تحميل رواية «يونس وبنت السلطان» PDF
بقلم سعاد محمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
بعد تهديد ساره بالانتحار، ومعها الصغير يونس من فوق السطح، ب ثلاث شهور مع اقتراب موعد ولادة رشيده. نزلت إلى أسفل. أضاءت ضوء المندرة، فوجدت يونس نائمًا متكئًا على أحد المقاعد. اقتربت منه، وجدت وجهه متعرقًا بشدة يهذي. وضعت يدها على جبينه، تجث حرارته. تعجبت، ليس لديه حرارة. مدت يدها بحنان تمسد على وجنتيه، قائلة: "يونس، أصحى!" بينما يونس سمع صوتًا من بعيد يناديه، تعرف على الصوت، أنه صوتها، صوت رشيدة. استيقظ يونس بفزع، يحضن تلك التي تقف أمامه بقوة، هامسًا يقول: "رشيدة..." ابتلع ريقه بصعوبة، يعيد اسمها...
رواية يونس وبنت السلطان الفصل الحادي عشر 11 - بقلم سعاد محمد
بعد المغرب بقليل بمنزل نواره
دخلت نواره وأضاءت نور الغرفه وجدت يُسر نائمه. تعجبت كثيراً، ليس من عادة يُسر أن تنام قبل أن تُصلى العشاء.
أقتربت نواره من الفراش ووضعت يدها على جبهة يُسر تجث حرارتها. لكن أنخضت يُسر وهبت فزعه تلم الغطاء حولها.
نظرت نواره لها بتعجب قائله:
"في أيه مالك أتخضيتى كده ليه؟ أنا لما لجيتك نايمه جولت لتكونى مرضانه وكنت بجث حرارتك."
أبتعلت يُسر ريقها قائله:
"مفيش كنت نعسانه وحسيت بحاجه ساقعه جسمى أشعر."
تبسمت نواره تقول:
"مش عادتك تنامى قبل ما تصلى العشا، أيه الى حصل؟ ما وجت ما رجعتى من المدرسه وأنتى نايمه، حتى كنتى راجعه متأخره عن كل يوم."
ردت يُسر بأرتباك:
"الى أخرنى هو كنت جاعده أنا وزملاتى شويه بعد الدراسه."
لاتعلم نواره لما شعرت بشعور سئ، لكن نفضته عنها قائله:
"طيب يلا جومى أتوضى وصلى المغرب، أذن خلاص من يجي عشر دقائق. وبعدها تعالى ساعدينى نحط العشا على ما صفوان يرجع بعد ما يصلى العشا فى الجامع. أنت عارفه أنه بيفضل مع الشيخ أيمن من بعد صلاة المغرب لبعد صلاة العشا."
ردت يُسر:
"أنا مش جعانه، أناهقوم أصلى المغرب وهستنى أصلي العشا وأنام بعدها، حاسه أنى عندى صداع."
ردت نواره:
"لاه خليكى صاحيه وكولي الأول وبعدها نامى، تلاجى الصداع من كُتر المذاكره."
ردت يُسر:
"جايز يا أماى، لما أنام أصحى زينه، بلاش تغصبى عليا بالوكل."
تنهدت نواره قائله:
"لاه أتعشى وبعدها نامى، أنتى وشك مخطوف وأكيد من قلة الوكل."
أمتثلت يُسر بغصب لها قائله:
"حاضر يا أماى، هفضل صاحبه لحد ما نتعشى الأول."
بمنزل حجرى قريب من مكان نائى ومن الجبل
نزل سائق السياره وخلفه ذالك الغفير. تبسم وهو يفتح باب السياره قائلاً:
"يلا أنزلى يا ست ساره، المكان الى جولتى لى أدور عليه أهو أهنه، محدش يعرف يعطر فينا لحد ما سيادتك تحققى الى عاوزاه."
نظرت ساره من شباك السياره قائله بتوجس:
"أيه ده، المكان جريب من الجبل وحته مقطوعه."
رد الغفير بمهادنه:
"ده كيف ما جولتى لى، أهنه محدش هتوقع أننا نكون هنا، وكمان مكان بعيد عن العين."
نفخت فمها ثم زفرت أنفاسها قائله:
"وماله."
نزلت من السياره وقالت للغفير:
"شيل الواد وهاته ورايا."
دخلت ساره الى داخل البيت الحجرى، نظرت حولها بأشمئزاز للبيت، هو أشبه بمغاره جبليه صغيره، عباره عن غرفه واحده وصاله صغيره ومطبخ بدائى على الصاله وحمام صغير.
أعادت نظرها مره أخرى للغفير قائله:
"أيه مجلب الزباله ده؟ بس مش وجت حساب دلوجتى، هتشوف لما نعاود كيف بتجيبنى لمكان زى ده."
لم يرد الغفير عليها ودخل بالصغير يضعه على فراش صغير بالغرفه، ثم خرج الى خارج البيت، ثم عاد بيده كيساً به طعام.
أخذت ساره من يده كيس الطعام الذى معه بخطف قائله:
"هات الوكل وغور، خليك بره عالباب، أما أعوزك هندهلك."
خرج الغفير من البيت، توجهت ساره خلفه وأغلقت الباب من الداخل بالمفتاح، ثم فتحت كيس الطعام وجلست تأكل منه بداخل الغرفه الصغيره.
بدأ يونس يفوق تدريجياً، نظر حوله وجد نفسه بغرفه صغيره، تذكر أخر شئ هو ركوبه السياره مع ساره.
سار الرعب فى جسده، أين هو؟ ساره بالنسبة له الرعب بحد ذاته. نزل من على الفراش وخرج الى خارج الغرفه وهو يبكى. رأى ساره تجلس وأمامها الطعام تأكل منه. كان يبكى بصوت سمعته ساره.
قالت بضيق:
"بتعيط ليه؟"
وقف بعيد ينظر لها برعب. نهضت ساره من على المائده وتوجهت أليه. كان يعود للخلف إلى أن أنصدم بالحائط. تسمر مكانه يضع كف يديه على وجهه كأنه يحتمى بهما.
تحدثت ساره بنرفزه بقول:
"بتبكى ليه؟ ولا هي غيه عندك؟ إنكتم مسمعش لك صوت وإلا هكتمك بنفسى."
بلع الصغير ريقه ونشج قلبه وبكى بصمت.
بالدوار
وقف يونس يتحدث مع غالب قائلاً:
"طب دلوقتي ساره هتاخد يونس وتروح بيه فين؟"
رد غالب بقلق:
"معرفش صدجنى معرفش."
تنهد يونس قائلاً:
"وأيه غايتها من خطف يونس؟"
تحدثت نرجس التى أتت قائله:
"ساره فقدت عقلها، متهيئلها أن بخطف يونس هترجعك لها."
رد غالب بتفكير:
"طب مش يمكن تكون سافرت بيونس مصر عند عواد؟ ممكن نتصل عليه."
تحدث يونس قائلاً:
"حتى لو ده صحيح، ملحجتش توصل القاهره."
رد غالب:
"وماله، أهو يبجى عنده خبر وأول ما توصل يجولنا فوراً."
نظر يونس إلى نفيسه قائلاً:
"لو تعرفى طريجها جولى لنا يا مرات عمي."
ردت نفيسه بغضب:
"وأنا هعرف منين؟ أنا زييكم أتفاجئت بالى بتجول عليه." ثم أكملت بندب: "بتى فجدت عقلها بسبب ولاد الهلاليه والى عملوها فيها، محدش منيهم رحمها ولا رأف بحالها، كل واحد دور على نفسه وبتى مكنتش فى حسابتكم."
قبل أن يرد غالب، رن هاتف الدوار. قبل قليل هاتف يونس. وقفت رشيده تحمل صغيرها تواسي أنهار قائله:
"متقلقيش أكيد مش هيأذوه."
ردت أنهار بنحيب:
"جلبى بيجولى أنه مرعوب، أنا حاسه بيه، دا واد بتى وأنا إلى ربيته من أول دجيجه نزل فيها للحياه، مفرجتوش دجيجه الست ساره ولا الست نفيسه حبوه أبداً. بالذات الست ساره كانت بتكرهه جوى."
طبطبت رشيده على كتف أنهار قائله:
"هناك أمى نرجس وهى حنينه وأكيد هتخلى بالها منه، أتفائلى بالخير."
نهضت أنهار تنحنى على يد رشيده قائله:
"والنبى يا ست رشيده أتصلى على الدوار شوفى يونس بيه هيجيبه معاه وهو چاى ولا لأه."
ترددت رشيده قليلاً، لكن ألحاح أنهار جعلها توافق وقامت بالأتصال على الدوار.
بالدوار
رد يونس على الهاتف سريعاً، ولكن هدأ حين علم أن المتصله هى رشيده. رد يونس قائلاً:
"أهلاً يا رشيده، أنهار عامله أيه؟"
ردت رشيده:
"مش مبطله بكى، جولى هتجيب يونس معاك."
تنهد يونس قائلاً:
"لاه للأسف يونس مش فى الدوار ولا ساره، ومنعرفش هى فين."
ردت رشيده:
"وأيه دخل ساره؟"
رد يونس:
"ساره خطفت يونس، ومحدش يعرف مكانها."
ردت رشيده بفزع:
"بتجول أيه؟"
رد يونس:
"هو ده الى حصل، ومحدش أهنه عارف لها طريق."
ردت رشيده بخوف:
"وهتعمل أيه دلوجتى؟"
رد يونس:
"مش عارف، أنا شويه وهاجى لعنده، سلام."
أغلق يونس الهاتف قائلاً ل نفيسه:
"طيب يا مرات عمى، متعرفيش صديقه أو قريب أو أى مكان ممكن تروح له ساره؟"
ردت نفيسه:
"لاه، أحنا مل قرايبنا هنا فى النجع وملناش أصحاب من براه."
تنهد يونس بضيق قائلاً:
"طيب أنا لازمن أرجع بيتى دلوجتى." نظر إلى غالب يكمل حديثه: "هكون معاك على تواصل بالتلفون، وياريت لو عرفت حاجه تبلغنى بيها فوراً. ساره كيف ما أنت خابر عقلها."
رد غالب:
"أى معلومه هوصلها لو صغيره هخبرك بها فوراً."
ذهب يونس إلى مكان جلوس نرجس ومال يقبل يدها. وضعت نرجس يدها على رأس يونس وتنهدت قائله:
"ربنا يرضى عنك يا ولدى ونلاجى يونس الصغير بسرعه."
نظرت لهم نفيسه بغل، عقلها غير مستوعب كيف جائت تلك الفكره لساره ومن ساعدها على تنفيذها. سرح عقلها بأحداهن، ولكن سرعان ما نفضت عن رأسها. بينما يونس تنهد يؤمن على دعاء نرجس، ثم خرج من الدوار.
بعد قليل بدار يونس
دخل إلى الدار، وقف مع صبحى قائلاً:
"عاوزك وكام غفير معاك تمشطوا النجع والنجوع الى حوالينا وتسألوا الشيوخ والعُمد أن كان حد غريب دخل عندهم."
رد صبحى قائلاً:
"ليه خير چنابك؟"
رد يونس:
"ساره خطفت يونس الصغير، محدش عارف هى فين، عاوزك تنتشروا بسرعه، ممكن تكون مبعدتش عن النجع أهنه."
رد صبحى:
"تمام چنابك، هعمل كيف ما جولت لى، وربنا يعطرنا فيه."
بداخل الدار
كانت أنهار تبكى بشده حين علمت من رشيده أن ساره هى من أخذت يونس الصغير. كانت جوارها رشيده تطبطب عليها. دخل يونس عليهن.
وقفت رشيده بلهفه قائله:
"معرفتوش حاجه عن مكان ساره؟"
تحدث يونس قائلاً:
"لاه لسه، بس بيدوروا عليها فى النجوع الى حوالينا، هى ملحجتش تبعد عن النجع."
قالت أنهار بنحيب:
"ساره قاسيه وبتكره يونس، دى أكتر من مره كانت تضربه لحد جسمه ما ينزف وهو بيخاف منها."
تحدث يونس مطمئنناً:
"ساره مش هتأذى يونس الصغير لسبب واحد، لأن هو دلوجتى الكارت الى تكسب بيه. هى عارفه أن لو جراله حاجه هتبجى خسرت."
ردت رشيده بعدم فهم:
"هتخسر أيه؟"
رد يونس:
"ساره خاطفه يونس أكيد عشان تضغط عليا أرجعها، وعارفه أن لو أتخدش خدش واحد مش هرجعها، وهى هتخاف عليه دلوجتى أكتر منينا."
نظر يونس لأنهار قائلاً:
"أطمنى يا أنهار، ساره مش هتأذى يونس، وجولى يونس جالى."
ردت أنهار وهى مازالت تبكى:
"يارب يا يونس بيه."
تحدث يونس قائلاً:
"أنا مصلتش المغرب والعشا، خلاص هتأذن، هروح أتوضى وأصلى."
بعد قليل
وضعت رشيده الصغير بمهده ونظرت ل يونس الذى أنهى الصلاه قائله:
"حرمًا تقبل الله."
تبسم يونس قائلاً:
"جمعاً."
كانت رشيده ستتحدث لكن بكاء الصغير جعلها تصمت وذهبت أليه وحملته، ثم جلست على الفراش ترضعه.
جلس إلى جوارها يونس ينظر إلى صغيره الذى ينعس. فكر عقله في ذالك الصغير الآخر، ماذا يفعل الآن؟ نهض من جوار رشيده وفتح ستارة الشرفة ينظر لأعلى، عقله شارد. لم يشعر بشيء إلا حين لفت رشيده يديها حول خصره ووضعت رأسها على ظهره.
تحدثت قائله:
"أنا قبل ما أولد حسين لما كنت بتعب كنت بخاف عليه جوى، رغم أنى كنت لسه مش شفتوش، بس أتعلقت بيه، وهو كمان كان متعلق بيا، كنت بدعى ربنا أنه يجي للحياه حتى لو أنا فارجتها. أنهار لما بكت جدامي حطيت نفسى مطرحها، لو كان ولدى أنا المخطوف كان عقلى هيطير أكيد. عذرتها، وده واد بتها إلى فجدتها صغيره كان عوض من ربنا ليها، أستحملت ذل ساره ونفيسه وكمان ساعدتهم في شرهم عشانه، وأكيد هي أكتر واحده عارفه سوء أخلاقهم وبالذات ساره."
تنهد يونس بسأم وهو يترك الستارة ويستدير ليصبح وجهه لرشيده. ضمها إلى صدره ولف ذراعيه حولها قائلاً:
"متاكد ساره مش هتأذى يونس."
رفعت رشيده وجهها تنظر لعين يونس قائله:
"وأيه إلى خلاك متأكد أكده؟ ولما هي مش هتأذيه ليه خطفته من الأساس؟"
رد يونس:
"ساره خطفته عشان تضغط عليا بيه. هي عقلها مصور لها أنك خطفتينى منها ب حسين، فهى لما تاخد يونس هترجعنى لها بنفس الطريجه. ساره مش في وعيها وعقلها بيصور لها حقايق كدابه وأتصرفت على اساس الحقايق دي، أسلوب الضغط يعني."
ردت رشيده قائله:
"طيب وأنت هتعمل أيه؟"
رد يونس:
"مش عارف، أيدى متربطه، لو أعرف بس مكان ساره وجتها كل شئ بعدها سهل."
ردت رشيده:
"يعني لو طلبت منك تطلــــــــلم"
تُكمل رشيده الكلمه، مال يونس يُقبلها قبل أن تكملها. أنهى قُبلته وهو يضع رأسها بين يديه يتحدث قائلاً:
"مجدرش أعيش من غير بنت السلطان، الكلمه دي ملهاش مكان في حياتي، أنتي هتفضلي مراتى طول حياتي وهقابلك في الجنه ونكمل عشقنا."
تبسمت وهى تلف يديها تضم نفسها له تتنهد بعشق. سمعا معاً أذان العشاء. تحدث يونس مازحاً رغم حُزنه وباله المشغول على يونس قائلاً:
"بسبب قربك مني لازمن أروح أجدد وضوئي تاني."
رغم حزنها هي الأخرى، لكن تبسمت قائله:
"جصدك أني نقضت وضوئك تمام، أنا هبعد عنك أه."
تبسم وهو يقبل رأسها قائلاً:
"هدخل أتوضى وأروح أصلى في الجامع جماعه وأدعي في بيت الله نلاجى يونس بسرعه."
ردت رشيده:
"أمين."
قبل قليل بالمسجد
تحدث صفوان إلى الشيخ أيمن بحزن قائلاً:
"واه بتجول أيه يا شيخ أيمن؟"
تحدث أيمن قائلاً:
"كيف ما سمعت، أنا أستدعونى لمشيخة الأزهر أمبارح ولبيت الأستدعاء النهارده، ونزلت لمقر الأزهر بالمحافظه وجابلت المسئول، وهو حذرنى وجالى بلاش أخطب للناس في السياسه وأقومهم على نظام الحُكم."
رد صفوان:
"بس أنت عمرك من يوم ما مسكت أمام مسجد النجع ما أتكلمت في السياسه، لا من جريب ولا بعيد، وكل هدفك مصلحة الناس، حتى أيام راجحى الهلالى أنا كنت صغير بس كنت باجي الجامع وأشوفك تدعي له بالهدايه مع أني عمري ما شوفته دخل الجامع حتى يوم الجمعه."
تحدث أيمن:
"المسئول جالي أن في كذا حد من أهل النجع وجدم فيا شكوى أني بستخدم الدين في السياسه، أنا مستغربتش، نفس الشئ حصل مع يونس قبل أكده، وها قدر ربنا عاود من تاني. العمده أنا مش خايف طالما أنا نيتي سليمه، سلمت أمري لربي وهو القادر يظهر الحق."
بمنتصف الليل
وجدت يُسر همت تلف حولها عيناها لهيب أحمر، كل ما تتحدث به هو:
"جاتله كيف أختك، أختك جَتلت ولدي البكرى وأنتي جَتلت ولدي الصغير، بس مش هتفلتوا من عقابي، أنا خلاص حكمت وهاخد تار ولدي، كيف ما جتلتيه راح تحصليه."
مدت همت يديها ووضعتهم حول عنق يُسر التى تهذي قائله:
"مجتلتوش، هو خطفني صدجينى، إلى موته شُرب المخدرات."
كذبتها همت تضغط بيديها على عنق يُسر التى صرخت بقوه. وصحوت فزعه وجدت نفسها بين يدي صفوان الذى جاء على صوت صراخها، وخلفه أتت نواره.
وجدتهم، ضم صفوان يُسر بحنان. أستكانت يُسر بحضنه تبكي. ضمها صفوان وشعر بجسدها المرتعش. مسد على ظهرها قائلاً:
"مالك يا يُسر؟ شوفتي كابوس ولا أيه؟"
أكمل بمزح:
"أكيد حلمتي بعد ما بجيتي مضيفة طيران، أول رحله تطلعيها الطياره وقجت بيكي في البحر وسمك القرش بيحفل عليكى."
رغم خوفها تبسمت وقامت بضربه على ظهره قائله:
"الطياره هتوجع من أول رحله."
"لاه، أنا حلمت بيك خوفت."
تبسمت نواره وكذالك حلميه قائله:
"هو أيه سمك القرش ده يا صفوان؟ بيتاكل طعمه كيف القراميط أكده؟"
نظر صفوان ليُسر لينفجر الأثنان ضاحكان. وكذالك نواره ضحكت قائله:
"ده سمك متوحش يا أماى، محدش بيصتادهُ، دي بياكل البنى أدمين."
جلست حلميه على الفراش قائله:
"أنا هنام چنب يُسر الليله وروحى أنت يا صفوان كمل نومك، وأنتى كمان يا نواره روحى أتخمدى في أوضتك."
ضحك صفوان ويسر التى خرجت من بين يدى صفوان وأتجهت لحضن حلميه قائله:
"أنا بحبك جوى يا سيتى."
مسدت حلميه على ظهرها قائله:
"وانتي أكتر واحده في ولاد نواره بحبها."
أدعى صفوان العبوس قائلاً:
"أكده يا سيتى وأنا أيه؟"
ردت حلميه:
"أنت حبيبي يا صفوان وراجلنا ربنا يخليك لينا. أنا بحبكم أنتم التلاته قد بعض ومبحبش نواره بخيله وبتستخسر فينا الوكل. تعالي أنت كمان يا واد يا صفوان نام في حضني السرير ياخدنا، وأنتي يا نواره أطفي النور وأقفلي الباب وراكي وانتي طالعه."
ضحك صفوان ويسر وناما على أيدي حلميه. نواره رغم غيظها تبسمت وهى تغادر الغرفه، لكن لديها شعور سئ أتجاه يُسر لا تعلم سببه.
أنتهت الليله، فجر جديد يسطع.
بالدوار
أنتفض غالب الغافى على أحد المقاعد، يصحو على رنين الهاتف. قام من على المقعد سريعاً يقول:
"ده أكيد عواد تلاجى ساره وصلت لعنديه."
ردت نرجس قائله:
"لاه ده مش رنة ترانك، دي رنة تيلفون عاديه، أكيد ده يونس."
رد غالب متحدثاً قائلاً:
"لاه يا يونس معنديش أى خبر وأنت."
رد يونس:
"مفيش. الغفر عندى راحوا وسألوا العُمد والمشايخ في النجوع إلى حوالينا، محدش دخل عندهم غريب. وكمان أتصلت على عمى عواد من شويه، جال أنها موصلتش لعنده، وأنه هيجي في أول قطر."
رد غالب:
"والعمل أيه دلوجتي؟"
رد يونس:
"مش عارف، مرات عمى نفيسه متعرفش حد ممكن ساره تلجأ له."
رد غالب:
"أتصلنا على كل إلى ممكن تعرفهم، حتى من بعيد مفيش حد راحت عنده."
رد يونس قائلاً:
"أنا خايف على يونس لتأذيه ساره، في حالتها ممكن تعمل أى شئ."
رد غالب:
"أدعي ربنا يعطرنا فيها بسرعه، أنا كل الوجت ما بيغيب بخاف على يونس أكتر، ساره مكنش لازمن تخرج من المصحه."
أغلق يونس الهاتف مع عمه. أتت إلى جواره أنهار قائله:
"في خبر؟ عرفتوا مكان ساره ويونس؟"
رد يونس بتطمين قليلاً:
"لاه بس أطمنى، المثل بيجول الخبر الرضى بيوصل صحبه أولاً."
ردت أنهار قائله:
"وساعات بيكون أخر من يعلم."
ردت رشيده التى أتت قائله:
"تفائلى بالخير."
أمام ذالك البيت الحجرى
بالسياره، صحو الغفير ينظر للسائق قائلاً:
"هنعمل أيه دلوجتي؟"
رد السائق:
"أنا لازمن أرجع النجع كيف ما أتفقنا، وهشوف الأمر أيه."
رد الغفير:
"وأنا هفضل أهنه لحد ما تعاود، وربنا يصبرني على إلى جوه دي، عقلها في الضياع، والله أنا خايف عالولد منها."
رد السائق:
"لاه معتقدش تأذيه، بس ميمنعش خلي عينك عليها."
رد الغفير:
"وده كيف وهى جوه وقافله الباب بالمفتاح؟"
رد السائق بسخريه:
"وأنت يقف جدامك مفتاح برضوا؟ أمال مين إلى دخل بالليل لجوه وهى محستش بيك؟"
تذكر الغفير حين دخل إلى البيت والصغير ينام على الأرض ووجد ساره تنام على الفراش وسيقانها عاريه، نظر لها بأشتهاء وتحدث قائلاً:
"كل ده أتمتع بيه راجحى الهلالى ورفضة يونس الهلالى، والله غشيم، دا راجحى لما كان بيتوه كان بيتكلم عن رقصها وأغوائه له. الصبر يا ست الستات هانت، أشوف أخرتها أيه الأول."
عاد من تذكره على صوت السائق:
"يلا خلى بالك، أنا لازمن أعاود، يلا أنزل من العربيه."
نزل الغفير من السياره يتجه إلى ذالك البيت. وقف يطرق الباب.
فتحت ساره له وهى تُخفى ذالك السلاح خلف ظهرها قائله:
"خير، عاوز أيه عالصبح؟"
رد الغفير:
"كنت بطمن على سيادتك، عاوزه حاجه أنتي أو البيه الصغير؟"
ردت ساره:
"لاه مش عاوزين حاجه، وخليك عندك، وأنا أما أعوز حاجه هنادى عليك، يلا غور."
