الفصل 15 | من 27 فصل

رواية يونس وبنت السلطان الفصل الخامس عشر 15 - بقلم سعاد محمد

المشاهدات
19
كلمة
5,883
وقت القراءة
30 د
التقدم في الرواية 56%
حجم الخط: 18

بالدوار فتحت رشيدة عيناها سريعاً. رأت يوسف يتألم من رصاصة أصابته بمعصمه بالخطأ، والرصاصة الأخرى أصابت معصم يد همت، التي كانت تُشهر بها السلاح. السلاح الذي وقع منها أرضاً. انحنى هاشم سريعاً وأخذه. رغم ألم يدها، لم تشعر به. نظرت إلى غالب مذهولة. هو أطلق عليها الرصاص. عقلها يكاد يشتعل. ألهذا الحد غالب لا يشعر بها ولا بحرقة قلبها؟ ازدادت شعوراً بالبغض والكُره أكثر حين سمعت غالب ينادي على أحد الغفر الذي حضر، قائلاً

له بتعسف: "خد الست همت وصلها لبيتها أو لأي مكان هي عاوزة تروحه، وممنوع تدخل للدوار مرة تانية. خدها من قدامي". شدها الغفير بقسوة. سارت همت مذهولة مقهورة. قهر السنين تمر أمام عينيها بخيالات ظنت أنها ستتحقق يوماً وتعود لغالب، لكنها كانت خيالات.

شعر يونس بالخوف الشديد. حلمه، بل كابوسه السابق، كاد أن يتحقق. لكن الحقيقة ليست كابوساً. التف الجميع حول يوسف الذي ينزف من يده. كانت عين يوسف سعيدة بيُسر التي تبكي وهي تضع ذلك الشال الأبيض على معصم يوسف تكتم به الدماء. نظر يوسف لغالب قائلاً: "أنا عاوز أتزوج يُسر يا أبوي، وهي موافقة. اكتب كتابنا مع هاشم وياسمين". تركت يُسر يده قائلة بخجل: "لأ، إني مش موافقة". تحدث يوسف: "لأ موافقة يا أبوي، بس بتدلع. متسمعش كلامها".

ضحك الجميع بعد أن كانوا على شفى خطوة واحدة من الحزن. تبدل كل شيء بلحظة. من الخوف للأمان، من الفزع للاطمئنان، من الحزن إلى الفرح الشديد. تحدث غالب قائلاً: "والله لو الست نوارة وصفوان موافقين على طلبك، معنديش مانع". رد يوسف: "موافقين". ثم نظر لنواره يكمل حديثه: "صح يا حماتي؟ صح يا نسيبى؟ وافق إلهي تبقى وكيل نيابة. لأ قاضي كبير".

تبسمت نوارة وكذالك صفوان. نظر يوسف لغالب قائلاً: "أهو زي ما قولت لك، أحنا نخلي الفرحة تزيد. رجوع يونس بمراته وولاده للدوار، وكمان كتب كتاب ياسمين وهاشم، وكتب كتابي أنا ويُسر". ردت يُسر باعتراض: "لأ، أنا مش موافقة. أنا هكمل دراستي الأول". رد يوسف: "وماله. كمليها وانتي مراتي. دا حتى أنا هساعدك. انتي ناسيه إني خريج ألسن نفس الجامعة يعني. يلا يا جماعة ندخل نشرب الشربات".

تحدث هاشم قائلاً: "وإيدك اللي بتنزف دي مش محتاجة لدكتور؟ نظر يوسف ليده قائلاً: "والله ما حسيت بها إلا لما اتكلمت. نتصل على الوحدة يبعتوا لنا دكتور. يلا يا جماعة ندخل بلي الشربات يا أنهار بسرعة". دخل الجميع إلى الدوار والبسمة تزين شفاههم. بنفس الليلة، بمنزل ناجي الغريب، ضمدت همت يدها. الشر مستعر بقلبها.

