محمد لنفسه بصدمه: قاسم أبو ياسمين. ليتراجع لكي لا يراه الآخر ويجلس في الممر يحاول استيعاب ما يحدث. ياسمين: عامل إيه يا بابا؟ قاسم بتعب: الحمد لله، إنتي عاملة إيه وإخواتك؟ ياسمين: كلنا بخير يا بابا، بس إنت واحشني أوي، عايزينك تخف بسرعة وترجع لنا. قاسم: إن شاء الله يا بنتي. ياسمين: هما بلغوني إن العملية بكرة بالليل، وبعدها إن شاء الله هتبقى زي الفل. ابتسم قاسم
لابنته ومسح خدها بحنان: ربنا يرضى عليكي يا بنتي إنتي وإخواتي. ليردف بحزن: لو جرالي حاجة، خودي بالك من نفسك ومن إخواتك. ياسمين بضيق: لا يا بابا متقولش كده، ربنا يقومك بالسلامة وتاخد بالك مننا كلنا، إحنا كلنا مستنينك. لتقبل جبينه وعندما لاحظت اختفاء محمد قالت: هرجعلك كمان شوية. أومأ الأب برأسه لتذهب إلى الممر وتجده يتكلم بالهاتف بغضب، لكنها لم تستطع فهم حديثه. محمد: ليه مقولتش إنه قاسم هو باباها؟ ليه؟
أدهم: هفهمك لما ترجع بالسلامة. ليردف بقلق: هو شافك؟ محمد: لا طبعاً. أدهم براحة: كويس، متظهرش ومتخليهوش يشوفك، عشان هيرفض أي مساعدة مننا. محمد: بشك ليه يا بابا تعمل كل ده؟ مش إنتو... ليقاطعه أدهم: أول ما ترجع مصر هفهمك كل حاجة. خد بالك من مراتك ومن قاسم. محمد: ماشي يا بابا فهمت، هاخد بالي منها ومنه. ليغلق الهاتف ويشرد بضيق، ملامحه تغيرت، بدأ منشغل بالتفكير جداً. ياسمين: احم، إنت كويس؟ محمد... ياسمين: محمد...
ياسمين وضعت يدها على كتفه لتهزه لينتبه لها. ياسمين: إنت كويس؟ مالك سرحان بإيه؟ محمد حاول قدر الإمكان تمالك نفسه أمامها ليقول ببروده المعتاد: خلصي عشان تعبان وعايز أنام. ياسمين: تقدر تروح، أنا هفضل هنا. محمد بحده: تفضلي فين؟ مينفعش، يلا قدامي. ياسمين: بس... محمد بحزم: من غير بس، يلا. ياسمين: طيب، بس أبلغ بابا. محمد: ماشي، وبلغيه إنك هتزوريه بكرة عشان النهاردة تعبانين من السفر مش هنرجع هنا.
أومات براسها بضيق، فهي لا تريد النقاش معه، تعلم جيداً بأن النقاش معه عقيم. لتودع والدها وتذهب معه إلى الفندق الذي سيستقران به. محمد ببرود: هرجع كمان شوية. ياسمين: هتروح فين؟ محمد: متسأليش، بالي مالكيش فيه. ياسمين: بضيق، أنا... ليغادر ويتركها دون أن تكمل حديثها. وبعد فترة عاد متأخراً، وجدها نائمة. استلقى بجانبها وراقب ملامحه عن قرب، شرد بها لثوانٍ لينفض الأفكار من رأسه، ويوقظها. محمد: ياسمين.. ياسمين...
محمد: ياسمين قومي. ياسمين بتعب: ماشي، ماشي، هقوم أهو. لتعود للنوم. محمد: إيه اللي ماشي؟ بقولك قومي. أمسكت يده التي تهزها ووضعتها تحت خدها لتغط بالنوم. نفض يده بحده وبصراخ: بقولك قوم. انتفضت بفزع: ها؟ حصل إيه؟ في إيه؟ بتصرخ لي؟ محمد: إيه النوم ده؟ لو بصحّي ميت كان صحي من بدري. ياسمين بتعب: أنا آسفة، منمتش كويس، إنت عايز حاجة؟ محمد بوقاحة وبرود: أيوه عايزك. ياسمين: أفندم؟ محمد: إيه مش سامعة؟ بقولك عايزك.
