( اغمض عينيك، لدي اقتراح ان تسمعها بصوتي، القصه، فصل واحد، قل مرحبا! وضعت عشبة زرقاء في فم بتلاحه وأشرت لها أن تلوكها بفمها وفعلت مثلها! بتلاحه! أين رحلوا؟ لا أعلم يا بتلاحه، قلت وأنا أبحث بنظري عن أي علامة: المهم الآن أن نداوي جراحك، اتبعيني. كنا نغوص ببطء نحو القاع حتى وصلنا، قدم بتلاحه تنزف دم. بتلاحه! أنا غير قادرة على الغوص ولا تحريك قدمي. وأنا أحدق، ليس من الأمن أن نجلس هنا، علينا أن نجد كهفاً نحتمي به.
سحبت بتلاحة خلفي وأنا أحاول أن أجد سبب لاختفاء الجان وعدم ظهور مهتارة حتى الآن. لاح لنا كهف صغير من بعيد، غصت نحوه. كان الكهف مظلماً وفوهته ضيقة. قلت لبتلاحة: انتظري لحظة واحدة! غصت حتى قبضت على قنديل بحر وعدت مرة أخرى نحو الكهف. مددت يدي نحو فوهة الكهف لأضيء داخله. كان الضوء ضعيفاً مما اضطرني أن أدفع قنديل البحر نحو الداخل بكل قوة! أضاء قنديل البحر لحظة قبل أن يبتلعه فم ضخم من الداخل. ارتددت للخلف. بتلاحه!
اهربي بسرعة! لم أدرك أن بتلاحة فقدت وعيها إلا بعد أن ابتعدت عنها. من فوهة الكهف خرجت رأس ثعبان بحر عملاق تبحث عنا. كانت بتلاحة ممدة بجوار الكهف وأدركت أنه سيلتهمها. صرخت بصوت مرتفع: أنت أيها القبيح! أنا هنا! اندفع ثعبان البحر نحوي وأنا أغوص بسرعة بعيداً عنه، بعيداً عن الكهف أيضاً! بحسبة بسيطة أدركت خلال نصف دقيقة أن ثعبان البحر سيلحق بي ويبتلعني أو يقوم بعصري حتى الموت!
سبحت نحو أقرب صخرة وحملت حجراً ضخماً بين ذراعي، رفعته فوق رأسي. اقترب ثعبان البحر لكن بحذر. حجري لن يقتلني يا إنسي، أعدك أن أمنحك ميتة سهلة! اقترب ثعبان البحر أكثر وكشر عن أنيابه اللعينة. عيونه بظلام القبر. دب الرعب في صدري وقذفته بالحجر. استدار ثعبان البحر بسرعة ولم يصب الحجر إلا ذيله، ثم عاد مرة أخرى بخفة لا تناسب حجمه الضخم. أين أنت يا مهتارة؟ زعقت بقلة حيلة!
من بعيد رأيتها تشق الماء ناحيتنا. شعر ثعبان البحر بالخطر فاستدار نحوها. لما رأها قال بسخرية: حورية بحر؟ لم تتوقف مهتارة، واصلت اندفاعها بقوة وارتطمت رأسها في صدره ودفعته للخلف وهي تنبش مخالبها في رقبته. قضمها ثعبان البحر في كتفها وأجبرها على التراجع! ثعبان البحر، ستمتلئ بطني اليوم! مهتارة! ابتعد يا قبيح! ثعبان البحر، سم يسري بجسدك لحظات ويشل أعضاءك. مهتارة وهي تهز رأسها: وأنا لا أحتاج إلا تلك اللحظات لأقضي عليك!
اندفعت مهتارة بكل ما أوتيت من قوة نحو ثعبان البحر والذي قام بفتح فمه، لكنها في آخر لحظة استدارت بحركة فجائية واعتلت ظهره قبل أن يتلافها. غرست مخالبها في عنق ثعبان البحر والذي راح جسده يترنح ويسقط لأسفل. كان على وشك الموت قبل أن تسقط مهتارة من فوق جسده وتهوي نحو القاع!