تتحدث بوعيد: "غالب، استحملت سنين وموت ولدين من ولادي اندفنوا قدامي، والتالت كنت هموته بيدي. كله بسببك انت ونرجس. بس نرجس خلاص هسيبها. لازم آخد تاري وحرقة قلبي منك انت الأول يا غالب". دخل ناجي عليها الغرفة مذعوراً، وقام بفتح الدولاب وأخذ منه سلاحاً آلياً. تحدثت همت ساخرة: "جيت كيف الجطة الجعانة اللي خايفة تدخل المطبخ تاكل؟

سرقة الحكومة بتطاردك من ناحية، وكمان التجار اللي امسكت ببضاعتهم من ناحية تانية. إيه اللي جابك الليلة؟ نظر ناجي لها يتحدث بسخرية: "أكيد مش الشوق ليكي". نظر ناجي ليدها المضمومة قائلاً: "فشلتي في حرق قلب نرجس زي كل مرة". ضحكة عالية منه. تحدثت همت بسخرية: "نرجس حلم عمرك اللي مطلتوش. قتلت جوزها وكنت هتقتل ولدها. نرجس عمرها ما شفتك لأنك مش راجل".

صفعة قوية من ناجي لهمت دون حديث. وضعت همت يدها على وجنتها وأمسكت ذلك السلاح الموضوع على الفراش، قائلة: "كان لازم اقتلك من زمان". أطلقت عليه أكثر من رصاصة أصابته بجسده. ذُهل عقل همت وهي ترى ناجي يهوي أرضاً. ألقت السلاح من يدها ووقفت ترتعش. لكن ناجي مازال لم يمت والسلاح ملقى أمامه على الأرض. أمسك السلاح وصوبه لقلب همت وأطلق الباقي من الرصاص في السلاح بصدرها، لتهوي قتيلة في الحال ويلحقها ناجي.

بالدوار، زغرودة خرجت بعد أن تم عقد قران هاشم وياسمين. انفجر الجميع ضاحكاً حين نظروا بدهشة: "مين أطلق تلك الزغرودة؟ " يوسف هو من أطلقها. تبسم عواد رغم حزنه على فراق سارة، لكن شعر بفرحة وهو يحتضن هاشم ولده قائلاً: "مبروك يا ولدي". رد هاشم بود: "متشكر يا بابا". ذُهل عواد. ماذا سمع؟ قال: "بابا". نظر عواد لغالب بدموع في عينه. تحدث غالب: "قالها يا عواد، مسمعتش غلط".

في ثوانٍ كان عواد يحتضن هاشم مرة أخرى بقوة قائلاً: "ولدي". ثم فتح يده لتأتي ياسمين ويحتضنهما معاً قائلاً: "ولادي". قبل خد ياسمين قائلاً بشكر: "انتي السبب في جمعي مع ولدي من تاني. ربنا يهنيكم ببعض". أدمعت عين الجميع على منظر عواد. لكن يوسف بدل ذلك، حين اقترب من غالب قائلاً: "إيه يا حاج غالب مش هتحضني انت كمان وتجيب البت يُسر كمان تدفصها في حضنك وأنا معاها؟ رد غالب بغيظ له قائلاً: "لأ هحضن يُسر بس وانت لأ".

شد غالب يُسر لحضنه وقبل جبهتها مبتسماً. شدها يوسف منه قائلاً: "إيه هي تكية دي؟ أملاك ناس وأنا مسمحلكش". تبسم الجميع للأفراح التي أتت على وجه ذلك المولود. لقد عادت الفرحة التي فقدت إلى هذا الدوار مرة أخرى معه.

علم أهل النجع بمقتل ناجي الغريب وزوجته. هناك شرذمة أقلية حزنت عليه، ولكن هناك من قال أن اليد التي كانت تخرب في النجع قد انقطعت. اليوم عقيقة مولود عائلة الهلالي، ليس هذا فقط، بل عُرس اثنان من أبنائها. كانت الولائم كثيرة، وأهل النجع هم أصحاب الحضور الطاغي، وأيضاً كبرات المحافظة موجودين.

