وهذا ما ستفسره لنا الأميرة إذا كانت راغبة في ذلك! "جنية البحيرة،
وهي تبتسم: اسمي زهرنينا يا جاسم، دعك من لقب أميرة هذا. إنني أعرف يقطينة كانت صديقتي عندما كنت شابة صغيرة في أرضي. رغم تحذيرات والدي بعدم الابتعاد عن مملكتنا، إلا أنني كنت أركب البساط السحري وأجوب به مناطق بعيدة. أحد المرات رأيت النار المشتعلة في كهف الجبل الملعون، وكان هناك طائر رخ عملاق يحلق هناك. هبطت ببساطي السحري وسمعت بكاء يقطينة داخل الكهف. كانت منكسرة تبحث عن انتقامها، ولم تكن ساحرة كبيرة بعد. سرعان ما قامت بيننا صداقة كبيرة. كنت أقضي معها معظم ليالي الشتاء الباردة حيث تتدرب يقطينة على السحر وتصنع طلاسمها الخاصة التي كتبتها بدماء الجان المارقين الذين قامت بقتلهم. لا تعتقد...
ونظرت زهرنينا تجاهي: "أن الكتاب المختفي الذي وصل إليك في منزلك البشري كان بمحض الصدفة، أو حتى أن سرقت كتاب يقطينة عن طريق طائر الرخ. كانت لا تعلم عنه. لقد سمحت بكل ذلك. كل ما قامت به بعد ذلك كان من أجل دفعك للحضور للجزيرة دون أن يلاحظ اللعين أنها متواطئة معنا." "كل ما كان مقدرًا له حدث كما توقعت يقطينة. هزيمتنا من قبل إبليس، مقتل العديد من جند الجان. كل تلك التضحيات التي أتمنى أن لا تذهب سدى! "وأنا
أنظر تجاه زهرنينا: لقد فعلت ما في وسعي يا أميرة. حاولت، لكن ثقتي كانت منعدمة. اخترت قبل النهاية التي قرأتها في الكتاب التورخاني الهرب. كل منا يعلم الحقيقة، لكن القليل هو القادر على تقبلها. وأرجو مثلك أن لا تذهب تضحيات الموتى دون جدوى! "زهرنينا بنبرة متوجسة: قرأت كل الكتاب التورخاني؟ "قرأت ما يتعلق بي وتحقق معظمه، والآن ليس هناك سوى الحرب! "زهرنينا: متأكد يا جاسم أنك تعرف ما ينتظرك؟
"أعتقد ذلك. أعتقد أنني مستعد لإخراجنا من هنا! "زهرنينا، وهي تشيح بوجهها للناحية الأخرى: ليكن الله في عوننا إذا." قلت: "زهرنينا، هل هناك ما تخفيه عني؟ "زهرنينا، بعد تردد وشرود تلاه صمت طويل: لا يا جاسم."
"تعلمون مثلي أن اللعين لم يغادر الجزيرة بعد، وأن فكرة قتلنا له مستحيلة، وأن كل ما نرجوه أن نستطيع التملص من طلاسمه وتعويذاته السوداء والخروج من الجزيرة عن طريق التحصن بالقرآن، لا استخدام القوة. جند إبليس لن تهزمهم القوة. قد ترعبهم وتقضي على بعضهم، لكن ما أحفظه من قرآن هو ما سيحمينا من شره."
ارتفع بوق حرب قريب، وكنت بمكان مرتفع يسمح لنا برؤية معظم الجزيرة. أطلقت بتلاحه قدميها ثم عادت تركض. "لقد حضر اللعين ينتوي القضاء علينا لتنتهي مهمته هنا! "سألتها: كل الجيش معه؟ "بتلاحه: للأسف نعم." "متى ستحضر يقطينة؟ "زهرنينا: غنيت لها وحملت الريح الطلسم. أتمنى أن تحضر بسرعة." "الآن إلى الكهف الأخضر!
حملتني بتلاحه وزهرنينا بينهما. طارا بي نحو الكهف الأخضر، أكبر كهف بالجزيرة الذي ينبع الماء من داخله، وتحوي جدرانه الأشجار المثمرة التي سنحتاج لها في أثناء حصار إبليس لنا. فوهة الكهف كبيرة جدًا، أمامها بقعة مسطحة من الأرض تنتهي بمنحدر صخري لا يمكن الوصول إليها إلا عن طريق التسلق أو الطيران.
على الحد العلوي للمنحدر الجبلي، جررت خطًا طويلًا وحصنته بالقرآن. آية الكرسي، المعوذتين، سورة الرعد. وقفت بمكاني وأشرت بأصبعي لجهات الكهف الأربع وحصنتها بالقرآن. "لن يأتونا من خلفنا أو تحتنا أو فوقنا أو أمامنا، إن شاء الله! "بتلاحه، وهي ترتعب، وهي تنظر للجيش المحتشد تحتنا من الغيلان والمرده والشياطين وعاهرات الجان وفيلق الجواسيس من الغربان والقرده والبوم والخفافيش: سيهاجمونا! "قلت: نعم! "بتلاحه،
بشك: لماذا سيهاجمونا إذا كان إبليس يعلم أننا حصنا الكهف بالقرآن؟ "زهرنينا، وهي شاردة: وماذا تنتظر أن يقول إبليس لهم؟ لا تهاجموا الكهف لأنه محمي بالقرآن؟ إبليس كافر وجنوده لا يؤمنون بالله ولا يعتقدون بالقرآن! "وأنا أسبح الله قلت: وإذا قال لهم ذلك، سيفقد هيبته في عيونهم. سيواصل التضحية بجنوده حتى يجد فتحة يخترقنا منها! "بتلاحه، مستفهمة: كيف؟
"أن أتوقف عن ذكر الله أو متابعة قراءة القرآن وتحصين المكان، وأنتم أيضًا. وجود يقطينة مهم جدًا." "بتلاحه، ورغم ملامسة كلماتي لقلبها، إلا أن بعض الشك كان لا يزال واضحًا على محياها. وهي تنظر لتحت برعب: انظر يا جاسم لكل تلك الجيوش الضخمة؟ لقد امتلأت الجزيرة بهم ونحن ثلاثة فقط! "بتلاحه، وهي تنظر نحوي: لماذا لا يهاجمونا الآن؟ "وأنا أحدق بحذر: يقيمون عرش إبليس. لكن انظري." وأشرت بيدي: "الغيلان تتسلق الجرف الصخري."
انطلقنا للخلف حيث منتصف الكهف، وأنا لا أتوقف عن التلاوة وسيفي الوازع بين يدي. كل غول وصلت يده الحاجز احترقت. قطعت أطراف. رأيت وجوهًا تحترق وأخرى ترتطم ثم تسقط لتحت. سيل من الغيلان ينجرف لتحت.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!