كنت أشاهد ما يحدث وأنا أرتعش خلال رؤية مغبشة خلال عكار المعركة. رأيته يصعد برأسه مرة أخرى لكن الدم كان ينزف من كل عنقه. كانت حركته أبطأ ويحرك عنقه بصعوبة. تناولت حجراً وأخفيته خلف ظهري. الأسماك كائنات غبية قليلة التفكير عندما ينتابها شغف الالتهام. أنتظرته حتى اقترب هذه المرة. فتح فمه ليقضمني. لم أضربه بالحجر بل قذفته خلال فمه المفتوح! ابتلع ثعبان البحر الحجر وراح يترنح ويهز ذيله برعونة وهو يصرخ: ماذا فعلت؟
ثم ما لبث أن أخذه ثقل الحجر نحو القاع وهو يحاول لفظ الحجر الذي استقر في معدته للخارج! لن أكرر خطيء مرتين. حملت حجراً ضخماً وغصت خلفه. بكل قوة ضربت رأسه بالصخر ثم واصلت الضرب حتى دهستها! تجمعت أسماك صغيرة تأكل من قطع رأس ثعبان البحر المبعثرة! ثم حضرت سمكة ساطنوع أكبر في الحجم تسبح نحوي. أريد أن أشكرك لتخليصنا من هذه السمكة القبيحة. كانت تثير الزعر في وادينا، تهجم علينا وتلتهم أبنائنا. أمعنت
السمكة النظر فيه وسألتني: ما اسمك؟ أنا إنسان، لست سمكة واسمي جاسم! إنسان يسبح تحت الماء؟ قلت أجل وأنا أغوص نحو مهتارة الفاقدة للوعي. وضعت رأسها في حجري. حاولت البكاء لكني لم أفلح. قالت السمكة وكانت قد تبعتني: ما بها حورية البحر؟ أصابها سم ثعبان البحر! منذ متى؟ وقت قليل! ستموت إذا لم ننقذها، انتظر هنا! سبحت سمكة ساطنوع بسرعة واختفت بين الصخور. عادت بعد مدة قليلة في فمها عشبة صفراء أطرافها حمراء.
ضعها في فمها بسرعة. فتحت فمها ودفعت العشبة خلالها! قالت سمكة ساطنوع: لا تقلق، ستشفي من السم. ما اسمك يا سمكة؟ السمكة أسمى تارنيم. تارنيم، احمليها معي نحو الكهف. سبحنا بها نحو الكهف وكانت بتلاحة لازالت فاقدة للوعي بجوار فوهة الكهف!
تركت مهتارة بجوار بتلاحة ورحت أهدم فوهة الكهف لأجعل فتحتها أكبر. نجحت أن أصنع فوهة تكفي لدخول بتلاحة ومهتارة. جررتهم داخل الكهف بعد أن قامت تارنيم بإضاءته من الداخل بمجموعة من قناديل البحر والذين وافقوا على مساعدتها طواعية. كان الكهف من الداخل واسعاً جداً. أرضيته من الرمال الناعمة جدرانه مزينة بياقوت الصدف ودافئ من الداخل. سقفه منحوت بارتفاع رجل. أرقدت مهتارة على الرمال وإلى جوارها بتلاحة.
تارنيم: علي أن أعالج بتلاحة، فقدت الكثير من الدماء. ألا تعرفين عشبة يمكنها إيقاف النزيف! تارنيم وهي تحدق ببتلاحة بتركيز: إنها ليست بشرية مثلك؟ لا، بتلاحة جنيه! تارنيم وهي تلتصق بجدران الكهف برعب: أنا لن أساعد الجان! إنها جنية طيبة يا تارنيم! تارنيم!! كل جان البحر أشرار! إنها ليست جنية بحر، أقسم لك. من فضلك ساعديني؟
لقد أديت لنا خدمة عظيمة وخلصتنا من شمعون اللعين، سأحضر لك الأعشاب التي ستعالج جنيتك لكن بعدها لن تريني مرة أخرى. أنا لا أثق بالجان ولا أنوي الوثوق بهم. اختفت تارنيم وعادت تحمل بفمها أعشاب مختلفة طلبت مني أن أضعها في فمها. أعشاب أخرى وضعتها على الجرح في قدمها. تارنيم وهي راحلة: ستكون بأمان هنا، لكن لا تفكر بالعيش داخل هذا الكهف. الكهوف الدافئ نادرة في البحيرة ستحضر أسماك أكثر توحشاً لاحتلال الكهف.
شعرت بالتعب ورغبت في النوم، لكن عشبة زرقاء حتى لا أفقد التنفس أثناء نومي. وضعت مثلها في فم بتلاحة، رقدت بجوارهم وغططت في النوم. فتحت عيني بعد ساعات على سلحفاة بحجم كبير وصدفة زرقاء تقف فوق رأسي. رفصت بقدمي وأثرت سحابة من الرمال وأنا أضع يدي أمام وجهي. السلحفاة وهي تراقب ما يحدث بهدوء: لا تخف يا إنسي، السلاحف ليست قاتلة! السلحفاة!!