انتهى العُرس بغرفة هاشم وياسمين. وقفت ياسمين خجلة أمام هاشم بعد أن صلوا. قبل رأسها قائلاً: "حبيتك من أول مرة شوفتك فيها لما عرفنا يونس على بعض. قاومت كتير، لكن بنت الهلالية عشقها فاز". تبسمت ياسمين بخجل قائلة: "كان العشق موصول يا ابن عمي من نفس المرة حبيتك، بس مقاومت حبك. كنت حابة أغرق في عشق هاشم الهلالي".

مال هاشم ليلتقي شفتيها في قبولات عاشق، ثم ترك شفتيها مغصباً ليتنفسا. تحدث لاهثاً: "ياسمين الهلالي كانت قدر عشق هاشم الهلالي، اللي مفيش منه مهرب. مفيش مهرب من عشق ولاد الهلالية لبعضهم". قال هذا وضمها لصدره، يعود يقبلها ويذهب بها، تاركاً خلفه ماضي مؤلم يتبدل بحاضر ومستقبل سعيد. بغرفة يوسف، جلس على الفراش ينتظر أن تخرج يُسر التي تأخرت بالحمام. وقف وذهب وقام بطرق باب الحمام قائلاً: "يُسر، اتأخرتي ليه جوه؟

ثم أكمل بمكر: "افتحي وأنا أدخل أساعدك". ردت يُسر سريعاً: "لأ شكراً. أنا هخرج حالاً، بس دير وشك". تبسم يوسف بزهو وهو يدير وجهه. خرجت يُسر من الحمام. سمع يوسف صوت إغلاق باب الحمام. عاد بوجهه ينظر إليها. انصدم حين قالت: "أنا سألت في الصيدلية الصيدلي وجالي على كل وسائل منع الحمل، وأنا اخترت الحبوب بس معرفش بتتاخد إمتى. ماتنزل تسأل رشيدة أختي أو أمي أو مرات عمي نرجس. أقول لك إن شاء الله أنهار".

لطم يوسف على خده قائلاً وهو ده اللي قعدك في الحمام المدة دي كلها: "أقولك مالوش لازمة، سيبها على الله". ردت يُسر: "لأ أنزل أسأل أي واحدة منهم. أنا مش هخلف قبل ما أخلص دراستي كيف ما اتفقنا سابق".

رد يوسف: "أنا لو نزلت من هنا دلوقتي وسألتهم هيبقى شكلي قدامهم إني أهبل. أقولك خدي حباية دلوقتي وبعد كده ابقى اسأليهم انتي بكرة". وضع يوسف حبة بفمها وأعطاها الماء لتبتلعها. وضع الماء وعاد لها مرة أخرى واقترب منها ودون مقدمات جذبها له وقام بتقبيلها، لتذهب معه لرحلة عشق كان هو قائدها ومعلمها. بالمندرة، جلست رشيدة تحمل مولودها. كان جوارها عبد المحسن ينظر له قائلاً بفرحة. طفل

يتحدث بتهته يقول للمولود: "أنا عمك عبو محسن. أنا هحبك زي ما بحب رشيدة ويونس". رفع عبد المحسن رأسه ونظر لرشيدة متحدثاً بفرحة: "ربنا يبارك لك فيه هو وأخوه العمده. انتي اللي سميتيه على اسمي صح؟ رد يونس الذي دخل عليهم: "أيوه يا عم عبد المحسن، رشيدة سميته على اسمك. انت كنت مرسال العشق بيني وبين بنت السلطان".

بين أفراح وأطراح، بين من جاء للحياة ببسمة، ومن فارق بدمعة، بين خلاف وتوافق، شد وجذب، مرت سنوات العمر رسمت ذكريات محفورة في القلب، مرسومة من تأثير الزمن على الوجوه. ليصبح الوليد صبياً، والصغير شاباً، والشاب كهلاً. بعد مرور أكثر 24 عاماً.