ياسمين بارتباك: آه، أيوه، ماشي. بتزعقي ليه؟ محمد: إيه اللي هو ماشي؟ يلا اخلصي. أنا هطلع الشرفة أعمل مكالمة، ألاقيكي جاهزة، ماشي؟ بضيق أومات براسها وهي تراه يبتعد. هل حقاً أيقظها بهذا الوقت المتأخر لهذا الغرض؟ تنهدت بتعب وأخذت ثيابها واتجهت إلى الحمام. في الصباح، فتح عينيه بتململ، ليجدها تجلس على كرسي بجانبها تنتظره وهي ترتدي ثيابها. فور فتحه لعينيه نهضت وهي تبتسم. محمد: أصبحنا وأصبح الملك لله. رايحة فين عالصبح؟
ياسمين: مش هنروح عند بابا. اعتدل بجلسته ببرود، تناول علبة السجاير وأشعل سيجارة. محمد: لا مش هنروح. ياسمين بتذمر وضيق: ليه؟ سحب نفس من سيجارته: عشان أنا عايز كده، بعدين مشفى إيه بالوقت ده؟ إنتي عارفة الساعة كام؟ اقتربت منه بهدوء: حاضر، مش هنروح المشفى. لتاخذ السيجارة من فمه وتطفئها: بس مينفعش تدخن كده عالريق. رفع حاجبه باستنكار، فهي لأول مرة تتجرأ على التصرف هكذا. حاول إشعال سيجارة أخرى لكنها سحبت علبة الدخان.
ليصرخ بحده: إيه ده؟ هاتي الدخان هنا، إنتي نسيتي نفسك ولا إيه؟ ياسمين: لا منسيتش نفسي، بس أنا جعانة وعايزة آكل. محمد: متطلبيش طفح وتاكلي؟ أنا ماسكك. ياسمين: مش هاكل لوحدي أكيد، يلا خلينا ننزل نفطر. محمد: بتديني أوامر ولا إيه؟ ياسمين: مش أوامر، أنا بطلب منك عشان جعانة. تنهد: ماشي، اديني علبة السجاير أدخن وهننزل. ياسمين: لأ مفيش لحد متفطري. محمد بتحذير: ياسمين... هاتي علبة السجاير.
ياسمين بتذمر: طيب، طيب، متتعصبش، خد، متتعصبش. اقتربت لتعطيه السجائر ليجذبها إليه ويعتليها. ياسمين بتوتر: ممـ محمد، ممـ ينفعش دلوقتي. محمد وهو يدفن وجهه بعنقها: ابتعد ونظر إليها ليهمس لها: ليه؟ ياسمين بارتباك: عـ عشان أنا جاهزة، عشان ننزل. محمد: تجهزي مرة تانية، مفيش مشكلة. ياسمين: بس... لم تكمل كلماتها ليقبلها وووو. في مكتب عمر. عمر: متقلقيش يا حبيبتي، إن شاء الله هيبقى كويس.
زينب: بس أنا خايفة عليه أوي يا عمر. حتى ياسمين رفضتي تاخدني معاها عشان المدرسة. عمر: إنتي ركزي بدراستك عشان لما يرجع يبقى مبسوط منك. وأنا جنبك أهو مش هسيبك أبداً. زينب: إنت هتفضل جنبي دايماً يا عمر، مش كده؟ عمر: ولحد آخر العمر هفضل معاك. زينب بخجل: شكراً. عمر بخبث: لا لا يا حبيبتي، أنا عايز أسمع كلمة تانية. زينب: كلمة إيه؟ عمر بغمزة: بحبك مثلاً. زينب بخجل: عيب كده، مينفعش. عمر بضحك: طيب ماشي، نمشيها بعشقك.
زينب بتذمر: بطل يا عمر بقى خلاص. ليقترب منها: ولو مبطلتش. زينب ابتعدت بحرج: إيه؟ إحنا هنبدأ بالسفالة؟ مش قولنا مش هتتكرر تاني. عمر: ماشي، ماشي خلاص براحتك. ليبتعد عنه، واعتدلت الأخرى بوقفتها ليفاجئها بقلبه على خديها. زينب: بتذمر: يا عمر بقى. عمر بغمزة: دي بوسة بريئة والله، يلا عشان هروحك. زينب: أنا مش فاهمة، إحنا جينا مكتبك ليه؟ عشان إيه؟ عمر: مقولتلك عشان في تواقيع مهمة وخلاص، خلصنا دلوقتي نقدر نروح. يلااا.