قالت هذا وأغلقت الباب بوجهه تزفر أنفاسها تنظر لذالك المرعوب منها قائله:
"متخافش، جولت لك أنا واعيه له. شويه وهيجي أبوك ياخدنا من أهنه ويخلصنا منه هو وبت السلطان إلى سحرت له، بس هو خلاص هيفوق من سحرها ويعرف أنه مالوش غيرنا، ومش بعيد يقتل بنت السلطان بيده."
تعجب الصغير من حديثها، يدعو بقلب ضعيف أن يأتي من ينقذه منها.
بمنزل ناجى الغريب
تبسم وهو يرى همت مرتديه ملابس خروج. تحدث ساخراً:
"على فين العزم أكده؟ أيه راحه دوار الهلاليه عشان تجابلي غالب؟"
ردت بسخريه:
"مالكش صالح، أطلع أسبح من ريحة المحروق إلى كنت بتشربه غير عرق الغوازى إلى على جتتك."
رد ناجى ساخراً:
"أهو عرق الغوازى ده هو إلى مصبرني عليكى لحد دلوجتي، لو مش هما كنت أتجوزت عليكى من زمان وشمّت غالب ونرجس فيكي."
ردت ساخره:
"هه، أنت لو ود جواز كنت أتجوزت من سنين، بس أنت لساك عندك أمل أن نرجس تكون من نصيبك، نرجس إلى زمان فضلت عليك، واد الهلاليه إلى جتلته عالطريق عشان تترمل نرجس وتتجوزها، بس غباوة نفيسه هي إلى وقعتنا في بعض. وأطمن أنا مش رايحه الدوار، أنا رايحه مكان تاني، بعد عن طريقي، خليني ألحق الوجت."
نظر ناجى لها وهى تخرج يقول:
"شوم من يومك، أنت السبب من البدايه لما ساعدتي راجحى الهلالي يتجوز من نرجس إلى مكنتش بطيق اسمه وفجأه بجى عشجها ودابت فيه، حتى لما قطعت الخلف بعد ولدها وأتوقف هاشم الهلالي لراجحى أختارها وخدها وبعد عن الهلاليه، مرجعش غير بعد أبوه ما مات بعد محايلة غالب له."
تنهد قائلاً:
"غالب، غالب إلى كان عاشق ل نرجس من قبل أخوه، بس حُكم أبوه ألزمه بهمت. ياريت كان الزمن أتغير كنت أتغيرت وأستغنيت عن جنس حوا بيكي يا نرجس، بس ها قدر غبي غالب يفوز بيكي وأنا أنتقم مني بهمت."
ظهراً
تعجب صفوان من عدم ذهاب يُسر إلى المدرسه حين دخل إلى البيت. تحدث لها قائلاً:
"أيه ده، أنتي مروحتيش المدرسه ليه؟"
ردت عليه يُسر:
"أبداً، لجيت عندى صداع وشكلي هاخد دور برد، فجولت بلاش أروح المدرسه، كده كده إلى هخده في المدرسه هيشرحه الأستاذ في الدرس."
نظر صفوان حوله قائلاً:
"أمال فين سيتي وأماي؟"
ردت يُسر:
"سيتك عند عمك صفوان، الجاموسه بتاعته وقعت ورجلها أنكسرت ودبوحها، وهى راحت هناك هي وأماي يواسوه."
زفر صفوان نفسه قائلاً:
"طب كويس، يلا جولي لى أيه سبب صريخك ليلة أمبارح، وبلاش كدب يا يُسر، أنا جابلت سناء زميلتك في المدرسه وجالت أنك مرحتيش المدرسه أمبارح، وكمان أنا شوفتك وأنتي راجعه من ناحية أخر البلد وكانت هدومك كلها قش وتبن."
تعلثمت يُسر في الحديث وأخذت تتحدث بتقطع. تنهد صفوان قائلاً:
"أحكي يا يُسر وأنا سامعك، وبلاش تهته ولا لف ودوران."
سالت دموع يُسر. أقترب صفوان منها وجلسا معاً على الأرض. تحدثت يُسر قائله:
"هجولك كل حاجه من الأول."
سردت يُسر لصفوان قصتها مع أمجد من البدايه، وكيف كان يطاردها، ولكن لم تتوقع أن يقوم بأختطافها. وسردت أيضاً له أنه شرب أنواع من المخدرات أودت بحياته.
تحدث صفوان بضيق:
"وليه مجولتيش من الأول؟"
ردت يُسر:
"أنا خوفت عليك، أمجد ابن تاجر مخدرات وممكن يأذيك."
تبسم صفوان قائلاً:
"ابن تاجر مخدرات، وفي النهايه مات بالمخدرات، على رأي المثل: طباخ السم بيدوقه. بس أزاى مات ومفيش خبر في البلد؟"
ردت يُسر:
"معرفش، يمكن مماتش وحد أنقذه."
تحدث صفوان:
"ممكن ميكونش مات، هيبان كل شئ مع الوقت، متخافيش يا يُسر، أنا جنبك وأفهم في القانون، لو مكنش مات يبقى ربنا بيحبك، وكمان لو مات ربنا بيحبك، لأن مفيش دليل على وجودك معاها، وكمان الطب الشرعي هيقول سبب الوفاة التعاطي، بس كتمي عالموضوع وبلاش تباني خايفه أكده لأمي تلاحظ عليكي."
أبتسمت يُسر لصفوان وهو يضمها تحت ذراعه يطمئنها. تحدثا غير منتبهين للتي سمعت حديثهم صدفه.
أمام ذالك البيت الجبلي
توقف السائق الذى عاد. ذهب إلى مكان جلوس الغفير. تحدث السائق:
"أيه هي لسه قافله على نفسها جوه البيت؟"
رد الغفير:
"أيوه، لكن صوت آخر تحدث قائلاً: أفتح الباب وخليك أنت والسواق هنا."
فتح الغفير باب المنزل وتنحى جانباً.
بداخل البيت
وقفت ساره أمام يونس الصغير قائله بأمر:
"جولت لك كُل، متتعبنيش معاك، أنا مش الخدامه بتاعتك."
رد الصغير ببكاء:
"لاه مش عاوز أكل، أنا عاوز أرجع عند أنهار وكمان مرات عمي رشيده."
أغتاظت ساره قائله:
"مسمعش اسم الوضيعه دي تاني."
بكى يونس وهو يبتعد عنها. أقتربت منه وشدته من ملابسه قائله:
"هتاكل غصب عنك، يلا أحسنلك بدل ما الكرباج يعلم على جتتك."
بكى الصغير وجلس يأكل، ثم بصق الطعام قائلاً:
"مش عاوز أكل من ده، مش بحبه."
رفعت ساره يدها بغيظ قائله:
"جولت لك كُل، تبجى تاكل من سُكات."
كانت ستصفع الصغير، لكن هناك من أمسك يدها قبل أن تصل لوجهه. نظرت ساره لمن يُمسك يدها وقالت بذهول:
"همت."
رواية يونس وبنت السلطان الفصل الثاني عشر 12 - بقلم سعاد محمد
نظرت ساره لهمت بذهول قائله:
كيف عرفتي مكاني؟
ضحكت همت بسخرية قائله:
أنتِ مفكرة إن الغفير الأهبل ده كان يقدر يطاوعك في خطفك لحفيدي بدون علمي؟ ها يا بنت نفيسه، أنا عارفة كل حاجة بتدور في الدوار، بس منكرش إن كان في خفايا عني ونفيسه نقلتها لي.
شدت ساره يونس بقوة قائله:
ده ولدي، مالكيش صالح بيه.
شدت همت يونس قائله بضحك:
لأ مش ابنك، ده ابن بت آل نهال، مفكراني معرفش؟ أنا أعرف من زمان قوي، بس كنت ساكتة. راجح بنفسه هو اللي جالي.
شدت ساره الطفل بقوة محدثة:
لأ ولدي أنا، ويونس هو اللي هياجي ياخدنا من هنا. مش هسيبك تخطفي ولدي، ويونس عرف خبث بنت السلطان وهيطلقها ويرجع لي أنا وولده.
تبسمت همت قائله:
لأ، ده بنت نفيسه بقت في الطراوة، بس زين قوي.
شدت همت يونس لها ودفعت ساره التي وقعت، وأمسكت بيده وسارت باتجاه الباب.
كادت أن تخرج منه، لكن ساره أشهرت ذلك السلاح على همت قائله:
بعدي عن ولدي وسيبيه.
تبسمت همت بسخرية وأعادت وجهها باتجاه الباب مرة أخرى.
لكن أطلقت ساره رصاصة من السلاح في سقف البيت، جعلت همت توقف. وأعادت نظرها مرة أخرى لساره التي وقفت تُشهر السلاح باتجاه يونس.
وتحدثت قائله:
جولت لك سيبى ولدى، مش هتخرجى من أهنه. به، هجتله ومش هسيبك تاخديه وتعطيه لبنت السلطان، ده ولدي وهيفضل معايا.
تحدثت همت معها بمكر قائله:
أكيد ولدك وهيفضل معاكي، بس اهدى. أنا كنت بشوفك بتحبيه قد إيه، بس أهو طلعتي بتحبيه. روح لأمك يا يونس.
ذهب يونس باتجاه ساره خائفاً.
حين اقترب من ساره خطفته بقوة اتجاهها وأشهرت السلاح على همت قائله:
يلا أطلعي بره.
ذهبت همت باتجاه الباب.
كانت ساره تسير خلفها بالسلاح، غير منتبهة للذي دخل من ذالك الشباب الموجود بالمنزل.
فوجئت بمن ضرب على يدها المُمسكة للسلاح.
وقع السلاح من يدها على الأرض.
التقطت همت السلاح سريعاً.
ونظرت إلى ساره الذي يُلجمها الغفير.
ضحكت قائله:
النهارده يوم لرد القلم اللي أخدته زمان. الجزاء من جنس العمل.
أخذت همت يونس وعادت باتجاه الباب.
وقبل أن تخرج من الباب، نظرت للغفير قائله:
ساره حلالك.
تبسم الغفير بخبث دون أن يتحدث.
***
بدار يونس.
جلست رشيدة جوار أنهار الباكية تواسيها قائله:
ادعي بقلبك وربنا هيتقبل منك.
ردت أنهار قائله:
يارب، ده هو نور عيني اللي بشوف بيها. ده عوض اللي راحت صبيتي. أنا غسلتها بإيدي. كانت بتنزف قدامي ومرضيتش تجيب لها دكتور. اترجيتها وبوست على رجليها مرحمتنيش، لا هي ولا الست نفيسه. كان كل همهم الولد وبس. ويا ريت عشان بيحبوه، لأ عشان متبانش قدام الناس إن ساره الهلالي عاقر وملهاش في الخلف عمرها. لا هي ولا أمها عاملينه كويس. دي كانت بتستخسر فيه اللقمة. لو بات جعان مكنتش بتسأل عنه. النهارده الحنية هتنزل في جلبها له. أنا مسامحة في حق بنتي اللي اتقهرت عليها، بس ترجع يونس ليا. ده هو اللي مخليني عايشة لدلوقتي.
مسحت رشيدة دموعها قائله:
متخافيش، هي أكيد هتخاف عليه زي يونس ما بيقول. ولو عملت فيه حاجة مش زينة كان زمانا عرفنا.
ردت أنهار قائله:
الخبر الرضى بيجي عند صاحبه وبيوجف.
مسحت أنهار دموعها قائله:
بس عارفة يا ست رشيدة، جَلبي بيقولي إنه قريب من هنا، مبعدش. بس فين هو؟ الله أعلم.
رغم دموع رشيدة تبسمت قائله:
خلي جلبك دايماً يحس إنه بخير وربنا هيرجعه له قريب. وجولي رشيدة جالت لي.
تنهدت أنهار:
يارب، هجوم أحضر ليونس بيه الفطور.
ردت رشيدة قائله:
لأ، خليكي مرتاحة. أنا اللي هحضره له. وكمان صلي وادعي وانتِ ساجدة لربنا إننا نلاقي يونس.
***
بالغرفة.
حمل يونس صغيره الذي يبكي يُسكته.
دخلت رشيدة للغرفة وجدت الصغير يبكي.
أخذته من يونس وجلست ترضعه.
تحدث قائله:
مفيش خبر جديد؟
رد يونس:
لأ، ساره زي ما يكون إبرة في كوم قش. مش عارف ألاقي خيط بداية أمشي وراه.
تحدثت رشيدة:
خير، أنت هتروح الجامعة؟
رد يونس:
لأ، أنا اتصلت ع الجامعة وطلبت إنهم يلغوا محاضراتي النهارده.
نظر يونس للصغير مبتسماً يقول:
ده نام.
ردت رشيدة:
ماهو صاحي من بدري، هيريح ساعتين ويصحى تاني ويسهرني طول الليل جنبه. هحطه في سريره وهنزل أحضر لك الفطور.
تحدث يونس:
لأ، مش جعان.
ردت رشيدة:
لأ، لازمن تاكل. أنت من عشية امبارح منزلش الزاد جوفك، لازم تاكل عشان تقدر تقف على رجليك. وعارف أنا جَلبي حاسس إن يونس هيرجع وكمان كويس.
تبسم يونس جاذباً رشيدة لحضنه قائلاً:
كنت هخسر كتير لو مقابلتش بنت السلطان ووجعت في عشقها. بنت السلطان ذات قلب كبير بيحب الخير والعمار. لسه فاكر أول مرة وشك اتكشف فيها جدامي، شوفت جنيه من الأساطير. دعيت وجتها إن الجنية دي تعشقني وربنا استجاب لدعوتي.
أثناء ضمه لها، لا تعرف ما الذي أصاب قلبها وبث الخوف فيه. تذكرت ذلك الحلم.
أغمضت عينيها ثم فتحتها سريعاً.
لكن أصابتها دوخة وكذالك غثيان.
تركت حضن يونس وتوجهت سريعاً للحمام.
خرجت بعد قليل بيدها منشفة صغيرة تجفف بها وجهها.
نهض يونس الجالس على الفراش وتوجه إليها قائلاً:
لازم تروحي للدكتورة تكشف عليكي، بقى لك كم يوم مريضة.
ردت رشيدة:
لأ، مش لازم الدكتورة. ده أكيد زي ما جولت لك بسبب تغير مواسم الطقس.
وضع يونس يدهُ على بطن رشيدة قائلاً:
بس أنا متأكد إن فيه سبب تاني وإنك ممكن تكوني حامل. نفس الأعراض دي حصلت لك في بداية حملك في حسين.
وضعة يد يونس وضمه لها منذ قليل، نفس ما رأته بالحلم.
ما سبب هذا الخوف الذي يزحف لقلبها؟ لما تشعر بحدوث شيء سيء قريب.
***
بمنزل نواره.
كانت هي من سمعت حديث يُسر مع صفوان.
يُسر الذي ربما أنقذها القدر للمرة الثانية.
فلو تأخرت نواره بالدخول إلى الدار، لكان من سمعت قول يُسر هي سلوى زوجة حسين.
تذكرت نواره قبل دقائق حين دخلت إلى الدار وجدت سلوى تقف جوار الباب الموارب تتسمع على حديث صفوان ويُسر.
تعجبت نواره قائلة:
خير يا سلوى، أيه اللي موقفك أكده؟
خجلت سلوى قائله:
أبداً يا مرات عمي، أنا كنت جاية عشان أقولك تلفي معايا باللحمة نوزعها ونبيعها لأهل النجع.
ردت نواره:
طيب روحي أنتِ وأنا هرجع تاني عند صفوان أستنيني هناك.
غادرت سلوى.
أقتربت نواره من الغرفة وسمعت حديث صفوان وهو يحاور يُسر التي انهارت وسردت له ما حصل معها.
بكت نواره هي الأخرى.
للحظة شار عليها عقلها أن تُكمل فتح الباب وتدخل تأخذ يُسر بين يديها تطمئنها، لكن وجدت من الأفضل أن لا تدخل وتترك الأمر لصفوان لاحتواء أخته وطمئنتها.
***
عصراً.
بدار يونس.
دخل ذالك الصغير طالباً التحدث مع يونس الذي أتى له.
تبسم يونس له قائلاً:
أهلاً يا حبيبي، أنت زميل يونس في المدرسة مش كده؟ شفتك مرة بتلعب معاه.
رد الصغير:
آه، أنا ياسين وهو صاحبي وبنلعب سوا وكمان في الفصل قاعد جنبه. هو يونس ما جاش المدرسة ليه النهارده؟ الخالة أنهار سألتني عنه امبارح وجولت لها إنه راح مع غفير للدوار. أنا كنت معاه وهو بيركب العربية. وأنا رايح المدرسة الصبح شوفت العربية وكمان وأنا راجع شوفت نفس العربية وجولت يونس أكيد فيها، بس هو مجاش للمدرسة.
تعجب يونس قائلاً:
أنت شوفت العربية اللي ركبها يونس هنا في البلد؟
رد ياسين:
آه، شوفتها. وحتى شاورت للعربية، جولت يمكن يكون يونس فيها وجريت وراء العربية لحد ما وقفت.
تحدث يونس قائلاً بلهفة:
والعربية دي وقفت فين؟
رد ياسين:
هي وقفت قدام دار ناجي الغريب ونزل منها ست، بس يونس مكنش معاها.
رد يونس قائلاً:
متأكد إنها نفس العربية اللي ركب فيها يونس امبارح؟
رد ياسين:
آه، متأكد يا عمي. أنا شاورت ليونس امبارح بعد ما ركب العربية.
تنهد يونس قائلاً:
طيب يا حبيبي، شكراً ليك.
رد ياسين:
هو فين يونس؟ مش هنا؟ هو في الدوار الكبير؟
رد يونس:
آه، أنا هروح أشوفه مجاش المدرسة ليه، بس أنت متقولش لحد إنك شوفت العربية.
رد ياسين:
حاضر، بس خليه يجي بكرة المدرسة.
تحدث يونس:
أكيد إن شاء الله.
خرج يونس مع ياسين أوصله إلى باب الدار.
ووقف مع صبحى قائلاً:
عاوزك تحط حد موثوق يراقب بيت ناجي الغريب، وبالذات مراته. عاوز حد يكون كيف ضلها. ولو تعرف حد من الغفر اللي جوه داره يكون أفضل.
رد صبحى:
حاضر جنابك. وأنا كنت زارع واحد من الغفر عنده لما جولتي قبل كده. وأكيد ممكن يفيدنا في اللي عاوزه جنابك. هحاول أبعت له يجابل جنابك في أقرب وقت.
دخل يونس إلى الداخل مرة أخرى.
تقابل مع رشيدة التي تحدثت قائله:
أمال فين زميل يونس اللي كان هنا؟
رد يونس:
مشى. كان بيسأل عليه وجولت له مش هنا. مشى. أنا هروح للشيخ أيمن شوية وراجع.
ردت باستغراب:
ليه؟ أنت اتصلت على عمك غالب؟
رد يونس:
أيوة، اتصلت عليه من شوية وجال مفيش منها خبر. أكيد مستنية الوقت المناسب بالنسبة لها. أنا هروح لأيمن شوية. يلا، سلام عليكم.
قال هذا وقبل صغيره التي تحمله رشيدة.
نظرت رشيدة لخطاه السريعة.
لديها شعور أن هناك ما يُخفيه.
***
بعد قليل.
بغرفة الإمام بمسجد النجع.
دخل يونس إلى الشيخ أيمن وكان معه صفوان، يبدو أنهما كان يتحدثان بشيء وصمتا حين دخل.
جلس إلى جوارهم بعد أن ألقى عليهم السلام.
تحدث أيمن قائلاً:
خير، شكلك مجهد وكمان رجعت من الجامعة بدري.
رد يونس:
أنا مروحتش الجامعة ومنمتش من امبارح أصلاً.
تحدث أيمن بسؤال:
ليه؟ خير؟ أيه السبب؟
رد يونس:
يونس الصغير، ساره خطفته امبارح بعد ما طلع من المدرسة ومعرفش لها طريق. ومن شوية جه زميل له وقال إنه شاف العربية اللي ركب فيها يونس امبارح داخلة بيت ناجي الغريب، واللي نزل منها كانت همت.
تحدث صفوان قائلاً:
همت؟ طب أيه اللي جاب همت لساره؟
رد يونس:
معرفش، بس ممكن تكون همت مساعده لها. أنت عارف همت هي اللي وسوست لعمي غالب على رشيدة وخلته شايط مش شايف قدامه.
رد أيمن:
طب أيه هدف همت في مساعدتها ساره في خطف يونس؟ ده مهما كان حفيدها.
رد يونس:
مش عارف أيه هدفها، بس وجود يونس بين أيديهم أكيد في خطر عليه. وبالذات همت. همت معندهاش رحمة، دي واحدة رمت ولادها لطليقها.
توقف يونس فجأة.
فكر ثم تحدث قائلاً:
همت هدفها عمي غالب. أزاى مفكرتش فيها من الأول؟ همت زمان عمي طلقها لما شاف ناجي في أوضة النوم معاها. أكيد عاوزة تنتقم. ويونس هو الهدف بتاعه.
تحدث صفوان:
وهي همت دي معندهاش غير عمك غالب بس في دماغها؟ وولادها وكمان أمجد؟ هو مش ابنها؟ ولا كلهم خارج دايرة اهتمامها ومركزة مع عمك بس؟
رد يونس:
همت غلاوية وغلها زاد من يوم ما رشيدة طلعت من القضية براءة وفشل مخططها إنها تدخل رشيدة السجن. بس ثورة عمي غالب كانت مهدياها شوية ولاقت هدف تاني هو عقل ساره. أكيد ضحكت عليها وخطفت يونس عشان تقرب من عمي غالب من تاني.
تعجب أيمن قائلاً:
بس دي متجوزة من ناجي الغريب.
تحدث يونس قائلاً:
سهل طلاقها منه، مش عقبة قدامها.
***
بالقاهرة.
جلست ياسمين بحضن وجدان تتحدثان.
تحدثت وجدان قائله:
طالما عمك ويوسف مش في الفيلا، خليكي هنا باتي معايا الليلة ونسيني. أنا من يوم ما هاشم سافر وأنا لوحدي. هو صحيح كان شغله بعيد وبيغيب عني فترات، بس كانت بتبقى قصيرة مش قد. من يوم ما سافر الخليج.
تنهدت ياسمين بشوق حين سمعت اسم هاشم.
تبسمت وجدان قائله:
كل دي تنهيدة؟ بكرة يرجع وغالب يغير رأيه وربنا يلم شملكم. وقولي تيتا وجدان قالت. أنا صحيح كان نفسي يكون بينكم ارتباط رسمي قبل ما يسافر، بس نصيب. وكمان أحسن عشان الواد هاشم يتربى شوية. فاكرة لما كان بينكر حبه ليكي؟ أهو هو بنفسه بيتعذب دلوقتي. مفيش مكالمة له إلا ويسألني عنك.
رفعت ياسمين رأسها من على صدر وجدان قائلة:
بفرحة: بجد؟ ولا بتضحكي عليا؟
ضحكت وجدان:
بجد، بس أنا بقى بلهلب قلبه وأقول له إنك مبتسأليش عنه.
تبسمت ياسمين بخجل صامتة.
لكن رنين الهاتف جعلها تهب واقفة قائلة:
ده رنة ترنك مش رنة عادية.
تبسمت وجدان:
ماهو النهارده ميعاد اتصال هاشم عليا وده وقت اتصاله. ردي عليه أنتِ.
تبسمت ياسمين بخجل قائلة:
لأ، ردي أنتِ.
ردت وجدان ضاحكة:
بلاش مكر، رودي عليه أنتِ الأول وأنا هكلمه بعدك.
أمتثلت ياسمين لقول وجدان، أو بالأصح لشوقها لسماع صوت مالك قلبها.
رفعت السماعة دون أن ترد، تسمع صوت يطرب قلبها عشقاً.
لكن فوجئت حين سمعت نغمات حروف اسمها:
ياسمين.
أرتبكت وشعرت بارتعاشة تهز جسدها كله وردت بتعلثم:
أزيك يا هاشم، أخبارك إيه؟
رد هاشم:
أنا بخير وصحة، بس كان واحشني صوتك. قصدي يعني، أنا بخير.
تنفست ياسمين دون أن تتحدث.
كذلك هاشم، كانت أنفاسها كأنها نغمات تصل لفؤاده.
لكن قطع الصمت قائلاً:
أنا مبسوط إن كلمتك النهارده. كان عندي إحساس إني هسمع صوتك. ومبسوط إنك بتودي جدتي في غيابي.
ردت ياسمين:
دي جدتي أنا كمان وبحبها من أول مرة شوفتها دخلت قلبي وبحس وأنا في حضنها براحة كبيرة.
خدها هي معاك أهي.
أعطت ياسمين السماعة لوجدان التي أخذتها منها مبتسمة وردت على هاشم واطمئنت عليه.