بمطار سوهاج، عصراً. بصالة الوصول أعلن المذياع الداخلي عن وصول الرحلة الآتية من القاهرة. دخل ذلك الشاب إلى الصالة يجر حقائبه أمامه. تبسم حين رأى من ينتظرونه. أشار لهم بيده. في ثوانٍ كان يقف أمامهم. وضُم من ألقى نفسه عليه وتحدث قائلاً: "وحشتني يا سنسن. آخر مرة شفتك كنت بشورت". تركه الآخر وعدل من وضعية نظارته قائلاً: "أنا كبرت يا يونس يا ابن عمي. بقيت في تالتة ثانوي وناوي أدخل هندسة إلكترونيات. اسأل العمده إني عقلي فذ".

تبسم يونس وهو يتجه لعمّه. انحنى يقبل يده قائلاً: "وحشتني قوي يا عمده". تبسم له وجذبه واحتضنه قائلاً: "انت واحشني يا ولدي. حمدلله على سلامتك. كيفك؟ رد شاب آخر: "كيفه ما هو قدامك أهو. زينة الشباب وكمان فرحة. بعد بكرة الدور والباقي على اللي هيخلل لحد ما الموزة تخلص. طب". ضحك يونس قائلاً: "بلاش قر. العروسة من نفس فصيلة بنات السلطان وزيهم بنت السلطان". قال هذا واتجه إليه يعانقه قائلاً: "كيفك يا حسين. واحشني".

تبسم حسين: "وانت كمان. بس الإجازة دي أكيد مش هتلحق تشبع مني أنا وأخواتي لأنك هتتجوز بعد بكرة. يابختك يا عم. عقبالي". تبسم حسن، أصغر أبناء يونس قائلاً: "ده إمتى دي؟

بنت يُسر هطلع عينك على ما تخلص تعليم. كيف عمي يوسف ما قال. مفيش جواز قبل ما تخلص تعليمها. لأ وخالتي يُسر اللي طول عمرها معارضة لعمي يوسف وافقتوا في دي بالذات. وقالت إيه تخلص دراستها قبل الجواز عشان ما تبقاش زيها لما اتجوزت قبل ما تخلص دراسة وانشغلت ببيت وعيال ومحققتش حلمها وبقت مضيفة طيران". ضحك يونس وهو يضع يده على كتف حسين مواسياً قائلاً: "والله يا ابن عمي نسل بنات السلطان ده عشقه صعب قوي".

رد يونس الكبير قائلاً: "العشق لو مكنش صعب هيزول بسرعة. مش هيتحمل ومع الوقت هتحس بالملل". صفر حسن قائلاً: "فين ماما؟ ولا أقصدي أم الرجال تيجي تسمع. دي ملكة وسط مملكة رجال الهلالي". ضحك يونس الصغير قائلاً: "معلمتي الأولى لازم تكون ملكة". تبسم يونس الكبير قائلاً: "طب بلاش وجعتنا كده في المطار. خلونا نرجع للنجع". تبسم يونس الصغير قائلاً: "لسه يا عمي محتفظ باللغة الصعيدي دي؟ خلاص انقرضت".

تحدث حسين قائلاً: "ده هو وأم الرجال مبيتكلموش إلا بيها". تحدث يونس الكبير قائلاً: "التطور والمدنية مش إننا ننسى جديمنا ولا أصولنا، لكن نفضل محافظين عليهم حتى لو بينا". تبسم يونس الصغير قائلاً: "تمام قولك يا عمي. يلا يا حسين هات الشنط دي". رد حسين قائلاً: "وأنا مالي؟ هي شنط مين؟ وبعدين فين شنطة العروسة؟ أكيد الحمرة دي". تبسم يونس قائلاً: "شيل من سكات. ما العروسة أختك في الرضاعة".