أخبرتني تارنيم بما فعلته وأنك قمت بقتل الثعبان شمعون الشرير الذي كان يقتل أبناءنا ويثير الرعب في قلوبنا مع كل حركة يقوم بها نحو وادينا! أنا أقدر لك ذلك، لكن بصفتي حكيمة قبيلتنا علي أن أطلب منك الرحيل من هنا بأقصى سرعة! وأنا أعتدل في جلستي سألتها: لماذا؟ السلحفاة
وهي تحدق في عيني بتركيز: شمعون ليس إلا السلسلة الأضعف في فصيلته. لكل وادي في البحيرة ثعبان بحر يحكمه، سرعان ما سينتشر نبأ موت شمعون وسيصل لملك الثعابين رعد، حينها سيرسل إلينا ثعبان آخر أكثر ضراوة وفتك، هذا إذا لم يحضر بنفسه للقصاص من قتلته! مهتارة كانت تعلم ذلك ولولا أنها أدركت أن شمعون سيقتلك ما تجرأت على معاداة مملكة الثعابين والذين سيسعون خلفها بكل قوة!
رعد لا يترك حقه أبداً، وأنت مجرد بشري ضعيف هارب من على سطح الأرض يتنفس بالأعشاب الزرقاء! يبدو أن لديك معرفة بكل شيء! السلحفاة!! لقد ورثنا الحكمة بعد أن وصلتنا أخبار الأقدمين. لا تعتقد أن ذهابك للجان لطلب المساعدة كان سر لا يعرفه أحد؟ الأخبار انتشرت في كل ركن في البحيرة. إذا كنت تريد نصيحتي لا تثق بجان البحر، إنهم خونة! سيساعدوني، أقسموا على ذلك!
السلحفاة، سيحولونك لمسخ، سيمنحونك القوة فعلاً لكن هناك شيء بالمقابل. أحد العناصر التي ستشربها ستمكنهم من التحكم بك. أي عنصر؟ السلحفاة وهي تسبح ببطء: إذا وعدتني بالرحيل من البحيرة نحو البحار الواسعة سأخبرك! أنت مجنونة؟ نحن في بحيرة لا تتصل بالبحر أو المحيط! السلحفاة! غباء البشر وتسرعهم. ما لا يعرفه البشر أن هناك نفق مائي مخفي يصل كل بحيرة بالبحر تعرفه كل الأسماك. لماذا كل ذلك الإصرار على رحيلي من البحيرة؟
لأن ما ستتحول إليه سيكون بمنتهى القوة وربما تفقد عقلك حينها ستحول البحيرة لجحيم وتخل بالنظام المائي. اسمع كلام الجان لكن لا تصدقهم، خذ منهم وتوخ حذرك، تناول كل العناصر إلا عنصر واحد، حينها ستتحول لكائن خرافي يمكنه العيش في البحر واليابسة! رغم أن ما أسمعه لم أصدقه ولم يدخل عقلي إلا روح المغامرة دبت في ذهني. سألتها: وهل يمكنني العودة لصورتي البشرية بعد ذلك؟ إذا أردت طبعاً. مدت لي السلحفاة قارورة وطلبت مني شربها،
قالت: حتى لا يهتريء جلدك ويتساقط. هل تعدني برحيلك عن البحيرة؟ لم تخبريني باسم العنصر؟ ستعرفه حينما يحين وقتك! فور استيقظ أصدقاؤك عليك أن ترحل عن هنا قبل أن يصل الخبر للملك رعد ويرسل لك جيش الثعابين. عندما تصل البحار المفتوحة، بلغ سلامي للملكة شنحة. من فضلك، طلب أخير؟ السلحفاة! كنت أعلم ذلك وتساءلت لماذا تأخرت في الكلام. جنية بحيرة يزخ وكهفها المسحور؟ كيف عرفت؟ ترد السلحفاة اكتفت بقول: رفع إبليس اللعنة!
اذهب للكهف ستجدها فاقدة للوعي امنحها تلك العشبة وعندما تفتح عينيها ضع هذه في فمها. وألقت على الرمل كريستالة صغيرة على شكل سن تحمل بداخلها قطرة رمادية. سبحت السلحفاة ببطء وتركت الكهف.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!