سمعت آخر كلمة قالها قبل أن يغلق الهاتف:
أنا مبسوط قوي إني كلمت النهارده أكتر اتنين بحبهم في حياتي.
ردت وجدان:
ربنا يرجعك لنا بالسلامة. بس خلي بالك، أنا هفضل على قلبكم وهسكن معاكم أما ربنا يجمعكم في بيت تبنوه سوا على المحبة والفرح.
أغلقت وجدان الهاتف ونظرت إلى ياسمين التي تظهر السعادة على وجهها.
تحدثت قائلة:
مش قولتلك، كل تأخيرة وفيها خيره. متعرفيش ربنا شايل إيه لكم في المستقبل. أنا عندي إحساس إنه شايل لكم الفرحة وأنكم تكونوا عوض وسند لبعض.
***
بالدوار.
دخل عواد وخلفه يوسف.
كان في استقبالهم غالب ونرجس، وأيضاً نفيسه الذي اقترب عقلها أن يشتعل.
أمام عينيها صورة سوداء.
تحدث عواد بتلهف:
مفيش أي أخبار وصلت عن ساره ويونس؟
طأطأ غالب رأسه قائلاً:
لأ، مفيش. كأنها اتبخرت. حتى الغفير اللي معاها لما سألت مرته جالت إنه مجالهوش على حاجة.
شعر عواد بدوخة هو الآخر، لكن سرعان ما سنده يوسف وأجلسه على أحد المقاعد.
نظر عواد لـ نفيسه قائله:
ده آخرة كذبك. بنتك حالتها ما كانتش تسمح بخروجها من المصحة. اتبسطي. الله أعلم هي فين دلوقتِ. ويا ترى قصدها إيه من خطف يونس؟ أنتِ السبب في دمار حياة بنتك من الأول، عشان تملكي زمام العيلة جوزتيها لراجحى وبعد موته رسمتي خطة وخليتي يونس يتجوزها. يونس عمره ما كان لها.
صمتت نفيسه.
تحدثت نرجس قائلة:
أهدي يا عواد، ربنا أكيد هيسلم. بلاش الكلام ده دلوقتِ. ساره متعرفش حد وأكيد هترجع تاني.
زفر عواد أنفاسه ينظر لـ نفيسه.
لأول مرة نظرت ما يشعر به تجاهها وهو البغض.
***
ليلاً.
بدار يونس.
بالغرفة.
نام يونس بظهره على الفراش ينظر لـ رشيدة التي تسير بالغرفة وهي تحمل صغيرهم.
تحدثت رشيدة قائلة:
برضه مفيش أي أخبار عن ساره؟
رد يونس:
لأ، مفيش.
ردت رشيدة:
خير يارب. أكيد هي مش هتأذيه زي ما أنت بتقول، صح؟
رد يونس باختصار:
مش عارف. عقل ساره ممكن يوديها لفين.
صمت يونس.
لم يخبرها عن أن هناك شك يكاد يكون يقين أن همت خلف ذلك، وهي أسوأ من ساره.
وضعت رشيدة الصغير الذي نام بمهده واتجهت للفراش تنام جوار يونس.
تحدثت قائلة:
هو يوسف لما كان هنا جالك إيه؟ وإيه اللي خلاه كان طالع مضايق؟
رد يونس:
مفيش. مجالش حاجة وكان مضايق من خطف يونس وخايف عليه هو كمان.
أخذت رشيدة تحاوره.
هي لديها إحساس أن هناك ما يخفيه عنها.
وهو كان يرد باختصار دون أن يبوح لها بما علمه.
من كثرة إرهاق رشيدة، نعست جواره على الفراش.
بينما هو لم يزور النوم عينه.
شعر بصغيره الذي يزوم.
نهض من على الفراش وذهب لمهده وجده مستيقظ وعلى وشك البكاء.
نظر باتجاه رشيدة وجدها نائمة، يبدو الإرهاق على وجهها.
وضع تلك اللهاية بفم الصغير الذي لعقها بصمت.
تبسم على لعق صغيره للهاية بنهم وذهب باتجاه الشباك ورفع الستارة قليلاً.
وجد الشمس بدأت تبزغ.
أغلق الستارة وأبدل ملابسه لأخرى وترك الغرفة بهدوء.
***
باستطبل الخيل.
فك يونس مهره وامتطاها خارجاً من الدار.
غير عالم بذالك المتربص الذي سار خلفه.
ظل يونس يجري بالمهره إلى أن وصل لمكان قريب من الجبل.
نزل من على المهره.
وصل خلفه ذالك المتربص وتخفى بين الصخور.
وقف قليلاً يلتقط أنفاسه وأخرج سلاحه وصوبه باتجاه هدفه.
لكن ظهر رجل من العدم ملثم ووقف أمام يونس.
تحدث الرجل قائلاً:
كيفك يا يونس بيه؟ صبحى بعت لي خبر إنك عاوز تجابلني. أنا تحت أمر جنابك.
تحدث يونس قائلاً:
أنا طلبت من صبحى إني أجابلك عشان أسألك على همت. همت في الفترة الأخيرة ملاحظتش عليها حاجة؟
رد الرجل:
لأ، جنابك. بس امبارح خرجت من بعد الفجر وعادت بعد الضهر. وكمان سمعتها بتجول للسواق إنها هتخرج النهارده كمان.
رد يونس:
ومتتعرفش راحت فين؟
رد الرجل:
لأ، هي خرجت هي والسواق لوحدهم. خير يا يونس بيه؟
رد يونس:
أنا عاوزك تعرف هي هتروح فين النهارده.
رد الرجل:
تمام حضرتك. بس فيه حاجة غريبة حصلت في دار ناجي الغريب.
رد يونس باستفسار:
وأيه هي؟
رد الرجل:
أمجد الغريب بقى له يومين غايب عن الدار ومش ظاهر فيها.
تعجب يونس ولكن قال:
يمكن مريض في الدار جوه ومش شفته.
رد الرجل:
لأ، هو مش في الدار.
رد يونس:
غريبة. طب وناجي وهمت ميعرفوش؟ ولا يمكن عارفين طريقه؟
رد الرجل:
لأ، ناجي ميعرفش طريقه عشان سأل عليه عشية امبارح قبل ما يخرج ويروح عند الغوازى.
تعجب يونس ولكن قال:
أنا مش في أمجد دلوقتي. أنا عاوزك تعرف فين هتروح همت وتبلغني فوراً بأي طريقة وفي أي وقت.
رد الرجل:
حاضر جنابك.
ركب يونس المهره مرة أخرى قائلاً:
هستنى منك خبر.
أماء الرجل برأسه ليونس الذي انطلق بالمهره سريعاً.
نظر ذالك الرجل حوله جيداً.
لمح ذالك الذي يقف بعيد يختفي خلف أحد الصخور.
أخرج الرجل سلاحه وتوجه إلى مكان ذالك الرجل.
لكن حين اقترب من مكانه كان اختفى، مما أثار تعجبه.
***
بالدوار.
رن الهاتف.
رد غالب سريعاً.
لكن لم يشعر بساقه مما جعله يجلس على أحد المقاعد القريبة بجوار الهاتف.
رد على محدثه:
تمام، هكون في المستشفى بسرعة.
أغلق غالب الهاتف.
انتفض يوسف قائلاً:
خير يا بوي؟
نظر غالب لـ عواد قائلاً:
مش خير. التلفون كان من مستشفى المركز بيجول إن عندهم واحدة متصابة في حادثة عربية، ولجوا في متعلقاتها بطاقة باسم ساره عواد الهلالي.
لم تستطع نفيسه التحدث، أنعقد لسانها.
كذلك عواد الذي يشعر بشلل جسده.
بينما تحدثت نرجس:
خلونا نروح نشوف فيه إيه. يمكن معاها يونس أو تجول لنا مكانه فين.
تحدث يوسف:
كلام مرات عمي صحيح. أنا هروح أجيب العربية وأستناكم قدام الباب. بس حد يخبر يونس الأول.
ردت نرجس:
على ما تجيب العربية أكون خبرت يونس.
***
بدار يونس.
دخل إلى الدار وجد في البهو رشيدة تقف تحمل الصغير.
تحدثت له قائلة:
كنت فين بدري كده؟
رد يونس:
خرجت شوية بالمهره أغير جو وأصفي ذهني شوية.
تبسمت له قائلة:
تفاءل بالخير.
قبل أن تُكمل حديثها، رن هاتف المنزل.
رد يونس سريعاً.
وجد نرجس هي المتصلة، أخبرته عن اتصال المستشفى عليهم بشأن ساره.
تحدث يونس قائلاً:
طيب، أنا هحصلكم على المستشفى.
أغلق يونس الهاتف.
تحدثت رشيدة بلهفة قائلة:
فيه إيه ومين اللي في المستشفى؟
رد يونس سريعاً:
ده أمي بتجول جالهم اتصال من المستشفى إن فيه اشتباه ساره تكون هناك. هطلع أغير هدومي وأروح المستشفى.
***
بمنزل ناجي الغريب.
صفعه قوية من ناجي متحدثاً بعدها:
جات لك الفرصة تقتل يونس الهلالي وفشلت!
رد المجرم:
أنا خلاص كنت هخلص عليه، بس في واحد طلع له من الجبل ووقف جدامه وفضل يتحدث معاه شوية.
سأل ناجي:
ومين ده اللي طلع له من الجبل؟
رد المجرم:
مشفتش وشه، كان ضهره ليّا، بس كان متلثم.
رد ناجي:
أوعى يكون شافك أو لمحك.
رد المجرم بتعثر:
لأ، أكيد مشافنيش.
رد ناجي:
طيب، أطلع من الباب الخلفي وعاوز أسمع خبر يونس الهلالي في أقرب وقت.
***
بمشفى المركز بغرفة المدير.
وقف أحد الأطباء يقول للمدير:
الحالة اللي جايه في حادثة العربية امبارح بدأت تفوق، رغم إن حالتها الجسدية تعتبر مشلولة. غريبة المسكنات اللي أعطيناها لها المفروض كانت تنيمها على الأقل لبكرة. أنا أخدت عينة من دمها وبعتها المختبر. ممكن تكون كانت بتاخد أي نوع قوي من المسكنات.
رد المدير:
طيب وحالتها إيه؟
رد الطبيب:
عندها غرغرينا في مناطق كتير بجسمها ومعتقدش إنها هتطول في الحياة، لأن الغرغرينا تقريباً أنهت على جسمها. وكمان فيه خبطة قوية مركزها الكبد وممكن تأثر على وظايفه الحيوية.
رد المدير:
تمام، أنا بعت إشارة لأهلها وكمان للمركز.
بعد قليل بالمشفى.
دخل غالب ومعه عواد ويوسف فقط.
تحدث يوسف قائلاً:
إحنا اتصلوا علينا من هنا إن فيه واحدة اسمها ساره عواد الهلالي هنا بالمستشفى.
رد المدير:
مرحباً، أهلاً بكم. اتفضلوا استريحوا.
رد عواد:
إحنا مش جايين نضاف. أنا عاوز أشوف بنتي إذا كان هي أو لأ، وإيه اللي جرالها.
وقف المدير قائلاً:
اتفضل معايا وأخد حضرتك لأوضة العناية.
دخل عواد مع الطبيب وظل غالب ويوسف بالخارج.
بعد دقيقة خرج عواد يستند على الحائط يبكي بدموع تأكد أنها هي ابنته.
أقترب عليه يوسف يسنده سريعاً.
كما دخل إلى المكان يونس في نفس الوقت.
من شكل عواد تأكد يونس أنها ساره.
تحدث مع الطبيب قائلاً:
ممكن لو سمحت يا دكتور نتكلم شوية.
رد المدير:
اتفضل معايا للمكتب.
ذهب يونس مع المدير تاركاً يوسف مع عواد وغالب.
دخل يونس إلى غرفة المكتب مع المدير.
تحدث قائلاً:
حضرتك عاوز أعرف كل حاجة عن المريضة وبصراحة.
رد المدير:
المريضة كانت جايه لنا في حادثة عربية كاميون وتقريباً اتنطرت لمسافة بعيدة ووقعت على دماغها. فيه خبطة بس مش عنيفة، إنما جسمها كله تقريباً مصاب بالغرغرينا غير أضرار ببعض أعضاء جسمها الحيوية. يعني الأمل في نجاتها ضعيف. بس فيه حاجة غريبة، جسمها بيرفض المسكنات اللي بنعطيها لها. هي تقريباً تعتبر فايقة رغم المسكنات. ممكن أسألك سؤال؟
رد يونس:
أكيد.
رد المدير:
هي المريضة كانت مدمنة أو كانت بتتناول أنواع قوية من المسكنات؟
رد يونس قائلاً:
المريضة كانت محجوزة لفترة في مصح عقلي.
تحدث المدير:
آه، يبقى عشان كده عرفت سبب فواقنها السريع من المسكنات.
تحدث يونس بسؤال:
طيب ممكن أدخل أشوف المريضة لدقائق؟
رد الطبيب:
اتفضل معايا تتعقم وتدخل لها، بس بلاش إزعاج كتير، يا ريت لدقيقة بس.
بعد دقائق.
دخل يونس وحده للغرفة سمع همهمات ساره المتألمة.
أقترب منها متألماً متحدثاً:
ساره.
شعرت به رغم الألم المضني، بحسدها، لكن عقلها استوعب. هو أتى من أجلها، ترك الوضيعة وجاء من أجلها.
تحدثت بتقطع وتألم:
يونس، أنت جيت عشانى صح؟ أنت عشجانى كيف ما أنا عشجاك؟ بنت السلطان خطفت ولدنا وعطته لهمت. همت كانت بعتة غفير يسلب شرفك، بس أنا دافعت عن شرفك وكمان خطفت ولدي.
***
بعد أن خرجت همت وأخذت يونس معاها وتركت الغفير مع ساره بذلك المنزل الحجري.
كان يلجمها بين يديه.
تلوت إلى أن استطاعت أن تفلت يديه من على جسدها.
نظر لها الغفير باشتهاء يلعق شفتيه.
قامت ساره بصفعه بقوة قائله:
كيف يا حقير تمد يدك على أسيادك؟ أنا هحاسبك على كده.
وضع الغفير يده على خده التي صفعته يلعق شفتيه بلسانه مرة أخرى.
دون مقدمات هجم عليها ووقعت أرضاً نائمة.
جثى عليها فوراً يقبلها بنهم وعنف.
كانت تشعر ساره بالتقزز منه.
حاولت إبعاده عنها بقوتها، لكن هو يفوقها.
أنقذها تلك السكين التي كانت موضوعة على صنية الطعام بالأرض.
رغم أنها صغيرة، لكن يدها أخذتها وغرستها بجانب ذالك الغفير مما جعل قوته تخور قليلاً.
أبعدته عن جسدها ثم باغتته منقضة على جسده بطعنات كثيرة.
رأته ينزف ويلفظ أنفاسه الأخيرة.
ألقت السكين وبصقت عليه وأخذت حقيبة يدها الصغيرة من على طاولة بالبيت وتركته وخرجت للطريق الصحراوي تسير.
لم يكن يسير على الطريق أي سيارات، فالطريق شبه مقطوع.
ظلت تسير.
شعرت بالعطش الشديد وبدأ جسدها يُنهك.
رأت سيارة كاميون آتيه من بعيد، أشارت للسائق، لكن لم ينتبه لها إلا حين اقترب منها.
ولسوء حظها أنه كان سريعاً ولم يستطيع التوقف، ولكن فرمل سريعاً حين وجدها أمامه مباشرةً مما جعلها تصدم بالسيارة التي نطرتها لبعيد.
ولكن كان مع السائق آخر نزل ورأها مازالت حية.
كان سيتركها بناءً على طلب السائق، لكن إنسانية جعلته يحملها ويضعها بالسيارة وذهب بها إلى أقرب مشفى بالمكان.
***
تحدث يونس لساره قائلاً:
ساره، أنتِ واعية؟ فين يونس الصغير؟
ردت ساره بتقطع وتألم:
همت... همت خدته وهتعطيه لبت السلطان عشان تقتله. ألحقه، رجعلى ولدنا يا يونس.
دخل الطبيب قائلاً:
كفاية كده لو سمحت، ده مش في صالح المريضة.
خرج يونس من الغرفة وتوجه إلى مكان جلوس عميه ومعه يوسف.
تحدث عواد قائلاً بدموع:
بنتي راحت، عليه العوض.
سمعت حديثه نفيسه التي أتت مع نرجس، وقعت مغشياً عليها.
***
بعد وقت بدار يونس.
رأت رشيدة يونس من شرفة بالبيت.
كان يقف مع صبحى يتحدث معه قائلاً:
عاوز أجابل الراجل اللي في دار ناجي الغريب تاني، أبعت له مرسال.
رد صبحى:
حاضر جنابك.
دخل يونس وجد رشيدة أمامه ومعها أنهار.
التي تحدثت بلهفة:
عرفت مكان يونس؟
رد يونس:
لأ، للأسف. بس أنا متأكد إننا قريبين جداً منه.
وقبل أن يكمل رن هاتف البيت.
رد يونس عليه.
سمع يونس بيه:
أنا الراجل اللي جابلك الصبح، أنا عملت كيف ما أمرتني ومشيت وراء الست همت، وهي دلوقتي في البندر. طلعت في عمارة هنا.
رد يونس قائلاً:
خليك مكانك، أنا جاي فوراً. مسافة الطريق. وخلي بالك لو خرجت أو راحت لمكان تاني، كون كيف ضلها من غير ما تشوفك.
أغلق يونس الهاتف سريعاً ونادى على صبحى قائلاً:
جهز رجالتك بسرعة.
رد صبحى:
اعتبرهم جاهزين جنابك.
صعد يونس إلى الغرفة سريعاً.
دخلت خلفه رشيدة، وجدتة يضع سلاحه على خصره.
تحدثت بخوف قائلة:
مين اللي كان بيتصل وليه واخد السلاح معاك بعد ما أمرت صبحى يجمع الغفر؟
وضع يونس كفه على كتف رشيدة متخافيش.
أنا تقريباً عرفت مكان يونس. أنتي بس ادعي لنا نرجع بيه.
قال هذا وتركها سريعاً لخوفها الذي يزداد بقلبها.
***
بداخل أحد الشقق السكنية بالبندر.
دخلت همت إلى أحد الغرف وجدت يونس الصغير الذي يكور في نفسه على الفراش خائفاً منها.
أقتربت منه متحدثة:
جولت لك متخافش مني. أنا مش هاذيك. أنا ستك أم أبوك راجحى.
بمجرد أن سمع الصغير اسمه، ارتجف جسده، فهو لم يكن يوماً حنوناً عليه هو الآخر، فكان يجلده كثيراً على أقل الأخطاء.
نظرت همت لصنية الطعام الموضوعة أمامه، قائلة:
ليه مأكلتش حاجة؟
رد الصغير بخوف:
أنا مش جعان. أنا عاوز أرجع عند عمي يونس وكمان أنهار ومرات عمي رشيدة.
حين سمعت همت اسم رشيدة، لم تستطع تمالك نفسها وصرخت بوجه الصغير قائله:
مسمعكش تجيب سيرة رشيدة دي على لسانك. دي جات له، هي اللي جتلت أبوك وكمان عمك يونس عارف وموالس عليها.
عقل الصغير لم يصدقها.
رشيدة ويونس أحن عليه من والده الحقيقي.
ظل يبكي.
تعصبت همت من بكائه وأقتربت منه وكادت أن تصفعه، لكن رنين جرس الباب جعلها تعود للخلف وتتركه، وخرجت خارج الغرفة.
تحدثت للخادمة قائلة:
مين اللي جايلك دلوقتي؟ ده الحقارة مش هيسيبك منه.
فوجئت همت بمن أمامها.
تحدث يونس قائلاً:
مفاجأة غير متوقعة، صح يا...
صمت قليلاً ثم عاد يتحدث:
يا ست همت. فين يونس؟
تركها وفتح الغرف إلى أن وجد الصغير يجلس يكور نفسه على الفراش يبكي وهو يخفي وجهه بيديه.
فزع الصغير حين سمع صوت فتح الباب وخاف أن تعود همت وتضربه.
لكن صوت يونس طمئنه قائلاً:
يونس.
أزال الصغير يديه من على وجهه ونظر أمامه.
حين رأى يونس، هب من الفراش وذهب في اتجاهه وأرتمى بحضنه يبكي.
ضمه يونس قائلاً:
خلاص، مفيش رجالة بتبكي. يلا تعالى معايا.
خرج يونس بالصغير من الغرفة.
وجد همت تقف وحولها مجموعة من رجال يونس.
تحدث يونس قائلاً:
خُد يونس وأستناني تحت في العربية.
أمسك الصغير بيد يونس قائلاً:
لأ، أنا عاوز أفضل معاك.
رد يونس وهو يمسد على ظهره قائلاً:
متخافش، روح مع عم صبحى وأنا هنزل وراك.
تبسم صبحى قائلاً:
تعالى معايا، متخافش.
ذهب الصغير مع صبحى وأيضاً ذهب معهم الغفر الموجودين بالشقة.
تحدث يونس قائلاً:
كان من السهل عليا أعمل لك محضر خطف لـ يونس.
ردت همت بسخرية:
يونس حفيدي، محدش هيلومني. حفيدي وعاوزة أشوفه وأنت مانع عني.
ضحك يونس بسخرية قائلاً:
من أمتى سألتي عنه ولا عن ولادك اللي سممتي دماغهم من ناحيتي. بس ربنا كشفك جدامه. أنا هتغاضى عن خطفك لـ يونس، بس ده أخر مرة هتغاضى عن أفعالك اتجاهي. وبحذرك، المرة الجاية ردي هيكون قوي. مش هيكون لا خطف ولا هتك عرض. ابعدي عن طريقي أنا وأي حد قريب مني.
نظرات همت له لهيب لو طاله لأحرقه.
علمت إلى ما يلمح حين قال هتك عرض.
لابد أن تلك الحقيرة القاتلة أخبرته.
نظرات يونس لها كانت تحدي وشجاعة.
***
بعد وقت بمنزل يونس.
دخل بالصغير الذي سبقه للداخل.
حين رأته أنهار كأنها ردت لها روحها.
جرت إليه وحضنته بقوة شديدة.
ماذا لو أخرجت قلبها وزرعته هو مكانه؟
أنحنت تقبل وجهه ثم يديه وتعود لأحتضانه مرة أخرى.
تبسمت رشيدة الواقفة بدموع.
ترك يونس أنهار وذهب إلى رشيدة وضم نفسه لها.
أنحنت رشيدة واحتضنته.
قبل يونس حسين قائلاً:
وحشتني جوي، رشيدة بت عمي حسين.
تبسم يونس الذي دخل قائلاً:
واه يا ولدي، ابقى روح زورها مع مرات عمك عشية.
تبسمت رشيدة قائلة:
أكده، بس عشية هاخدك ونروح نزور أمي ونفوت على حسين ولد عمي تشوف الست رشيدة بتاعتك.
رد يونس الصغير:
آه، رشيدة دي بتاعتي أنا وبس.
ضحك الجميع.
عادت البسمة مرة أخرى.
***
بعد مرور يوم واحد.
قبل الفجر بقليل.
بدار يونس.
خبط على الغرفة.
استيقظ يونس وكذالك رشيدة.
سمع من أنهار تقول:
يونس بيه، صفوان أخو الست رشيدة تحت في المندرة.
هبت رشيدة من على الفراش فزعة قائلة:
صفوان؟ هيكون جاي في وقت زي ده ليه؟
رد يونس وهو يرتدي ملابسه:
أنا هنزل أشوفه جاي ليه.
نزل يونس إلى المندرة.
وقف صفوان قائلاً:
مصيبة يا يونس، البوليس السياسي قبض على الشيخ أيمن.
وقف يونس مستغرباً يقول:
بتقول إيه؟ الشيخ أيمن عمره ما كان له في السياسة.
رد صفوان:
أنا متعود كل يوم قبل الفجر أفوت عليه ونروح الجامع سوا. بس النهارده روحت له، لاقيت البوليس واقف قدام بيته وهو مقبوض عليه في البوكس. ولما سألت عسكري جالي إنهم بوليس سياسي.
تحدث يونس بغيظ قائلاً:
أنا عارف مين اللي وراء ده ولازم أروحه بنفسي. مبقاش ينفع أتغاضى عن محاربته أكتر. بيظلم ناس أبرياء بينا.
خرج يونس من الدار سريعاً.
تصادمت رشيدة مع صفوان.
بعد قليل.
بالدوار.
دخل يونس مباشرةً إلى غرفة عمه غالب.