تبسم حسين وهو يحمل الحقائب هو وحسن، وكذلك يونس الصغير. بعد قليل بالسيارة التي يقودها حسين، ضحك حسن وهو ينظر إلى يونس قائلاً: "رشيدة بنت خالي حسين دايماً تقول أنا والغبى حسين رضعنا مع بعض من نفس الأمهات، بس أنا أذكى منه. أنا اتخرجت من كلية الزراعة بتقدير امتياز واتعينت معيدة، وهو اتخرج بمقبول، وفي الآخر هو بيستصلح في الأراضي اللي حوالين النجع وعنده مزارع فواكه وخضروات، وأنا يدوب مرتب الجامعة مبيقضيش مواصلاتي، وللأسف بساعده عشان أحسن وضعي العلمي والمالي كمان".

ضحك حسين قائلاً: "لو عاوز كنت بقيت زيها أستاذ جامعي، لكن أنا زي ماما. هي بتحب الأرض والزرع وبس، وزي ما بتقول الحصاد والزرع مش عاوزين علم بس، دول عاوزين خبرة. وهي عندها الخبرة، وكمان متنساش دي اتخرجت من نفس الجامعة، بس للأمانة أنا خدت الجامعة في أربع سنين، إنما ماما خدتها في سبعة، والفضل يرجع للعمده. مكنش راحمها بين العيل والتاني. كانت هتركز في إيه ولا في إيه".

ضحك يونس قائلاً: "عمي كان نفسه في بنت ويسميها رشيدة بنت الهلالي، لكن القدر بقى إنها متجيبش غير رجال. زي ما عمي بيقول علينا رجال الهلالي". نظر يونس لعمه قائلاً: "متقلقش يا عمي. إن شاء الله أنا اللي هجيب رشيدة الهلالي". تبسم يونس الكبير قائلاً: "أنا فخور بكل رجال الهلالي، من أولهم أنت. ربنا يرزقك الذرية الصالحة. بقيت دكتور جامعي في الهندسة الإنشائية، وما شاء الله فوز تصميماتك بمسابقة عالمية. فخر للهلالي كلهم".

بالدوار، بغرفة يوسف، وقفت يُسر خلف يوسف تتحدث قائلة: "كتب كتاب بس مفيش جواز ليارا قبل ما تخلص دراستها. لازم تتخرج الأول عشان ما تبقاش زيي". رد يوسف: "والله هو كتب كتاب دا أنا اللي قولت كده. وبعدين مالك خايفة تبقى زيك في إيه؟ ردت يُسر: "أنا لو مكنتش اتجوزتك وأنا لسه بدرس، كان زماني بقيت مضيفة طيران ألف العالم. لكن انت ضحكت عليا وبدلت حبوب منع الحمل بحبوب تانية. ولما خلفت مقدرتش أحقق حلمي وأبقى مضيفة طيران".

تحدث يوسف بمكر: "طب بذمتك لو خيروكي، أنا ولا مضيفة طيران دلوقتي هتختاري إيه؟ ردت يُسر: "هختار مضيفة طيران وأرتاح من المروتان اللي عايشة فيه بسببك انت ويارا وياسين ويسري ولادك". ابتسم يوسف ووضع يده على خصر يُسر يتحدث بخبث: "ما تسيبك من كتب الكتاب وتعالى نفكر في اسم بحرف الياء للرابع". نفضت يُسر يده من على خصرها حين دخل أحد أبنائها

التوأم يتحدث أحدهم: "بابا، خالي صفوان اتصل عليا وبيقول إن الشيخ حضر ولازم تنزل عشان تبقى وكيل يارا". تحدث يوسف قائلاً: "وخالك مستعجل قوي ليه؟ كانت بنته روح انزل له، وأنا هحصلك وأقفل الباب وراك". خرج ابنه. عاد يضع يده على خصر يُسر لكن نفضت يده قائلة: "أنا رايحة أشوف بنتي خلصت لبس ولا لسه. أنا سبتها مع روان بنت ياسمين، والاتنين زي بعض لخمة".