لتصدم بفتاة تدخل المكتب بغضب. أمل: أنا بتصل فيك كتير، مابتردش ليه؟ عمر بملل: مشغول وماليش مزاج. أمل: لا والله، دلوقتي بقى مالكش مزاج ليا. لتنظر إلى تلك التي تضم يديها إلى صدرها بغيظ. أمل: مين الحلوة دي؟ إنت غيرت نوعك ولا إيه؟ عمر بتحذير: أمل. أمل: إيه؟ إنت مش شايفها صغيرة عليك؟ دي بهدوم المدرسة يا حبيبي، بطل عك يا عمر وارجع لعقلك. عمر بغضب: اطلعي برا. أمل بصدمة: بتطردني؟ عمر بحده: أيوه اطلعي برا، مش عايز أشوف خلقتك.
أمل: ماشي يا عمر، ماشي. عمر بغضب: برااا بلا قرف. نظر إلى تلك التي تنظر إليه بنظرات استفهام. عمر محاولاً أن يهدأ: يلا يا زينب. زينب: مين دي؟ عمر بتهرب: هحكيلك بعدين، يلا خلينا نروح. زينب بعند: لا، أنا عايزة أعرف دلوقتي. عمر بتحذير: زينب. زينب بغضب طفولي: مهو أنا مش هتحرك من هنا إلا لما تقولي مين دي. وإنت بتتكلم كده ليه؟ عمر بحده: خطيبتي، ارتحتي؟ يلا بقى. خلينا نمشي. دفعته بقوة وغادرت وهي تبكي بحرقة.
حاول اللحاق بها لكنها غادرت. ليضرب يده على المصعد بغضب وينزل الدرج. عند محمد وياسمين. ياسمين تتحدث الإنجليزية بطلاقة مما صدم الآخر. وبقي يراقبها تستفسر من الطبيب عن حال والدها الذي أخبرها بأنه سيكون بخير وسيتم استئصال الورم إلا إذا حدث شيء غير متوقع. ابتسمت بارتياح وهي تدعي الله بأن يخرج والدها سليماً معافى. محمد: إنتي اتعلمتي اللغة منين؟ ياسمين: بتكلمها من وأنا صغيرة، عشان درست فترة هنا. محمد: هنا؟
ياسمين: أيوه، بس للأسف حصلت لنا ظروف ومقدرتش أكمل تعليمي. محمد نظر إليها بضيق. لينهض: طيب، تقدري تشوفي والدك؟ أكيد غيروا له قبل ما يخش العمليات. ياسمين: إنت مش هتدخل معايا؟ محمد بارتباك: لا، مينفعش. عشان إنتي قولتي مبلغهوش عني، خليه أما يخف. أومات برأسها ودخلت غرفة والدها تودعه. قاسم: ياسو حبيبتي، خدي بالك من نفسك ومن إخواتك، مش هوصيكي. أنا حاسس إني خلاص مش هخرج من هنا. ياسمين بدموع:
حاولت منعها: لا يا بابا، متقولش كده، إن شاء الله تقول بالسلامة. قاسم مسح رأسها بحنان: ربنا يرضى عليكي يا بنتي ويحميكي إنتي وإخواتي. أنا راضي عليكي دنيا وآخرة. دموعها نزلت دون وعي منها وهي تمشي معه بالنقلة ممسكة يده وشهقاتها تعلو. لا إله إلا الله. قاسم سيدنا محمد رسول الله. ليدخل العمليات. وقفت أمام الباب تراقبه وهو يبتعد، زادت شهقاتها وهي تدعو: يارب، يارب يقوم بالسلامة يا رب. حتى شعرت بيد تربت على كتفها.
التفت ورأت يومأ برأسه يطمئنها. دفنت وجهها بصدره واحتضنته، صدم لوهلة من فعلتها لكنه فهم ما هي بحاجة له، مسح على رأسها بهدوء ليقول لأول مرة: إن شاء الله هيبقى كويس، متخافيش. ياسمين: يارب. مضى الوقت وهي جالسة تنتظر خروج والدها من غرفة العمليات. أما محمد يستند على الجدار يعبث بهاتفه. ليخرج الطبيب. أسرعت إليه ياسمين بقلق تسأله عن والدها ليزف لها خبر وفاته. سقطت على الأرض ووو.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!