وجده مستيقظ.
تحدث يونس بتهجم:
لأمتى يا عمي هتفضل تحارب فيا بالناس الأبرياء؟ الشيخ أيمن ذنبه إيه؟
رد غالب:
ماله الشيخ أيمن؟ أنا يا ولدي معرفش عنه حاجة.
رد يونس:
يعني مش أنت السبب في القبض على الشيخ يونس؟
رد غالب:
لأ يا ولدي، ولو عاوز أحلفلك على كتاب ربنا.
شعر يونس من حديثه بالصدق، ولكن لم ينتظر وخرج مسرعاً.
بدار يونس.
وقف صفوان يسرد لـ رشيدة ما سبب مجيئه بذالك الوقت.
لكن فجأة شعرت بانقباض قلبها وكادت أن تسقط لولا أسندها صفوان.
بذالك الوقت.
كان يونس يسير عائداً لداره.
لكن بأحد الزوايا الخالية بالنجع.
باغتته رصاصة بظهره اخترقت جسده.
استدار لمن يطلق عليه، باغتته برصاصة أخرى بأحد ساقيه جعلته يجثو على ساقيها.
خرجت الرصاصة الثالثة لتسكن بين ضلوع يونس.
***
متخافوش يونس مش هيموت
بس دي نغزة شر عندي 👿
#يتبع
دومتم سالمين وأحبائكم.
رواية يونس وبنت السلطان الفصل الثالث عشر 13 - بقلم سعاد محمد
أثناء ذهاب يُسر للمدرسة، تقابلت مع ذالك الحقير.
قطع عليها الطريق كعادته القذرة.
وقفت متعجبة تنظر له برعب.
ضحك بسخرية عالياً ثم تحدث قائلاً: "أيه، فكرتي نفسك خلصتي مني؟ أنا عايش لسه مموتش، أنا عملتلك الأسود."
جذبها من ذراعها بقوة يشدها قائلاً: "اللي مكملش المرة اللي فاتت هيكمل المرة دي. هتدفعي التمن مضاعف يا بنت السلطان."
حاولت سحب يدها من يده، لكنه كان يحكم عليها بقوة.
صرخت بقوة تستنجد بأحد، لكن لا أحد يمر على الطريق.
تصرخ وتصرخ.
فجأة شعرت بيد تشد يدها الأخرى.
نظرت خلفها، كانت المفاجأة.
تحدثت قائلة: "يوسف."
نظرة عين يوسف طمئنتها قليلاً، لكن ذالك الوغد أمجد يشد يدها الأخرى بقوة، واليد الأخرى يشدها يوسف.
هي بينهم الاثنين، شعرت أن يديها سيُقطعان من جسدها.
لم لا يتركها أحدهم؟ تخشى أن يترك يدها يوسف ويتركها لذالك الوغد أمجد الذي يبتسم بتشفى يعلن أنه هو من سيفوز بها.
صرخة وصرخة.
إلى أن استيقظت ترتعش.
يد حانية تمسد على ظهرها تتحدث قائلة: "اهدئي، أنتي كنتي في كابوس خلاص انتهى. فُوقي يجي."
شدت يُسر على من تحتضنها ثم تحدثت: "أمي."
ردت نواره: "متخافيش، أكيد ده كان كابوس. أنا صحيتك من شوية عشان تصلي الفجر بس أنتي رجعتي ونمتي تاني، فربنا حب ينبهك."
دخلت الجدة قائلة: "في إيه يا بتي؟ دي تاني مرة تصرخي وانتي نايمة وتصحي مفزوعة أكده. أكيد ده شيطان. أنا هرقيكي وبعدها هيبعد عن الشيطان ده."
همست نواره لنفسها: "يارب يبعد عنها الشيطان ويكون انتهى."
تعجب صفوان.
رشيدة جلست أرضاً، غير قادرة على الوقوف، كأن جسدها أصيب بالشلل.
جسدها يرتعش.
تحدث صفوان بلهفة ينادي: "أنهار."
أتت أنهار سريعاً وتعجبت من جلوس رشيدة.
انحنت جوارها قائلة: "ست رشيدة، مالك؟"
نهضت أنهار قائلة: "هروح أجيب ميه بسكر وأجي."
تحدثت رشيدة بوهن: "لأ، أنا زينة. بس مش عارفة إيه اللي حصلي فجأة كده. بالدوار."
دخلت نرجس إلى غرفة غالب.
تحدثت: "يونس كان هنا في وقت زي ده، ليه؟ عملتي إيه يا غالب؟ أنت مشبعتش من اللي سارة عملته؟ لسه الانتقام في قلبك؟"
رد غالب قائلاً: "أنا معملتش حاجة. مش أنا اللي ورا القبض على الشيخ أيمن."
تعجبت نرجس، ولكن قبل أن ترد، طرقت الباب إحدى الخادمات ودخلت بعد أن سمحوا لها.
تحدثت الخادمة قائلة برجفة: "الغفير اللي عالباب بيقولي إن يونس بيه انضرب بالنار في الشارع وهو راجع من هنا."
"ماذا؟" قالت.
عقله لا يصدق.
فاق على قول نرجس التي خرجت تهرول: "ولدي!"
أعاد نفس كلمتها برجفة: "ولدي."
ثم خرج خلفها.
بالشارع، تجمع الناس حول يونس الذي رحمه القدر من موت مؤكد.
حين اهتزت يد القاتل حين رأى بعض الأهالي يخرجون من بيوتهم ليعرفوا سبب إطلاق الرصاص.
فبدل أن يطلق الرصاصة الثالثة بقلبه، أخطأها وأطلقها بضلوع كتفه.
لكن أيضاً ينازع الموت.
فمن ينتصر الآن؟
بدار يونس.
يقولون الخبر السيء يأتي سريعاً.
هكذا حدث.
دخل صبحى إلى الداخل.
وجد أنهار ورشيدة جالستان ومعهن صفوان.
تحدث حزيناً: "يقولون يونس بيه وهو راجع من الدوار لهنا، طلع عليه قاطع طريق."
وصمت قليلاً.
وقفت رشيدة قائلة برجفة وارتعاش: "وإيه؟ يونس جراله إيه؟ وهو فين؟"
رد صبحى: "وانصاب بالرصاص. وغالب بيه خده لمستشفى المركز."
عقلها لا يصدق.
الحلم سيتحقق.
يونس سيتركها؟
لا، لن تقدر على فراقه.
جرت للخارج سريعاً.
بعد قليل.
بأحد المستشفيات الخاصة والكبيرة بسوهاج.
أمام غرفة العمليات.
وقفت نرجس تبكي دماً.
فولدها الوحيد الآن بين يدي الله، تدعو أن يرأف به.
كذلك غالب الذي على ملابسه دماء ابن أخيه.
لا بل ابنه، لا يفرق عن ابنه.
تذكر قبل قليل.
وصل إلى مكان تجمع الناس، وجد يونس ممدد أرضاً، هناك أحد من الأهالي يساعد في كتم دمائه.
نساء تصرخ أن ينجده أحد.
تحدثت نرجس قائلة للنساء: "اكتموا منك ليها."
جلست نرجس أرضاً وربتت على وجهه قائلة: "يونس، ولدي."
فتح عيناه، تحدث قائلاً: "وصيتك رشيدة وابني."
انحنى غالب قائلاً: "ولدك أنت اللي هتربيه يا ولدي. جاوب عشانهم. كفايا عليا، مش هقدر أتحمل فقد ولد تاني."
صرخ غالب على الأهالي: "بعدوا أكده."
حاول غالب حمله، لكن لكبر عمره لم يقدر.
أتى له أحد الأهالي وساعدوه.
وحملوا يونس ووضعوه بالسيارة التي انطلقت كالبرق تسابق الزمن.
دخلت نواره إلى دار يونس.
تقابلت مع أنهار التي تحمل حسين.
تحدثت قائلة: "إيه اللي حصل يا أنهار؟ البلد كلها بتقول إن العمده انضرب بالنار. ورشيدة فين؟"
ردت أنهار: "ده اللي أعرفه يا أم صفوان. والست رشيدة طلعت ومعاها السواق وصبحى."
نظرت نواره للصغير الباكي بين يدي أنهار.
مدت يديها، أخذته منها، وبدأت تهدهد به عله يسكت.
لكن ما زال يبكي.
تحدثت أنهار: "أكيد جعان. هو كان نايم ولسه صاحي. هروح أعمله شوية كراوية وأسقيهم له على ما الست رشيدة ترجع. ربنا يسلم وتطلع إصابة يونس بيه بسيطة. والله ما يستاهل، بس شر النفوس بجى."
تنهدت نواره قائلة: "يارب الطف بيه."
همست نواره: "رشيدة، يونس لو جراله حاجة مش هتستحمل بعده."
بالمشفى.
وصلت رشيدة وذهبت إلى غرفة العمليات.
وجدت نرجس تجلس تبكي، وكان غالب واقفاً جوارها.
ذهبت سريعاً ووقفت أمام نرجس وتحدثت بلهفة وهي تنهج: "يونس فين؟ إيه جراله؟"
كان رد نرجس هو البكاء، هي غير قادرة على التحدث.
أعادت رشيدة سؤالها، ولكن رد هذه المرة غالب: "يونس في العمليات. ادعي ربنا يلطف بيه."
نظرت له رشيدة قائلة: "دلوقتي مبسوط من محاربتك له؟ خليت عدوه يعرف أنه وحيد وقدر يصطاده. بس أنا عارفة مين اللي حاول يقتل يونس، وأنا بنفسي هعرفه أنه مكنش وحيد. وأنا بنفسي هحاسبه قبل ما يطلع يونس من العمليات."
قالت رشيدة هذا واتجهت مغادرة للمشفى.
بعد وقت قليل.
بدار ناجي الغريب.
فرحة عارمة يشعر بها ناجي.
ضرب عصفورين بحجر واحد: القبض على الشيخ أيمن وأيضاً قتل يونس.
نادى ناجي على أحد العاملين عنده.
أتى له العامل ووقف ينحني له قائلاً: "أمرك يا ناجي بيه."
تحدث ناجي: "فين سيدك أمجد؟ مش باين بقاله يومين."
رد العامل: "معرفش يا ناجي بيه. هو خرج بالكارته من يومين الصبحيه وبعدها مشفتوش ساعتك."
ضحكت همت التي دخلت وتحدثت بسخرية قائلة: "هتلاقيه عند غازية من اللي كنتوا بتروحوا لها سوا. تلاقيها ضاحكة على عقله ومفهماه إنه سيد النجع. ده الدناوة فيه زي أبوه."
تحدث ناجي للعامل بحزم: "تغوطس وتقب وتجيب لي أمجد أو تعرف مكانه فين، يلا غور."
خرج العامل.
نظر ناجي لهمت قائلاً: "ما راجي كان زاينا بيحب الغوازى ويسهر عندهم. مكنش دني زي غالب."
نظرت له همت باستنحار، ولكن قبل أن ترد عليه، وجدت رشيدة أمامهم.
تبسمت همت شامته قائلة: "يا مرحب ببنت السلطان. خير؟ سايبة جوزك بين الحيا والموت وجاية هنا ليه؟"
رفعت رشيدة ذالك السلاح الذي كانت تخفيه أسفل حجابها ووجهته إلى رأس ناجي.
وتحدثت قائلة: "أنا جايه آخد بتار جوزي، وقبل ما يطلع من العمليات هكون جابته اللي اتسبب في إصابته."
نظر لها ناجي برعب، هو جبان أمامه الآن، موت محقق.
أطلقت رشيدة الرصاصة، كان دويا كأنه انفجار بركان.
بمشفى آخر.
دخل الطبيب إلى غرفة المريضة، يقوم بفحصها، لكن لا تعطي أي إشارة للحياة.
هي فارقت الحياة.
خرج إلى عواد الجالس أمام الغرفة وجواره نفيسة غير المستوعبة لما حدث لابنتها الوحيدة.
وقف عواد قائلاً: "خير يا دكتور؟"
رد الطبيب بأسف وبإختصار: "البقاء لله."
صراخ وعويل ونحيب من نفيسة.
صدمة اقتسمت قلبه.
شعر بظلام أمام عينيه، خطئه القديم حين ترك زوجته الأولى بطفل صغير، لا تعرف ماذا فعلت لترسل لها ورقة طلاقها غيابياً.
تركها بطفل لم يكمل شهور، وسمع إلى غباء والده وتزوج بأخرى.
تركها دون مُعيل، وهو يعرف إمكانيات أهلها المتوسطة.
كان يتوقع أن تذل له ليقوم بالإنفاق على ولده، لكن لم يعرف أن من يُغني هو الله القادر.
دفع الثمن كثيراً حين تذكر كلمة واحدة قالتها له زوجته الأولى: "أنا مش هدعي عليك ولا هقولك ينتقم منك ربنا، أنا فوضت أمري لربنا. منك لله."
اليوم هو سداد الدعوة البسيطة من قلب مظلومة.
حاول محاربتها، ولكن أنصفها القدر.
أصبح لها زوج آخر وأبناء آخرين بينها وبين ابنه، ود كبير، عكس ما هو معه حين واجه ولده وقال له أن أمه تزوجت بآخر وتركته هي الأخرى.
دافع عنها قائلاً: "زي ما عطيت لنفسك حق، هي كمان من حقها زوج يصونها ويشاركها الحياة."
لما لم يلتمس له نفس العذر؟
لا، هو ليس مثلها.
هو تخلى بإرادته، حتى لو كان غصباً.
ماذا كان سيحدث لو رجع الزمان للخلف؟
لما سمع لأمر والده وما ترك ولده ولا حب حياته، حتى لو تنازل عن اسم الهلالي.
نفيسة، عقلها يشرُد.
ابنتها التي شاء القدر أن لا تنجب غيرها، ولا تعرف ما السبب.
هي حاولت الإنجاب بعدها، ولكن لم يرزقها الله.
ابنتها دفعت ثمن طمعها فيما في يد غيرها، أرادت السلطة والجاه من أجلها.
لم تعلمها الحب والتضحية، علمتها الأنانية.
لم تدافع عنها أمام ذالك الحقير راجحى الذي انتهك جسدها بالضرب والاغتصاب مرات.
حقاً كانت زوجته، لكن كان يعاملها كالحيوان، وأوقات كان يرأف بالحيوان، أما ابنتها لم يرأف بها لمرة واحدة.
هي استراحت من عشق ميؤوس منه، أو بالأصح لم يكن لها أبداً.
بالقاهرة.
وقعت سماعة الهاتف من يد ياسمين.
كان جوارها يوسف يقف مبتسماً، لكن حين وقعت منها السماعة، نظر لوجهها، رأى دموع بدأت تسيل من عينيها.
تحدث سريعاً: "إيه؟ بتبكي ليه؟"
ردت ياسمين: "يونس ابن عمك انضرب بالنار وهو في المستشفى دلوقتي، وميعرفوش عنه حاجة في الدوار."
رد بذهول: "بتقولي إيه؟ ومين اللي له مصلحة في كده؟ يونس ميستاهلش القتل."
ردت ياسمين ببكاء: "خلينا نسافر النجع ونشوف إيه اللي حصل."
رد يوسف: "يلا بينا. أنا لسه راجع امبارح من هناك. كان الكل سعيد برجوع يونس الصغير. إيه اللي حصل فجأة؟ ومين اللي قدر يعمل كده؟ خلينا نرجع بالعربية، هنوصل أسرع من القطر."
بدار ناجي الغريب.
انفجرت الطلقة بتلك النجفة المعلقة بالسقف، أصابت شظايا زجاجها وجه ناجي، لتشُق جرحاً كبيراً وبارزاً به.
نظرت رشيدة إلى من يمسك يدها وقالت بلوم: "ليه مسبتنيش أقتله وأخلص النجع من شره؟"
رد عليها قائلاً ببرفق: "بلاش يا بتي تلوثي يدك بدم خسيس."
نظرت همت مذهولة مما تراه أمامها.
غالب هو من أمسك يد رشيدة، وبدل أن تطلق الرصاصة برأس ناجي، رفع يدها لتصيب الرصاصة تلك النجفة.
غالب حدث رشيدة برفق ولين: "هل نسيت أنها شاركت بقتل ولدهما؟"
قبل أن تتحدث همت، شد غالب يد رشيدة وأخذ منها السلاح قائلاً: "يلا يا بتي، ميلقش بمرات يونس الهلالي توقف في بيت قذر زي بيت ناجي الغريب."
نظرت رشيدة لغالب.
تحدثت بدموع قائلة: "لو يونس جراله حاجة، أنا هموت. سيبني أخلص عليه حتى لو آخر حاجة هعملها في حياتي."
رد غالب: "لأ، مش هسمحلك تلوثي يدك بدم خسيس. يلا يا بتي، وادعي ليونس. ربنا يلطف بيه ويمن علينا برحمته ويرأف بينا ويقوم لنا يونس بالسلامة."
شدها غالب لتسير معه.
لكن قبل أن يخرج من الغرفة، تحدث وهو ينظر ل ناجي: "متفكرش إنك هتهرب من حسابي، بس استناني أطمن على يونس الأول."
خرج غالب ومعه رشيدة، وترك همت وناجي المذهولان بما حدث أمامهما.
همت مذهولة لما لم يترك غالب رشيدة تقتل ناجي وتعاقب على ذالك بالإعدام أو بالسجن على الأقل، ويكون بذلك أخذت جزائها في قتل راجحى.
ناجي، من تلك القوية التي رفعت عليه السلاح وكادت أن تقتله لولا تدخل غالب؟
لما هو مرعوب إلى هذا الحد؟
إنها امرأة بالنهاية، كيف استطاعت فعل هذا؟
تحدثت همت ساخرة: "بت السلطان علمت على وشك."
رد ناجي: "وغالب الهلالي اللي فكرت إنه هيوقف جساد واد أخوه، أهه قدامك هو اللي ساند مراته قدامك."
نظر الاثنان لبعضهما، نظرات غلول.
بدار يونس.
نواره تسير بالصغير ذهاباً وإياباً.
دخل صفوان عليها.
تحدثت بلهفة قائلة: "رشيدة كانت جت لهنا وأخدت سلاح وطلعت تاني، ملحقتهاش."
رد صفوان: "اطمئني يا أماي، أنا شوفتها من بعيد وهي طالعة من هنا ولحقتها وشوفتها داخلة دار ناجي الغريب. بس بسرعة لجيتها طلعت مع عمي غالب اللي دخل وراها. ولما سألت واحد من اللي واقفين عنده عالبوابة قالي إن في صوت رصاصة بس مصابتش حد."
تعجبت نواره قائلة: "غالب الهلالي طلع مع رشيدة؟"
رد صفوان: "أنا شايفه بنفسي، حتى ركبوا العربية سوا. تلاقيهم رجعوا المستشفى تاني. أنا هروح المستشفى وهبقى أرجع أطمنك."
تعجبت نواره ونظرت للصغير الذي تحمله وقالت له: "ربنا يرد لك أمك وأبوك يا ولدي."
بالمشفى.
نرجس جالسة تقرأ القرآن من رأسها ودموعها تسيل زخات، تدعو أن لا يحرمها الله من ولدها.
دخل غالب ومعه رشيدة.
تحدث غالب: "محدش من الدكاترة خرج من الأوضة."
ردت نرجس: "لأ، مفيش غير ممرضة وكانت خرجت ورجعت بسرعة معاها أكياس دم. ولما سألتها مردتش عليا."
جلست رشيدة جوار نرجس.
الوقت لا يمر، الساعات توقفت.
نرجس تغمض عينيها وتبكي بصمت وقلبها يدعو بالرأفة بها.
غالب يجلس قليلاً وأحياناً يقف.
رشيدة تشعر بألم، ألم قلبها، وهناك ألم جسدي فتاك ينهش جسدها.
تتألم بخفوت.
نظر غالب باتجاه نرجس ثم نظر إلى رشيدة.
عينه وقعت بالخطأ على الأرض أسفل قدم رشيدة.
وجد بركة دماء تتجمع.
رفع نظره لها، وجدها جالسة تنحني قليلاً، تضع يدها على بطنها ووجهها شاحب للغاية.
قبل أن يتحدث، رشيدة فجأة، الألم لم تعد قادرة على استحمّاله.
صرخة خافتة منها.
فتحت نرجس عينيها ورأت تلك الدماء ورشيدة المتألمة، فجأة غابت عن الوعي هي الأخرى.
نهضت نرجس وتحدثت برجفة: "رشيدة!"
نظرت نرجس لغالب الذي ذهب سريعاً وأتى لها بدكتورة، وتم نقلها إلى غرفة هي الأخرى.
رافقتها نرجس قليلاً ثم خرجت وتركتها مع الطبيبة.
بعد وقت خرجت الطبيبة من الغرفة.
تحدثت نرجس لها: "خير يا دكتورة؟"
ردت الطبيبة بعملية: "للأسف، المريضة كانت حامل، حوالي شهرين، والجنين نزل."
انصدمت نرجس.
يبدو أن المصائب لا تأتي فرادى.
أمام غرفة العمليات.
خرج الطبيب.
أقبل غالب عليه متحدثاً بلهفة قائلاً: "خير، طمني يا دكتور."
رد الطبيب: "خير، اطمن. احنا طلعنا الثلاث رصاصات من جسم المريض. هو مكنش خطير غير الرصاصة اللي في الظهر، بس النزيف كمان أثر على حالة المصاب. بس الحمد لله ربنا كتب له حياة تانية، لأن لو رصاصة الظهر كانت اتمكنت من العمود الفقري أو اقتربت من أي عضو من أعضائه الداخلية، كانت هتبقى مشكلة. بس الرصاصة اللي في فخد المصاب ممكن يكون لها أثر، لأنها كادت تخترق عضم فخده وممكن تسبب عرج مؤقت. مع العلاج هيروح. وهو دلوقتي هيخرج على العناية بس زيادة للمتابعة، وبمجرد ما هيفوق هننقله لغرفة عادية."
تنهد غالب قائلاً: "شكراً يا دكتور."
أماء الطبيب برأسه وغادر من أمام غالب، الذي رأى خروج يونس من غرفة العمليات ودخوله إلى غرفة العناية.
تذكر رشيدة.
ترك غرفة العمليات وتوجه إلى تلك الغرفة التي بها رشيدة.
وجد نرجس تخرج من الغرفة وتغلقها خلفها.
تحدثت بلهفة قائلة: "يونس."
رد غالب: "يونس خرج من العمليات والدكتور أكد حالته مش خطيرة قوي، بس هيفضل في العناية للمتابعة لحد ما يفوق. ورشيدة مالها؟"
ردت نرجس بحزن: "رشيدة كانت حامل وأجهضت."
أغمض غالب عينيه متألماً.
ألا يكفي إصابة يونس؟ ولكن ربما هذا الجنين ونزوله افتدى يونس.
المهم أن يُشفى يونس ويعوض بغير هذا الجنين.
ظهراً.
بمسجد النجع.
وقف صفوان أمام بالمصلين بالجامع.
ختم الركعة الأخيرة وأثناء التسليم نظر لخادم الجامع الذي بجواره، نظرة عرف مغزاها.
نهض خادم المسجد وذهب إلى الباب وأغلقه من الداخل على المصلين.
بنفس الوقت صعد صفوان إلى منصة الإمام ووقف متحدثاً: "أكيد مش صدفة إننا في النجع نصحى على خبر القبض على الشيخ أيمن. ولا كمان خبر ضرب عمدة النجع بالرصاص. في إيد بتفحر في النجع عاوزه الجهل والظلم يفضلوا مسيطرين على النجع. الشيخ أيمن من إمتى اتكلم في السياسة؟ ده حتى مبيشاركش في الانتخابات البرلمانية. ولو حد سأله أنتخب مين، كان بيقول: انتخبوا الإيمان والفلاح. إحنا مش محتاجين نايب عننا، إحنا نواب نفسنا، نقدر ننفع بعضنا لما نحط إيدينا في إيد بعض. يبقى إزاي صدقتوا إنه بيحاول يسيء للنجع أو يستخدم السياسة في الدين؟ وكمان العمده يونس اللي ضربه بالرصاص مكنش أكيد له عداوة معاه. فوقوا يا أهلي. أنا بدرس قانون وعارف فيه كويس. اللي وراء القبض على الشيخ أيمن وكمان ضرب العمده بالرصاص قاصد ومخطط كويس. الاتنين لما حطوا إيديهم في إيد بعض، بقى عندنا وحدة صحية فيها علاج للغلابة اللي مش قادرة على حق العلاج، وكمان بقى فيها دكتور، حتى لو واحد أفضل من مفيش. وبكرة هتكبر الوحدة الصحية. كمان مدرسة قربت تنتهي من بنائها وهتعلم ولادكم وهيطلع منهم الدكتور اللي يعالج أهل النجع، وكمان المهندس اللي يبني والمدرس اللي يعلم أولادكم وأحفادكم ويزيل الجهل والظلم ويزرع مكانهم النور والعدالة. الشيخ أيمن مفيش حد احتاج له وموقفش جنبه ونسي الإساءة لكثير وكان بيتعامل معاهم بالحسنى دايماً. كان مبدئه: من عفا وأصلح. النهار ده الشيخ أيمن محتاج إننا نثبت له حبنا ودعمنا له. الشيخ أيمن لسه في المركز مترحلش للمكان تاني. لو ملحقناش واتصرفنا بسرعة ممكن تتثبت عليه التهمة الباطلة. لو طاوعتوني، أأكدلكم إن الشيخ أيمن هو اللي هيؤممنا لصلاة ظهر بكرة. ها معايا؟"
صمت صفوان قليلاً ينظر للمصلين وهم يتهامسون معاً.