رد يونس عليها: "روان أه لخمة، إنما بنتي يارا معندهاش حاجة اسمها خجل، دي منحرفة". ضحكت يُسر قائلة: "هتجيبها من بره؟ طالعة لأبوها منحرفة". بينما بالمندرة، جلس صفوان يرحب بالمأذون ومعه يونس ومعهم أيضاً الثلاث عرسان والشيخ أيمن. تحدث صفوان: "منورنا يا شيخ حسن. والله من زمان مشوفتكش".

رد أيمن: "مشاغلك كتير يا سيادة النائب العام. بتوصلني أخبارك وفخور بيك إنك بتحقق العدل. وكمان سمعت إن ابنك نوار من الأوائل دايماً. ربنا يجعله ذرية صالحة من منبت صالح. وكمان ربنا يبارك لك في عمر الست نوارة". تبسم صفوان له بامتنان. دخل عواد ومعه أحد أبناء يونس ملقياً عليهم السلام. تحدث قائلاً: "فين البهوات اللي هنكتب كتاب بناتهم؟ بيدلعوا؟ وماله بجاي؟

أنا سايب إشرافي على العمال في المزرعة القبلية بتاعة حسين وجاي وهما هنا نايمين". تبسم حسين قائلاً: "والله أنت لسه فيك طبع أعضاء مجلس الشعب يا جدي. لازم كلمة اعتراض مش عارف ليه سبت المجلس". رد عواد: "البرلمان ده نفاق ومنظرة قدام الناس. يا ولدي وأنا مليت منهم وعاوز الحبة اللي فاضلين في عمري أقضيهم بين حبايبي". رد يونس: "ربنا يطول في عمرك يا عمي". بعد قليل أتى الجميع. قام المأذون بفتح دفتره ليقوم بعقد

قران أبناء الهلالي الثلاث: يونس، رشيدة، حسين السلطان. حسين، يارا، يوسف الهلالي. محسن، روان، هاشم الهلالي. بمنزل حسين الهلالي، مظاهر الحنة المبهجة. بين رقص النساء ورسم الحناء كانت ليلة سعيدة. بعد أن عادت النساء من الحنة، ظلت تلك الجميلة بحديقة الدوار. فوجئت بمن جاء ووقف خلفها يقول: "عقبالك يا بنت يُسر، يا زهرة الشتاء". ردت بسخرية: "لأ يا سونه، انتي لازم تسبقيني الأول. انتي أكبر مني يجي بعشر سنين". نظر لها ساخراً

يشهق: "مين اللي أكبر منك بعشر سنين؟ هما خمسة بس. انتي هتصغري نفسك ولا إيه؟ انتي في فاصلك سنتين في كلية طب وأنا متخرج بقالي أربع سنين". ردت يارا بسخرية: "أه تصدق. انتي مش من مقامي. إزاي أنا واقفة بتكلم كده معاك؟ انت فاشل وخريج زراعة مع الرأفة، وأنا كلها سنتين و أبقى دكتورة قلب وأوعية دموية". أشارت بأصابع يدها له قائلة: "سلامات يا فاشل". تحدث حسين بغيظ: "يعيد آخر كلمة؟ فاشل؟

الفاشل ده هو اللي بياكلك السم اللي مش بتبطلي لغ فيه طول ما انتي هنا. وأنا اللي كنت شايل لك حبة توت أحمر. خد. الجميل. بس خسارة فيكي يا بنت يُسر". وأشار لها بإصابعه مثلما فعل سابقاً: "سلامات". جذبته من مقدمة قميصه قائلة بوداعة: "واه يا واد خالتي. أنت زعلت. دا انت خطيبي وبدلع عليك. هات التوت بقى". رد بخباثة قائلاً: "خطيبك بس. وكتب الكتاب اللي انكتب الليلة مع يونس ومحسن ده يبقى إيه؟ هات بوسة وأنتي تاخديه".