تبسم صفوان على مشاورتهم وهمسهم لبعضهم.
نطق أحد المصلين قائلاً: "أنا معاك، الشيخ أيمن هدفه دايماً مصلحة أهل النجع. أنا معاك."
نطق خلفه آخر وآخر.
تبسم لهم صفوان.
قبل العصر بقليل.
بمنزل نواره.
فتحت الباب بلهفة.
وجدت أمامها حسين متحدثاً يقول: "معلش يا مرات عمي، كنت في البندر ولسه راجع ويادوب عرفت باللي حصل ليونس. خير؟ طمنيني، إيه الأخبار؟"
ردت نواره: "أنا معرفش حاجة من الصبح غير إن يونس اتصاب. روحت لداره، أنهار متعرفش حاجة هي كمان. وصفوان جالي إنه هيروح للمستشفى ويعرف إيه اللي حصل ويرجع قبل الضهر ومرجعش لحد دلوقتي. ورجعت هنا عشان خاطر أمي وكمان يُسر. أمي من ساعة ما عرفت وهي نايمة حزينة. ويُسر وراها درس راحت له. وأنا معايا ابن رشيدة وفضل يبكي لحد ما نام. يا ضنايا."
تنهد حسين قائلاً: "خير يا مرات عمي، لو حاجة مش كويسة حصلت كان زمان الخبر وصل."
تنهدت نواره هي الأخرى، وقبل أن تتحدث سمعت بكاء الصغير.
دخلت له وحملته وخرجت به.
حاولت إسكاته لكن لا يهدأ.
تحدثت نواره بألم: "أكيد جعان، من الصبح مشربش غير شوية كراوية."
رد حسين وهو يمد يديه ليأخذه منها قائلاً: "هاتيه يا مرات عمي، أما أوديه لسلوى يمكن يرضع منها على ما رشيدة ترجع."
تبسمت نواره بغصة وأعطته له قائلة: "أهو يا ولدي، ويبقى كتر خيرك."
تحدث حسين: "خير، رشيدة سابق يا مرات عمي، أنا منساش لو مرضعتش رشيدة يمكن كانت ماتت."
بعد قليل.
دخل حسين إلى الغرفة.
وجد سلوى تقوم بترتيب الدولاب.
حين رأته يحمل طفلاً تحدثت سريعاً: "مين اللي على إيدك ده؟"
رد حسين: "ده حسين، ولد رشيدة، بت عمي."
ردت سلوى: "وجايبه ليه؟"
رد حسين: "جايبه لكِ، خدي رضعيه من صبحية ربنا وهو جعان ومش مبطل بكى، ورشيدة عند جوزها في المستشفى، ربنا يرده له الاتنين."
ردت سلوى قائلة: "وهو كانوا قالوا لك إن مُرضعة؟"
رد حسين: "هينوبك ثواب، ومتنسيش إنها فضلت يقارب على أسبوع ترضع بتك وأنتِ مريضة."
أخذت سلوى الصغير من حسين بسخط قائلة: "هات أرضعه، وبلاش كل شوية تحسسني إنها عملت اللي غيرها ميعرفش يعمله."
جلست سلوى بالصغير وحاولت إرضاعه، لكن كان رافضاً في البداية، ثم رضع منها ونام هادئاً.
بعد العصر.
أمام المركز.
تجمع مجموعة كبيرة من أهالي النجع يقودهم صفوان.
وقفوا يهتفون باسم الشيخ أيمن.
انضم إليهم أيضاً بعض من الرهبان يهتفون معهم.
بداخل المركز.
تحدث الضابط على الهاتف قائلاً: "يا أفندم، بقول لحضرتك في تجمع كبير قدام المركز من الأهالي ومعاهم كمان بعض من الرهبان."
تحدث الآخر بتعسف قائلاً: "وحبة أهالي مش قادر تتعامل معاهم؟ اضرب عيارين في الهوا، هيخافوا ويمشوا."
تحدث الضابط: "يا أفندم، إحنا هنا في الصعيد، ده مش تجمع طلبة جامعات. سهل جداً يكون معاهم سلاح، ووقتها هتبقى مجزرة دموية، وكمان فيه رهبان وممكن يتقال فتنة طائفية."
تنهد الآخر قائلاً: "طيب، خليك معايا دقايق وراجعلك."
بعد دقائق.
على الهاتف.
تحدث الآخر قائلاً: "أنت بتقول إنك عملت تحريات عن الشيخ المقبوض عليه، وهو ملوش ولا بيتكلم في السياسة."
تحدث الضابط: "فعلاً يا أفندم، أنا عملت التحريات، بس معرفش إزاي صدر أمر بالقبض عليه، وأنا هنا بنفذ القانون."
تحدث الآخر: "طيب، خلاص افرج عنه."
تبسم الضابط يتحدث بضبط نفس: "حاضر، هنفذ أوامرك يا أفندم."
بعد دقائق دخل الضابط إلى الغرفة الخاصة به في المركز، قائلاً بسعادة: "مبروك يا شيخ أيمن، صدر الأمر بالإفراج عنك. واضح إن أهالي النجع وكمان بعض الرهبان لك عندهم معزة خاصة. أنا متأكد لو مش تجمهرهم قدام المركز، كان ممكن يكون لك مصير تاني."
تحدث أيمن قائلاً: "الشكر لله، ثم لأهلي بالنجع وأخواتي الرهبان. وكمان بشكرك على استضافتك ليا ورفضك إني أنزل الحجز مع المجرمين وحجزتني هنا في الأوضة الخاصة بيك."
تبسم الضابط قائلاً: "أنا يشرفني إني أتعرف على شخصية متواضعة ومحبوبة هنا. بس فيه خبر غير سعيد للأسف، يمكن متعرفهوش."
رد أيمن: "خير."
سرد الضابط له عن محاولة اغتيال يونس.
أنصدم أيمن قائلاً: "ربنا يتلطف بيه، ومفيش أخبار وصلت بحالته؟"
رد الضابط: "وصلني خبر من المستشفى إنه خرج من العمليات وحالته مطمئنة لحد كبير."
تنهد أيمن قائلاً: "خير إن شاء الله. ربنا يكمل شفاها."
مد أيمن يده للضابط قائلاً: "بشكرك مرة تانية لتطبيقك لروح القانون بدون تعسف منك."
بعد قليل خرج الشيخ أيمن من المركز مع الضابط، بعد أن أنهى إجراءات خروجه.
نزل بين الأهالي الذين التفوا حوله متبسمين.
تحدث إليهم شاكراً يقول: "بفضلكم ربنا نجاني من فخ كان منصوب ليا. أنتم أهلي وناسي اللي ساعدوني في محنتي. وبتمنى لكم كل الخير."
تحدث الأهالي له بحب.
أتى أحد الرهبان متحدثاً يقول: "الفضل كله يرجع لصفوان، هو اللي جمعنا هنا."
تبسم أيمن قائلاً: "صفوان صديق وأخ صغير، لكن صاحب عقل كبير. ربنا يحقق العدل في يوم على إيده لما يكون وكيل نيابة ويتشرف بيه نجع الهلالية."
قبل المغرب.
بالمشفى.
دخلت نواره ومعها حسين السلطان.
رأت غالب يقف أمام أحد الغرف.
ذهبت إليه قائلة: "غالب بيه، يونس أخباره إيه؟ وفين أم يونس؟ وكمان رشيدة؟"
رد غالب: "يونس الحمد لله، الدكتور طمنا عليه. إنما نرجس مع رشيدة في أوضة. تعالي أوديكِ ليها."
تحدثت نواره أثناء سيرها بقلق: "في أوضة ليه؟ خير؟"
رد غالب: "خير."
وقف غالب قائلاً: "رشيدة ونرجس جوه. ادخلي لهم وخليك أنت يا حسين هنا معايا."
دخلت نواره لداخل الغرفة.
وجدت رشيدة نائمة ومعلق بيدها محلول طبي، ونرجس تجلس على مقعد جوارها.
تحدثت نواره بلهفة: "خير يا أم يونس، رشيدة مالها؟"
ردت نرجس: "هي بخير، اطمئني."
سردت نرجس لها عن حمل رشيدة وإجهاضه.
تنهدت نواره بحزن قائلة: "كنت شاكة من كام يوم، جلتلها وردت جالتلي لأ، وجالت إن يونس كمان عنده نفس الشك. يلا الحمد لله، المهم ربنا يقومها هي ويونس بخير، وربنا يخلي لهم ولدهم ويعوضهم بغيره."
أمنت نرجس على دعائها قائلة: "وفين حسين؟"
ردت نواره: "حسين في داري مع أمي ويُسر. وجلتلها لو بكى تبجى توديه لسلوى، مرات حسين سلفي، ترضعه."
ليلاً.
بعد أن فاقت رشيدة، لم تهمها صحتها ولا ماذا فقدت، ولا محايلة نواره ونرجس لها أن تظل بالسرير لراحتها.
كل ما تريده هو الاطمئنان على يونس ورؤيته.
بعد محايلة لها للطبيب، سمح لها بالدخول إلى يونس.
دخلت إلى غرفة العناية بعد أن تعقمت.
مالت عليه وقبلت جبهته.
تحدثت بهمس جوار أذنه قائلة: "أنا جنيتك، وكمان ذات الخال وسمراؤك، وبنت السلطان. وأنت عشقي يا واد الهلالية. أنا هنا مش حلم، أنا كيف دايماً تجولي. أنا الحقيقة والخيال مستنياك."
انتهت تلك الليلة مع شروق جديد.
بالدوار، هناك تجهيز لجنازة سارة.
النحس يطارد عائلة الهلالي.
النسوة يتشحن بالسواد وبعض العويل.
عواد تائه.
غالب حزين، وكذالك يوسف، يقفان معاً.
بالقرب من أحد اسطبلات الخيل التابعة لناجي الغريب.
توقف عاملان.
ليقول أحدهم: "في ريحة نتنة جاية من ناحية الأسطبل القديم. أنت مش شامم؟"
تحدث الآخر: "يمكن فار ولا قطة."
رد العامل: "لأ، دي ريحة جوية وكل مادي بتزيد. تعالي نروح نشوف إيه، يمكن كلب ولا ثعلب من الجبل."
دخل العاملان إلى داخل الأسطبل القديم.
ازدادت الرائحة الكريهة، ولكن انصدما بشدة من سبب تلك الرائحة.
إنه هو ابن رب عملهم.
نظرا له، جثته بدأت تتحلل.
لم يقتربا منه خوفاً، وخرجا سريعاً من الأسطبل بسبب الرائحة، وقفا الاثنان يسحبان الهواء لرئتيهما بشدة، ويعلنان.
بعد وقت هدئا ووقفا الاثنان خائفان.
تحدث أحدهم: "لازم نروح نبلغ ناجي بيه. أنا سمعت إنه كان بيسأل عن ولده."
رد الآخر: "إني خايف منه، لو عرف إن ولده مات."
رد الآخر: "وإحنا مالنا؟ وهو كان إحنا اللي موتناه."
رد الآخر: "أنا بقول أحنا نبلغ المركز وهما يعرفوه."
رد الآخر: "موافقاً له."
بالمشفى.
رشيدة لا تمتثل لحديث الطبيبة بإلزامها للراحة، فهي بالأمس أجهضت، لكن لا يهمها.
رغم حزنها على فقدان جنينها، لكن تريد أن يكون فقده قرباناً لله يفدي به حياة يونس.
كل ما تريده فقط هو أن يفتح يونس عينيه، لكن هو مازال بسكرته.
بعد وقت.
بمنزل ناجي الغريب.
دخل أحد الغفر قائلاً: "الحق يا ناجي بيه، البوليس في الأسطبل القديم."
هب ناجي قائلاً برعب: "بتقول إيه؟ هو الأسطبل ده فيه حاجة؟"
رد الغفير: "لأ جنابك، بس معرفش. أنا شوفت دخول البوكس وجيت ل جنابك أقولك."
قال ناجي: "غور، وأنا هحصلك."
خرج الغفير.
دخلت همت ساخرة تنظر لوجه ناجي تقول: "ها؟ مداري وشك بالشال بسبب علامة بنت السلطان؟ لأ، وكمان فشل الراجل بتاعك وبيجولوا في النجع إن واد الهلالي لسه عايش."
نظر لها ناجي بغيظ وتحدث ساخراً: "مش سارة، بنت بنت عمك وكمان كانت أرملة ولدك، ماتت. أنا بقول تروحي تعزيها، أنتي زي ما بيجولوا تجتل الجتيل وتمشي بجنازته. فكراني مش عارف إنك السبب بموتها."
قال هذا وتركها لحقدها وغيظها التي ستدفع ثمنه.
بالأسطبل.
تجمع رجال من الشرطة ومعهم أحد الأطباء الشرعيين، يضعون جميعهم الكمامات على وجوههم.
دخل ناجي، والذي أوقفه على الباب تلك الرائحة قليلاً، ووضع ذالك الشال الذي كان يداري به وجهه على أنفه.
ثم دخل إلى داخل الأسطبل.
متحدثاً بثبات إلى حد ما قائلاً: "خير يا حضرة الظابط."
تنحى الضابط وبعض العساكر، ليظهر أمام ناجي ذالك المدد أرضاً وجثته منتفخة.
رأى وجهه.
عقله رفض، مذهول، غير مستوعب ما يراه أمامه.
كابوس.
وقف الطبيب الشرعي متحدثاً: "مبدئياً كده، واضح إن الوفاة بسبب جرعة مخدرات. مفيش شبهة قتل، بس أكيد النتيجة النهائية هتكون بعد تشريح الجثة."
ماذا تحدث الطبيب؟ قال وفاة بسبب جرعة مخدرات؟
لا، عقله لا يصدق، يرفض ما سمعه.
فاق حين وضع بعض العساكر جسد أمجد على ناقلة.
اعترض طريقهم وتحدث قائلاً: "وخدينه فين؟ سيبوه ولدي. أنا هدخله أغلى مستشفى وهجيب له دكاترة من بره. سيبوه ولدي حي."
وضع العساكر الناقلة أرضاً.
انحنى ناجي يتحدث باستجداء، ناسياً تلك الرائحة الكريهة: "ولدي، فوق يا ولدي. قول لهم إنك عايش."
لم يتعجب العساكر وأيضاً الضابط، فبالنهاية هو ولده.
وأشار الضابط للعساكر بحمل الناقلة مرة أخرى.
وأمسك ناجي أحد العساكر ورجع به للخلف، حاول ناجي الخروج من قبضة العسكري، لكن لم تحتمل ساقيه وجلس أرضاً متحسراً على نبتته الشيطانية التي ماتت سريعاً.
بعد دفن سارة.
وقف غالب ويوسف يسندان عواد المصدوم.
وقفوا ثلاثتهم يتقبلون العزاء أمام الدوار.
بداخل الدوار.
أعطى الطبيب ل نفيسة حقنة منومة.
جلست النساء تتهامس وتتلامز فيما بينها.
فابنة الهلالية وزوجة اثنين من العُمد، لا توجد امرأة من الهلالية تأخذ عزاءها سوى تلك الصغيرة ياسمين.
كذب ولدها، لم يمت هكذا تقول همت.
فبعد أن كانت شامته أصبحت مشمتة.
لا يهم، لكن ولدها الصغير لم يمت هو الآخر.
هكذا تهذي بين تلك النسوة اللائي أتوا بعد أن علموا بالخبر.
هي تنتظر خبر موت ولد نرجس، لا، خبر موت ولد آخر لها.
قبل العصر بقليل.
دخل صفوان إلى غرفة أمام المسجد قائلاً: "نورت الجامع يا شيخ أيمن، كان مظلم من غيره."
تبسم أيمن قائلاً: "بيوت الله دائماً منورة بنور الله. الفضل يرجع لك يا صفوان. أنا مشفتكش من بعد ما خرجت من المركز. كان عندي لك سؤال، بس قبل ما أسأله، طمني، أنا عرفت إنك كنت عند يونس في المستشفى."
رد صفوان: "الحمد لله، الدكاترة بيقولوا حالته مطمئنة ومستنين يفوق في أي لحظة. ربنا لطف بيه. بس اللي زعلني رشيدة كانت حامل وأجهضت، واكيد يونس أما يفوق ويعرف هيزعل."
رد أيمن قائلاً: "كل أمر ربنا خير، وجدامهم العمر كله يعوض عليهم ربنا. أهم حاجة يتم شفاؤه ويعود لأهله وكمان لأهل النجع. وده كان سؤالي ليك. مخوفتش إن الحكومة تقبض عليك وتتهمك بالتجمهر قدام المركز، وأنت اللي كنت بتقود الأهالي، وكمان واحد من الرهبان جالي إنك أنت اللي خبرتهم وطلبت منهم يشاركوا في المظاهرة. لو اتقبض عليك كان هيتنسب لك تهمة كبيرة وكان هيضيع مستقبلك."
رد صفوان: "لأ، مخوفتش ولا فكرت أتراجع لثانية واحدة. أنا بدرس قانون وأساس القانون هو العدل. والعدل بيجول إن اللي يساعد الناس بحسن نية، إزاي يكون بيستخدم الدين كوسيلة للسياسة. وكمان الدين بيجول: الساكت عن الحق شيطان أخرس. يرضيك يا شيخ أيمن صفوان ولد حسين السلطان يكون شيطان أخرس."
تبسم أيمن قائلاً: "متأكد إن صفوان ولد حسين السلطان هيجي في يوم قاضي يحكم بين الناس بالعدل."
بالمشفى.
دخلت نواره إلى تلك الغرفة التي تنزل بها رشيدة وترافقها نرجس.
دخلت تحمل ذالك الصغير.
التي بمجرد أن رأته نرجس، وقفت وأخذته من نواره وقبلته قائلة: "من زمان مشوفتكش يا نور عيني."
ضمته بحنان وتأملت ملامحه قائلة: "جاب شكل يونس وهو صغير."
ردت نواره ببسمة: "ربنا يخليه ويشفي يونس. مفيش جديد."
ردت نرجس: "لأ، الدكتور قال ممكن يفوق بأي لحظة، وإحنا مستنين. وبالعافية على ما أقنعت رشيدة تفضل هنا في الأوضة، والدكتور جالي بمجرد ما هيفوق هيجي بنفسه يبشرنا."
تحدثت نواره وهي تنظر لرشيدة الشاردة قائلة: "ربنا يبشرنا بالخير. يلا، كل شيء قدرنا. كنت في عزا سارة، ونفيسة الدكتور نيمها، كانت مش مبطلة صريخ وعويل. وكمان بيجولوا همت وناجي عقلهم هيشت على ولدهم. ربنا يرأف بالجميع."
نزلت رشيدة من على الفراش وتحدثت قائلة: "يونس! يونس فاق! قلبي حاسس بكده."
تبسمت نرجس وهمت قائلتان بنفس اللحظة: "يارب."
تبسمت رشيدة وأخذت صغيرها من نرجس وقبلته قائلة: "أبوك رجع لنا، مش هيسيبنا. الحلم اتعكس، بس الحمد لله."
بغرفة العناية.
دخل الطبيب سريعاً بعد أن أعطى جهاز المؤشرات الحيوية إنذاراً له.
تبسم وهو يرى يونس بدأ في الإفاقة.
ظل جواره إلى أن فاق كلياً.
تحدث الطبيب قائلاً: "أهلاً برجوعك مرة تانيه للحياة."
تبسمت شفاه يونس يتحدث بهمس وهمهمة: "رشيدة."
فهم الطبيب كلمته قائلاً: "رشيدة؟ دي أكيد مراتك اللي مكنتش عاوزة تسيب الأوضة وتفضل جنبك، رغم إنها هي كمان محتاجة للراحة. بس واضح إن الاهتمام بينكم مشترك، إنك أول ما تفوق تسأل عليها. على العموم، أنت دلوقتي هتتنقل لغرفة عادية، وأكيد هتشوفها."
تبسم يونس بوهن.
بغرفة رشيدة.
بكى الصغير بين يديها.
تحدثت نواره قائلة: "أكيد جعان. امبارح والنهاردة سلوى رضعته، كتر خيرها، مع إن أنتِ مسبقة معاها، بس كتر خيرها. امبارح الدكتورة لما سألتها جالت: بلاش ترضع ابنها عشان البنج وكمان أكيد صحتها مرضانه."
ردت نرجس: "لأ، خلاص بجت زينة والدكتورة شافتها من شوية وجالت لها ترضع ولدها عادي، بس بلاش إجهاد زيادة."
جلست رشيدة ورفقت ولدها على صدرها، الذي يبدو أنه لم ينسى حنان صدرها.
من يقول أن الرضع ليس لديهم ذاكرة؟ فمن ينسى حنان حضن أمه من ليلة غابتها عنه؟
بعد قليل.
سمعن طرقاً على الباب.
ذهبت نواره وفتحت الباب.
وجدت أمامها طبيباً.
تنحت له ودخل إلى الغرفة مبتسماً يقول: "أنا جيت بنفسي زي ما وعدتك. يونس بيه فاق واتنقل لأوضة عادية."
نهضت رشيدة بصغيرها مبتسمة، سعادتها لا توصف.
كذلك نرجس عادت لها نور عينيها، نسيت ألم بكاء عينيها.
خرجن الثلاثة خلف الطبيب.
وقف الطبيب أمامهن أمام غرفة يونس متحدثاً يقول: "ياريت بلاش اندفاع وكمان بلاش إجهاد للمريض. أنا كان ممكن مقولش لكم، بس رأفة بحالكم هسمح لكم بالدخول. من فضلكم، المريض لسه متعافى لدرجة كبيرة، ياريت تحافظوا عالهدوء."
تبسمن له وأمأن برؤسهن.
دخل الطبيب وهن خلفه.
عندما رأين يونس يفتح عينيه، روحهن ردت لهن.
اقتربت نرجس وانحنت قبلت جبهة يونس متحدثة: "حمدلله على سلامتك يا ولدي. ربنا ما يوريني فيك سوء تاني، ويتم شفاك."
تبسم لها يونس.
اقتربت نواره قائلة: "تذكر ولا تتعاد، ويخليك لولدك ومرتك، وتنك حسك في الدنيا."
تبسم لها يونس أيضاً.
ظلت رشيدة بولدها بعيداً قليلاً تنظر له فقط دون تحدث.
تحدثت نرجس قائلة: "تعالي معايا يا نواره، عاوزكِ في حاجة. إحنا خلاص اطمنا على يونس."
خرجت الاثنتين وتركن رشيدة وولدها مع يونس.
ظلت رشيدة واقفة مكانها متسمرة تنظر ليونس، الذي نظر لعيناها الدموية ووجهها الشاحب، تبدو مريضة.
تحدث يونس بوهن قائلاً: "هتفضلي تبصي لي كده كتير، ولا عاوزاني أرجع تاني؟"
ردت رشيدة سريعاً: "لأ."
تبسم يونس قائلاً: "خلاص قربي مني، أنتي وحسين. وحشتوني جوي."
أقتربت رشيدة من الفراش ووقفت قائلة: "أنت كمان وحشتنا جوي."
تحدث يونس قائلاً: "واقفة جنب السرير بعيد ليه؟ قربي مني شوية."
أقتربت رشيدة.
تحدث يونس: "قربي حسين مني، عاوز أبوسه."
قربت رشيدة حسين من وجه يونس، قبله من وجنتيه.
لاحظ ذالك الإصق الطبي الذي على ظهر يد رشيدة.
تحدث قائلاً: "مالها إيدك؟"
نظرت رشيدة ليدها قائلة: "ولا حاجة، دي تعويرة بسيطة. المهم أنت."
تحدث يونس بوهن قائلاً: "أنا اتولدت مرة تانية على لما شوفت بنت السلطان."
تبسمت قائلة: "الدكتور جالي لازمك راحة. أنا هروح أدي حسين لأمي تاخده معاها وهي رايحة، وأنا اللي هبات هنا."
قالت هذا وتركت الغرفة سريعاً.
تعجب يونس، ولكن ليس قادراً على النهوض ولا على الحركة.
بخارج الغرفة.
وجدت رشيدة نرجس ونواره تجلسان.
وقفت نرجس بخضة قائلة: "خرجتي بسرعة كده ليه؟"
نزلت دموع رشيدة قائلة: "مفيش، بس جَلبي مش مستحمل يشوف يونس راقد بالشكل ده ع السرير."
تبسمت نرجس تضمها بحنان: "إحنا نحمد ربنا إنه لطف بيه. بكرة هتعود له صحته ويبقى زين. لكن تفهمت نواره خوف رشيدة. هو ليس من ذالك فقط، هي تخشى أن يعرف يونس أنها أجهضت جنينهم الذي كان بأحشائها.
#يتبع.. بالخاتمة بكرة إنشاء الله.
دومتم سالمين وأحبائكم.
رواية يونس وبنت السلطان الفصل الرابع عشر 14 - بقلم سعاد محمد
بالدوار نامت نرجس بجانبها على فراشها.
تقبل ساق حفيدها الصغير وتحدثت إليه مبتسمة:
"حبيبي أنا سيتك أم أبوك؟ أنا بحبك جوى يمكن أكتر من أبوك."
"لاه زيك زيه".
"زام الصغير تبسمت قائلة: "لاه متزعلش أنتي أغلى شوية".
سمعت طرقاً على الباب. قامت وفتحت الباب وجدت الخادمة تقول لها:
"الميه المغلية اللي طلبتيها".
أخذتها نرجس منها وقالت:
"شكراً روحي أنتي نامي".
دخلت نرجس بإناء الماء ووضعته على طاولة بجوار الفراش. نظرت لحفيدها مبتسمة وتقول:
"حالاً هحضرلك الرضعة زي الدكتور اللي في المستشفى ما جالي."
"أنا بالعافية خدتك من نوّارة تبات معايا. بكرة رشيدة ترجعلك وتاخدك في حضنها من تاني. متقلقش يا حبيبي. ربنا هيشفي يونس ويقوم بالسلامة".
تبسمت نرجس على بسمة الصغير المشاغب.
لكن طرقاً مرة أخرى على الباب جعلها تكف عن تحضير الرضعة وذهبت للباب وقامت بفتحه. تلبكت كثيراً حين رأت غالب هو من يقف أمامها. وصمتت ووقفت تسد بجسدها عليه رؤية الصغير.
تحدث غالب بلهفة قائلاً:
"يونس أخباره إيه؟ أنتي عارفة طول اليوم كنا في إيه؟ بس أنا اتصلت عالداكتور وبشرني إنه فاق".
ردت نرجس قائلة:
"الحمد لله فاق بس لسه أثر العملية عليه ومتحسنش جوي. على بكرة هيبدأ يفوق أكتر".
تبسم غالب قائلاً:
"ربنا يتمم شفاه".
وقبل أن يُكمل حديثه بكى الصغير. أغمضت نرجس عيناها بصمت.
سمع غالب صوت بكاء الصغير. تحدث قائلاً باستغراب:
"مين اللي بيبكي جوه ده؟"
لم ترد نرجس ودخلت إلى داخل الغرفة وقامت بحمل الصغير من على الفراش وهدهدته. نظرت لغالب الذي دخل خلفها ولم تتحدث.
نظر غالب لما تحمله وقال:
"ده واد يونس؟"
ردت نرجس وهي تضم الصغير لحضنها قائلة:
"أيوه هو. وأنا اللي جبته من نوّارة. كانت هتاخده عندها دارها بس أنا جولت لها إني اللي هاخده الليلة. رشيدة هتبات مع يونس في المستشفى وأنا الأولى بولد ولدي".
نظر غالب إلى الصغير بحنان لكنه أخفى لهفته له، قائلاً:
"براحتك. أنا كنت جاي أطمن على يونس. تصبحي على خير".
ردت نرجس باختصار:
"وأنت من أهله".
أدار غالب وجهه إلى الباب ليغادر بخطوات بطيئة. يتمنى أن يعود ويأخذ الصغير من يديها يقبله ويضمه لصدره. لكن منعه الكبرياء. خرج من الغرفة وأغلق الباب خلفه ووقف جوار الباب يتنهد ببسمة وأمل. ربما دخول هذا الصغير إلى الدوار قد يعيد الكبير الذي ترك الدوار من أجل ذلك الصغير وأمه. أمه الشجاعة التي واجهت ناجي بفعلته وأرادت قتله من أجل يونس.
بينما في الغرفة، ابتلعت نرجس ريقها الجاف قائلة:
"ربنا يهدي جدك غالب ويرجع لرشده. تعالي نشوف الرضعة كده".
وضعت نرجس نقطة من الرضعة على ظهر كفها. وجدتها مازالت ساخنة. تحدثت بمرح قائلة:
"لسه سخنة شوية. خلينا نتكلم مع بعض شوية على ما تبرد. أيه رأيك أحكيلك على أبوك شوية وهو صغير؟ طول عمره كان عاقل وسابق سنه. كان هادي مش مشاغب. بس في الحق تلاقيه مدافع جوي وشجاع".
دخل غالب إلى غرفته. ارتمى بجسده على الفراش منهكاً ونادم. أين كان عقله حين سمع لهمت تلك الشيطنة التي سمت أفكاره؟ كيف قسى على يونس يوماً وحاربه؟ ولكن رغم حزنه على موت سارة، انشرح قلبه حين علم أن يونس قد استفاق. وانشرح أكثر حين رأى ذلك الصغير. تأمل ملامحه جيداً لأول مرة. تبسم وهو يغمض عينيه يرسم خياله بسمة ذلك الصغير. فبنهاية هذا اليوم الحزين كان هناك شيء سعيد.
ليلاً. طرق شديد على الباب يكاد يخلع الباب من محله. فتح الباب صفوان. وجد أمامه مجموعة من العساكر وخلفهم ضابط.
تحدث الضابط:
"ده بيت المدعوة يُسر حسين السلطان؟"
"على تحدث الضابط".
خرجت كل من نوّارة وحلمية وأيضاً يُسر، التي ارتعبت واقتربت من نوّارة التي ضمتها.
تحدث الضابط:
"معايا أمر بالقبض على يُسر حسين السلطان".
ضمت نوّارة يُسر التي ترتعش بشدة.
تحدث صفوان:
"وأيه سبب القبض عليها؟"
رد الضابط:
"متهمة بقتل أمجد ناجي الغريب".
نظر الضابط إلى يُسر التي تحتضنها نوّارة، وذهب باتجاهها وشدها بعنف من بين يدي نوّارة.
تحدثت يُسر وهي تمسك يد نوّارة باكية:
"أنا بريئة. متصدقيش يا أماي. متسبنيش".
شدها الضابط بقوة وسار بعيداً.
نهضت نوّارة فزعة من كابوسها ونهضت من على الفراش وذهبت إلى الغرفة الأخرى. ودخلت أضاءت الضوء. نظرت إلى الفراش وتنهدت براحة. هو كان كابوس. يُسر هنا نائمة. اقتربت من الفراش وجدت وجه يُسر متعرق تهذي وهي نائمة. أيقظتها قائلة:
"يُسر اصحي".
استيقظت يُسر فزعة تقول:
"أماي خير. في إيه؟"
ردت نوّارة:
"مفيش. أنا هنام جنبك الليلة. وكنت هجولك انزاحي شوية عشان أعرف أنام جنبك".
ردت يُسر بتعجب:
"هتنامي جنبي ليه؟"
ردت نوّارة وهي تستلقي على الفراش:
"مزاجي أكده وأتخمدي نامي بجى. أنا هلكانة طول اليوم. كويس إن حسين واد أختك خدته نرجس الليلة".
تبسمت يُسر لها وهي تنام بجوارها. لكن نوّارة شدتها لتنام على صدرها. تبسمت يُسر وهي بحضن نوّارة. هي قبلها كانت تحلم بكوابيس أن همت تريد قتلها. لكن بحضن نوّارة ذهبت للنوم سريعاً دون كوابيس.
ولكن نوّارة لم تنم. تدعي بقلبها أن يبعد الشر عن ابنتها التي لا تستحق أي عقاب. هي لم تفعل شيئاً تعاقب عليه. من كان يستحق العقاب هي همت وزوجها ناجي على تربيتهما السيئة لأمجد.
بالمشفى. فزعت رشيدة من نومها المتقطع. فهي لم تكن ناعسة ولكن كان يختطفها النوم أحياناً وتصحو سريعاً. حين سمعت طرقاً على الباب. نظرت باتجاه يونس وجدته نائماً. نهضت سريعاً إلى الباب وفتحته. وجدت أمامها ممرضة تبتسم قائلة:
"أنا آسفة بس ده ميعاد الدوا وأنا كنت جاية عشان كده".
ردت رشيدة:
"لاه اتفضلي ادخلي".
دخلت الممرضة وقامت بتعليق محلول طبي آخر وقامت بغرس بعض الحقن العلاجية به إلى أن انتهت. نظرت إلى رشيدة متحدثة قائلة:
"ربنا يتمم شفاه بسرعة".
تبسمت رشيدة قائلة بتمني:
"يارب".
"ومتشكرة جوي".
ردت الممرضة ببسمة:
"ده واجبي. تصبحي على خير".
ردت رشيدة:
"وأنتي من أهله".
بعد خروج الممرضة، وقفت رشيدة أمام الفراش تنظر بحزن شديد إلى يونس. لكن حمدت الله على نجاته. تبدل حلمها التي كانت تخاف تحققه. ربما حزنها على فقد جنينها أهون كثيراً لو تحقق العكس.
سمعت همس يونس باسمها حين قال:
"رشيدة قربي مني حطي أيدك في يدي".
نظرت رشيدة ليد يونس السليمة. وجدته يفتح كف يده. وضعت مقعداً بجوار الفراش ووضعت يدها بكف يده. تبسم وهو يطبق كف يده على يدها بضعف. ولكن كان بالنسبة لها قوة تحتاجها الآن.
تحدث يونس وهو مغمض العين:
"أيدك باردة كده ليه؟ متخافيش. أنا مش هسيبك. أنا قدرك".
ردت رشيدة:
"أحلى قدر. أوعى تسيب يدي".
فتح يونس عيناه بصعوبة قائلاً بوهن:
"كنت خايف أموت وأتحرم من بنت السلطان. كان نفسي أشوفك أنتي وحسين. حتى لو كان آخر حاجة بشوفها في حياتي".
نهضت رشيدة واقفة ومالت على جبين يونس وقبلته قائلة:
"بلاش سيرة الموت. أنت مش عارف أنا كنت بموت وأنت غايب عن الوعي. كفاية بجى. نفسي نعيش في سعادة وفرح وننسى كل السئ في حياتنا".
تبسم يونس بوهن:
"أنا مفيش في حياتي شئ سئ من يوم ما طلعتيلي جنيه من النيل. فتحت في جلبى عشجها".
تبسمت رشيدة وهي تجلس مرة أخرى قائلة:
"وجنيتك بتعشجك يا واد الهلالي".
تبسم قائلاً:
"ليه خرجتي أنتي وحسين بعد ما فقت؟ ولما رجعتي محسيتش بيكي؟ هو فين؟"
ردت رشيدة بتوهية:
"خرجت بحسين أوديه لأمي تاخده معاها وهي ماشية عشان أحنا في مستشفى وممكن يلقط أي عدوى. ولما رجعت دخل الدكتور جالي إنك نايم بسبب الأدوية. ودلوقتي كمان لازم تنام وبلاش كلام كتير".
رد يونس:
"هنام بس متسبيش يدي وأنا نايم".
تبسمت رشيدة قائلة:
"عمري ما هسيب يدك يا قدري اللي بعشجه".
بنور نهار جديد باكراً. أمام دار ناجي الغريب. جلس بين المعزين يهذي عقله. منظر ولده لا يفارق رأسه. أتى إليه أحد العاملين لديه متحدثاً بخوف:
"ناجي بيه النيابة بعتت إشارة من بالليل إنك تروح للمستشفى لاستلام جثة أمجد بيه عشان ندفنه بعد صلاة الضهر".
رد ناجي بشخط:
"طيب روح أنت جهز القبر عشان الدفنة وقول لأي واحدة من الخدمات تبلغ همت".
بداخل الدار. بمجرد أن قالت لها الخادمة عادت للنحيب والعويل. كانت النسوة يدعون الحزن وهم يجلسون بجوارها. ومنهن من يتهامسون بينهن: "فولد تاجر المخدرات مات بسم يبيعه أبيه يفسد به الشباب يسلب عقولهم ويدمرهم به. يالا العجب. دمر ولده بنفس السم. تلك هي العدالة الإلهية".
بالدوار. تنهدت مبتسمة نرجس. أخيراً نام الصغير. لكن طرقاً على الباب جعلها تنهض سريعاً من على الفراش. فتحت الباب. أشارت لياسمين بسبابتها أن تصمت.
تحدثت نرجس بهمس:
"اتكلمي بشويش. مصدقت حسين أخيراً رضع من الرضعة ونام".
تبسمت ياسمين قائلة:
"صباح الخير يا مرات عمي. كنت جاية أسألك على يونس. أنتي لما جيتي بالليل كنت أنا نمت. أنتي عارفة إني كنت في عزى النسوان وقبلها كنت جاية من السفر. والله نمت مادريت إلا من شوية. طمنيني".
ردت نرجس:
"الحمد لله فاق والدكتور جالي إنه مع الوقت هيتحسن".
تبسمت ياسمين قائلة:
"يارب يكمل شفاة بخير".
نظرت ياسمين إلى الصغير النائم قائلة:
"أكيد حسين غلبك. أنا مجربة قبل كده لما كنا في القاهرة. مكنش حد بيعرف يسكتوا فينا غير يوسف أخوي. وهيفرح قوي لو عرف إن حسين هنا في الدوار".
أكملت بخذل:
"هو أبويا عرف إن حسين هنا في الدوار؟"
ردت نرجس:
"أيوه عرف ومابداش اعتراض ولا قبول".
تبسمت ياسمين قائلة:
"نسيت أنا كنت جايه ليه. في ست اتصلت عالتيليفون ورديت عليها بتقول إنها مرات النائب بتاع المركز اللي جنبنا. هتيجي عشان تعزي. وحضرتك عارفة مرات عمي نفيسة منيمنها طول الوقت. ربنا يصبرها هي وعمي عواد. الله يكون في عونه".
تنهدت نرجس بحزن قائلة:
"ربنا يصبرهم. وتمام. أنا هغير هدومي وأنزل معاكي وهقول للشغالة تاخد بالها من حسين. أما يصحى تجولي".
بعد دقائق. خرجت نرجس بصحبة ياسمين من الغرفة متجهتان إلى أسفل. رآهن غالب من ظهرهن وهن ينزلن لأسفل الدوار. شعر أنها فرصة أتت له. دخل إلى غرفة نرجس يفتح الباب بهدوء يتسحب كالأطفال. نظر إلى الفراش. رأى ذلك الملاك النائم. أقترب من الفراش ونظر له بتعمق لأول مرة. نام جواره على الفراش وانحنى عليه يقبل يديه ثم وجنتيه. همس جوار أذنه قائلاً بحنان:
"أنا جدك غالب الهلالي. أنا بتأسفلك. مكنش لازم أسمع لهمت الشيطنة. لكن سامحني يا ولدي. أنت ملاك وأكيد هتسامح جدك. عارف جلبك أبيض زي نرجس وكمان يونس. نصيحة مني. أوعى يا ولدي في يوم تسمع لشيطان ست غلاوية. انتقامها أسود. خليك كيف أبوك وامشي وراء الحق".
بمشرحة مشفى حكومي. وقف ناجي مع ذلك الضابط الذي يمقت ناجي لكن يؤدي مهمته. قدم له تقرير قائلاً:
"دي نسخة من تقرير الطب الشرعي. والنسخة التانية راحت النيابة. الوفاة مفيش فيها أي شبهة جنائية. الوفاة كانت نتيجة تناول أكثر من نوع من المخدرات بكمية مضاعفة عملت هبوط في عضلة القلب وكمان انسداد في الرئة وأدت للوفاة فوراً".
أكمل الضابط بإيحاء قائلاً:
"أكيد رفقة السوء هما اللي جرجروا ابنك للطريق ده. عالعموم ربنا يعوض عليك".
كان ناجي يوطي برأسه. لم يشعر بسخرية الضابط وإن العقاب من نفس العمل الذي يفعله بغيره. أومأ للضابط برأسه فقط دون أن يتحدث. نظر له الضابط وعلم أنه ما زال يمتلك نفس طغيانه الأسود رغم العقاب القاسي له من الله. لكن يبدو أن باب التوبة لديه ما زال مغلق.
بالمشفى. طرق على الباب. فتحت رشيدة عيناها وجدت نفسها تجلس نائمة على المقعد تضع رأسها على يد يونس. رفعت رأسها. نظرت إلى يونس وجدته نائم. وقفت وذهبت إلى الباب وفتحت. دخل الطارق مباشرة يقول:
"أنا عرفت من أبوي إن يونس فاق. والله كنت هجيله من امبارح بس الظروف بقى".
ردت رشيدة:
"مفيش لازمة للأعذار يا يوسف. أنا عارفة قد إيه يونس غالي عندك. مش فاكر لما أبوك منعك تكلم يونس وكنت بتكلمه؟ يونس الحمد لله فاق والدكتور جالي حالته مطمئنة. كم يوم وهيخرج من المستشفى".
تبسم يوسف وتمنى له الشفاء الكامل. لكن فتح الباب دون طرق. نظرت رشيدة لمن فتح الباب. رأت كل من يُسر ودخلت خلفها نوّارة تتحدث بتعسف ليُسر قائلة:
"طول عمرك همجية. مش جولت تخبطي عالاباب قبل ما تدخلي زي الجاموسة كده".
ضحك يوسف وتبسمت رشيدة. بينما نظرت لهم يُسر بغيظ. وأقتربت من نوّارة قائلة:
"أيه لازمتة أخبط عالاباب؟ أحنا في مستشفى مش في بيت. يعني وارد أي حد يدخل عادي. وبعدين ليه الشتيمة؟ أنا جاية أطمن عالعمده".
رد يوسف:
"العمده بس".
ردت رشيدة قائلة:
"أصلها نسيت إن يونس يبقى جوز أختها".
ردت يُسر قائلة:
"لاه منسيتش. بس معرفش إيه اللي وقعه. الوقعة دي نصيبه وقدره بجى".
قامت نوّارة بنغزها ونظرت لها بتحذير. تبسم يونس الذي استيقظ قائلاً بوهن:
"أحلى وقعه وقعتها لما اتجوزت بنت السلطان".
تبسم يوسف قائلاً:
"لاه دا أنت واقع من قبل ما تتجوز بنت السلطان. ده أنت كنت بتهذي باسمها المرة اللي فاتت في الوحدة. أنا كنت بايت معاك وسمعتك بنفسي. بس قولت يونس ابن عمي. طيب إيه اللي وقعه في واحدة من بنات السلطان؟"
ردت يُسر بشر:
"ومالهم بجى بنات السلطان؟"
رد يوسف:
"قاسيين ولسانهم زالف".
ضحكت نوّارة قائلة:
"والله ما كذبت يا ولدي".
تبسم يونس ويوسف الاثنان. نظرت كل من رشيدة ويُسر لها بغيظ. تبسمت نوّارة لهن قائلة:
"بتبصوا لي كده ليه؟ مش دي الحقيقة. عالعموم أحنا هنا مش عشان بنات السلطان. نظرت ليونس قائلة: "كيفك يا ولدي؟"
رد يونس:
"الحمد لله. كل أمر ربنا خير. بس فين حسين؟"
ردت نوّارة:
"حسين نرجس خدته معاها امبارح".
ردت رشيدة بتفاجؤ وخوف قائلة:
"خدته معاها الدوار؟"
ردت نوّارة:
"آه يا بتي. والله بعد محايلة مهنش عليا أكسر بخاطرها. وكمان قبل ما نمشي راحت لدكتور أطفال هنا في المستشفى وكشفت عليه. وكمان جالي على لبن صناعي ترضعه بيه بدل ما كل شوية نروح لسلوى مرات حسين".
توترت رشيدة وهي تنظر ليوسف قائلة:
"بس ممكن يغلبها. وكمان عمي غالب ممكن..."
قبل أن تكمل رشيدة حديثها تحدث يوسف قائلاً:
"أبوي عمره ما يأذي ولد يونس".
تبسم يوسف يتذكر قبل قليل حين رأى غالب يتسحب كلصوص ويدخل إلى غرفة نرجس. في البداية تعجب يوسف وفضوله ساقه ليعرف السبب. فتح الباب بهدوء ورابه ليرى غالب يجلس يتحدث مع حسين النائم ويقبله. حتى إنه حين نام حسين حمله ووضع له تلك اللهاية. وحين هدأ ووضعه مرة أخرى بالفراش وخرج يتسحب بهدوء كما دخل.
زفرت رشيدة نفسها وتحدثت قائلة ليوسف:
"طيب أمي نرجس مجتش معاك ليه؟"
رد يوسف:
"في ستات أغراب جايين عشان العزا. وهي وياسمين استقبلوهم وجالت هتجى عالضهر هي وياسمين".
تعجب يونس قائلاً:
"ودول جايين يعزوا في مين؟"
رد يوسف حزيناً:
"سارة. ربنا رحمها".
تنهد يونس بحزن قائلاً:
"البقاء لله".
غيرت رشيدة الحديث قائلة:
"أمال أيه اللي معاكي في السبت (شنطة أو وعاء مصنوع من الخوص) ده يا أماي؟"
ردت نوّارة:
"ده وكل ليكِ عشان ترمي عضمك شوية. أنتي محتاجة للوكل وللراحة بعد..."
قبل أن تكمل نرجس تحدثت رشيدة:
"ومين له نفس يا أماي؟ وبعدين أنا زينة أها جدامك".
نظرت نوّارة لها. لا تعرف لما رشيدة لديها خوف أن يعلم يونس أنها أجهضت.
عقب صلاة الظهر بالمقابر. وقف الشيخ أيمن يُلقي خطبة صغيرة قبل دفن جثمان أمجد. كانت الخطبة عن آثار المخدرات وكيفية النجاة منها بالاتجاه إلى الله والتضرع إليه واللجوء إليه بأوقات المحنة لا بالاتجاه إلى مذهبات العقل للمساعدة على نسيان الهم والكرب. وتربية الأبناء بطريقة صحيحة وأن الأب هو القدوة لولده. لابد أن يكون قدوة حسنة أمامه. كان ناجي عقله سارح بفراق ولده الوحيد. لم ينتبه لخطبة الشيخ أيمن. لكن أهل النجع وصلت لهم الرسالة التي كان يريدها الشيخ أيمن وهي أن تلك المذهبات بالعقل قد تقتل أحياناً كثيرة. بينما اللجوء إلى الله يحيي القلوب.
بالمشفى. بعد أن غادر يوسف ويُسر ونواره. وظلت رشيدة وحدها مع يونس الذي غفى قليلاً. كانت تسير ذهاباً وإياباً بالغرفة. إلى أن سمعت طرقاً على الباب. فتحت سريعاً بلهفة. زالت حين وجدت الطبيب أمامها.
تحدث الطبيب مبتسماً:
"أنا جاي أطمن على العمده".
تجنبت قائلة:
"اتفضل يا دكتور".
دخل الدكتور وقام بفحص يونس الذي استيقظ. تحدث الطبيب بمهنية قائلاً:
"لأ الحمد لله في تقدم ملحوظ. واضح إن وجود المدام جنبك مفيد لك".
تبسم يونس.
تحدثت رشيدة:
"وأمتى هيخرج من هنا يا دكتور؟"
تبسم الطبيب قائلاً:
"لأ لسه شوية على ما أقرر الخروج. العمده إصابته مش بسيطة. مش أقل من أسبوع. وكمان بعد خروجه من المستشفى لازم الراحة لمدة. مع إني في رأيي إنك كمان محتاجة لراحة لأن عرفت إنك كنتي تعبانة كمان. وبعد اللي حصل أكيد محتاجة للراحة".
تحدثت رشيدة سريعاً:
"أنا الحمد لله كويسة. ده كان حبة إجهاد".
نظر لها الطبيب بتعجب. لكن لا شأن له. تمنى ليونس الشفاء وغادر.