ردت باندفاع: "بقولك إيه؟ انت هتذلني من أولها؟ لأ. أنت متعرفنيش". رد عليها: "عارفك يا بنت يُسر. متفكريش إني هبقى هفية زيك عمي. لاه ده متربي هنا في الصعيد. تتعدلي معايا أه". نظرت يارا له بغيظ تقول: "لا أفتكر انت إني حتى لو عشت عمري كله بالقاهرة إني صعيدية. وخالتي وأمي يبقوا بنات السلطان". همس حسين لها بجوار أذنها: "وأنا اللي ربتني واحدة من بنات السلطان ويونس الهلالي. احذري مني يا بنت يُسر".

ردت يارا بمكر: "أنا بحب العرق الصعيدي فيك قوي قوي يا واد عمي وواد خالتي. هات بقى التوت وخليني أروح أنام عشان بكرة زفاف. أبقى فايقة". تبسم حسين وهو يعطي لها التوت التي خطفته منه وجرت قائلة بمشاغبة: "تصبح على خير يا سونه. أنسي العرق الصعيدي. مينفعش معايا". تبسم يونس قائلاً: "كنت عارف إنك مكارة يا بنت يُسر".

باليوم التالي، صباحاً. بحث يونس الصغير عن أنهار بالدوار. سأل إحدى الخادمات عنها. ردت عليه أنها بغرفة الست نفيسة. ذهب إليها. فتح الباب. تعجب كثيراً. أنهار تجلس أمام نفيسة تطعمها بيدها، ونفيسة بغير عقلها تقول لها كالأطفال: "إنتي سبتيني امبارح من غير عشا وأنا كنت جعانة قوي". ردت أنهار: "معلش حقك عليا". ردت نفيسة: "خلاص سامحتك، بس متعملهاش تاني".

تذكر يونس الماضي حين كان طفلاً. كانت نفيسة تحرمه من الطعام هي وسارة كعقاب له على أتفه الأخطاء. كانت تعامل أنهار على أنها جارية، وكان أنهار تتحملها من أجل البقاء جواره. يا لسخرية القدر! أصاب نفيسة مرض الخرف، ومن تهتم بها هي أنهار. تحسن لمن أساءت لها يوماً.

مساءً، بإحدى قاعات الأفراح الكبرى بسوهاج. ذهبت رشيدة ويونس إلى كوشة العروسين. انحنت تقبل رشيدة الصغيرة وتهنئها. ثم اقتربت من يونس الصغير الذي انحنى يقبل يدها أمام الجميع، معترفاً بجميل تلك المرأة التي ربته مع أبنائها مثلهم. لم تفرق بينه وبينهم يوماً، بل جعلته كبيرهم. بين أغاني فلكلورية وشعبية كان الزفاف. تشارك كل فرد من الهلالي مع محبوبته الغناء والمرح. لينتهي الزفاف.

بالدوار، عاد الجميع هالك. لمدة أيام كان التحضير لزفاف يونس وعقد قران اثنان من الهلالي غيره. أرهق الجميع. ذهب كل فرد إلى غرفته ليستريح أخيراً. بينما العروسان دخلا معاً لجناح مخصوص لهم بالدوار، ليبدأ حياة جديدة يشيدها هما الاثنان بالحب والرحمة والتفاهم. بغرفة يونس الكبير، جلس خلف رشيدة يمشط شعرها. تحدث قائلاً: "لسه رغم الزمن اللي عدى، فاكر أول مرة مشط لك شعرك فيها. ورغم الزمن مفيش لسه شعرة بيضا ظهرت في شعرك".

تبسمت وهي تنظر له في المرآة وتحدثت بدلال: "بس يونس الهلالي شعره كله شاب وبقى أبيض". تبسم يونس قائلاً: "تعرفي الشعر الأبيض ده بيعجب البنات قوي. انتي مشفتيش البنات في الجامعة معايا بيعملوا إيه". تبسمت بدلال: "يعملوا اللي يعملوه. واد الهلالي عينه مبشوفش غير بنت السلطان". أدار