تحدث يونس قائلاً:
"أنتي كنتي عيانة؟ شكلك كده. طيب لما كنتي عيانة ليه مروحتيش ترتاحي؟"
ردت رشيدة:
"أنا مرتاحة جنبك. مكنتش هبقى مرتاحة وأنا بعيد عنك".
تبسم يونس يقول:
"وأنا كمان لقيت راحتي معاكي".
تبسمت رشيدة له تنظر لعينيه المجهدة من الألم. تشعر أن جسدها يؤلمها مثله تماماً. ظلا سارحان بعيني بعضهما صامتان. إلى أن دق الباب ليفيقا. ذهبت رشيدة وفتحت الباب. تنهدت براحة حين وجدت ياسمين أمامها تحمل صغيرها. سرعان ما أخذته من يدها وقبلته وضمتها بلهفة. تبسمت ياسمين وهي تدخل خلف رشيدة إلى داخل الغرفة.
تحدثت بمرح قائلة:
"والله غلبنا. وفي الأخر مرات عمي نرجس قالت لي خديه وديه لرشيدة معاكي وأنتي رايحة المستشفى. وهي هتيجي المسا عشان تبات هي مع يونس الليلة وتبدل معاكي".
ردت رشيدة:
"لاه أنا هفضل مع يونس لحد ما يخرج من المستشفى".
تبسمت ياسمين قائلة:
"على راحتك. أنا ماليش دعوة. ابقي اتصرفي معاها".
توجهت ياسمين بنظرها إلى يونس قائلة:
"حمد لله على سلامتك. ربنا يتمم شفاك".
تبسم يونس قائلاً:
"متشكر يا ياسمين".
لكن وقفت رشيدة مندهشة من ذلك الذي دخل تواً يُلقي السلام قائلاً:
"سلامو عليكم".
ردت رشيدة بخفوت:
"عليكم السلام".
بينما يونس رد السلام عليه باستغراب. ثم تحدث قائلاً:
"أهلاً يا عمي غالب".
شعر غالب بانشراح في قلبه وهو يرى يونس يتحدث. رغم تألمه لرقدته بهذا المنظر بالفراش. ولكن يكفي أنه عاد للحياة. ومع الأيام سيشفى.
تحدث قائلاً بود:
"كيفك يا ولدي اليوم؟"
رد يونس:
"الحمد لله".
تحدث غالب قائلاً:
"يستاهل الحمد. ربنا يتمم شفاك ويرجعك سالم لولدك ومرتك".
قال غالب هذا وهو ينظر إلى رشيدة التي تبسمت له. جلس غالب قليلاً يتجاذب الحديث مع يونس. بينما رشيدة كانت تتحدث مع ياسمين التي تشاغب الصغير الذي يتذمر منها.
بعد قليل نهض غالب قائلاً:
"زيارة المريض لازمن تكون قصيرة. ربنا يشفيك ويعافيك. أنا لازمن أرجع الدوار. هبجي أجيب لك تاني. وكمان عمك عواد بيسلم عليك".
رد يونس:
"تنور يا عمي. وكمان سلملي على عمي عواد وعزيه بالنيابة عني".
أومأ غالب له رأسه بدون كلام. نهضت ياسمين هي الأخرى متحدثة:
"خديني معاك يا أبوي".
تحدث غالب قائلاً:
"يلا يا بتي. خليهم يرتاحوا شوية".
نظر غالب لرشيدة متحدثاً يقول:
"حمد لله على سلامتك وربنا يعوض عليكم".
تلبكت رشيدة ولم ترد. أومأ غالب لها رأسه ثم خرج وتبعته ياسمين وأغلقت خلفها الباب.
تعجب يونس ماذا يقصد عمه بقوله يعوض عليكم. تحدث قائلاً:
"عمي قصدة إيه؟ بيعوض عليكم؟"
ردت رشيدة بتوهية:
"أكيد قصده ربنا يشفيك. أنا هقعد هنا عالكنبة دي. أرضع حسين. أكيد جعان".
جلست رشيدة على تلك الأريكة تضم صغيرها تطعمه. لم تستطع رفع عينيها تنظر ليونس. يونس الذي يشعر بأن رشيدة تخفي عنه شيئاً. لكن لعدم قدرته الصحية لن يضغط عليها.
دخل صفوان إلى المنزل. نهضت نوّارة قائلة:
"صفوان بيقولوا دفنوا جثة أمجد ابن ناجي الغريب بعد صلاة الظهر. وعساكر وضابط المركز كانوا هناك. مشيوا ولا لسه في النجع؟"
رد صفوان بهدوء:
"عادي يا أماي. والظابط والعساكر مشيوا بعد الدفنة".
"ليه بتسألي؟"
ردت نوّارة بلجلجة:
"مفيش بس بسأل".
رد صفوان وهو يقترب من نوّارة:
"متخافيش يا أماي. أنا عارف إنك خايفة على يُسر. وأنك سمعتنا يوم ما غابت يُسر عن المدرسة. أنا شوفتك والباب كان موارب. أنا فضلت في الدفنة لحد العساكر ما مشيوا. وفضل الظابط واقف شوية مع الشيخ أيمن يتحدثوا. وبعدها مشي هو كمان. وسألت الشيخ أيمن بعدها جولت له هو الحكومة شاكة في موت أمجد؟ جالي لأ. الظابط جالي إنها جرعة مخدرات. سبحان الله كيف ما بيقتل الشباب بالمخدرات. ربنا عمل في ولده الوحيد. بس هما نازلين عشان لو حصل شغب مش أكتر".
تنهدت نوّارة بارتياح وتحدثت بسؤال:
"طيب والسكينة اللي يُسر جالت عليها ملقوهاش كيف؟"
رد صفوان:
"ممكن تكون انطرت بعيد. أو حتى الأسطبل فيه قش وتبن والهوا طيرهم عليها. أو حتى لو لقوها ممكن يفكروا إنها بتاعة أمجد خصوصاً إنهم بيقولوا مفيش آثار لعملية قتل. اطمني يا أماي. يُسر معملتش حاجة تتعاقب عليها. ابعدي الخوف عن جلبك. أنا حاسس بيكي وشايفك وأنتي داخلة تنامي جنب يُسر بالليل. خلاص يا أماي شيلي الخوف من قلبك. أمجد الغريب انتهى من الحياة".
بالمشفى. مساءً. رفضت رشيدة أن تترك يونس وتظل معه نرجس. وظلت هي جواره وأخذت نرجس الصغير معها وغادرت. كادت نرجس أن تقول له أن رشيدة تحتاج للراحة. فهي أجهضت منذ يومان. لكن إشارة من رشيدة جعلتها تصمت. ولكن أخذ يونس باله لمرة أخرى. هناك شيء تخفيه رشيدة لا تريده أن يعلم به. لماذا؟
بدأت تمر الأيام. بعد عدة أيام. استمثل يونس للشفاء. طلب يونس من الطبيب أن يسمح له بالخروج من المشفى وتكملة العلاج بداره. وافق الطبيب وكتب له إذن بالخروج من المشفى. ذهبت رشيدة برفقة يوسف إلى إدارة المشفى لتخليص بعض الإجراءات. بينما بالغرفة ظلت نرجس تساعد يونس في ارتداء ملابسه. تقابلت رشيدة ويوسف مع غالب أثناء عودتهما للغرفة. ودخلوا سوياً إلى الغرفة.
تبسم غالب حين رأى يونس يقف يسند على الفراش. تبسم يوسف يقول بمرح:
"نسينا نجيب لك معانا مقعد متحرك. هنزل أجيب لك واحد بسرعة".
تحدث يونس قائلاً:
"لأ متشكر. هقدر أمشي ومعايا عكاز طبي".
أقتربت منه رشيدة سريعاً ووقفت جنبه تقول:
"اسند عليا".
تحدث يونس بتعصب عليها قائلاً:
"جولت هقدر أمشي وأنا ساند على العكاز. خلاص مش محتاج مساعدتك. أنا مش عاجز".
استغربت رشيدة طريقته في الحديث إليها لأول مرة يرد عليها بتعصب هكذا. لكن عذرته لمرضه. بينما تحدث يوسف بمزح قائلاً:
"سيبه يا رشيدة يمشي. إن وقع أحنا لسه في المستشفى. يتصرفوا هما معاه بقى والدكتور يلغي تصريح الخروج".
نظر يونس ليوسف بسخط ولم يرد عليه. رغم شعور يونس بالألم من ساقه المصابة. لكن سار يستند على العكاز الطبي. سارت إلى جواره رشيدة ومدت يدها لتسنده. لكنه نفض يدها عنه بقوة متحدثاً:
"جولت هعرف أمشي. مش محتاج مساعدتك. وفريها".
نظرت له رشيدة دون تحدث. ولكن حزنت لثاني مرة يتعصب عليها.
بعد قليل. بدار يونس. دخل يونس بصحبة نرجس ويوسف ورشيدة. استقبلته نوّارة التي تحمل حسين مبتسمة قائلة:
"حمد لله على سلامتك. نورت دارك".
رد يونس وهو يميل يقبل وجنة صغيره التي تحمله:
"متشكر جوي".
تحدثت رشيدة قائلة:
"الدكتور جالي مالوش بلاش الوقوف على رجلك كتير. لازمن ترتاح. خليني أساعده تطلع لفوق".
رد يونس قائلاً:
"متشكر. يوسف هيساعدني".
أقترب يوسف وقام بإسناد يونس والذهاب معه إلى غرفته. بينما رشيدة شارده تشعر بغصة بقلبها. ما السبب لرفضه مساعدتها له؟ مالذي حدث له فجأة؟ طوال الأيام الماضية كانت جواره بالمستشفى يطلب منها أي مساعدة. فاقت حين بكى حسين. تحدثت نوّارة لها:
"خدي ولدك. أكيد جعان. ده كان بيغلبنا على ما يرضى ياخد الرضعة. الحمد لله رجعتي له تنذكر وممتعادش تاني. وربنا يكمل شفا يونس".
آمنت على دعائها نرجس وقالت:
"أمين. ربنا ما يجيب حاجة سيئة تاني. أنا هروح للدوار شوية وهرجع تاني".
بعد قليل. دخلت رشيدة للغرفة وجدت يونس نائم. وضعت صغيرها النائم بفراشه ودثرته بالغطاء. لكن اندهشت حين سمعت يونس من خلفها يقول:
"كنتي حامل وأجهضتي. ده اللي مخبياه عليا. مش كده؟"
استقامت رشيدة عن مهد الصغير. لكن ما زالت تعطيه ظهرها. تحدث يونس قائلاً:
"ديري وشك ليا وجولي ليه مخبية عليا".
ابتلعت رشيدة ريقها وأدارت وجهها له ونظرت له دون تحدث لثواني. ثم قالت:
"مش مخبية ولا حاجة. بس صحتك أهم".
نظر يونس لها بحدة وقال:
"وأيه هيحصلي ولو كنت عرفت إنك أجهضتي؟"
ردت رشيدة بلجلجة:
"صحتك أهم عندي من أي شيء".
تبسم يونس بسخرية قائلاً:
"متشكر جوي لخوفك على صحتي. ودلوقتي سيبني. أنا عاوز أبجى لوحدي. عشان صحتي".
كادت رشيدة أن تبكي أمامه. شعر يونس بها. لكن أغمض عينه كي لا يحن لها. خرجت رشيدة من الغرفة وتركته. تنهد يونس حزيناً. لا يعرف سبب لأخفائها عنه الأمر. تذكر حين تركته رشيدة صباحاً مع والداته تساعده في ارتداء ملابسه. تحدث يونس لنرجس:
"أيه اللي رشيدة مخبياه عني وكلكم عارفينه؟"
تلجلجت نرجس:
"هيكون إيه يا ولدي؟"
تحدث يونس قائلاً:
"متأكد إن في شيء حصل لها وأنتم كلكم عارفين ومش عارف ليه مخبين عني. أنا صحتي بجت كويسة".
ردت نرجس:
"ربنا يتم شفاك يا ولدي. هجولك بس بلاش تزعل. كل شيء قدر وربنا هيعوض عليكم بأحسن منه. رشيدة كانت حامل وأجهضت وأنت في العمليات. بس غصب عنها. هي مكنتش تعرف إنها حامل".
أغمض يونس عينه يشعر بألم بقلبه. لكن تحدث قائلاً:
"كل شيء قدر. ودا أمر ربنا".
عاد من تذكره حزيناً لما أخفته عنه وتحملت البقاء معه بالمشفى طوال الأيام الماضية ولم تستريح.
بعد وقت مساءً. نظرت رشيدة إلى يونس النائم. رغم أنها حزينة من معاملته لها. لكن تبسمت وهى تذهب لتنام جواره على الفراش. تنظر لوجهه وهو نائم. غلبها النعاس سريعاً. فتح يونس عيناه ونظر لها وتنهد مبتسماً يقول:
"لازم تحرمي تخفي عني أي شيء".
مرت عدة أيام. تحسنت صحة يونس لحد كبير. كان يونس يتحدث لرشيدة باقتضاب واختصار. لكن هي قد فاض بها. مساءً بغرفتهم. وضعت الصغير بمهده وتحدثت بحدة ليونس الذي يجلس على أحد المقاعد بالغرفة قائلة:
"هتفضل تعاملني بالطريقة دي لحد أمتى؟"
رد ببسمة يخفيها:
"طريقة إيه دي؟ تجصدي إيه؟ مش فاهم".
زفرت رشيدة أنفاسها قائلة:
"طريقة التجاهل".
أقتربت رشيدة وجلست على ساقيها أمام يونس وأمسكت يده قائلة:
"صدقني أنا مكنتش قاصدة أداري عليك. بس أنا خوفت على زعلك لما تعرف. وكمان صحتك مكنتش تتحمل خبر مش كويس. وكمان خوفت تضغط عليا وتقول لي لازمن ترتاحي وتبعدني عنك. وأنا مقدرش أبعد عنك".
تبسم يونس قائلاً:
"ومرواحك لناجي الغريب داره وتهديده له بالسلاح ولو عمي ملحقكيش كنتي جتلته؟"
تعجبت رشيدة قائلة:
"ودي كمان عرفت بيها مين اللي جالك؟"
رد يونس:
"اللي جالي جالك. افرضي ناجي الغريب كان أذاكي. كنت هبجى أنا مبسوط؟ لازمن تفكري في عواقب الأمر قبل ما تعمليه. التسرع في الرد ممكن يكون له عواقب كبيرة".
ردت رشيدة:
"أوعدك بعد كده هفكر. بس صالحني. وأوعدك كمان أعوضك بدستة عيال. لاه كتير. خمسة بس. لاه؟"
تبسم يونس متحدثاً:
"لأ إيه؟ أنا موافق على خمسة بس".
نظرت رشيدة له قائلة:
"كتير".
رد يونس:
"أقل من خمسة مش هقبل. أصالح لك".
تبسمت رشيدة:
"ماشي. خمسة".
ضحك يونس وهو يقف ويجعلها تقف معه قائلاً بخبث وهو يقترب من شفتيها:
"وهو خلينا نبدأ بواحد من الأربعة الناقصين".
تبسمت رشيدة. مال ليقبلها بعشق وهي تلف يديها حول عنقه تشاركه لحظات العشق.
بعد مرور عام تقريباً. بمنزل ناجي الغريب. تجلس همت على الفراش أمامها صورتان لولداها. تنظر لهم بحقد دفين وغليل بقلبها. هزت تقول:
"اتنين من ولادي اندفنوا جدامي. وأنتي يا نرجس فرحانة بواد ولدك التاني. لاه مش هتفرحي كتير المرة دي. أنا مش هستنى حد ياخد بتاري. أنا هخلص عذاب السنين وهدوقه ليكي".
نهضت من على الفراش وفتحت أحد الأدراج وأخرجت ذلك السلاح ووضعته في صدرها وهمت بالخروج من المنزل بملابسها المنزلية.
بعيادة تلك الطبيبة النسائية. وقف غالب يحمل مولود يونس سعيداً به. يهمس له بالأذان والشهادتين في أذنه. كانت تقف لجواره نرجس مبتسمة هي الأخرى.
قالت له:
"هاته بجى يا غالب".
رد غالب وهو يبعد يديه بالمولود عنها قائلاً:
"لاه لسه مشبعتش منه. وبعدين عندك حسين. روحي شيليه".
تبسمت نوّارة الجالسة وكذالك يونس وأيضاً رشيدة.
تحدثت نوّارة:
"هنسميه إيه؟"
ردت رشيدة:
"أنا اللي هسميه".
ردت نرجس:
"وهتسميه إيه؟"
ردت رشيدة:
"هسميه مُحسن".
تبسم يونس بموافقة. نظر غالب للمولود الذي بين يديه. وتحدث قائلاً:
"أهلاً بيك يا محسن ياهلالي".
رفع غالب نظره ليونس قائلاً:
"مجاش الوقت إنك ترجع لدارك تاني يا ولدي. وكفاية بجى بعد".
نظر يونس ل رشيدة ووجدها تبتسم وأومأت رأسها بموافقة. تبسم هو الآخر بموافقة دون رد. فرحت نرجس كثيراً. فأخيراً ستجتمع بحفيديها تحت سقف واحد.
بعد وقت بنفس اليوم. بالدوار. أصوات طلق ناري يسمعها النجع كله. دخلت سيارة إلى الدوار. نزل منها يونس وخلفه. نزلت منها رشيدة وخلفها نرجس التي تحمل المولود ونوّارة التي تحمل حسين. وقف غالب يطلق الرصاص ترحيباً بهم. فرحة عارمة بقلبه. اليوم عاد إلى الدوار ولده بولديه. كان استقبال لملوك. تفاجئ يونس بمن يقف مع المستقبلين. تبسم قائلاً:
"هاشم".
أقبل عليه هاشم يعانقه قائلاً بود:
"مبروك ما جا لك. يتربى في عزك".
تبسم يونس قائلاً:
"عقبالك في القريب إن شاء الله".
كان أيضاً عواد من ضمن المستقبلين. ويوسف ويُسر وياسمين وصفوان. وكذالك الجدة حلمية. ويمسك بيدها يونس الصغير. كانت الفرحة غامرة الجميع. لكن الخبث كان ينتظر. دخلت إلى الدوار تلك الحية القذرة همت. تحدثت بفحيح وهي تنظر ل غالب قائلة:
"نسيت دم ولدك اللي على يد حبيبة واد أخوك. بس أنا منستش. والنهارده هاخد بتاره وأريحه في قبره".
أخرجت من صدرها سلاحاً وأشهرته ووجهته سريعاً إلى رأس ذلك المولود. وقفت رشيدة أمام نرجس وأغمضت عيناها. سمعت دوى انفجار رصاصتان.
رواية يونس وبنت السلطان الفصل الخامس عشر 15 - بقلم سعاد محمد
بالدوار فتحت رشيدة عيناها سريعاً. رأت يوسف يتألم من رصاصة أصابته بمعصمه بالخطأ، والرصاصة الأخرى أصابت معصم يد همت، التي كانت تُشهر بها السلاح. السلاح الذي وقع منها أرضاً. انحنى هاشم سريعاً وأخذه.
رغم ألم يدها، لم تشعر به. نظرت إلى غالب مذهولة. هو أطلق عليها الرصاص. عقلها يكاد يشتعل. ألهذا الحد غالب لا يشعر بها ولا بحرقة قلبها؟ ازدادت شعوراً بالبغض والكُره أكثر حين سمعت غالب ينادي على أحد الغفر الذي حضر، قائلاً له بتعسف: "خد الست همت وصلها لبيتها أو لأي مكان هي عاوزة تروحه، وممنوع تدخل للدوار مرة تانية. خدها من قدامي".
شدها الغفير بقسوة. سارت همت مذهولة مقهورة. قهر السنين تمر أمام عينيها بخيالات ظنت أنها ستتحقق يوماً وتعود لغالب، لكنها كانت خيالات.
شعر يونس بالخوف الشديد. حلمه، بل كابوسه السابق، كاد أن يتحقق. لكن الحقيقة ليست كابوساً. التف الجميع حول يوسف الذي ينزف من يده. كانت عين يوسف سعيدة بيُسر التي تبكي وهي تضع ذلك الشال الأبيض على معصم يوسف تكتم به الدماء.
نظر يوسف لغالب قائلاً: "أنا عاوز أتزوج يُسر يا أبوي، وهي موافقة. اكتب كتابنا مع هاشم وياسمين".
تركت يُسر يده قائلة بخجل: "لأ، إني مش موافقة".
تحدث يوسف: "لأ موافقة يا أبوي، بس بتدلع. متسمعش كلامها".
ضحك الجميع بعد أن كانوا على شفى خطوة واحدة من الحزن. تبدل كل شيء بلحظة. من الخوف للأمان، من الفزع للاطمئنان، من الحزن إلى الفرح الشديد.
تحدث غالب قائلاً: "والله لو الست نوارة وصفوان موافقين على طلبك، معنديش مانع".
رد يوسف: "موافقين". ثم نظر لنواره يكمل حديثه: "صح يا حماتي؟ صح يا نسيبى؟ وافق إلهي تبقى وكيل نيابة. لأ قاضي كبير".
تبسمت نوارة وكذالك صفوان. نظر يوسف لغالب قائلاً: "أهو زي ما قولت لك، أحنا نخلي الفرحة تزيد. رجوع يونس بمراته وولاده للدوار، وكمان كتب كتاب ياسمين وهاشم، وكتب كتابي أنا ويُسر".
ردت يُسر باعتراض: "لأ، أنا مش موافقة. أنا هكمل دراستي الأول".
رد يوسف: "وماله. كمليها وانتي مراتي. دا حتى أنا هساعدك. انتي ناسيه إني خريج ألسن نفس الجامعة يعني. يلا يا جماعة ندخل نشرب الشربات".
تحدث هاشم قائلاً: "وإيدك اللي بتنزف دي مش محتاجة لدكتور؟"
نظر يوسف ليده قائلاً: "والله ما حسيت بها إلا لما اتكلمت. نتصل على الوحدة يبعتوا لنا دكتور. يلا يا جماعة ندخل بلي الشربات يا أنهار بسرعة".
دخل الجميع إلى الدوار والبسمة تزين شفاههم.
بنفس الليلة، بمنزل ناجي الغريب، ضمدت همت يدها. الشر مستعر بقلبها. تتحدث بوعيد: "غالب، استحملت سنين وموت ولدين من ولادي اندفنوا قدامي، والتالت كنت هموته بيدي. كله بسببك انت ونرجس. بس نرجس خلاص هسيبها. لازم آخد تاري وحرقة قلبي منك انت الأول يا غالب".
دخل ناجي عليها الغرفة مذعوراً، وقام بفتح الدولاب وأخذ منه سلاحاً آلياً. تحدثت همت ساخرة: "جيت كيف الجطة الجعانة اللي خايفة تدخل المطبخ تاكل؟ سرقة الحكومة بتطاردك من ناحية، وكمان التجار اللي امسكت ببضاعتهم من ناحية تانية. إيه اللي جابك الليلة؟"
نظر ناجي لها يتحدث بسخرية: "أكيد مش الشوق ليكي". نظر ناجي ليدها المضمومة قائلاً: "فشلتي في حرق قلب نرجس زي كل مرة". ضحكة عالية منه.
تحدثت همت بسخرية: "نرجس حلم عمرك اللي مطلتوش. قتلت جوزها وكنت هتقتل ولدها. نرجس عمرها ما شفتك لأنك مش راجل".
صفعة قوية من ناجي لهمت دون حديث. وضعت همت يدها على وجنتها وأمسكت ذلك السلاح الموضوع على الفراش، قائلة: "كان لازم اقتلك من زمان". أطلقت عليه أكثر من رصاصة أصابته بجسده. ذُهل عقل همت وهي ترى ناجي يهوي أرضاً. ألقت السلاح من يدها ووقفت ترتعش.
لكن ناجي مازال لم يمت والسلاح ملقى أمامه على الأرض. أمسك السلاح وصوبه لقلب همت وأطلق الباقي من الرصاص في السلاح بصدرها، لتهوي قتيلة في الحال ويلحقها ناجي.
بالدوار، زغرودة خرجت بعد أن تم عقد قران هاشم وياسمين. انفجر الجميع ضاحكاً حين نظروا بدهشة: "مين أطلق تلك الزغرودة؟" يوسف هو من أطلقها.
تبسم عواد رغم حزنه على فراق سارة، لكن شعر بفرحة وهو يحتضن هاشم ولده قائلاً: "مبروك يا ولدي".
رد هاشم بود: "متشكر يا بابا".
ذُهل عواد. ماذا سمع؟ قال: "بابا". نظر عواد لغالب بدموع في عينه. تحدث غالب: "قالها يا عواد، مسمعتش غلط".