يونس وجه رشيدة له يقول: "واد الهلالي عينه وقلبه ملك لأم الرجال. بشكرك على تربيتك لولادنا على الحب والقوة في الحق. كلهم يشرفوا، وكمان يونس الصغير واحتوائك له". تبسمت رشيدة: "الولاد بيتريقوا عليا أما بقول أم الرجال قدامهم". تبسم يونس قائلاً: "أنا واحد بحب ألقب مراتي بصفات هي أفضل من تحملها". قال هذا ومال يتذوق نعيم شفتيها الذي يعيشه معها، وحملها ووضعها بالفراش وجثى فوقها متحدثاً

بمرح يقول: "تفتكري رشيدة الصغيرة ممكن ترفع على رقبتها سكينة زيك ليلة فرحنا؟ تبسمت رشيدة وهي تلف يديها حول عنق يونس هامسة تقول: "والله لو اتجوزها بالغصب كيف ما عملت معايا ليها عذرها". تبسم يونس: "وجوازنا كان بالغصب، بس لما سلمتي لعشقي كان برضاكي". تبسمت رشيدة قائلة: "كان برضايا يا ابن الهلالي. وقعت بعشقك". التقط يونس شفاهها يقبلها كأنه لأول مرة يقبلها ويذهب معها لجنة العشق.

بعد وقت نهضت رشيدة من على صدر يونس النائم. نظرت لوجهه بعشق. أنسلتت من بين يديه وتسحبت وأرتدت ملابسها وخرجت من الغرفة. بعد قليل، كانت تسير بمياه النيل. هبت نسمة هواء قوية. أغمضت عيناها وأستنشقت النسيم. ثم فتحت عيناها تبسمت قائلة: "كنت عارفة إنك هتيجي ورايا". تبسم وهو يقترب منها قائلاً: "حسيت بيكي لما سبتي حضني وكنت متأكد إنك هتجي لهنا، للمكان اللي اتقابلنا فيه أول مرة".

اقترب يونس منها وضَمها لحضنه يستنشق عبيرها. تحدث بهمس قائلاً: "لما قابلتك هنا أول ما شفتك من بعيد، قلبي قال الجنية دي قدرك. انزل ومتخافش. نزلت للميه ومن غير ما أفكر. كان كل تفكيري إني أشوف وش الجنية دي. ولما قربت منك مشوفتش غير عينيكي. لؤلؤة سودة بتلمع. وريحة نسيم عدت كنت محتاجها عشان أتنفس. ولما اختفيتي من قدامي ندمت إني غمضت عيني. وقولت الجنية دي اختفت في الميه ومش هشوفها تاني. فضلت أحلم بعنيكي وكل ما قرب منك تختفي. لحد ما شفتك في الفرح. سألت مين دي؟

كان الرد دي بنت السلطان. عشقتك أكتر. كان نفسي أشوف باقي ملامحك. لحد يوم ما جيتي الدوار وانكشف وجهه قدامي. ملكة فرعونية طالعة من جدران معبد قديم بعمر النيل. أتمنيت وجتها أخطفك لمكان بعيد وأفضل أغازل فيكي وأتمتع بنظرة عيونك ليا لوحدي". تبسمت رشيدة قائلة: "بس أنا أول ما حسيت بيك ورايا في النيل بصراحة خوفت أدير لك ليه؟

معرفش. لميت حرامي وغطيت وشي وطلعت من الميه بسرعة ودخلت للعشة. وفضل قلبي يدق جامد. كان نفسي أطلع تاني وأشوفك، بس في شيء منعني. ولما قابلتك في العرس قلبي اتزلزل من مكانه. مع الوقت كنت بتعلق بيك. قلبي بيسحبني ليك. كنت زي الغريق وعشقك كان الشط اللي لجأت ليه".

تبسم يونس وهو ينظر لانعكاس القمر على عيني رشيدة قائلاً: "أنا شايف نفس اللؤلؤة قدامي دلوقتي. أنا بعشقك وهفضل عمري كله أعشق جنيتي. والنيل والقمر هما شهود حكاية عشق يونس وبنت السلطان".

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...