في ثوانٍ كان عواد يحتضن هاشم مرة أخرى بقوة قائلاً: "ولدي". ثم فتح يده لتأتي ياسمين ويحتضنهما معاً قائلاً: "ولادي". قبل خد ياسمين قائلاً بشكر: "انتي السبب في جمعي مع ولدي من تاني. ربنا يهنيكم ببعض".
أدمعت عين الجميع على منظر عواد. لكن يوسف بدل ذلك، حين اقترب من غالب قائلاً: "إيه يا حاج غالب مش هتحضني انت كمان وتجيب البت يُسر كمان تدفصها في حضنك وأنا معاها؟"
رد غالب بغيظ له قائلاً: "لأ هحضن يُسر بس وانت لأ".
شد غالب يُسر لحضنه وقبل جبهتها مبتسماً. شدها يوسف منه قائلاً: "إيه هي تكية دي؟ أملاك ناس وأنا مسمحلكش".
تبسم الجميع للأفراح التي أتت على وجه ذلك المولود. لقد عادت الفرحة التي فقدت إلى هذا الدوار مرة أخرى معه.
علم أهل النجع بمقتل ناجي الغريب وزوجته. هناك شرذمة أقلية حزنت عليه، ولكن هناك من قال أن اليد التي كانت تخرب في النجع قد انقطعت. اليوم عقيقة مولود عائلة الهلالي، ليس هذا فقط، بل عُرس اثنان من أبنائها. كانت الولائم كثيرة، وأهل النجع هم أصحاب الحضور الطاغي، وأيضاً كبرات المحافظة موجودين.
انتهى العُرس بغرفة هاشم وياسمين. وقفت ياسمين خجلة أمام هاشم بعد أن صلوا. قبل رأسها قائلاً: "حبيتك من أول مرة شوفتك فيها لما عرفنا يونس على بعض. قاومت كتير، لكن بنت الهلالية عشقها فاز".
تبسمت ياسمين بخجل قائلة: "كان العشق موصول يا ابن عمي من نفس المرة حبيتك، بس مقاومت حبك. كنت حابة أغرق في عشق هاشم الهلالي".
مال هاشم ليلتقي شفتيها في قبولات عاشق، ثم ترك شفتيها مغصباً ليتنفسا. تحدث لاهثاً: "ياسمين الهلالي كانت قدر عشق هاشم الهلالي، اللي مفيش منه مهرب. مفيش مهرب من عشق ولاد الهلالية لبعضهم". قال هذا وضمها لصدره، يعود يقبلها ويذهب بها، تاركاً خلفه ماضي مؤلم يتبدل بحاضر ومستقبل سعيد.
بغرفة يوسف، جلس على الفراش ينتظر أن تخرج يُسر التي تأخرت بالحمام. وقف وذهب وقام بطرق باب الحمام قائلاً: "يُسر، اتأخرتي ليه جوه؟" ثم أكمل بمكر: "افتحي وأنا أدخل أساعدك".
ردت يُسر سريعاً: "لأ شكراً. أنا هخرج حالاً، بس دير وشك".
تبسم يوسف بزهو وهو يدير وجهه. خرجت يُسر من الحمام. سمع يوسف صوت إغلاق باب الحمام. عاد بوجهه ينظر إليها. انصدم حين قالت: "أنا سألت في الصيدلية الصيدلي وجالي على كل وسائل منع الحمل، وأنا اخترت الحبوب بس معرفش بتتاخد إمتى. ماتنزل تسأل رشيدة أختي أو أمي أو مرات عمي نرجس. أقول لك إن شاء الله أنهار".
لطم يوسف على خده قائلاً وهو ده اللي قعدك في الحمام المدة دي كلها: "أقولك مالوش لازمة، سيبها على الله".
ردت يُسر: "لأ أنزل أسأل أي واحدة منهم. أنا مش هخلف قبل ما أخلص دراستي كيف ما اتفقنا سابق".
رد يوسف: "أنا لو نزلت من هنا دلوقتي وسألتهم هيبقى شكلي قدامهم إني أهبل. أقولك خدي حباية دلوقتي وبعد كده ابقى اسأليهم انتي بكرة". وضع يوسف حبة بفمها وأعطاها الماء لتبتلعها. وضع الماء وعاد لها مرة أخرى واقترب منها ودون مقدمات جذبها له وقام بتقبيلها، لتذهب معه لرحلة عشق كان هو قائدها ومعلمها.
بالمندرة، جلست رشيدة تحمل مولودها. كان جوارها عبد المحسن ينظر له قائلاً بفرحة. طفل يتحدث بتهته يقول للمولود: "أنا عمك عبو محسن. أنا هحبك زي ما بحب رشيدة ويونس".
رفع عبد المحسن رأسه ونظر لرشيدة متحدثاً بفرحة: "ربنا يبارك لك فيه هو وأخوه العمده. انتي اللي سميتيه على اسمي صح؟"
رد يونس الذي دخل عليهم: "أيوه يا عم عبد المحسن، رشيدة سميته على اسمك. انت كنت مرسال العشق بيني وبين بنت السلطان".
بين أفراح وأطراح، بين من جاء للحياة ببسمة، ومن فارق بدمعة، بين خلاف وتوافق، شد وجذب، مرت سنوات العمر رسمت ذكريات محفورة في القلب، مرسومة من تأثير الزمن على الوجوه. ليصبح الوليد صبياً، والصغير شاباً، والشاب كهلاً. بعد مرور أكثر 24 عاماً.
بمطار سوهاج، عصراً. بصالة الوصول أعلن المذياع الداخلي عن وصول الرحلة الآتية من القاهرة. دخل ذلك الشاب إلى الصالة يجر حقائبه أمامه. تبسم حين رأى من ينتظرونه. أشار لهم بيده. في ثوانٍ كان يقف أمامهم. وضُم من ألقى نفسه عليه وتحدث قائلاً: "وحشتني يا سنسن. آخر مرة شفتك كنت بشورت".
تركه الآخر وعدل من وضعية نظارته قائلاً: "أنا كبرت يا يونس يا ابن عمي. بقيت في تالتة ثانوي وناوي أدخل هندسة إلكترونيات. اسأل العمده إني عقلي فذ".
تبسم يونس وهو يتجه لعمّه. انحنى يقبل يده قائلاً: "وحشتني قوي يا عمده".
تبسم له وجذبه واحتضنه قائلاً: "انت واحشني يا ولدي. حمدلله على سلامتك. كيفك؟"
رد شاب آخر: "كيفه ما هو قدامك أهو. زينة الشباب وكمان فرحة. بعد بكرة الدور والباقي على اللي هيخلل لحد ما الموزة تخلص. طب".
ضحك يونس قائلاً: "بلاش قر. العروسة من نفس فصيلة بنات السلطان وزيهم بنت السلطان". قال هذا واتجه إليه يعانقه قائلاً: "كيفك يا حسين. واحشني".
تبسم حسين: "وانت كمان. بس الإجازة دي أكيد مش هتلحق تشبع مني أنا وأخواتي لأنك هتتجوز بعد بكرة. يابختك يا عم. عقبالي".
تبسم حسن، أصغر أبناء يونس قائلاً: "ده إمتى دي؟ بنت يُسر هطلع عينك على ما تخلص تعليم. كيف عمي يوسف ما قال. مفيش جواز قبل ما تخلص تعليمها. لأ وخالتي يُسر اللي طول عمرها معارضة لعمي يوسف وافقتوا في دي بالذات. وقالت إيه تخلص دراستها قبل الجواز عشان ما تبقاش زيها لما اتجوزت قبل ما تخلص دراسة وانشغلت ببيت وعيال ومحققتش حلمها وبقت مضيفة طيران".
ضحك يونس وهو يضع يده على كتف حسين مواسياً قائلاً: "والله يا ابن عمي نسل بنات السلطان ده عشقه صعب قوي".
رد يونس الكبير قائلاً: "العشق لو مكنش صعب هيزول بسرعة. مش هيتحمل ومع الوقت هتحس بالملل".
صفر حسن قائلاً: "فين ماما؟ ولا أقصدي أم الرجال تيجي تسمع. دي ملكة وسط مملكة رجال الهلالي".
ضحك يونس الصغير قائلاً: "معلمتي الأولى لازم تكون ملكة".
تبسم يونس الكبير قائلاً: "طب بلاش وجعتنا كده في المطار. خلونا نرجع للنجع".
تبسم يونس الصغير قائلاً: "لسه يا عمي محتفظ باللغة الصعيدي دي؟ خلاص انقرضت".
تحدث حسين قائلاً: "ده هو وأم الرجال مبيتكلموش إلا بيها".
تحدث يونس الكبير قائلاً: "التطور والمدنية مش إننا ننسى جديمنا ولا أصولنا، لكن نفضل محافظين عليهم حتى لو بينا".
تبسم يونس الصغير قائلاً: "تمام قولك يا عمي. يلا يا حسين هات الشنط دي".
رد حسين قائلاً: "وأنا مالي؟ هي شنط مين؟ وبعدين فين شنطة العروسة؟ أكيد الحمرة دي".
تبسم يونس قائلاً: "شيل من سكات. ما العروسة أختك في الرضاعة".
تبسم حسين وهو يحمل الحقائب هو وحسن، وكذلك يونس الصغير. بعد قليل بالسيارة التي يقودها حسين، ضحك حسن وهو ينظر إلى يونس قائلاً: "رشيدة بنت خالي حسين دايماً تقول أنا والغبى حسين رضعنا مع بعض من نفس الأمهات، بس أنا أذكى منه. أنا اتخرجت من كلية الزراعة بتقدير امتياز واتعينت معيدة، وهو اتخرج بمقبول، وفي الآخر هو بيستصلح في الأراضي اللي حوالين النجع وعنده مزارع فواكه وخضروات، وأنا يدوب مرتب الجامعة مبيقضيش مواصلاتي، وللأسف بساعده عشان أحسن وضعي العلمي والمالي كمان".
ضحك حسين قائلاً: "لو عاوز كنت بقيت زيها أستاذ جامعي، لكن أنا زي ماما. هي بتحب الأرض والزرع وبس، وزي ما بتقول الحصاد والزرع مش عاوزين علم بس، دول عاوزين خبرة. وهي عندها الخبرة، وكمان متنساش دي اتخرجت من نفس الجامعة، بس للأمانة أنا خدت الجامعة في أربع سنين، إنما ماما خدتها في سبعة، والفضل يرجع للعمده. مكنش راحمها بين العيل والتاني. كانت هتركز في إيه ولا في إيه".
ضحك يونس قائلاً: "عمي كان نفسه في بنت ويسميها رشيدة بنت الهلالي، لكن القدر بقى إنها متجيبش غير رجال. زي ما عمي بيقول علينا رجال الهلالي".
نظر يونس لعمه قائلاً: "متقلقش يا عمي. إن شاء الله أنا اللي هجيب رشيدة الهلالي".
تبسم يونس الكبير قائلاً: "أنا فخور بكل رجال الهلالي، من أولهم أنت. ربنا يرزقك الذرية الصالحة. بقيت دكتور جامعي في الهندسة الإنشائية، وما شاء الله فوز تصميماتك بمسابقة عالمية. فخر للهلالي كلهم".
بالدوار، بغرفة يوسف، وقفت يُسر خلف يوسف تتحدث قائلة: "كتب كتاب بس مفيش جواز ليارا قبل ما تخلص دراستها. لازم تتخرج الأول عشان ما تبقاش زيي".
رد يوسف: "والله هو كتب كتاب دا أنا اللي قولت كده. وبعدين مالك خايفة تبقى زيك في إيه؟"
ردت يُسر: "أنا لو مكنتش اتجوزتك وأنا لسه بدرس، كان زماني بقيت مضيفة طيران ألف العالم. لكن انت ضحكت عليا وبدلت حبوب منع الحمل بحبوب تانية. ولما خلفت مقدرتش أحقق حلمي وأبقى مضيفة طيران".
تحدث يوسف بمكر: "طب بذمتك لو خيروكي، أنا ولا مضيفة طيران دلوقتي هتختاري إيه؟"
ردت يُسر: "هختار مضيفة طيران وأرتاح من المروتان اللي عايشة فيه بسببك انت ويارا وياسين ويسري ولادك".
ابتسم يوسف ووضع يده على خصر يُسر يتحدث بخبث: "ما تسيبك من كتب الكتاب وتعالى نفكر في اسم بحرف الياء للرابع".
نفضت يُسر يده من على خصرها حين دخل أحد أبنائها التوأم يتحدث أحدهم: "بابا، خالي صفوان اتصل عليا وبيقول إن الشيخ حضر ولازم تنزل عشان تبقى وكيل يارا".
تحدث يوسف قائلاً: "وخالك مستعجل قوي ليه؟ كانت بنته روح انزل له، وأنا هحصلك وأقفل الباب وراك".
خرج ابنه. عاد يضع يده على خصر يُسر لكن نفضت يده قائلة: "أنا رايحة أشوف بنتي خلصت لبس ولا لسه. أنا سبتها مع روان بنت ياسمين، والاتنين زي بعض لخمة".
رد يونس عليها: "روان أه لخمة، إنما بنتي يارا معندهاش حاجة اسمها خجل، دي منحرفة".
ضحكت يُسر قائلة: "هتجيبها من بره؟ طالعة لأبوها منحرفة".
بينما بالمندرة، جلس صفوان يرحب بالمأذون ومعه يونس ومعهم أيضاً الثلاث عرسان والشيخ أيمن. تحدث صفوان: "منورنا يا شيخ حسن. والله من زمان مشوفتكش".
رد أيمن: "مشاغلك كتير يا سيادة النائب العام. بتوصلني أخبارك وفخور بيك إنك بتحقق العدل. وكمان سمعت إن ابنك نوار من الأوائل دايماً. ربنا يجعله ذرية صالحة من منبت صالح. وكمان ربنا يبارك لك في عمر الست نوارة".
تبسم صفوان له بامتنان. دخل عواد ومعه أحد أبناء يونس ملقياً عليهم السلام. تحدث قائلاً: "فين البهوات اللي هنكتب كتاب بناتهم؟ بيدلعوا؟ وماله بجاي؟ أنا سايب إشرافي على العمال في المزرعة القبلية بتاعة حسين وجاي وهما هنا نايمين".
تبسم حسين قائلاً: "والله أنت لسه فيك طبع أعضاء مجلس الشعب يا جدي. لازم كلمة اعتراض مش عارف ليه سبت المجلس".
رد عواد: "البرلمان ده نفاق ومنظرة قدام الناس. يا ولدي وأنا مليت منهم وعاوز الحبة اللي فاضلين في عمري أقضيهم بين حبايبي".
رد يونس: "ربنا يطول في عمرك يا عمي".
بعد قليل أتى الجميع. قام المأذون بفتح دفتره ليقوم بعقد قران أبناء الهلالي الثلاث: يونس، رشيدة، حسين السلطان. حسين، يارا، يوسف الهلالي. محسن، روان، هاشم الهلالي.
بمنزل حسين الهلالي، مظاهر الحنة المبهجة. بين رقص النساء ورسم الحناء كانت ليلة سعيدة.
بعد أن عادت النساء من الحنة، ظلت تلك الجميلة بحديقة الدوار. فوجئت بمن جاء ووقف خلفها يقول: "عقبالك يا بنت يُسر، يا زهرة الشتاء".
ردت بسخرية: "لأ يا سونه، انتي لازم تسبقيني الأول. انتي أكبر مني يجي بعشر سنين".
نظر لها ساخراً يشهق: "مين اللي أكبر منك بعشر سنين؟ هما خمسة بس. انتي هتصغري نفسك ولا إيه؟ انتي في فاصلك سنتين في كلية طب وأنا متخرج بقالي أربع سنين".
ردت يارا بسخرية: "أه تصدق. انتي مش من مقامي. إزاي أنا واقفة بتكلم كده معاك؟ انت فاشل وخريج زراعة مع الرأفة، وأنا كلها سنتين و أبقى دكتورة قلب وأوعية دموية". أشارت بأصابع يدها له قائلة: "سلامات يا فاشل".
تحدث حسين بغيظ: "يعيد آخر كلمة؟ فاشل؟ الفاشل ده هو اللي بياكلك السم اللي مش بتبطلي لغ فيه طول ما انتي هنا. وأنا اللي كنت شايل لك حبة توت أحمر. خد. الجميل. بس خسارة فيكي يا بنت يُسر". وأشار لها بإصابعه مثلما فعل سابقاً: "سلامات".
جذبته من مقدمة قميصه قائلة بوداعة: "واه يا واد خالتي. أنت زعلت. دا انت خطيبي وبدلع عليك. هات التوت بقى".
رد بخباثة قائلاً: "خطيبك بس. وكتب الكتاب اللي انكتب الليلة مع يونس ومحسن ده يبقى إيه؟ هات بوسة وأنتي تاخديه".
ردت باندفاع: "بقولك إيه؟ انت هتذلني من أولها؟ لأ. أنت متعرفنيش".
رد عليها: "عارفك يا بنت يُسر. متفكريش إني هبقى هفية زيك عمي. لاه ده متربي هنا في الصعيد. تتعدلي معايا أه".
نظرت يارا له بغيظ تقول: "لا أفتكر انت إني حتى لو عشت عمري كله بالقاهرة إني صعيدية. وخالتي وأمي يبقوا بنات السلطان".
همس حسين لها بجوار أذنها: "وأنا اللي ربتني واحدة من بنات السلطان ويونس الهلالي. احذري مني يا بنت يُسر".
ردت يارا بمكر: "أنا بحب العرق الصعيدي فيك قوي قوي يا واد عمي وواد خالتي. هات بقى التوت وخليني أروح أنام عشان بكرة زفاف. أبقى فايقة".
تبسم حسين وهو يعطي لها التوت التي خطفته منه وجرت قائلة بمشاغبة: "تصبح على خير يا سونه. أنسي العرق الصعيدي. مينفعش معايا".
تبسم يونس قائلاً: "كنت عارف إنك مكارة يا بنت يُسر".
باليوم التالي، صباحاً. بحث يونس الصغير عن أنهار بالدوار. سأل إحدى الخادمات عنها. ردت عليه أنها بغرفة الست نفيسة. ذهب إليها. فتح الباب. تعجب كثيراً. أنهار تجلس أمام نفيسة تطعمها بيدها، ونفيسة بغير عقلها تقول لها كالأطفال: "إنتي سبتيني امبارح من غير عشا وأنا كنت جعانة قوي".
ردت أنهار: "معلش حقك عليا". ردت نفيسة: "خلاص سامحتك، بس متعملهاش تاني".
تذكر يونس الماضي حين كان طفلاً. كانت نفيسة تحرمه من الطعام هي وسارة كعقاب له على أتفه الأخطاء. كانت تعامل أنهار على أنها جارية، وكان أنهار تتحملها من أجل البقاء جواره. يا لسخرية القدر! أصاب نفيسة مرض الخرف، ومن تهتم بها هي أنهار. تحسن لمن أساءت لها يوماً.
مساءً، بإحدى قاعات الأفراح الكبرى بسوهاج. ذهبت رشيدة ويونس إلى كوشة العروسين. انحنت تقبل رشيدة الصغيرة وتهنئها. ثم اقتربت من يونس الصغير الذي انحنى يقبل يدها أمام الجميع، معترفاً بجميل تلك المرأة التي ربته مع أبنائها مثلهم. لم تفرق بينه وبينهم يوماً، بل جعلته كبيرهم.
بين أغاني فلكلورية وشعبية كان الزفاف. تشارك كل فرد من الهلالي مع محبوبته الغناء والمرح. لينتهي الزفاف.
بالدوار، عاد الجميع هالك. لمدة أيام كان التحضير لزفاف يونس وعقد قران اثنان من الهلالي غيره. أرهق الجميع. ذهب كل فرد إلى غرفته ليستريح أخيراً. بينما العروسان دخلا معاً لجناح مخصوص لهم بالدوار، ليبدأ حياة جديدة يشيدها هما الاثنان بالحب والرحمة والتفاهم.
بغرفة يونس الكبير، جلس خلف رشيدة يمشط شعرها. تحدث قائلاً: "لسه رغم الزمن اللي عدى، فاكر أول مرة مشط لك شعرك فيها. ورغم الزمن مفيش لسه شعرة بيضا ظهرت في شعرك".
تبسمت وهي تنظر له في المرآة وتحدثت بدلال: "بس يونس الهلالي شعره كله شاب وبقى أبيض".
تبسم يونس قائلاً: "تعرفي الشعر الأبيض ده بيعجب البنات قوي. انتي مشفتيش البنات في الجامعة معايا بيعملوا إيه".
تبسمت بدلال: "يعملوا اللي يعملوه. واد الهلالي عينه مبشوفش غير بنت السلطان".
أدار يونس وجه رشيدة له يقول: "واد الهلالي عينه وقلبه ملك لأم الرجال. بشكرك على تربيتك لولادنا على الحب والقوة في الحق. كلهم يشرفوا، وكمان يونس الصغير واحتوائك له".
تبسمت رشيدة: "الولاد بيتريقوا عليا أما بقول أم الرجال قدامهم".
تبسم يونس قائلاً: "أنا واحد بحب ألقب مراتي بصفات هي أفضل من تحملها". قال هذا ومال يتذوق نعيم شفتيها الذي يعيشه معها، وحملها ووضعها بالفراش وجثى فوقها متحدثاً بمرح يقول: "تفتكري رشيدة الصغيرة ممكن ترفع على رقبتها سكينة زيك ليلة فرحنا؟"
تبسمت رشيدة وهي تلف يديها حول عنق يونس هامسة تقول: "والله لو اتجوزها بالغصب كيف ما عملت معايا ليها عذرها".
تبسم يونس: "وجوازنا كان بالغصب، بس لما سلمتي لعشقي كان برضاكي".
تبسمت رشيدة قائلة: "كان برضايا يا ابن الهلالي. وقعت بعشقك".
التقط يونس شفاهها يقبلها كأنه لأول مرة يقبلها ويذهب معها لجنة العشق.
بعد وقت نهضت رشيدة من على صدر يونس النائم. نظرت لوجهه بعشق. أنسلتت من بين يديه وتسحبت وأرتدت ملابسها وخرجت من الغرفة.
بعد قليل، كانت تسير بمياه النيل. هبت نسمة هواء قوية. أغمضت عيناها وأستنشقت النسيم. ثم فتحت عيناها تبسمت قائلة: "كنت عارفة إنك هتيجي ورايا".
تبسم وهو يقترب منها قائلاً: "حسيت بيكي لما سبتي حضني وكنت متأكد إنك هتجي لهنا، للمكان اللي اتقابلنا فيه أول مرة".
اقترب يونس منها وضَمها لحضنه يستنشق عبيرها. تحدث بهمس قائلاً: "لما قابلتك هنا أول ما شفتك من بعيد، قلبي قال الجنية دي قدرك. انزل ومتخافش. نزلت للميه ومن غير ما أفكر. كان كل تفكيري إني أشوف وش الجنية دي. ولما قربت منك مشوفتش غير عينيكي. لؤلؤة سودة بتلمع. وريحة نسيم عدت كنت محتاجها عشان أتنفس. ولما اختفيتي من قدامي ندمت إني غمضت عيني. وقولت الجنية دي اختفت في الميه ومش هشوفها تاني. فضلت أحلم بعنيكي وكل ما قرب منك تختفي. لحد ما شفتك في الفرح. سألت مين دي؟ كان الرد دي بنت السلطان. عشقتك أكتر. كان نفسي أشوف باقي ملامحك. لحد يوم ما جيتي الدوار وانكشف وجهه قدامي. ملكة فرعونية طالعة من جدران معبد قديم بعمر النيل. أتمنيت وجتها أخطفك لمكان بعيد وأفضل أغازل فيكي وأتمتع بنظرة عيونك ليا لوحدي".
تبسمت رشيدة قائلة: "بس أنا أول ما حسيت بيك ورايا في النيل بصراحة خوفت أدير لك ليه؟ معرفش. لميت حرامي وغطيت وشي وطلعت من الميه بسرعة ودخلت للعشة. وفضل قلبي يدق جامد. كان نفسي أطلع تاني وأشوفك، بس في شيء منعني. ولما قابلتك في العرس قلبي اتزلزل من مكانه. مع الوقت كنت بتعلق بيك. قلبي بيسحبني ليك. كنت زي الغريق وعشقك كان الشط اللي لجأت ليه".
تبسم يونس وهو ينظر لانعكاس القمر على عيني رشيدة قائلاً: "أنا شايف نفس اللؤلؤة قدامي دلوقتي. أنا بعشقك وهفضل عمري كله أعشق جنيتي. والنيل والقمر هما شهود حكاية عشق يونس وبنت السلطان".